| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأربعاء 28/1/ 2009



نحو أساسيات ستراتيجية جديدة للعمل القومي
في المرحلة القادمة

فاضل رمو

منذ سقوط النظام السابق في عام 2003 شهد العراق عموما حالة جديدة كان قد انقطع عنها منذ تولي صدام حسين دفة الحكم في عام 1979 بصورة خاصة ،الا وهي التعددية السياسية والعمل الحزبي ، فبعد فترة من تولي البعث الحكم في العراق عام 1968 بدأت محاولات لغلق المنافذ وقطع الطرق امام الحريات السياسية لعموم الشعب العراقي ، حيث قام نظام صدام باتخاذ اجراءات وممارسات اصبح من الواضح جدا خلالها من ان حرية العمل السياسي والنشاطات الحزبية اصبحت ممنوعة وحكرا بحزب البعث فقط ، فقد تم ملاحقة الناشطين السياسيين لمختلف الافكار المتقاطعة مع فكر السلطة الحاكمة وملئت السجون والمعتقلات منهم كما نفذت عمليات اغتيالات واعدامات ضد الكثير ممن كانوا يحملون الافكار السياسية الداعية نحو التحرر والمشاركة في السلطة وعدم فسح المجال لظهور نظام الفرد الواحد الذي استطاع ان يتغلب في الاخر ويسرق العراق طيلة 24 عام بصورة تامة .

فبعد سقوط ذلك النظام عام 2003 ظهرت على الساحة السياسية العراقية الجديدة وبصورة واسعة احزاب وتنظيمات متعددة ومتنوعة الى حد ما ، احزاب قديمة واخرى حديثة ، لم يألف عموم الشعب العراقي هذا الامر ولم يستطع ان يهضمه بسهولة بسبب تلك الظروف السوداء التي عاشها في تلك الفترة المنصرمة ، وكذلك فان غالبية القوى والاحزاب السياسية التي ظهرت بعد هذا التاريخ لم تتعامل مع الشعب بشكل عادل وسليم آخذة بنظر الاعتبار ابتعاد الشعب عن هكذا امور لفترة طويلة واعتبارها من المحرمات ، فأناس مثل العراقيين الذين عاشوا فترة طويلة تحت حكم دكتاتوري احادي ليس من السهولة عليهم ان يتفاعلوا مع الواقع الحزبي السياسي الجديد بطريقة تقليدية كشعوب العالم الغربي ذات الخبرة الواسعة والتاريخ الحزبي المستمر، وهذا ليس عيبا ابدا انما حالة حتمية لكل الشعوب التي مرت بما مر به الشعب العراقي ، الم يكن حال الشعب اليوغسلافي مقاربا لاحوال شعبنا عندما سقط الحكم هناك في بداية تسعينيات القرن الماضي ؟ وكذلك بقية شعوب اوربا الشرقية ؟ وحتى روسيا ايضا ، ولكن وفي المقابل فان عموم القوى السياسية ومن بينها قوى الفئات العراقية الوطنية الصغيرة (الاقليات) ، لم يتعاملوا مع الشعب من هذه المسألة وانما مارسوا اللعبة السياسية كما لو كان الشعب متعودا على العمل السياسي ومتدربا عليه.

أنطلاقا من ذلك فقد حدثت العديد من الاخطاء التي من الممكن احصاءها بعد مراجعة معمقة للوقائع التي حدثت خلال الخمس سنوات الماضية ، دفع ثمنها الشعب وكذلك ايضا القوى السياسية العاملة في الساحة ، قد تكون تلك الاخطاء نتيجة حتمية لواقع البلد بصورة عامة أو قد تكون ايضا بسبب قصور الفهم الذي رافق العمل السياسي مابعد فترة سقوط النظام السابق ، أن ما يهمنا الان هو البحث عن سبل المعالجة وليس البحث عن شماعة لتعليق الاخطاء عليها ، فالاخطاء حدثت والصحيح هو ايجاد طريقة لتصحيحها قدر الامكان .

فبعد هذه المقدمة أود ان اعرّج نحو ما يخص شعبنا أو بالاحرى ما تبقى من شعبنا في الوطن ، وهنا عندما اقول شعبنا اقصد مسيحيي العراق من الكلدان والسريان والاشوريين وبقية الفئات الاخرى ( طبعا في وضعي الواوات بين اسماءنا القومية الثلاث والتي قد تظهر أن كل منهم ذات صفة مستقلة عن الاخرى ، قد يطرب لها البعض وقد يرفضها البعض الآخر ، ولكني لا اقصد اي منهما ، بل اني قد وضعت هذه الصيغة كمنطلق اولي وليس كأساس مبدئي ) ، فقد نال شعبنا من مآسي مثل ما نالت بقية فئات الشعب العراقي عموما أن لم يكن اكثر منهم ، حيث حصلت هفوات واخطاء كثيرة في نطاق العمل السياسي التابع لشعبنا وتنظيماته حاله كحال مجمل العملية السياسية التي حصلت في عموم البلد كنتيجة لنفس الامور التي تحدثت عنها انفا ، مما اثّرت تلك الاخطاء على وضع شعبنا فتحول من سيء ( آبان حكم النظام السابق ) الى اسوء خلال الخمس سنوات الماضية من فترة تغيير ذلك النظام وأكبر دليل على هذا الانحدار هو نسبة الهجرة الى الخارج وترك الديار التي حصلت مابعد 2003 ، وبذلك يتحتم على النخب السياسية لشعبنا ان تقوم بمراجعة نقدية ذاتية لمسيرتها من اجل تقليل حجم المساوىء التي يتعرض لها شعبنا ، فهذا هو واجب القوى السياسية الصادقة ، لكي تكون هذه المراجعة المطلوبة اساسا لتغيير النهج نحو تحوّل في المواقف السابقة التي كانت احد اسباب الفشل في تحقيق الامال والطموحات كما ادّت الى حالة الانحدار التي نتحدث عنها الى مواقف أخرى جديدة من شأنها تحقيق طموحات شعبنا .

أن الأساس في أي تغيير أو تصحيح للمسار لابد له من أن يعتمد على المعطيات الواقعية التي كانت عملية أهمالها جزءا كبيرا من الفشل الذي حصل في الواقع السياسي لشعبنا ، وبذلك فلابد لنا اولا من أن نضع أمام اعيننا تلك المعطيات الواقعية الجديدة لشعبنا من أجل ان يتضمن عملنا التصحيحي أو الانقاذي منهجية علمية تضمن تحقيق الهدف المرجو والذي هو التغيير نحو الافضل ، أدناه بعض الملاحظات التي أراها ضرورية لهذا الغرض والتي قد تكون ناقصة ولكني أجتهدت لكي تكون واسعة وضامنة على اكثر ما يمكن من نقاط ذات حجم كبير تغني مشروعنا وتساعده في تحقيق هذا الهدف :

1. الواقع الديني :
كما هو معلوم أن شعبنا يعتنق الدين المسيحي وتمتد جذور هذا الاعتناق بحوالي ال 2000 عام ، أي منذ تأريخ الرسل ، وقد أسست اولى الكنائس المسيحية على ارضنا ، ارض مابين النهرين ، وهو بهذه الناحية يشكل مصدر قوة لدينا بسبب العمق التأريخي الكبير الذي يمتلكه عنصر الدين لدى شعبنا ، ولكن من ناحية أخرى وبسبب الانقسامات المذهبية التي شكّلت جماعات كنسية مستقلة داخل شعبنا منذ فترة غير قليلة ( بعد ان كان شعبنا متوحدا تحت المسمّى الديني لفترة زمنية غير قليلة ايضا) فقد أثّرت هذه الانقسامات سلبا على واقع شعبنا ، فهو الان منقسم على نفسه يتبع على الاقل خمس رئاسات هي الاخرى ينتابها الوهن والضعف الداخلي وعدم الاتفاق ، وبذلك فأن واقعنا الديني من هذه الناحية يشتت شعبنا ويعمل عائقا لتقدمه لما ينتابه من مشاكل متوارثة وحينا آخر يعطي لشعبنا طابعا ذا خصوصية مستقلة من الصعب تجاهلها من قبل الاخرين ، فدينيا وجودنا مضمون ولكنه وجود قلق لكونه مبني على واقع غير متوازن ، وبذلك فأن عنصر الدين لدى شعبنا هو سيف ذو حدين يجب التعامل معه بحذر وأنطلاقا من تجارب الشعوب الاخرى القريبة والبعيدة منّا جغرافيا ، فالانقسامات الكنسية حقيقة أمر قد تشكل خطورة كبيرة على المسيرة السياسية لشعبنا بينما هويتنا الايمانية المسيحية تعتبر عنصرا مهما يميّزنا حضاريا ، كما هنالك مسألة أخرى تزيد مشروعنا القومي تعقيدا الا وهي التسميات الكنسية وتداخلها مع تسميات أمتنا القومية ، فكل كنيسة تقريبا تبنت منذ زمن بعيد أسما من أسماءنا القومية فأصبح التمسك والانتماء الى الكنيسة يفهم ويجسّد خطأ على انه انتماء قومي ، بينما كل ابناء كنائسنا الخمس يحملون ذات الهوية القومية الواحدة .

2. الواقع الاجتماعي :
أن شعبنا كما هو معروف ايضا يعتبر وريثا للاقوام العراقية القديمة التي بنت وأقامت اعظم الحضارات على ارض مابين النهرين من سومرية وآكادية وبابلية وآشورية وكلدانية وآرامية واخيرا السريانية المسيحية ، وبذلك فاننا نتاج كل هذه الاقوام وحضاريا نحمل هوية الحضارات العراقية القديمة ناقلينها من عمق التأريخ الى المستقبل عبر حاضرنا هذا ، وبذلك فان انساننا المسيحي العراقي يحمل خصوصية حضارية متجسدة من واقعه الاجتماعي الجميل الذي يقره الآخر قبل أن يعلنه هو بنفسه ، أن واقعنا الاجتماعي كمسيحيين بمختلف انتماءاتنا الكنسية بالتأكيد هو نتيجة ما نحمله من غنى لميراث حضارات متعددة تأريخية قومية وميراث ديني مسيحي ، حيث استطاع شعبنا من أن يؤسس لمدن حضارية وتجمعات متمدنة يشار لها بالبنان ، ففي السابق استطاع شعبنا ان ينشيء عددا لابأس به من هذه التجمعات في بغداد وكركوك ولكنها أغلبها قد اضمحلت تقريبا وانتهت بسبب ما واجهه شعبنا في السابق من تحديات لم يستطع ان يقاومها فزالت تلك التجمعات والتي بزوالها ضعف واندثر وجودنا القومي مما كان له التأثير السلبي على دورنا السياسي ، ولكن في هذا الوقت ونتيجة للظروف السيئة التي واجهها شعبنا في بغداد والموصل خلال السنوات الخمس الاخيرة وأضطراره للهجرة نحو مناطقنا التأريخية فقد تطوّرت بعض البلدات التابعة لشعبنا هناك لتنطلق فيها نماذج حضارية جديدة كما هو الحال في بغديدا وعنكاوا وتعتبر الاخيرة ذات أهمية خاصة ، حيث تعتبر هذه البلدات أفضل نتاج معاصر لحضارتنا البابلية الاشورية ( العراقية ) ذات الصبغة المسيحية في عصرنا الحديث ومكسب كبير نتيجة للفعل الجماعي المشترك الذي صنعه شعبنا ، ففي عنكاوا والى حد ما في بغديدا تم تحقيق عناصر كثيرة من مسألة التقدم القومي في الجانب الاجتماعي الحضاري لشعبنا ، ومن هذه العناصر هي ( التنوع في الانتماء الكنسي وتجربة التعايش المشترك بين كل فئات شعبنا وكذلك العنصر الاقتصادي المتميز خصوصا في عنكاوا) ، مما اكسب هذه المناطق صفة متطورة لا يمكن تجاوزها ، فمن دون الأخذ بنظر الاعتبار هاتين البلدتين لا يمكن لمشروعنا القومي من أن يتقدم .

3. الواقع الديموغرافي :
أن الثقل الاكبر ذو التأثير العميق على المشروع السياسي القومي لشعبنا هو الوضع الديموغرافي ، فكما هو معلوم أن شعبنا متمركز في بلدات تابعة له وخاصة به منذ زمن سحيق والمنتشرة في مناطق متعددة من بيث نهرين القديمة والتي يمثل جزء منها حاليا محافظات نينوى ودهوك واربيل ، بعد أن زال وجوده نهائيا من منطقة طورعبدين وما يجاورها والتي هي اليوم تحت الحكم التركي وجزء من دولة تركيا ويسكنها تقريبا الاكراد فقط ، وبذلك فأن وجودنا من الناحية الجغرافية اقتصر حاليا على بلدات متوزعة على المحافظات المذكورة والتابعة قسمها الاكبر لاقليم كوردستان العراق والاخرى جزء من محافظة نينوى المرتبطة بالحكومة الاتحادية في المركز ، كما يضاف لها وجود تأريخي في مركز مدينة الموصل وآخر في مركز كركوك لكنه بنسبة ضئيلة جدا ، وتجمعات حديثة في بغداد لا يمكن لاي منها ( في مركز مدينة الموصل وكركوك وبغداد) من ان تشكل ثقلا في المشروع القومي لشعبنا ، وهكذا سيقتصر مشروعنا القومي على البلدات فقط والتي هي ايضا محاطة بقرى عديدة لفئات أخرى تختلف عن شعبنا قوميا ودينيا مثل الايزيديين والشبك والعرب والكورد مما يشكل عائقا آخر امام تحقيق اهدافنا القومية الى حد ما ، كما يضاف الى ذلك ما يحدث من أنحدار في نسبة الكثافة السكانية ونقصان عدد ابناء شعبنا في بلداتنا وقرانا مما يرجح كفة ابناء القرى الاخرى المحيطة ببلداتنا والمنتمين الى تلك الفئات المذكورة والذي بدوره قد يسبب خطرا كبيرا في عائدية عموم المنطقة ، فكما نرى لزيادة نسمة الكورد في منطقتنا تسمت المنطقة بكوردستان ، ولزيادة نسبة العرب في عموم بلاد ما بين النهرين سمي العراق بالبوابة الشرقية للامة العربية وأعتبر قطرا عربيا بينما كان جزءا من الامبراطوريات البابلية والاشورية التي نحن ورثتها ردحا كبيرا من الزمن ، كما لابد لنا ان نذكر من ان قرانا وبلداتنا بصورة عامة منقسمة حسب أنتماءات شعبنا الكنسية فهذه البلدة أو القرية ينتمي ابناءها الى احدى الكنائس السريانية اما الكاثوليكية او الارثوذكسية والاخرى ينتمي ابناءها الى الكنيسة الاثورية و اخرى ينتمي ابناءها الى الكنيسة الكلدانية ، وهذا بدوره يشكل تحديا آخر أمام تحقيق مشروعنا القومي فكما هو معروف هنالك تقاطع بين الرئاسات الكنسية لكنائس شعبنا هذا أن لم نقل بين الرئاسات الفرعية للكنيسة الواحدة ، مما يتطلب الامر الى اقامة مرجعية واسعة لعموم الشعب تتخطى حدود الكنيسة الواحدة لتشمل الشعب كله تعمل من أجل أنجاح أهدافنا القومية التي تتبنى تحقيق طموحات الشعب وضمان بقاء وجوده موحدا على اراضيه التاريخية التي ورثها عن أجداده بناة الحضارة الاولى على ارض مابين النهرين .

4. الواقع السياسي الحزبي :
من المعروف أن الشعوب التي تقع تحت الظلم والمعاناة يظهر من بين افرادها أناس يحملون أفكارا ومشاريعا من شأنها رفع الظلم وتدعو للنضال من اجل تحقيق طموحات الشعب في العيش الكريم ، وهذه الافكار لا تلبث أن تتشكل على صيغة تنظيمات سياسية قد تتطور لتكوّن أحزابا ومنظمات وحركات تعمل أما سرا أو علنا من أجل تحقيق مبادئها التي تأسست من أجلها ، وشعبنا هو أحد هذه الشعوب الذي كوّن عبر تأريخه السياسي القصير نوعا ما احزابا وحركات وتنظيمات حزبية متعددة قد لا تتلائم مع حجمه الصغير قياسا بالشعوب الاخرى كالعربية والكوردية مثلا التي تعيش معه في نفس البلد ( العراق ) . والمتابع للوضع الحزبي السياسي لشعبنا خلال الخمس سنوات الماضية يلاحظ وجود عدد غير قليل من هذه التنظيمات قد يتجاوز العشرة من أحزاب وتنظيمات حزبية سياسية ، يشوب بينها الصراع السياسي كما تحدث فيما بينها بعض التحالفات من أجل تحقيق مكاسب معينة ، أن للتعدد الحزبي مضار وفوائد في نفس الوقت ، فمن مضاره يتحول جزء كبير من النشاط الحزبي لغرض تكريس وجود الحزب وتقوية اركانه مما يقلل من فرص الشعب في تحقيق أهدافه فيؤخر بذلك المشروع القومي لشعبنا وهذا واضح في الكثير من المواقف الحزبية لتنظيمات شعبنا ، ومن جانب آخر فللتعددية الحزبية فائدة كبيرة حيث أنها تضمن عدم أحتكار القرار السياسي بيد شخص واحد أو حزب واحد مما يسهل لظهور دكتاتور وسلطة الفرد ، وهكذا نرى من أنه لابد لنا من أحزاب متنوعة ولكن حسب المعقول تعمل من أجل تحقيق مشروعنا القومي وطموحات شعبنا ،وكذلك لابد لنا أن نشير الى وجود تأثير للمناطقية والانتماء الكنسي في تشكيل هذه المنظمات والاحزاب مما يعيقها ويجعل عملية تحقيق مكاسب لعموم الشعب صعبة من خلالها ، فكما بيّنا أعلاه من أن مشروعنا القومي والمتمثل في تحقيق اهداف شعبنا في العيش الكريم يتطلب عملا شعبيا موحدا متكاملا والاّ لن نستطيع تحقيق أي مكسب من خلال العمل الفردي الفئوي المناطقي لا لعموم الشعب ولا حتى للفئة أو المنطقة الواحدة .

5. الواقع الثقافي :
أن الشعوب التي تحمل غنى حضاريا لابد لها من أن تجسده في مواقف حياتية متنوعة تحافظ على هذا الموروث وتنشره وتبرزه من أجل تكريس وجودها القومي ، فالفن بأنواعه والادب وأقامة المناسبات الثقافية المتنوعة وخصوصا لدينا نحن أبناء بابل وآشور ورثة الحضارات العريقة ، فان هذه الامور تشكل أساسا لا يمكن أهماله في مسيرة البناء القومي والنهضوي ، وشعبنا حقيقة في هذه المسائل لديه الباع الطويل والخبرة الواسعة والسبّاق بين كل شعوب منطقتنا ، ففي الصحافة نحن أول من عمل بهذا المجال وأسس صحف ومجلات متنوعة وكذلك في المسرح وفي الغناء وفي كل انواع الفنون ، ولكن ما يعاب على هذه المرحلة هي الانشغال فقط نحو تبني اسلوب واحد في مسيرة العمل القومي وهو جانب النشاط السياسي غير مبالين بدور الثقافة القومية ومرتكزاتها التي بدونها لا يمكن ان يكتب النجاح لمشروعنا واهدافنا القومية ، فنرى انبراء النخب على المؤتمرات الحزبية والعمل السياسي في تكوين احزاب ومقرات حزبية من دون ايلاء الثقافة ومجالاتها أهتماما لائقا بما تمثله كمقوم اساس من مقومات نهوض الامة وبنيانها ، حيث أن النخب والتجمعات الثقافية الفنية والادبية والتشكيلات المهتمة بالرياضة والشباب والمرأة من شأنها تعميق الوعي القومي لدى شرائح مهمة من الشعب وترسيخ المفاهيم القومية بينهم وتزيد من تماسك الشعب وتوحيده لكي يتم ضمان النجاح لمسيرة مشروعنا القومي .

حقيقة أن المشروع القومي الذي نتبناه ويتبناه الكثير من ناشطينا ونخبنا وقوانا السياسية يسعى نحو تحقيق طموحات الشعب في العيش الكريم على ارض الاباء والاجداد من دون أنتقاص بالكرامة وبمساواة وعدالة مع كافة فئات وأطياف الشعب العراقي عامة ، وكما هو واضح فأن هذا المشروع الذي تنادي به كافة احزاب وتنظيمات شعبنا السياسية مع كل الاسف لم يتحقق منه شيء كثير نتيجة لاخطاء في التقدير نوّهت عنها في مقدمة كلامي هذا وكذلك بسبب تداخل بعض الظروف الموضوعية والذاتية السيئة لعموم العراق الجديد ، ولكن ليس من الصحيح أن ننساق خلف الظروف وندع الريح تأخذنا حيثما تشاء بل علينا أن نبحث عن بديل لخطواتنا وسياستنا آخذين بنظر الاعتبار معطيات المرحلة الراهنة لكي يكون نهجنا سليما محققين بذلك المكاسب التي نسعى اليها ، وهذه النقاط الخمس التي أوردتها والتي قد تكون قاصرة وبحاجة للتطوير ، اعتقد أن النهج السياسي الذي كان سائدا في السنوات الخمس الماضية لم يوليها أهتماما كافيا لا بل هنالك أمور أهملت من قبل قوانا السياسية طوال هذه الفترة ، كما أني أخشى أن تظهر نوايا ومحاولات لتبني خطوات سياسية في المستقبل القريب وجهد جديد للمرحلة القادمة يستخدم نفس النهج القديم الذي لم يحقق نجاحا يذكر وبذلك ستكون خسارة كبيرة ستضاف للخسارات الموجودة اصلا والتي قد تؤدي الى انحدار اكبر في وضع شعبنا من كل النواحي .

ختاما أود أن أؤكد ثانية على مسألة التصحيح في النهج وكذلك في الفكر ، من خلال تبني ستراتيجية جديدة للعمل السياسي القومي بالنسبة لقوانا السياسية وكذلك بالنسبة لناشطينا والنخب المهتمة بالشأن القومي ، فليس من الصحيح أن نفترض أمورا معينة نابعة عن فكر تقليدي لا علاقة له بالواقع الملموس عند ابناء شعبنا الذي يعاني الأمرين في بلداته وقراه ، بل علينا المساهمة في مشروع شعبي موحّد من شأنه تحقيق مكاسب فعلية لشعبنا وتؤكد وجوده القومي كشريك حقيقي في الساحة الوطنية عموما و تشعره بأهمية هذا الوجود كأمة موحّدة حية أصيلة ووريثة للحضارات العراقية .

 


 

free web counter

 

أرشيف المقالات