نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

السبت 29/7/ 2006

 

أرشيف المقالات

 

هل ينجح المالكي في تنفيذ خطته الأمنية منفرداً؟

 

د. أسعد الخفاجي

أعلن نوري المالكي، رئيس أول حكومة وطنية منتخبة من قبل الشعب ديمقراطياً، فور اكتمال التشكيلة الوزارية، عن خطة أمنية شاملة، تنفذ في العاصمة بغداد، ثم تعمم على جميع المحافظات، بعد ذلك كشف للرأي العام، عن وضع خطة ثانية تحقق المصالحة الوطنية. وأكد نائبه سلام الزوبعي أن من أولويات الخطة الأمنية المعلنة: "الضرب بيد من حديد على كل معاقل الارهاب اينما كانت، وكل من يسعى لتهديد امن العراقيين وحياتهم وانها لن تتهاون في ذلك مع اية جهة". وقوبلت خطتا الرئيس المالكي في استتباب الأمن، وفي تحقيق التصالح الوطني، بترحيب عراقي شامل. ولايسعنا بعد مضي وقت ليس بالقصير، على بدء تنفيذ الخطة الأمنية وخطة المصالحة، إلا الاستفسار عن حظ هذين المشروعين الثوريين، في بلوغ النجاح وطرح الثمار.

ومن المخيب للآمال، أن الميديا الإعلامية نقلت لنا ردود فعل متباينة ومتناقضة إزاء أجندة المالكي في ضمان الأمن والتضامن الوطني. وباعتقادنا أن الخطتين الوليدتين، قد جاءتا بلحدهما معهما، الأمر الذي يجعلنا نستبعد أي بصيص أمل لحياتهما! فلو أجرى أي خبير سياسي تحليلاً سريعاً لواقع الحال، لتوصل إلى النتيجة السلبية نفسها. قبل كل شيء، نعتقد أن جميع أعضاء حكومة المالكي، بمن فيهم أعضاء مجلس الرئاسة، فضلا عن نواب الشعب كلهم، نعم جميع هؤلاء، سوف يعملون للأسف على وأد المشروعين في المهد، أو خلال مدة حضانتهما على أبعد تقدير! فالحكومة، والرئاسة، ومجلس النواب، هم خليط غير متجانس آيديولوجياً ودينياً وطائفياً، فمنهم، كما يتضح لنا من لقاءات فضائية الجزيرة وغيرها، من يتعاطف مع الإرهاب، ويطلق عليه اسم المقاومة الشريفة، ومنهم من يعلن جهاراً عن غضبه لقيام عراق جديد "يرزح تحت الإحتلال الصليبي"، أو "أصبح مزرعة إيرانية"، أو غير ذلك من الأوصاف. ومنهم من ينتمي إلى الأحزاب القومية الإنعزالية، أو الدينية الأصولية، التي لايهمها من الحالة السياسية برمتها، غير تأمين مصالحها ومكاسبها الحزبية الضيقة، ومعاداة المتغيرات الجديدة، الهادفة إلى بناء المجتمع العراقي المدني الموحد ، الضامن لحقوق الإنسان.

وهؤلاء لا يدخرون جهداً، في سعيهم لضمان هيمنتهم الحزبية المطلقة، وانتشار نفوذهم وأفكارهم، التي لم تعد تتلاءم والعصر الحالي، وترفض الانخراط في ركب الحضارة الإنسانية.لانريد بالطبع أن نكون متشائمين في تصوراتنا، حينما نؤشر إلى عناصر الفشل التي تكتنف الخطتين الأمنية والتصالحية، اللتين طرحهما رئيس الوزراء نوري المالكي. فهناك حقائق واضحة رصدناها خلال الأسابيع الماضية، التي تلت تشكيل الحكومة، تتعلق بمواقف رسمية معلنة لمسؤولين بارزين في مجلس الرئاسة، ومجلس الوزرء، ومجلس النواب.

ومن الطريف في الأمر أن "المسؤول"، الذي أعلن عن بدء إطلاق الخطة الأمنية، عاد نفسه بعد يومين من إعلانها، وأبدى تعاطفه عبر الميديا مع "المقاومة"، ما زاد في الطين بلة، وضاعف من غموض الخطة الحكومية ونواياها الحقيقية، وهي مازالت وليدة وحبرها لم ينشف بعد.

لقد عدّ بعض المراقبين السياسيين ذلك التصريح، ضربة موجهة إلى روح الخطة الأمنية للرئيس المالكي، وتجاوزاً لكل بنود قانون مكافحة الإرهاب، ومواد الدستور الذي أقره الشعب! أضف إلى ذلك، جاءت الخطتان فقيرتين في الوضوح والصراحة، مفعمتين بالألغاز والمصطلحات المبهمة.

وبالرغم من ابتهاج المواطنين التواقين إلى الأمن والاستقرار وتوفير اللقمة، بصدور الخطتين، فإن ذلك لم يمنعهم من إصابتهم بالجزع، لعدم فهمهم الكامل لتفاصيلهما وأهدافهما.
ولم تُعرّف الخطتان مثلاً المصطلحات المذكورة فيهما، تعريفاً وافياً صريحاً ، مثل مفاهيم: "الإرهاب ومعاقله"، "أوكار الإرهابيين"، "العناصر المخربة"، "أمن العراقيين"، وغير ذلك من الألفاظ الضبابية الغامضة، التي - للأسف - لم يعد اثنان من العائلة الواحدة في عراقنا الجديد، يتفقان على تفسيرها أو تأويلها. تقضي الخطة الأمنية "بضرب كل معاقل الإرهاب بيد من حديد"، وهذا كلام معقول ومطلوب، ولكن ياترى ما المقصود بالإرهاب، ومن هم الأرهابيون؟

هل يُعد - مثلاً - قتل المواطن العراقي على الهوية الطائفية إرهاباً أم مقاومة؟ وهل يصنف تفجير سيارة مفخخة في سوق عراقي مزدحم بالمتبضعين من النساء والأطفال عملاً تخريبياً ، أم نشاطاً وطنياً لإنهاء الإحتلال؟ وكيف تتعامل الخطتان مع القائمين بأعمال العنف كالذبح والتدمير والخطف، وإطلاق النار على القوات الأمنية الوطنية والصديقة؟ هل هم مقاومون شرفاء، أم مجرمون تنبغي محاسبتهم قضائياً بموجب قوانين مكافحة الإرهاب؟ وهل يُصنف الزرقاوي المقبور وأعوانه، من بقايا زمر الصداميين الفاشست، أو الميليشيات الطائفية والرجعية، هل يصنف هؤلاء كمواطنين صالحين ينبغي الصفح عنهم ، أم خارجين على القانون تجب محاسبتهم؟ والمسجد (السني أو الشيعي)، الذي يأوي مصانع للتفخيخ، أو ملاجئ للتعذيب، هل هو مركز إجرامي ينبغي ملاحقة مستخدميه قضائياً، أم هو دار عبادة ينبغي إحترامه؟ نعلم أن العديد من قادة العراق الجديد، يقيمون الدنيا ولايقعدونها إعلامياً، غداة دهم القوات الأمنية الوطنية أو الصديقة، لمسجد محور إلى مصنع للمفخخات، أو وكر للخطف والإعتداء، بحجة الإعتداء والتجاوز على حرم إسلامي مقدس.

أضف إلى ذلك هناك العديد من قادة العملية السياسية، مازالوا يعدون تطهير الفلوجة من نفوذ القاعدة، تحت حكومة علاوي، إعتداء صارخاً على المدينة الآمنة، ويطالبون جهاراً في البرلمان، محاكمة وزير الدفاع الحالي بجريرة مشاركته في هجوم الفلوجة.
وعندما هجم الجيش العراقي على تلعفر، وصف العديد من القادة السياسيين المشتركين اليوم في الحكومة، تلك العملية بالعدوان المسلح على المواطنين. بينما عزز قادة سياسيون آخرون تلك الحملة، وعدوها إستجابة لإستغاثة المواطنين من الإرهاب والتكفير والتهجير القسري.

ترزح العملية السياسية اليوم، كما هو معروف، تحت عباءة ثقيلة اسمها الخلاف! وهذا الخلاف هو غير "الإختلاف" الموصوف دينياً وشرعياً على أنه "رحمة للأمة"! فالجالسون حالياً تحت قبة البرلمان، الذين انتخبهم فقراء الشعب من العاطلين عن العمل، وذوي الشهداء وضحايا المقابر الجماعية، بحسن نية وثقة عالية بالمستقبل الديمقراطي للبلد، هؤلاء السادة في البدلات الأنيقة، والسيدات المعطرات بالبارفين الباريسي، هم قنابل موقوتة للخلاف والتناحر، قبل أن يكونوا نوابا للشعب العراقي النازف. هؤلاء يستهدفون بعضهم البعض، ويود كل نائب منهم أن يأكل لحم أخيه، الجالس في المقعد المجاور، وهو مذبوح بخنجر طائفي! أجل هذا هو واقع الحال مع معظم القابعين تحت تلك القبة التعددية الأنيقة! فالرجال والنساء الذين نشاهدهم كل يوم عبر عدسات الفضائيات، يلتقون في القاعة الفخمة ليحتسوا الشاي والقهوة ويتناولوا البسكويت والشوكولاتة، ويتبادلوا الإبتسامات الرقيقة، والنكات والإنحناءات، وعبارات "شلونك أغاتي" و"الله بالخير عيوني"، وأحياناً يتبادلون العناق وشد الأكف والعناق والقبل، ويرافقهم عشرات المسلحين مفتولي العضلات القابضين بالدولار، هؤلاء وإن شعّ الود من أوداجهم، فإنهم بالحقيقة مختلفون جذرياً، متكارهون حتى العظم، ومتناقضون بشدة ودون هوادة! إن ما تنقله عدسات التلفزيون، من لقطات ودية متحضرة، ماهو في الحقيقة سوى الثلج الذي يغطي الجمر، الود الذي تحته الحقد، الحاضر البراق الذي يبرقع الماضي البغيض! في الحقيقة يتجسد اختلافهم في كل بند من الدستور، في كل سطر من قانون يصدر عنهم، في تفسير كل ظاهرة سياسية، وتعريف كل مفهوم إجتماعي أو ديني أو ثقافي.

والمخيف في الأمر، أنه لا يلوح لنا في الأفق أي أمل للإتفاق بين هؤلاء ال 275 نائباً ونائبة، الذين كُلفوا بإدارة العملية السياسية، وأوكل إليهم مصير العراق، ولا يوجد مجال لردم الهوة السحيقة، بين ضمائرهم وخطاباتهم وإيديولوجياتهم المتصارعة، طالما كان هناك مساجد تصنع المفخخات، ومجموعات خارج المنطقة الخضراء يشدون على قبضات المدافع والبنادق والراجمات، ويتربصون لأول طفل أو امرأة أو شيخ عجوز، يأتيهم من الطائفة الأخرى أو الدين الآخر، أو الفكر الآخر! فاللون الأسوَد لدى طرف منهم، غدا اليوم لوناً ناصع البياض لدى الطرف الآخر. والإرهاب هنا، أصبح مقاومة هناك، والتصفية الجسدية الطائفية لدى هذا الحزب، صار دفاعاً شرعياً عن الطائفة لدى الحزب الآخر. فالزرقاوي المقبور، ومنظمة القاعدة وأعوانها، هم إرهابيون مجرمون في عيون بعض القادة السياسيين، ومجاهدون يقودون مقاومة الشعب العراقي ضد الكفار والمحتلين لدى بعض آخر من القادة. والميليشيات المسنودة إقليمياً، التي تعادي الناس جزافاً، فتذبح الحلاق والمترجم وبائع النبيذ والشاب غير الملتحي، أو تختطف على الهوية، تلك هي جيش شرعي لدى هذا الطرف، ومنظمات خارجة على القانون والأعراف والأخلاق لدى الأطراف الأخرى.

ومما يحز في النفس أن العراق الجديد، الذي انتفض على جلاديه الصداميين، منقسم اليوم بين مكوناته انقساماً حاداً لا لبس فيه! ونعجب ممن يدعي العكس، ويحاول القفز فوق الحقائق البائنة، والمتاريس المنصوبة، والحراب المشرعة. في الواقع أن ذلك الإنقسام ليس طائفياً أو دينياً، لا قومياً ولا فكرياً، إنما هو انقسام خنادق "الأنا" المقيتة، وتصادم المصالح الشخصية الآنية، للنخب السياسية المستولية على المواقع السياسية، بقوة السلاح واتساع النفوذ، دون الاستناد إلى الكفاءة العلمية، أو السياسية، أو التقنية، أو التميز بالحس الوطني المتفوق.

فالعراقيون اليوم نوعان: الأول ملتزَم من قبل حزب أو ميليشيا أو نخبة أرستقراطية، والنوع الآخر منسلخ عن هؤلاء، مستقل، لامنتم، نراه تائهاً ضائعاً، تتقاذفه موجات الضجيج الإعلامي للأحزاب والميليشيات والنخب المتصارعة والمتآمرة.
فالملتَزمون من المواطنين محميون بالرجال المدججين بالسلاح، بينما الصنف الآخر المستقل "العادي"، أصبح مهملاًً وحيداً يجوب شوارع الاختلاف، وهو الهدف السهل الأكيد للمفخخات، والتصفيات من قبل جميع الأطراف: الإرهاب، والمقاومة، والميليشيات، والحرس الوطني، وأحياناً قوات التحالف أيضاً! والمعروف أن هذا الصنف المغدور، نراه مؤلفاً من المعلم والطبيب والأستاذ والمهندس ، والعامل البسيط والطفل والمرأة والمتقاعد.

لقد أضحى هؤلاء اليوم الأهداف الحيوية، للإرهاب والميليشيات وقوات التحالف، يتعرضون للقتل اليومي، والأذى والتنكيل، القادم صوبه من جميع الإتجاهات.
والسبب هو إصراره على الاستقلال، وعدم التبعية، أو الإنتماء إلى نخبة واصلة، أو عائلة متمكنة، أو حزب مخضرم أو ميليشيا أو مسجد.
فلا خوف اليوم على العراقي، الكردي أو السني أو الشيعي أو المسيحي أو العلماني، الذي تحميه بنادق تلك النخب! نراه كل يوم يفطر مع الوزير، ويتغدى مع السفير، ويتعشى مع الرئيس! أما "المقموع" المستقل الضائع "النكرة"، الذي اختار طريق بناء العراق الجديد كموظف مغمور، أو جندي أو شرطي أو رياضي أو فنان أو صحفي، أو أستاذ أو طبيب، أو سياسي مهني ، فهو إبن أو بنت الشارع الحاشد بالمفخخات، فريسة الميليشيات، والمشتبه به من قبل قوات الأمن الوطنية والصديقة! لا أحد من هؤلاء الأقوياء يرحمه أو يحميه، لأنه "لا أحد" ولا يعرف أحداً من الذين يسكنون المنطقة الخضراء ، ولا ينتمي إلى مجموعة إرهابية أوميليشيا طائفية ، وليس لديه ما يعطيه للوزير أو السفير أو الرئيس،عليه وفي مثل هذه الخارطة السياسية المضطربة، لا أحد بعيد النظر يتوقع نجاح أي من الخطتين، الأمنية أو التصالحية، ولاسبيل إلى الخلاص والإستقرار وضمان الأمن، لا في بغداد ولا في غيرها من المحافظات. إن مشاريع المالكي المعلنة في تحقيق الأمن والتصالح، لا تعدو بنظر المحللين السياسيين الواقعيين، أن تكون حلماً من أحلام العصافير، التي لم يعد لها اليوم غصن آمن في بغداد أو خارج بغداد، تجلس عليه لتغرد للسامعين نغمات الأمن والطمأنينة والأمل! وكل ما نخشاه، بعيداً عن نظرية المؤامرة، أن الإرادة الإقليمية لن تسمح بحلول السلام بين المواطنين في العراق، لأسباب معروفة لدى الجميع، إن إستمرار القتال بين الأخوة في العراق، حتى آخر مواطن، هو صمام الأمان للدول المتعادية مع الولايات المتحدة، وللأنظمة التي لايروق لها قيام نظام ديمقراطي منفتح في المنطقة! فلا عجب إذن ان قرأنا عن إنهماك أكثر من ستين ، في تصنيع السلاح الذي يتزود به الإرهاب في العراق. وهناك منظمات شعبية ورسمية ، ووزراء عديدون في دول المنطقة ، كلها تساند الإرهاب والتخريب بقصد إيقاف عجلة البناء في العراق التعددي الجديد. إن هؤلاء يبعثون بشبابهم المتخلف، كي يذبحوا أطفال العراق تقرباً للعشاء مع النبي، ولكي تتحرر الجولان والضفة والجنوب اللبناني، ولكي يعود مجد الخلافة الراشدية. وطالما ضمت حكومة المالكي "الوطنية" هذا الخليط غير المتجانس من السياسيين، ومادامت قبة البرلمان وبيت الرئيس والسفارة "جايخانات" آمنة، يؤمها رؤساء النخب المتصارعة في الخفاء، ومنهم من يسعى إلى ذبح الأبرياء من فقراء العراق، فلا أمل للعراق في شيء طوباوي إسمه الخطة الأمنية أو مشروع التصالح، لا في بغداد ولا في أية بقعة أخرى من العراق الجريح.