| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

السبت 30/6/ 2007

 

أرشيف المقالات

 

 

ثورة 14  تموز وبائع البلبي الصغير


ضياء فلاح فاضل الانصاري

في مدينتي بغداد التي ولدت فيها وبالذات في محلة البوشجاع وفي احدي اكبر الدرابين الطويلة فيها كانت عائلتى تسكن هناك مع العشرات من العوائل الاخرى مجاورة بعضها البعض في مشاكلها اليومية المختلفة. كان والداي يحثان الخطى في تربيتنا واطعامنا نحن العشرة من ابنائهما .دفع بنا شظف العيش نحن الخمسة اولاد لمساعدة عائلتنا بعض الشيء. ولازلت اذكر وانا في الثامنة من العمر كيف كانت حيرة امى وهي تقف امام المشاكل البيتية الاقتصادية اليومية حائرة لاتدري ماذا تفعل .كان بيتنا الكبير الذي أستاجره والدي من بيت ابو اليخني حيث يقع وسط دربونة الطويلة في الكرادة الشرقية هناك يقع البلاط الملكي من الجهة الاخري لنهر دجلة ومعامل ومصانع الاحذية والنسيج ومعمل العرق والاسفلت من الجهة الثانية وحين انبش ذاكرتي تتماثل امامي كل شواخص هذه الدربونة من ناس واشجار وبيوت واعمدة كهرباء وحتى الحفر الكبيرة في جادتها الطويلة. اتذكر رزوقي ابو البريمزات وبيت ام وهاب المسيحي وجدة رحيمة..وكل الشواخص الحية وغير الحية في الدربونة وامام كل هذه الصور اجد صورتي وانا فى اول عطلة صيفية بعد الصف الاول الابتدائي في مدرسة الكرامة الابتدائية للبنين مبتدئا عملي كبائع لبلبي امام بيتنا في دربونة الطويلة .ابتدأت الايام التموزية حرارتها المعروفة كما اتذكر وانا افترش الارض جالسا متربعا امام دارنا وامامي جدر الحمص والى جانبه وعاء عميق من الالمنيوم والذي يحوي علي مواعين شاي فرفوري وملاعق معدنية. تقوم والدتي الحبيبة باعداد كل شيء وجعل اللبلبي جاهزا ومعدا للبيع في الساعة الثامنة صباحا يوميا. كان صوتي يلعلع وينادي الجميع والصغار منهم خاصة اللاعبين في الدربونة والقابعين في بيوتهم والمتبقين في افرشة منامهم الصيفية ( يالبلبي ويالبلوب وبعانه ترس الجيوب ) كانت العانه هي العملة النقدية الصغيرة من بين العملات السائدة انذاك. لم اكن اعلم ان اليوم هو 14 تموز حيث توارت الي مسامعي اصوات اشبه بطوب الفطور في شهر رمضان وبعد لحظات لم اصدق عيني وانا ارى الناس هارعين من بيوتهم خارجين من الازقة ليصبحوا قطارا جماهيريا في دربونة الطويلة لتنطلق بعدها التظاهرة نحو الشارع الرئيسى في الكرادة الشرقية نحو الباب الشرقي، هاتفين للثورة ومجلس سيادتها.لم استطع لملمة اموري ، ولا ادري ماذا حل بقدر اللبلبي والاشياء المتعلقة به وسط هذا الحشد من الناس في الدربونة. لقد وجدت نفسي مع صديقي سليم ابن رزوقي ابو البريمزات مع هذه التظاهرة الكبيرة من الناس سائرين وراء بعضنا البعض في اتجاه معين، كانت مشاعري الطفولية المتواضعة تمتزج مع مشاعر المئات من الجماهير الحاشدة لفرحتهم بثورة 14 تموز وتأييدهم لها.عدت ظهرا الى حارتنا جائعا ومتعبا ، خائفا ومرتكبا مترددا في الوصول الى بيتنا لأرى والدتي من قريب وهي واقفة امام باب بيتنا تنتظرني حائرة تلوح لي بيدها لتومئ لي بالمجيء والدخول الى البيت وتقول لي تعال يمه ... تعال .. لا تخاف ( فدوة يروح الك اللبلبي وفلوسه، صارت ثورة يمة) وحصلت على قبلة منها، معبرة عن فرحتها بعودتي وقيام الثورة.