| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الثلاثاء 2/9/ 2008

 

الوطن شاشة كومبيوتر..

سعد صلاح خالص

أسوأ ما في الغربة بأنك لا تنفك تعتقد بأنك لا تزال تعرف الوطن ، وبأن التقنيات من قبيل الانترنت وشاشات الفضائيات كافية لأن تنقل لك صورة الوطن وإخبار الوطن ورائحة الوطن، وبأنك في بضع ساعات تطالع فيها الصحف أو دقائق تقضيها أمام شاشات فضائية قد اكتسبت ما يكفي لتحلل وتنظّر وتتفلسف. و سرعان ما تدمن هذا الوطن البديل الذي يصبح على بعد ضغطة زر فحسب.
هكذا هم عراقيو المنافي، والمغتربون عموما، فالوطن قد أختزل في لوحة مفاتيح أو شاشة، وفي أحاديث المقاهي والذكريات التي لا تنفك سنون الغربة تمحوها تدريجيا حتى لا تبقى إلا تلك الصور الانتقائية التي يصنفها العقل الباطن مع مزيج من السيل القادم من الفضاء التلفزيوني والشبكة الالكترونية وأحاديث القادمين والمغادرين، فتبتعد صورة الوطن تدريجيا وتحل محلها صورة الوطن الانتقائي ، الطائفي والإثني، وربما الأيديولوجي، وبكلمات أخرى، الوطن الأصغر.
معضلتنا - نحن أجيال صراعات الأيديولوجيات والأديان وحروب الجملة والمفرق - في أوطان الموت والدمار والأزمات هي أن الوطن الذي نريد لا يتحقق أبدا، فكل يفصّل الوطن على مقاسه ومقاس شعاراته، فمنذ نعومة أظفارنا كان وطن الجميع وهما أضاعته الحروب والإيديولوجيات ولم نكتشف أبدا الوطن البراغماتي الذي يسعنا جميعا ويسع اختلافاتنا. لقد كنا دوما مشروعا، وجزءا من مشروع ما، ولم نتعلم يوما أن نكون وطنا، عراقا، ولذا لم يجد هذا الوطن من يبحث عنه، بل وجد من يبحثون عن مرايا لأنفسهم فيه.
عندما يطيء المرء أرض الوطن الحقيقي، لا الوطن الالكتروني، وعندما تعيد رياح آب اللهّاب المتربة برمجة العقل والمشاعر، وعندما تحتضن الملايين من أهلك اللذين لم تتح لهم فرصة التغرّب، ومن لم يفكر فيه أصلا لأن مقامه من الوطن مقام السمكة من الماء، وعندما تكتشف الكم الأسطوري من الصبر والحب الذي تركته ووليت هاربا متلبسا بوهم كونك الثائر الوحيد على وجه الأرض، عندئذ تعيد اكتشاف الذات والآخرين، وربما حينئذ تدرك جريمة الملايين أمثالك الذين تركوا الوطن فريسة لكل نطيحة ومتردية على وجه البسيطة، ليس لأنهم لا يحبونه، بل لأنهم لم يعرفونه أبدا، بل وقد تدرك شجاعة القلّة، أمثال المرحوم كامل شياع، الذي آثر أن يعود ليحاول إشعال شمعة، عوضا عن الجلوس في نعيم الماء والخضراء والوجه الحسن ليحلل ويفند وربما ليناضل ويقاوم كما فعل ويفعل آخرون.
أشبعنا السلف والمعلمون بمقولات أوطان السيوف والجماجم وأكوام الجثث والحرية الحمراء التي يجب أن نفنى في سبيلها، وقصائد العزة والكرامة التي لن ننالها ما لم نتعفن في المقابر، ولم نكن لنفهم حينئذ الفرق بين الموت في سبيل الوطن وبين ذاك في سبيل مجانين العظمة وعشاق الكراسي وتجار الأفكار. لم يعلمنا أحد حب وطن الزهور والعصافير والجبل والنهر، والاستمتاع بنسيم الصباح وموسيقى المطر. كان الوطن دوما صهوات الخيل وصليل السيوف، وكانت العزة والكرامة تعني دائما جثثا على مد البصر، وهكذا فقد الوطن أبناءه اللذين لم يعرفوه ولم يتسن لهم حتى حبّه، بعد أن سرقت الصهوات والصليل أجمل سنين عمرهم ، ففروا هاربين مفضلين المواطنة الإلكترونية على الجثو في المقابر التي ما انفكت تحفر لهم باسم الأمة تارة، والدين أخرى، والايدولوجيا ثالثة، وتطول القائمة، وسيان، ما دمت ستنتهي جثة في مقابر الوطن. لم يعلمنا أحد قيمة الحياة في سبيل الوطن بعد أن أنشغل الجميع بالموت، فقد كانت التربية المثقلة بالموروث التاريخي والديني والاجتماعي تبحث عن الموت دوما ممجدة قيم الشهادة والحياة البديلة في الفردوس ونبذ الدنيا "الفانية".، فقد خلطوا عمدا عبر التلقين المسّيس المستمر عبر قرون بين مفهومي الوطن والدولة ، فأذابوا ألأول في الثاني، ليصبح الوطن نظاما سياسيا ودكتاتورا معتوها، ولتصبح المواطنة تعبدا في محرابه.
في زيارة قصيرة، ولكنها مكثفة، للعراق،أتضح لي و بصراحة وقحة بأن كل العراق الافتراضي على الانترنت وعبر شاشات الفضائيات عبارة عن كذبة كبيرة، فلا هي تلك الصورة الوردية التي ينقلها البعض، ولا هي تلك الداكنة البائسة الني ينقلها البعض الآخر، إنما هي صورة أي وطن في هذا الجزء من العالم بحلوه ومره، بمصاعبه وأتراحه ، بآماله وأحلامه.
تجلس آلاف مؤلفة من أصحاب الهوية الافتراضية أمام شاشات التلفزيون والكومبيوتر المشتراة على نفقة دافع الضرائب الأوروبي أو الأمريكي أو الكندي معتقدة بأنها تتواصل مع الوطن الوهمي الذي يعكس صور ذواتهم ، سنيا أم شيعيا، إسلاميا أم علمانيا، بعثيا ام ماركسيا. لم يكلف الكثيرون منهم عناء التأمل في أنهم جميعا أقدم وأكبر من هذه المسميات جميعا، وبأنهم على هذه الأرض منذ أن كان العقل البشري الذي أنتج كل هذا بكرا يبحث عن أسرار الحياة والكون، وبأنهم هم من "بلبل الألسن" و كتبوا قصائد وملاحم الحب الأولى، وحين يتأملون في جسامة ما تدفع دول العالم أجمع من تضحيات لانتزاع هذا الوطن منهم، حينئذ فقط سيكتشفون جسامة ما خسروا، وتفاهة "الوطن الالكتروني" البديل الذي لا تراب له، ولا غبارا يلفح الوجوه والأعين حتى يوشك أن يحرقها، ولا حرا لاهبا ولا عرقا مالحا، ولا نسمات من شاطئ دجلة، ولا كأس عرق مسيّح مع الأحبة والخلان، ولا آذان المغرب على الطريقة البغدادية، ولاكباب ولاتكة ولا فشافيش مقرونة بكأس من لبن أربيل الرائق، ولا أهل يسالون عنك وعن صحتك يفرحون لفرحك ويحزنون لحزنك، فقط شاشات صماء تموت بضغطة زر، وحينئذ قد يكتشفون بأن الوطن الحقيقي يستحق عناقا دافئا من القلب كلما تسنى ذلك، ولو لمرة كل بضعة سنوات .
 

free web counter

 

أرشيف المقالات