| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأحد 30/3/ 2008



المرجعيات الدينية واستفتاء العصر

بهاء هادي

لا احد في العراق يغفل ما للمرجعيات الدينية من تأثير يتسع وينحسر تبعا لعوامل كثيرة اهمها طبيعة النظام السياسي القائم في بغداد التي كانت على الدوام تحدد المسافة بينه وبين تلك المرجعيات ,ولا ادل على ذلك من الادوار التي قامت بها المرجعيات الشيعية تحديدا في الاحداث السياسية التي مرت على العراقيين طوال القرن الماضي خاصة في ثورة العشرين وتأسيس الدولة العراقية وثورة تموز وماتلاها من تناحرات سياسية ارتفعت الى مدياتها القصوى بأستحواذ البعث على السلطة بإنقلابه الاسود عام 1963 ومن ثم بالعودة غير المباركة في عام 1968 ,وقد تعرضت المرجعيات نتيجة لاهميتها في تحريك المقلدين وهم السواد الاعظم من العراقيين الى ضغوطات معروفة من قبل السياسيين سعيا لتحجيم دورها في التأثير على المنهاج السياسي للحكومات الساعية لتنفيذ اجنداتها التي كانت على مر عقود القرن الماضي مكرسة لمصالح الفئات المحدودة التي تساند تلك الحكومات وتمتثل لاوامرها وتروج لبرامجها بعيدا عن مصالح الطبقات والفئات المحرومة والفقيرة التي كان نصيبها الفتات من خيرات العراق على مر العصور بإستثناء السنوات الاولى التي اعقبت ثورة تموز المجيدة قبل ان تستشعر القوى المتضررة من الثورة ومشروعها الوطني خطورة ما ستؤل اليه الاوضاع لو استمر حال الوفاق بين قيادة الثورة والوطنيين الحقيقيين الملتفين حولها من اجل مصالح عموم الشعب,فكان قرار سد الطريق والاجهاز على الثورة من قبل عصابات البعث ونظام عبد الناصر ومقاول الموت الامريكي راعي شركات النفط العالمية التي وجهت لها الثورة مقتلا لم يكن في حساباتها آنذاك.
لقد كان من اهم اهداف احزاب الاسلام السياسي الشيعي ومبرر تشكيلها يتمثل في سعيها الى تمكين المرجعية الدينية من اداء دورها القيادي لمقلديها دون مضايقات من قبل السلطات الحاكمة ,لذلك فأن تأسيس المرجع الديني السيد محمد باقر الصدر لحزب الدعوة كان يصب في هذا الاتجاه بعد ان شعر هو والمقربين منه ان هناك ضرورة لانشاء حزب يكون جامعا لمريديه بعيدا عن تأثيرات الاحزاب السياسية العلمانية التي كانت متواجدة بقوة على الساحة العراقية وهي قاب قوسين او ادنى من الوثوب على السلطة وانهاء الحكم الملكي وتأسيس اول جمهورية في العراق تسير بأتجاه قد لا يسمح بعد تطورها ورسوخها بدور مؤثر للحوزة العلمية في النجف ومرجعياتها في اتجاهات البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ,وقد حدث فعلا ان كل الحكومات التي جاءت بعد سقوط النظام الملكي اعتمدت سياسات ليس لها علاقة بما تجتهد المرجعيات الدينية فيه من اقامة نظام يعتمد الاسلام ومفاهيمه في ادارة المؤسسات الحكومية بكل اختصاصاتها ,فكان مبرر العمل السياسي الذي انشئ على اساسه حزب الدعوة قائما طالما بقيت الحوزة الدينية ومرجعياتها في النجف الاشرف خارج حدود السياسة المرسومة في بغداد,حتى جاءت سلطة البعث وهي الاعلم بما سيكون عليه التناقض بينها وبين تلك المرجعيات نتيجة لمخططاتها الاجرامية المرسومة على مراحل في تدمير العراق ,وحين اعتلى المجرم صدام عرش القتل في بغداد قبل ان يعتلي عرش الحكم كرئيس للعصابة البربرية ,كانت قائمة الموت والتصفيات التي اعتمدها شاملة لكل المعارضين لاساليبه الدموية من مختلف التجمعات والاحزاب بغض النظر عن اسسها الفكرية فقد انجز مخططاته الشاملة في تصفية الشيوعيين والاسلاميين والقوميين وحتى الاعضاء القياديين في حزب البعث من غير السائرين تحت مظلته الدموية,ليكون جاهزا لتنفيذ مخططات الراعي الامريكي فكانت الحرب العراقية الايرانية التي اتت على الاخضر واليابس ومهدت نتائجها لغزو الكويت فكان الطريق سالكا للامريكيين للبدء بتنفيذ الفصول المتقدمة من خططهم المعدة سلفا ومنذ عقود للتواجد الدائم في المنطقة,بتدمير البنى التحتية في العراق وفرض شروطهم عبر وثائق الاستسلام التي وقعها حفنة من قادة الجيش العراقي بأوامر من الدكتاتور ثمنا لبقاء نظامه ,لتكون شرارة انطلاق الجموع المذهولة في انتفاضة شعبية عارمة انهت كل مابناه النظام من اجهزة قمعية في اربع عشرة محافظة مع كل قصباتها واريافها خلال ايام ,تسببت في ارباك كل الاطراف من دول الاقليم التي تدخلت بكل امكانياتها لتقنع الامريكان بفسح المجال لصدام واطلاق يده لاخمادها ,فكان كما يعرفوه مجتهدا في التنفيذ وابتكار احدث الاساليب في القتل والتدمير ليرقى الى المدرسة النازية ويكون احد اقطابها.
بعد الافلاس المشين للنظام على جميع الاصعدة لم يبقى له الا ان يلعب اخر اوراقه فكان الاجتهاد هذه المرة هو مايسمى بالحملة الايمانية التي قادها صدام لتكون اخر الملاذات له ولنظامه الآيل للسقوط, وكعادته ارادها حملة ايمانية على مقاساته فأطلق ماتوفر له من امكانيات وهياكل في كل المؤسسات واتباع ليس لهم الا ان يتلقفوا تعليماته ليبشروا بها ويلبسوها ماشاؤوا من القداسة من اجل ان تكون الصبغة الجديدة لسياسة الدولة ,وقد ساهمت هذه التوجهات في تكريس مفاهيم لايجمعها بالاسلام اي جامع الا الخضوع للسلطان والاقتناع بأن الجوع والفقر والامراض وضعف الخدمات وكل مايصيب العراقيين من مأسي هو من عند الله وان الحصار المفروض عليهم هو من اعداء الله وعليهم ان يصبروا الى ماشاء الله ,وكانت السلطة في اعلى درجات الاستنفار والتوجس اتجاه اي تحرك معارض سواء من عامة الناس او من المرجعيات الدينية في النجف الاشرف,وليس ادل على ذلك مما حدث من اغتيالات منظمة كانت تنفذها السلطة لعلماء الدين والشخصيات الوطنية من علماء ومفكرين وادباء وفنانين ومثقفين وسياسيين ومن كافة اطياف المجتمع العراقي .
على هذا الوضع كان العراق لحظة سقوط النظام في 9 .4. 2003 وقد عمت فوضى متوقع حدوثها في حالة اسقاط اي نظام دكتاتوري امتد سرطانه لسنوات طويلة ,هذه الفوضى التي شهدناها لم تستطع اي قوى سياسية الحد من مدياتها ,لكن تدخل المرجعيات الدينية الشيعية كان له الاثر الكبير في تطويقها خلال المراحل الاولى من انطلاقها ,وقد ساهمت توجيهات المراجع وفتاواها بالحد من مستويات القتل التي كان فورانها كالطوفان نتيجة لحجم وعمق القسوة التي تحملها العراقيون من ازلام السلطة السابقة وحزبها طوال سنوات القهر التي تجاوزت الثلاث عقود,وكنتيجة للواحدية الحزبية والانفراد بالساحة السياسية التي مارسها البعث اضافة الى الاجندات المختلفة للاطراف المتداخلة المصالح بالشأن العراقي فقد افاق العراقيون على مئات الاحزاب والمنظمات والجهات والتيارات السياسية التي تناسلت بسرع قياسية لترسم لوحة غير واقعية لمفاهيم العمل السياسي ,فكان عدد الاحزاب يتكاثر كل صباح ولايحتاج الحزب الا لمسكن فارغ ولافته وعشرة اشخاص يستعينون بمثلهم حراسا ليعلن عن ولادته ,دون نظام داخلي ولا اجتماعات ولا برنامج عمل ولا رؤى سياسية للبناء ,المهم هناك من يمول الحزب ليخطط من خلاله كيف يصل الى نصيبه من الغنائم.
في هذه الاجواء طالبت المراجع بإجراء الانتخابات فكان لها ما ارادت وحدث ماحدث من تقسيم عمودي للعراقيين على اساس طائفي مدمر ,وكانت الدعوات للتصويت تكرس مفهوما واحدا هو ان من لاينتخب الطائفة سيبقى مكشوف الظهر وسيكون مساهما في ضياع الفرصة المتاحة الان وهي الاخيرة ليحكمنا ابناء الطائفة ,مضافا لهذا شرحا يراد به التوجه النهائي لقبول الدولة الدينية بحجة ان العلمانيون على اختلاف توجهاتهم لم يجلبوا للعراق سوى النكبات وقد اثبتوا فشل مشروعهم السياسي فلماذا لانجرب المشروع الاسلامي ونقارن ,وقد جرى كل ذلك والبندقية مسحوبة الاقسام وجاهزة للاطلاق ,وقد حدث ماحدث واستلمت الاحزاب الاسلامية والجهات الساندة لها ثروات العراق قبل مواقعه السياسية لتقدم اسوء اداء على كل المستويات منذ تشكيل الدولة العراقية الحديثة في عشرينات القرن الماضي,وهذا ليس اجتهادا او تنظيرا سياسيا لكنه الواقع العراقي الذي نعيشه الان من قتل وتهجير ودمار للبنى التحتية وفقدان للخدمات ونزوح داخل العراق وهجرة الى الخارج وتمزيق للنسيج العراقي المتماسك منذ الخليقة من خلال الاضطهاد الديني للطوائف غير المسلمة الذي تمارسه المليشيات والعصابات المأجورة وحتى الاطراف السياسية اضافة للسرقة المنظمة للمال العام التي وصلت الى ارقام تتجاوز ميزانيات دول ,ولو كان هذا الذي نعرضة قد توقف وبدأ العراق يتجه نحو السلم الاهلي والبناء لتأكد لنا ان القائمون على امور البلد تعرضوا لمؤامرة واحتاجوا الى وقت لتجاوزها لكننا نرى الامور تتجه يوميا نحو الاسوء الذي تمثل الان بالقتال الدائر بين السلطة واحد مكوناتها اي اننا على اعتاب تفكيك ما تم من بناء خلال السنوات القليلة الماضية .
الان وقد اصبح كل شيئ مكشوفاً امام العراقيين لابد ان يكون للمرجعية الدينية من خطوة تتحمل من خلالها واجبها الشرعي لتوقف هذا النزيف المستمر للحياة في العراق ,ولابد ان تكون المرجعية قد ايقنت بأن الاحزاب الطائفية التي تقود الان هي المتسببه في الخراب العام من خلال تنفيذها سياسة الانتماء الحزبي لتقسيم المناصب والوظائف والغنائم بعيدا عن الكفاءة والمهنية حتى وصل الامر الى تزوير الشهادات الدراسية ,وهذا جميعه لايقبله اي دين ولاتقره القيم مما اكد للناس ان الحصول على رغيف الخبز مشروطا بالانتماء الى احزاب السلطة وهو نفس اسلوب البعث المقيت حتى بات واضحا ان ما كان سببا في خراب العراق قد عاد بقوة وبأشكال مختلفة ليستمر الخراب والدمار لكل اشكال الحياة بعد ان استبشر العراقيون خيرا بسقوط الصنم,وعلى هذا فأن كل الحلول الطبيعية والواقعية التي يفكر فيها المتضررون من عموم الشعب ليس لها اي نسب من النجاح على ارض الواقع المتمثل في تقاسم الاحزاب الماسكة بالسلطة لادوات الخراب من خلال مليشياتها العاملة حسب توجيهات القادة السياسيون واهوائهم,لكن حلا واحدا يمكن ان يكون غريبا للوهلة الاولى وقد يتبادر الى الذهن صعوبة تنفيذه ان دعت اليه اية جهة سياسية في العراق او خارجه بل قد يكون شبيها بأفلام الخيال العلمي ومع ذلك فهو غير مستحيل وقد يشكل سابقة خطيرة وغريبة بعد ان اصبح العراق بلدا للغرائب والعجائب,هذا الحل هو ان تطلب المرجعية الدينية بكل رموزها في النجف الاشرف اجراء استفتاء لعموم الشعب العراقي حول عدم جواز الجمع بين اي منصب او وظيفة قيادية في دوائر ومؤسسات الدولة العراقية ابتداءا من الوزير وانتهاءا بمدير اي دائرة مهما كان حجمها وموقعها في بغداد او اخر قرية عراقية في الريف وبين الانتماء الى اي حزب سياسي , وبذلك تتكون حكومة مستقلة يرأسها ممثل اكبر كتلة في البرلمان العراقي الذي يتشكل من الاحزاب الفائزة في الانتخابات ويكون هذا البرلمان مراقبا لاداء الحكومة المتكونة من المستقلين,وبهذا تتحرر الوزارات والادارات من سيطرة الاحزاب وتنتهج مبدأ الكفاءة والمهنية في الاداء يكون الحكم فيها لسلطة القانون تحت مظلة المحكمة الدستورية ووسائل الاعلام الحرة ومنظمات المجتمع المدني لتكون رقيبا على الاداء وحافظة لحقوق المواطنين من كل التجاوزات التي تتسبب فيها عناصر القوة المتمثلة في سلطة الاحزاب المدعومة بالمليشيات الان ,وعندها سنجد ان الالاف المؤلفة التي سارعت بالانتماء لتلك الاحزاب سوف تبدأ بالانسحاب منها طالما توفرت لها فرص العيش الكريم دون الحاجة للمحسوبية والتمايز على الاساس الحزبي ,بالمقابل ستكون هناك فرصة لتلك الاحزاب كي تثبت انها بريئة من كل الفوضى وسرقة المال العام وعموم الخراب المستفحل الان .
لاشك بأن هذا حلا غريبا كما قلت لكنني اعتبره الوحيد الذي به تستعيد المرجعيات الدينية ما يعتقده المواطن البسيط من دور لها وواجب شرعي عليها لانقاذه من الاثار الخطيرة التي نتجت عن ما ادعت الاحزاب الدينية عنها في ضرورة التخندق الطائفي اثناء الانتخابات والذي افرز كل الاشكالات التي يعاني منها العراق الان على قدم المساواة مع ما للاحتلال من ادوار مرسومة ساهمت ومازالت بقوة في الاضطرابات المستمرة التي تشكل الحاضنة المناسبة لكل الجرائم المرتكبة في العراق ,وحين اقول ان ذلك تدعو له المرجعيات الدينية فذاك لان لا احد يجرؤ على الدعوة اليه لان كل الاطراف التي تقود الان ستتضرر من تركها لمواقعها التنفيذية وسيكون المال العام محميا من اللصوص بكافة مستوياتهم اضافة الى فسح المجال للكفاءات العراقية على كل المستويات لاخذ مكانها المناسب بعد ان همشت لصالح المدعومين من تلك الاحزاب ,اما تبني الفكرة عن طريق الاستفتاء فهو تخفيف للمواجهه بين المرجعيات وخندق الاحزاب فيما لو كان الطلب بأصدار فتوى تحرم تبوء المناصب على كل من انتمى للاحزاب وهذه الفتوى لو تمت فأنها ستكون فتوى العصر التي سيؤرخ لها العالم اجمع لتكون سابقة شجاعة لانقاذ العراق ونموذجا يهز اركان انظمة كثيرة تعتمد نفس ما موجود الان في العراق وتعاني شعوبها الامرين منذ عشرات السنين, فهل تفعلها المرجعية الدينية ام سيتهمني قادة الاحزاب الدينية ومناصريهم بأنني اتدخل في شؤون العلماء والفقهاء وهذا يدخل تحت ابواب الممنوعات على من لم ينهل من علوم الدين .

 



 

Counters

 

أرشيف المقالات