نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الثلاثاء 2/5/ 2006

 

أرشيف المقالات

 

 

محاولة للنسيان.. بشتاشان ملف يجب ان يغلق؟

 

عمار علي

من أجل أزاحة التراث الاستبدادي المتراكم عن بنية الفكر السياسي العراقي الراهن,الذي خلفته الانظمة القمعية و أساليبها الدموية التنكيلية, في مواجهة الرأي المختلف الاعزل. ومن أجل أن لاتتحول هذه الظاهرة الفاسدةالى ممارسة عادية ,وحتى لاتنعكس تأثيرتها على تفكير القوى التي يفترض انها تختلف عن تلك الانظمة التي أغتصبت الحكم طوال التاريخ العراقي المر .يجب ان نؤسس لعقل سياسي حداثي نقدي حر فردي ومستقل .
نسعى من خلاله لتفعيل ثقافة الحوار والتسامح ومعالجة أخطاء الماضي السياسية , وان ندرس تلك الحقب وأسباب ظهور ممارسة القمع والتهميش في بنية العقل العراقي الفكرية وبالذات في بنية النخبة السياسية في شقييها الحاكم والمعارض.والبحث عن بدائل معرفية متحضرة في آلية التفكير وألتامل وألاستنتاج.
لقد غابت الديمقراطية ولغة الحوار والجدل العلمي عن المجتمع العراقي طوال الاعوام السالفة.وسادت لغة التخوين والاتهام والاستصغار.غاب الحوار المستند الى كون الحقيقة هي ملك الجميع, وليس حكرا على فكر او مذهب او عرق او حزب أو قائد أو مرجع . فالحقيقة ونقيضها مبثوثتان في كل الاشياء,هما قطبان لايكتمل أحدهما ألا بوجود ألآخر الضروري ألفاعل في موازنة العملية الديمقراطية وديمومتها والارتقاء بها الى أن تكون جزء من نسيج الفرد وتفكيره العملي وفي نظرته للوقائع.فبدون ثقافة وعقل ديمقراطي لاتتجذر الديمقراطية كو سيلة ومعيار للحكم على كل الظواهرألناشئة في حركةالواقع والمتغيرات المرافقة له.
ويجب ان تكون الديمقراطية الوسيلة الوحيدة والعمليةلحل النزاعات و الازمات والمشاكل بين أطياف المجتمع وقواه السياسية. وخاصة المجتمع العراقي المتعدد الاديان والاعراق والمذاهب والرؤى الافكار.
في بنية كل الاحزاب العراقيةالفكرية والتنظيمية , غلبت المركزية المطلقة. على طبيعة العلاقة بين القيادة المتحكمة بصناعة القرار والتفرد به بطريقة بيروقراطية متعالية و القواعد المحكومة بآليات تراتيبية تعيق التطور الديمقراطي داخل هذه المؤسسات, مما أدى هذ ا الغياب بالقواعد الحزبية اللجوء الى وسائل تعبير ورفض عنيفة لحل هذه الاشكالية الناجمة عن هذا الصراع المحتدم والمؤلم . فحدثت أنشقاقات وتمردات وعداوات لاتنتهي. وأفضت هذه النتائج الى نشوء دكتاتورية القيادة الحزبية المستندة على نزعة التفرد والاستبداد. واحزاب ضعيفة متشظية.

وفي كردستان .
وعلى صعيد العلاقة بين الاحزاب نشأ شكل قلق و هش , يستند على مبدأ ألتسييد و القوة والتعالي وألاستئثار و رفض ألاخر وغياب العقلانية السياسية, بالتعامل مع حل ألازمات الناشئة عن الخلافات بالرؤى الفكرية والتكتيكية. مما خلق مناخ العداء والتوجس بديلا عن مناخ الحوار والاسئلة والمصالح المشتركة والعمل على بناء ثقافة سياسية متسامحة متحاورة ومنفتحة .وبسبب عقدة الاستئثارهذه ساد مناخ من القمع والتطرف والكراهية بين القوى السياسية المختلفة.
وعلى هذا الاساس أتسمت العلاقات بنوع من التوتراليومي الحاد والخوف من الاخر وعدم الثقة بتصريحاته وأفعاله , وأكثر من هذا كانت هناك أغتيالات مشبوهة لم تنتبه لها قيادة الاحزاب بل كانت تنجر بسهولة الى استخدام السلاح كوسيلة للحل.وخاصة بوجود وسيطرة العقلية الفردية والعشائرية المنغلقة والمتشنجة في كل الاطراف, التي لعبت دورا كيبرا في تغذية هذه النزعات و في تخريب العلاقة وتوتير الاوضاع من خلال تصعيد الخطاب الاتهامي التخويني , فأدت هذه السلوكيات التخريبية الى معارك أرهقت التشكيلات العسكري للاحزاب بمعارك لامعنى لها . سوى أراقة الدماء.
ولقد لعب ألنظام المقبوردورا خبيثا في خلق وتصعيد أجواء العداوات بين القوى السياسية في تلك المرحلة.
فنتج عن هذه العقلية السياسية المتخلفة احداث مؤلمة و كانت بشتاشان تجسيدا لروح الثأر والتخلف.والمصالح الضيقة.

ففي 1 آيار3 198.
حدثت في وادي بشتاشان الواقع في قعر قنديل ,مجزرة دموية نفذها الاتحاد الوطني الكردستاني بدعم من قوات النظام المقبور, ضد قوات (جود) التي أنسحبت كالعادة وتركت الشيوعيين في مواجهة غير متكافئة في هذه المعركة المجزرة, وقدم الشيوعيون عشرات الشهداء روت دمائهم ارض كردستان . فكانت ليلة تشبه السبي نهب وحرائق ودخان وانفجارات وأصوات الاستغاثة التي اخترقت أودية بشتاشان.
شهداء وأسرى. وتائهين في مسالك قنديل الرهيب بمسيرات ألم وأنكسار في صحراء الثلج القاحلة.

بشتاشان وصمة عار في التاريخ السياسي العراقي ,علينا معالجة هذا الملف بعقلية الحاضر وليس في السياق الذي حدثت فيه هذه المجزرة.
من المسوؤل عن هذا الالم؟
بتقدير كل الاطراف مسوؤلة عن المجزرة وتتحمل قيادة (أوك) العبء الاكبر عن هذه الالام.
فهي نتاج عقلية سياسية ماكرة , وخليط من كبار الاقطاع ويسار قومي متطرف ذو ميول أنفصالية ومتعصبة.
لقد حدث كل شيء . وألان واقع آخر.
كيف نعالج هذا الملف الدامي ؟
هل ننوح على ماحصل ؟
ام ندين ونحاكم ونقتص من مرتكبي هذه المجزرة؟
هل نكرس ثقافة العداء والعودة الى اجترار الماضي؟
ام نسعى لتأسيس ثقافة الثقة المتبادلة والحوار والتسامح ونسيان الماضي والاستفادة من تجربته الدامية؟
والابتعاد عن ثقافة الاستئثار التي بدأت تتكون الان نتيجة المحاصصة .
أنا احد ضحايا بشتاشان وتحملت مع رفاقي مشاق وعذابات في معاركنا الكثيرة مع (أوك) .
وقلت ان بشتاشان مجزرة حقيقية وهي عار في تاريخ من ارتكبوها. ولكن هل نبقى اسرى هذه المجزرة؟
أن العراق يعيش الان لحظات عصيبة من تاريخه وهو مهدد في تفكيك كيانه الذي انهك من جراء الحروب والحصارات و ثقافة العداء ورفض الاخر ورح الثار العمياء.
لذا اسعى الان وأدعوا العقل المنفتح غير ألثأري الى دراسة التجربة بروح من التسامح والانفتاح و البحث عن بدائل سياسية وفكرية جديدة تفضي ألى استبدال الاساليب القديمة في معالجة الازمات والى فضاء سياسي جديد بعيدا عن القمع وألاقصاء والتهميش.
وادعو الى محاكمة الفكر الذي أدى الى هذه الالام, ولا ادعو الى محاكمة الافراد لانهم زائلون رغم ما ارتكبوه . يركد الفكر حين لايتجدد وحين لايحركه المحترقين بنار االتجديد والأمل .
لم نعد بحاجة الى أعادة أنتاج آليات القمع وألأستبداد وبنفس الوقت لن ننسى ضحايا المراحل السوداء , ولكن من أجل بلادا لا توجد فيها مقابرجماعية وسجون ومشرديين وخائفين ,علينا ان نحكتم للعقل والحكمة والقانون.

لهذا أدعو الى غلق ملف بشتاشان رغم جرحه الغائر. ولكن بعد دراسة المناخ المريض الذي انتج هذه المجزرة.
هي دعوة للتأمل والدراسة وألنسيان.
المجد لشهداء بشتاشان.