| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

السبت 30/6/ 2007

 

أرشيف المقالات

 


تعليم من أجل الحب


سيلوس العراقي

يبدو أن ظروف الألم والحروب والكوارث، بقدر ما هي مأساوية، بقدر ما كانت أوقاتاً ملائمة صنعت الكبار والعظماء الذين يخدمون أوطانهم والبشرية، بمبادراتهم وجهودهم التي يسجلها التاريخ كمحطات للنور في خدمة الانسانية والمجتمع المدني.

" إنه من الحق والعدل السماح للشباب المسلمين أن يتعرفوا على ديانتهم ويتبعونها. ويجب أن لا ننسى بأن هذا المسلم يؤمن باله واحد يهبُ عناصر ومقومات دينية وأخلاقية مشتركة مع تلك التي للمسيحيين. والذي يمكنه أن ينفتح على حوار بين الديانات. فأنتم عليكم الاهتمام بمعرفة القرآن جيداً، لكي تساعدون شبابكم في جذبهم الى ديانتهم".

هذا مقطع من كلمة منذ عام 1962 للويجيا تينكاني {وفي هذا التاريخ لم يكن المجمع الفاتيكاني الثاني قد أنهى أعماله ولم يصدر بعد تعليم وتوصيات حول الاسلام وعلاقة المسيحيين مع المسلمين في عالمنا}، موجهةً الكلام الى من تقوم بتنشئتهم وتهيئتهم للخدمة في الباكستان، باعتبارها المسؤولة عنهم.

لويجيا تينكاني من مواليد 25 آذار 1889 في كييتي ـ ايطاليا، الأخيرة بين اخوتها الخمسة. في عام 1910 وبعد الهزة الأرضية المدمرة {28تشرين الثاني 1908} انتقلت مع العائلة الى مسينا. اصطدمت هناك بوضعٍ يصل الى الحدّ الأقصى من الألم والفقر، حينها أدركت وفهمت أن الشكل الذي يعتبر الأكثر فقراً هو : الجهل، وبالتالي فان التعليم والتهذيب هو التنشئة التي يمكن أن تكون طريقة متسامية للحب. وأدركت أن الوسيلة الاولى لمساعدة الشباب هي تثقيفهم وتعليمهم. والتعليم هذا مثلما أرادته ليكون " نوراً متقداً يتلألأ لكي يوقد من ناره نوراً آخر". كما أن التعليم الذي تدعو اليه لويجيا ليس من أجل القيام بعمل اهتداءات في الايمان بل من أجل الحب.

بعد أن أكملت دراستها التخصصية في التربية في روما وتخصصاً آخر في الفلسفة في ميلانو، اجتمع حولها مجموعة من الجامعيين في حلقة الجامعيين الاناث الكاثوليكية الرومانية، وأول نواة كانت لما يعرف بـ FUCI . تلقوا في عام 1913 كورسات في الثقافة الدينية، وهذه التجربة أسست فيما بعد معهداً للعلوم الدينية يتبع احدى الجامعات المهمة في روما، جامعة القديس توما الحبرية.

ثم جمعت حولها عدداً من الكادر التعليمي من المتأثرين بروحانية الدومنيكان وتأسست من خلالهم عائلة المعلمين الدومنيكانية، الذين ينخرطون في عالم الشباب وعالم الثقافة والحضارة ليصبحوا حضوراً حياً للحب ولله في هذه الأوساط.

ومنذ عام 1926 لغاية 1938 كانت رسالتهم في خدمة الشباب الجامعيين في الجامعات، وافتتحوا بانسيونات ـ للمبيت ـ للجامعيين في ميلانو وروما ومدن اخرى من ايطاليا. وفي عام 1933 استقبلوا أولى الشابات الهنديات اللواتي سيصبحن في 1948 الرواد في رسالة الخدمة هذه في الهند والباكستان. مثلما أسسوا عام 1939 المعهد الجامعي الذي سيصبح فيما بعد الجامعة المعروفة الآن في روما بجامعة لومسا LUMSA الحرة. ويتركز عملهم مع المحتاجين والفقراء للحقيقة والحب.

توفيت لويجيا تينكاني في روما في 31 آيار 1976 عن 87 سنة، ورسالتها الانسانية ما زالت مستمرة .

لمثل هكذا شخصيات تُكرّس حياتها في خدمة المجتمع المدني، وتخدمه من أجل الحب كرسالة سامية عظيمة، شرقنا العربي والاسلامي بحاجة ضرورية. وهناك العديد من الأبواب المفتوحة للعمل في شرقنا على حالات سببها الجهل الكبير والخطير الذي يمثل البيئة الأفضل لتكاثر أمراض مجتمعية تهدد بلداننا { مخدرات، عنف، قتل، إرهاب..}، أبواب مشرعة في انتظار أشخاص نبلاء لهم الامكانية وتعوزهم الجرأة والمبادرة، سوف لن يخدموا مجتمعاتهم فحسب بل يصيروا نوراً يتجلى للآخرين الذين لا يزالون في عالم الظلمات، ويقدمون لهم الخلاص والحياة الكريمة واللائقة بالانسان، في شرق ينوء في دوامة صراعاتٍ تريد العودة به الى عصور ظلامية تقزَّزَ منها حتى التاريخ والماضي. فلا يتوجب على الشباب والشابات العرب أن يهربوا من مسؤوليتهم بسلوك طريق الهجرة الى الغرب أو يضيّعوا حياتهم في انتظار أن تقوم حكوماتهم بما هو من صميم واجب المجتمع المدني والشبيبة شريحة مهمة منه، حيث لا تسمح من بعد حركة تطور العصر، الاكتفاء بانتقاد الحكومات في الشرق وانتظار تغييرها بحكومات مثالية، هذا الأمل الذي سوف لن يتم على المدى المنظور.

ولم يبقى لمجتمعاتنا الشرقية إلاّ الشبيبة الجامعية الغيورة المثقفة ومؤسسات المجتمع المدني لأن تكون خلاّقة ومبادرة في التحرك، وبحركتها في هذا الاتجاه يكمن الأمل بالمستقبل، شبيبة تستلهم بنفس الوقت من مؤسسات وحركات المجتمع المدني، الانسانية والاجتماعية والثقافية، العالمية والاوربية والاميريكية، ومن تجاربها وامكانياتها وتستفيد من خبراتها الغنية في شتى المجالات.