| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الخميس 28/2/ 2008

 

الحضارة الإنسانية بين التحطيم والضياع
(2)

مازن الياسري

عندما كنت طالباً في المرحلة الإعدادية (الصف الخامس الإعدادي ) على ما اذكر ، وفي أثناء امتحان نهاية العام الدراسي في احد المواد الدراسية قرأ الأستاذ (الأسئلة الامتحانية) وكان من جملتها عبارة (في حضارتي وادي النيل ووادي الرافدين) .. يبدو إن النرجسية الوطنية تحركت عند احد الطلبة فسأل الأستاذ متعجباً (لماذا تقدم الكتب الدراسية حضارة وادي النيل على حضارة وادي الرافدين على الرغم من إن كل الاكتشافات الأثرية أكدت قدم الثانية على الأولى بمئات السنين؟).. يبدو إن معلومات الأستاذ لم تسعفه أو حرارة الجو في القاعة المزدحمة بالطلبة بلا أي جهاز للتبريد قد زادت من حنقه فأكتفى بإجابة الطالب (لا دخل لك بما كتب بالسؤال ، عليك الإجابة فقط).
ومرت الأيام وانتهت الدراسة الإعدادية وبعدها الجامعية و هذا السؤال يمر بخاطري بل ويتشعب من مرحلة لأخرى فلم أقف عند المقارنة بين أسبقية الحضارتين العراقية والمصرية , بل اكتشفت إن الروايات الدينية (اليهودية ، المسيحية والإسلامية) تشير بشكل مباشر وغير مباشر إن هبوط البشر الأول (ادم و حواء) كان في ارض العراق و ليس هناك خلاف على إن تنور الخبز الذي أفاض الماء منه لتطوف الأرض في طوفانها الشهير يتوسط مسجد الكوفة المعظم في العراق .. وأمثلة لا تحصى من الحضارات والديانات والشعوب عاشت هنا وتركت تراثاً لطالما كان ملهماً للإنسانية جمعاء .. ولقرون عاشت بلاد مابين النهرين (ميزوبتاميا) نبراساً يستضيء منه البشر .. وفي ظل كل الاستعراضات التاريخية والمعلومات الأثرية .
لنتوقف عند نقطة هامة جدأً (بوجود كل هذا الرصيد الحضاري الكبير، لماذا كل هذا التجاهل والتهميش الحضاري؟)….
في مرحلة حكم البعث للعراق عرفت البلاد عرفاً جديداً في التعامل مع الحضارة والتراث وهو أسلوب (إنهاض ما يدعمنا وائتلاف ما يعارضنا) لعل النظرية بحاجة لبعض الشرح المبسط .. على المجال التاريخي يسجل التاريخ إن الملك البابلي (نبوخذنصر) قد سبى اليهود من أورشليم إلى بابل حدود 586 ق م ، ولما كان صدام يحاول كسب الاستعطاف العربي بشعاراته الزائفة والتمييزية ضد اليهود فأستلهم من نبوخذنصر ذلك ولعل كثيرون يتذكرون شعار (مهرجان بابل الدولي) الفني سابقاً (من نبوخذنصر إلى صدام حسين بابل تنهض من جديد) ، وعلى الرغم من كل الاهتمام بنبوخذنصر إلا إن صدام تغاضى عن نهاية الملك المذكور لأنها لا تنسجم مع أطروحاته (حيث إن المدونات الدينية التاريخية تذكر إن الملك أصيب بالجنون في مرحلة من حياته واعتنق اليهودية في مراحله الأخيرة على يد النبي دانيال) ولكن هذه التفاصيل لا تروق صدام فلا ذكر لها .. وعلى الرغم من إن (الملك كورش) مؤسس الإمبراطورية الفارسية دخل بابل وضمها لمملكته وأنشئت على الأرض البابلية سلالة حكم ومرحلة حضارية (لا ذكر لها طبعاً) لان العراق خاض حرب مع الجارة إيران .. وحتى على مستوى التاريخ الحديث والمعاصر الحكومات العراقية تعمدت مراراً بالتسقيط والتشهير بالسياسي العراقي الكبير (نوري السعيد) الذي يعد بلا شك من انجح الساسة العراقيون والسبب هو إن الرجل كان يؤمن بربط العراق اقتصادياً وسياسياً بالغرب الليبرالي .. بينما حكومة البعث رفعت من شأن رجل أخر وصوروه بالوطني وابن الشعب وهو (الملك غازي) على الرغم من إن كل المصادر والوثائق التاريخية المدونة والمنقولة تؤكد إن غازي كان مثالاً سيئاً من النواحي الفكرية ، بل وحتى الأخلاقية كما ينقل معظم مؤرخي مرحلته التاريخية و لا يمتلك مدركات سياسية ناضجة .. لكن غازي فعل فعلاً يروق صدام وهو المطالبة بضم الكويت للعراق مما جعل صدام يعتبره رمزاً يستحق أن يزور التاريخ لأجله..
كما إن موضوع سرقات الآثار ، وعدم توفير المستلزمات الضرورية لإدامة التراث الحضاري و الحفاظ عليه ، و عدم إنشاء مراكز للأبحاث تهتم بالواقع الحضاري و التراثي للبلاد .. كل هذه المسببات عمقت من حجم الفجوة الفكرية للحضارة العراقية و ساهمت في ضياع الكثير من كنوزها الفكرية و المادية .
كل هذه الممارسات ساهمت في التضييق والتشويه على الهوية الحضارية للبلاد ، بل و تعدى ذلك التخريب المتعمد أو غير المتعمد للكثير من المواقع التاريخية الهامة .. من مواقع الحفريات ، حيث استعملت اثنان من أقدم كنائس العالم في شمال العراق كمخازن لسلاح الجيش في أواخر القرن الماضي ، وأغلقت و أهملت الكثير من المراقد الدينية والمعالم التاريخية للأسباب سياسية احياناً !!.
الممارسات الحكومية في العراق الحديث و المعاصر ساهمت وبشكل جذري من تهميش التراث الحضاري العراقي ، وعملت على التعاطي مع البلاد بشكل مغلق لا يرتقي للعالمية أضف لذلك تحطيمها لمعالم تاريخية مهمة .. مما أوصل البلاد لمرحلة من الجهل الحضاري وبمرحلة ضياع تاريخي مؤثر .
فهل تاريخ وتراث الشعوب والإنسانية هي من ممتلكات السلطات الحاكمة ؟ لعله أهم سؤال . وأسرعها حسماً للإجابة الدامغة ..
على الرغم من قناعتنا الراسخة إن الإرهاب يسعى لتدمير كل ما هو حضاري أو تراثي ، لكن ما هو دور الأنظمة السياسية في التعامل مع الحضارة و التراث ، من المهم التأكيد على إن الأنظمة السياسية الحاكمة عندما تتعامل مع الحضارة والتراث لابد أن يكون تعاملها لا بكونها مالكاً لهذا التراث أو إن هذا الإرث الحضاري هو ليس احد موارد جهازها الإداري .. إن الحضارة والتراث هو ارث لكل البشرية بلا شك يتشرف به من ينتمي لنفس السلالة البشرية أو البقعة الجغرافية ولكن أهم النقاط هو صون هذه الأمانة .
فعلى الرغم من إن أشهر أثار الإنسانية عراقية إلا أنها تعرض في متاحف أوربا ولما يثار التساؤل لما لا تعود للعراق أثاره ؟ يقال لك لان الحكومة غير مؤهلة للحفاظ عليها .. وللأسف الإجابة صحيحة .. فمتى نجد حكومة تحفظ حضاراتنا وتراثنا ، وتضعه في موقعه الصحيح بالواقع العالمي .. أليس من واجبنا أن نعيد مسلة حمورابي و باب بابل الشهير إلى بلادنا .. أليست هذه الثروات هي من تراثنا ، ثم لماذا الانحياز دائم في كتابة التاريخ ، أليس الواجب أن ينصف كل ما هو حقيقي .. فضياع جزء من التاريخ كسقوط حلقة من سلسلة طويلة ، وسقوط الحلقة يعني تحطم السلسلة بالتالي ضياعها .. فعلى الشعوب و الأنظمة الحاكمة أن تصون وترعى حضارتها و تراثها من التحطيم و الضياع ، بل تسعى لتطويره و نموه فهو مغذي فكري ودافع ايجابي خلاق نحو المستقبل ووارد اقتصادي ضخم يعزز اقتصاد البلاد .. واهم من كل ذلك يحفظ هوية البلاد .

¤ الجزء الاول


 

Counters

 

أرشيف المقالات