نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الجمعة 30/6/ 2006

 

أرشيف المقالات

 


الدولة الدينية ضد الدين !

 

محمد العبدلي

لن أتناول الأساس التاريخي لنشوء مصطلح العلمانية فهذا الأمر لم يعد مهما و هو يلهي القارئ عما أعتبرُه جوهريا : أي معنى و ملامح العلمانية و التي اكتسبت ثباتا و وضوحا أغنانا عن الخوض في أصل و نشأة العلمانية و الغوص في الجانب التاريخي الذي رأيت انه غير ضروري في هذه الحالة ، و بوسع القارئ أن يلجأ ، اذا أراد ، الى شبكة الانترنت و ماكنات البحث و خصوصا غوغل ليحصل على ما يريد بيسر . و الأمر الآخر الذي اعتبرته جوهريا و مهما أكثر من الخلفية التاريخية هو مقارنة الوضع الذي عليه الأمور الجوهرية التي تهم الإنسان وحريته و كرامته في كلا النظامين العلماني و الديني و أقصد بالأمور الجوهرية : الحريات الأساسية ، وحرية المرأة و حرية التعبير ، و الديمقراطية و الموقف من الفن والموقف من الديانات الأخرى و ليس ديانة واحدة معتمدة من قبل دولة ما تزعم إنها هي الوحيدة الصحيحة و الشرعية و ما دونها كفر.. الخ .

العلمانية و الديمقراطية
يسعى أعداء الديمقراطية إلى تفنيد العلاقة بين الديمقراطية و العلمانية قائلين " إن هناك أنظمة حكم علمانية و لكنها ديكتاتورية " . و على الرغم من إن هذه العبارة الموضوعة بين قويسات بحد ذاتها صحيحة. إلا أنهم على خطأ فادح حين ينفون العلاقة بين الديمقراطية و العلمانية انطلاقا منها و استنادا عليها . و الحقائق التي تترتب على الإجابة على هذا السؤال و بدقة ستؤدي إلى ما هو عكس ذلك أي :
أولا : إثبات أن لا وجود للديمقراطية بدون علمانية .
و ثانيا : أن لا وجود للديمقراطية بوجود دولة دينية " أي ثيوقراطية " .
فوجود العلمانية لا يعني بالضرورة إن النظام العلماني سيكون ، بشكل أوتوماتيكي ، ديمقراطيا ، ولكن كل نظام ديمقراطي يجب أن يكون علمانيا أولاً و قبل كل شيء ، إذ لا وجود للديمقراطية بدون علمانية .
و أخيرا و ثالثا : العلمانية لا تكفي و حدها لتكوين الديمقراطية رغم إنها أحد شروطها . و لتقريب الصورة نقول أن الهايدروجين هو أحد مكونات الماء ولكن الهايدروجين و حده ليس ماء . لا ماء بدون هايدروجين و لكن الهايدروجين و حده لا يكون ماء .
علينا ، لكي نؤسس ديمقراطية حقيقية ، أن نؤسس لعلمانية حقيقية ، أي أن نفصل الدين عن الدولة و نكفل حرية الأديان ، ولكن علينا أن ندرك في الوقت نفسه أن هذا المكون الأساسي للديمقراطية ، أي العلمانية ، لا يكفي لوحده .
فالحكم الديني هو بالضرورة شكل من أشكال الحق الإلهي ، و بالتالي فإن القائمين عليه يستمدون الحكم و أحكامه من الله الذي يسدد خطاهم كما يدعون ، وهم بذلك ليسوا بحاجة الى الرعية التي لا تدرك ما يضرها مما ينفعها .
و ليس بوسع أي كان أن يعطي مثالا واحدا على دولة ديمقراطية و هي ليست علمانية في الوقت نفسه ، على أن من الصحيح أيضا وجود دولة علمانية بدون ديمقراطية.
إذن : كل دولة ديمقراطية يجب أن تكون علمانية ، ولكن ليست كل دولة علمانية هي ديمقراطية .
هذه هي النتيجة الأولى .

الدولة الدينية ضد الدين ، الدولة العلمانية مع الدين
و التضليل الثاني الذي يسعى أعداء العلمانية إلى استعماله هو قولهم إن العلمانية هي ضد الدين و هذا أيضا غير صحيح بالمرة ، و إنما العكس هو الصحيح تماما ، الدولة الدينية هي التي ضد الدين . و العلمانية ، على عكس ذلك ، تحترم الدين ، فالسلطات في البلدان العلمانية الديمقراطية هي أكثر احتراما للأديان مما في البلدان الدينية أو غير العلمانية ، فالدولة الدينية تدافع عن الدين الذي تتبناه فقط بل و أحيانا عن وجهة نظرها الضيقة أو تفسيرها للدين أو منطق الطائفة ، فالمملكة العربية السعودية تمنع وجود أتباع ديانات أخرى على أراضيها و لا تسمح أيضا بدور العبادة الخاصة بالديانات الأخرى غير الإسلام ، على سبيل المثال ، إذن السعودية ضد الأديان لأنها تدعم دينا واحدا و ليس الأديان كلها، فلا وجود فيها للكنائس أو للمسيحيين أو أي معبد للديانات الأخرى حتى للديانات السماوية المعترف بها شرعا و التي نص عليها القرآن .
لقد قام الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز بطرد أتباع الديانات الأخرى من الجزيرة العربية ، و في الوقت الذي يفترض أن يقتدي المسلمون بالنبي لم يقتد المسلمون في هذه النقطة بالرسول مما يبين الطابع الانتقائي لهذه السنن فالرسول لم يطرد المسيحيين أو أتباع الديانات السماوية من الجزيرة العربية.
و تمنع إيران ، على سبيل المثال ، إقامة مساجد للسنة على أرضيها ، كما أن ليس بوسع حتى المتعاطفين معها أن يقولوا أن أتباع الديانات الأخرى زائدا السنة مثلا يتمتعون بحريات دينية مقارنة بأي دولة علمانية .
و لا يتوقف الأمر عند موقف الدولة الرسمي الذي ربما يكون محكوما باعتبارات دولية و ضغوط من منظمات حقوق الإنسان تجعله بمرور الوقت متساهلا نسبيا ، و هذا التساهل ليس رغبة بالتساهل أو احتراما للأديان الأخرى و لكن خوفا من ضغوطات الرأي العام العالمي . و لكن الدولة الدينية ، في الوقت نفسه ، تفسح المجال لفوضى وخروقات تتمثل في تدخل الأفراد الذين لا يمتلكون صفة قانونية في الأمور الشخصية للمواطن تحت واجهة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و هؤلاء الأفراد " الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر " كما يسمون أنفسهم ، يتعدون على الحريات القانونية و يمنعون أشياء عديدة لم يمنعها القانون و يُكرهون الناس في حياتهم الشخصية على تبني أمور ليس منصوصا عليها في قانون ، و هم يمارسون عملهم ضد امور ظاهرة مثل شرب الخمور أو ملابس النساء في حين يمارسون العديد من الموبقات و المحارم مثل القتل و السرقة و الإختطاف وحز الرقااب . و لكي نقارن ذلك مع الدول الأوربية نجد أن في جميعها بدون استثناء توجد مساجد و حسينيات و معابد لليهود و كنائس ومراكز عبادة أو طقوس للهندوسية أو البوذية ..الخ و الجميع يمارسون طقوسهم بكل حرية و يكسبون أتباعا ، و الدول العلمانية لا تحترم دينا لوحده تتبناه و تدافع عنه ، و إنما تحترم و تدافع عن جميع الأديان . و هي لا تضمن حرية العبادة و ممارسة الطقوس و تأسيس دور عبادة لدين واحد و إنما لجميع الأديان .
إذن الدولة العلمانية تحترم الأديان أكثر من الدولة الدينية .
هذه هي النتيجة الثانية .
بوسع المرء مثلا في دول أوربا أن يعتنق أية ديانة مهما كانت و أن يجد الكتب المقدسة لكل الديانات و بمختلف اللغات في المكتبات ، و بوسعه أيضا أن يمارس الطقوس الخاصة بها و أن يتراجع عنها و يعتنق غيرها دون أن يتعرض للمسائلة و العقاب . فلا قوانين أو أعراف تحاسب " المرتد " عن دينه حتى لو كان قد " ارتد " عن دين الأكثرية .
فمن مع الأديان في هذه الحالة و من هو عدوها ؟ لا شك أن الدولة العلمانية هي أكثر احتراما للأديان . و أن الدولة الدينية هي ضد الدين لأنها تتبنى ، كما قلنا ، دينا واحدا أو وجهة نظر طائفة من طوائف الدين .

العلمانية و التداولية
ـ و النقطة المهمة الأخرى هي إن العلمانيين لا يمنعون وصول الأحزاب الدينية الى السلطة بينما العكس صحيح . أي أن السلطة الدينية و الحكومات الإسلامية تمنع العلماني من الوصول الى الحكم حتى لو حظي بدعم جماهيري ، فالنظام العلماني في تركيا و المنصوص عليه في دستور البلاد لم يمنع الأحزاب الإسلامية من الوصول الى السلطة و احترم إرادة الناس حين اختاروا بواسطة صناديق الاقتراع الأحزاب الإسلامية في أكثر من دورة انتخابية . بينما الدولة الدينية لا تفعل الشيء نفسه ، أي لا توافق حتى على ترشيح العلماني ، فالمرشحون لشغل المواقع الرئيسية في الحكومة في إيران و الأحزاب جميعها لا بد أن تكون إسلامية وتمنع الأحزاب غير الاسلامية من العمل السياسي أو الترشيح في قوائم الانتخابات ، أما في السعودية فلا وجود للأحزاب أصلا ،
النتيجة " العلمانية تحترم خيارات الناس ، بينما الدولة الدينية لا تفعل ذلك .
هذه هي النتيجة الثالثة

العلمانية وحرية المرأة
نقطة أخرى : تفرض الحكومات الدينية الإسلامية الحجاب على النساء بينما الدولة العلمانية تمنح الحق الشخصي في اختيار الحجاب أو السفور على حد سواء ، و تحترم الدولة العلمانية الحرية الشخصية ، بوسع المرأة أن تكون محجبة أو سافرة في البلدان الاوربية و الذي يذهب الى أي عاصمة أو مدينة أوربية فأن بوسعه بسهولة أن يلاحظ العدد الكبير من المحجبات في الشوارع و المحلات و وسائط النقل وفي كل مكان ، في الوقت الذي تفرض الدولة الدينية الحجاب حتى على اتباع الديانات الأخرى و ليس بوسع احد أن ينكر أن ليس من حق النسوة الايرانيات أو نسوة السعودية أن يتخلين عن الحجاب ، بل وحتى أن النساء الأوربيات الزائرات و الصحفيات عليهن أن يضعن شالا على رؤوسهن . و بلغ الامر ذروته أن تمنع المرأة السعودية من قيادة السيارة رغم أن تنقل المرأة بواسطة السيارة أكثر حشمة من التجوال مشيا على القدمين ، و لا أعرف ما هي العلاقة بين الاسلام و منع المرأة من قيادة السيارة فإذا كانت قيادة السيارة حرام بموجب الشريعة فيجب عندئذ أن تكون محرمة على الرجل .
و الحجة غير المقنعة التي يسوقها انصار الحجاب أن المرأة في زمن الرسول كانت ملزمة بالتحجب ، و بالرغم من أن هذا موضع نقاش و شكوك ، و قد كتب عنه الكثير ، أجد نفسي اخاطب انصار الحجاب : اذا كان على المرأة أن تلبس كما في زمن الرسول فلماذا لا تجبر السلطات في إيران و السعودية مثلا الرجال على أن يلبسوا كما في صدر الإسلام ؟ ولماذا ينبغي للمرأة أن تلبس نفس الملابس التي كانت ترتديها في صدر الاسلام بينما لا يحرم على الرجل أن يلبس ملابسا من آخر طراز ؟
هذه الأمثلة و عشرات أخرى لسنا بصدد الإطالة فيها تثبت أن الإسلام يُستعمل انتقائيا من قبل الاسلامييين من أجل تثبيت القيم الذكورية المفروضة على المرأة بإسم الاسلام .
و رب قائل يقول : ما علاقة هذا بالعلمانية ؟ نقول له إن الدولة العلمانية حتى في أشد حالات ترديها لم تجبر المرأة على الحجاب بموجب قانون و لكنها في الوقت نفسه لم تلزم المرأة بالسفور ، و تحترم كلا الخيارين ، ففي زمن النظام السابق في العراق و رغم الحملة الأيمانية لم يحدث أن أكرهت امرأة على الحجاب رغم أن الحملة الإيمانية قد أطلقت العنان لدعاة الظلام و التخلف و في إحراج النساء و تعريضهن للضغط . أما دولة الملالي اليوم في العراق فقد نجحت في ذلك أيما نجاح و نشطت في فرض الحجاب على المرأة رغم إن السلطة ليست خالصة لهم و لو قيض لهم أن يكونوا في مركز القوة الحاسم لأرونا العجب و لما رأينا شطارتهم لا في البناء و لا و في إعادة الاعمار و لا في التنوير ولكن في تحجيب النساء الشيء الوحيد الذي حقق نجاحات باهرة .
ورب معترض آخر يقول : إن الدول الاوربية قد ألزمت النساء المسلمات بالتخلي عن الحجاب ، وهذا الكلام غير صحيح بالمرة ، ذلك إن المنع كان في قاعة الدروس التي يُحرّم فيها ارتداء أي طراز من الملابس يدل الى الانتماء الديني و في هذا منعت الدولة الرموز الدينية بمختلف أشكالها مثل ارتداء الصلبان ..الخ ، كما أن المحكمة العليا في العديد من دول أوربا قد إعترضت على قانون مثل هذا و اعتبرته تدخلا في أمر شخصي ، أما في الحياة اليومية : في الشوارع و الاسواق و أماكن العمل ..الخ فلا أحد بوسعه أن يمنع المرأة من ارتداء الحجاب ، و بمستطاع الذي يزور أي دولة أوربية أن يشاهد الآلاف من المحجبات كل يوم حتى باتت ظاهرة ملفتة للنظر بينما ليس بوسعنا أن نرى إمرأة سافرة واحدة في السعودية أو إيران.
الخلاصة : النساء في الدول الأوربية يلبسن ما يشأن ، و بالإمكان أن تشاهد هنا آخر طراز للملابس الحديثة أو آخر تقليعات الحجاب الإسلامي .
إذن الدولة العلمانية تحترم الحريات الشخصية و الفردية أكثر من الدولة الدينية .
هذه هي النتيجة الرابعة .

من يحارب الفن الدولة العلمانية أم الدولة الدينية
يكرس في العراق الآن موقف معاد للفن بكافة أشكاله ، وبوسع السلطة الجديدة أن تفتخر بأن العراق ليس فيه تقريبا أي شكل من أشكال الفنون و أن الفنانين مهددون في حياتهم و هو ما لم يشاهده العراق في كل عصوره ، فقد حُرم المغنون من الغناء ، ناهيك عن المغنيات اللواتي اذا غنين تكالبت عليهن السكاكين شيعية وسنية ، أما الرقص كفعل تعبيري راقٍ فإنه يعتبر في عرف رجال الدين من مختلف الطوائف عملا داعرا ولم يعد في العراق سوى قاعات عرض قليلة لعرض الأعمال التشكيلية و الفنية و يصعب حتى العثور على لوحات الخط العربي الذي يزخر بالآيات القرآنية إذ أغلقت جميع القاعات أبوابها ، هل هذا بسبب الإرهاب ؟ كما يسأل أحد السائلين أو يعترض أحد المعترضين ؟ عندئذ سأجيب ولكن الإرهاب هو إرهاب إسلامي أيضا و هذا لا يمكن أن يحدث في دولة علمانية مؤسساتية ، كما إني أسأل المعترض بدوري : أليس واجب الحكومة الحالية التي يسيطر على 80% من مقاعدها البرلمانية و وزاراتها الإسلاميون من كلا الطائفتين أن تقاوم الارهاب و تضمن للناس حياتهم و كذلك حقهم في ممارسة الفنون المسرحية و التشكيلية و الموسيقية الخ ؟ ثم هل سمعنا تصريحا واحدا من مسؤول حكومي أو رجل دين يدعو الى دعم الفنون أو على الأقل يدعو الى ترك الفنانين و شأنهم دون تدخل ؟ بالطبع ستكون نكتة مرة أن يدعو رجل دين على الأقل الى أن يترك الفنانون يمارسون فنهم بدون تدخل و بدون قيود أو على الأقل بالحد الذي كانت عليه الحرية في ممارسة الفن في زمن النظام السابق الذي يوصف بأنه ديكتاتوري . ولكي لا أطيل أقول إن الدولة الدينية على النقيض من الدولة العلمانية لا تحمي الفنون و الآداب وحرية التعبير، ولمن نسيَ و دأب على إلقاء اللوم على الإرهاب القاعدي و الوهابي أقول : صحيح إن الارهاب القاعدي كان الصورة الأكثر ظلاما و تخلفا للإرهاب الاسلامي و لكنني لا أعتقد أننا سنسمع في القريب العاجل إن السيد مقتدى الصدر مثلا قام بزيارة معرض للفنون التشكيلية أو أعجبته مقطوعة لموتزارت ( ربما ستعجبه المواقف السياسية المتأخرة لسعدي يوسف فيقرأ أشعاره و لكن هذا سيبقى استثناءا )! أو أن ننسى أن الذي بادر الى الوقوف بوجه حرية التعبير في بواكير انتصار الثورة الإسلامية كان آية الله الخميني حين أصدر حكم الموت على كاتب مثل سلمان رشدي بسبب كتاب . كما أن ليس بوسع أحد أن يقول أن ممارسة الفنون في إيران هي في أحسن حالاتها . كانت القاعدية كإتجاه ظلامي سني هي استجابة للظاهرة الخمينية في الاتجاه الظلامي الشيعي ، ليس لي فخر هذا الاكتشاف ولكن أحد المقالات الألمعية لـ أمير الدراجي قد أشار الى هذا قبلي بمنتهى الصواب .
إذن الدولة العلمانية تدعم و ترعى الفنون ، والدولة الدينية ضد الفنون .
هذه هي النتيجة الخامسة .

هل دولتنا الحالية علمانية أم دينية ؟
ومع ذلك سنجد من يقول و لكن هذه السلبيات التي تلصقها بدولتنا ليس له علاقة بموضوع العلمانية و الدولة الدينية لأن دولتنا ليس دينية .
إن دولتنا الحالية غير قابلة للتعريف لأنها نتاج وضع غير طبيعي ، وهي إضافة الى كونها في طور التكوين فإنها نتاج توازنات قلقة أعقبت حربا مدمرة و انهيار الدولة العراقية السابقة و مؤسساتها ، و الدستور و موازين القوى لم يحددا بشكل حاسم هذا الموضوع أي طابع الدولة ، ولكن من المؤكد أن الاتجاهات الدينية تحظى بنفوذ كبير و حاسم فهي التي تسيطر على كل شيء خارج إقليم كردستان . نجد في الوقت الحاضر إن هذا الإقليم المكان الوحيد الذي يُرعى فيه الفن و الفنانون . أما المناطق التي يسيطر عليها الاتجاه الديني بشكيليه السني و الشيعي فقد انتهت فيه تقريبا كل اشكال الفنون و غادر الفنانون في هجرة أخرى متوزعين على أصقاع الأرض .
و القوى العلمانية الممثلة بالقوى السياسية الكردية و قائمة العراقية ليس بوسعها حسم الأمور و لكن عدم تحديدنا لطابع الدولة العراقي فيما اذا كانت علمانية أم دينية لا يمنعنا من تحديد بعض ملامحها و خصوصا موقفها من الحريات و الثقافة .
فدولتنا الحالية لم تعين حتى ملحق ثقافي واحد في سفاراتها في الخارج و هذا الكلام موجه الى السيد وزير الخارجية ، في حين دعم النظام السابق من خلال سفاراته النشاطات الفنية و طبع العديد من الكتب الأدبية و الفنية و بروشورات المعارض الفنية و تحمل نفقات معارض و مهرجانات تشكيلية و مهرجانات شعرية و عين ادباءا مرموقين في مراكز الملحق الثقافي . هل يهدف النظام السابق الى الدعاية لنفسه ؟ صحيح ! أتفق مع هذا الطرح ، و لم لا ؟ ولكن السؤال : لماذا لا يقوم النظام الحالي بالدعاية لنفسه و بنفس الطريقة ، على الأقل في سبيل التصدي للصورة الدموية و المتخلفة التي تفرضها على وسائل الاعلام العالمية قوى الإرهاب و الميليشيات ؟ ولماذا لا تقوم وزارة الخارجية بتعيين ملحقين ثقافيين في السفارات العراقية في الخارج التي يسيطر على أغلبها الاسلاميون الذين يحضرون بإنتظام و دقة مجالس العزاء و الحسينيات و عمليات طبخ القيمة ، في حين لم يكرسوا حتى ساعة واحدة من أجل النشاطات الثقافية في الخارج ؟ و تزخر سفارات بأشباه الاميين و الجهلة ، أعملوا جردا لحملة الشهادات في سفاراتنا و ستتعرفون على الكارثة حيث الرقم يقترب من الصفر .
رب قائل يقول ولكن دولتنا ليس إسلامية !حسنا ماذا هي إذن ؟ هل هي علمانية ؟ لا ؟ من يسيطر على أغلب الوزارات العلمانيون ؟ أرني إياهم ؟ وزير الخارجية من حزب علماني ؟ هذا صحيح ولكن أليس السفراء و مدراء الدوائر في وزارة الخارجية و وزارة الثقافة هم من الاسلاميين في الغالب ؟ و أن العمل الوحيد الذي قامت به التشكيلة الجديدة للوزارة في الوقت الحالي و في حكومة الجعفري هو استبعاد مفيد الجزائري المثقف الوحيد من الوزارة و تعيين وزير لا يعرف أن الفاعل مرفوع ؟