نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الجمعة 31/3/ 2006

 

أرشيف المقالات

 

في ذكرى الحزب الذي ربانا جميعاً


جدل العـلاقة بين بلاغـة البيت وبلاغة الدرس
 


جاسم عـاصي

الدرس الأول , ما نحتت تفاصيله , إلا ّ في ذلك العـمق من الذاكرة , وبتلك الأصالة من الأبجدية الأولى . فقد بدأ اللسان يطلق لثغـته , بينما الأب يبارك نمو الكائن الصغير وهو في حضن ألأم المباركة , فما يزداد سوى يقينا ً من أن درس الطريق إلى كثافة المستقبل آت من لدن المعـلم ألأشد معـرفة وتطويعـا ً للمحبة التي رضعـها الطفل من بئر غـائرة . لحظتها لم يعـقد كائن الدرس عـلاقته خارج دائرة الشمس التي فرشت سناها ودفئها بين الكادحين وطالبي معـرفة سر الوجود . ترحل مفردات الدرس والفتى ينمو ويشتد عـوده , وها هو يستحضر كل معـلميه في طول الطريق الذي حفه به الحزب في أروع صورة وداخل أرحم سَوْرة للماء . كان التبصر ينبع من عـمق الحياة ولايغأدر منطقتها , فلا يقطع حبلها الذي إمتد مع حبل المشيمة, يوم قطعـته القابلة , وأوكلت أمر إيداعـة إلى الأم التي ماإختارت غـير المدرسة حاضنة لولدها , والنهر مكانا ً مقدسا ً ومباركا ً كي يكون أمينا ً عـلى عـش الجنين . ومن هنا إبتدأ الدرس ببلاغـته المتواصلة يوما ً بعـد يوم , ليلة من بعـد ليلة وشتاءات تسلم للأصياف إبنها البار , ربيعـا ً يزهو وخريفا ً يقشر جسد الشجر الآدمي . فبلاغة الدرس من مفردات المعـلم هذا أوذاك . لكنها تنتظر رغـبة الفتى , فكان البيت القديم مدرسة لهؤلاء الفتية التواقين للمعـرفة . وكان الدرس يؤسس بلاغـته من مادته الممزوجة بمادة الحياة , والفتى يعـقد المقارنة بين الإثنين فلايجد نفسه إلا ّ وسط الحقيقة , عـبر إنعـكاسات التأريخ السري الذي يسطر صفحاته يوما ً بعـد يوم . نما الفتى وإستطالت قامته وتفرع عـقله مثل شجرة وارفة , وها هم المعـلمون يمرون عـلى واجهة العـلم والدرس تباعـا ً , وها هو ( فائزالزبيدي ) يحضر في ذاكرة الفتى الذي كان ليتمم درس البلاغـة المنطلق من رحم بلاغـة بيت الحزب , يومها كان ( الزبيدي ) من بعـض المنفيين السياسيين في مدينة ( الناصرية ) , والفتى يتلقى الدرس في دار المعـلمين , لكنه واصل المراقبة والتعـلم , وواصل مقارنة هـذا بذاك , ويستحضر الصور, بينما كا ن مدرسه هذا يخطو داخل غـرفة الدرس متعـثرا ً بطابوقات ارضيته المتمردة عـلى إصطفافها وإستوائها , وبسبب شلل أصاب أليد والساق لمدرسه جـرّاء التعـذيب الذي مورس معـه وهو يطالب بالسلم في كردستان العـراق آنذاك . وصورته كانت أقرب إلى الفتى لكونها تقترب من صورة ( جبران خليل جبران ) الذي تعـلم منه الدرس الأدبي , كان يتأمل شعـر رأسه الأسود والكث , ويلحظ عـدم ترتيبه معـزيا ً ذلك الى عـدم قدرة معـلمه عـلى السيطرة في ذلك معـتمدا ً عـلى يد واحدة ترجل خصلاته . كانت إبتسامته المتواصلة بينهم تثير في نفسه الإطمئنان والرغـبة في الدرس . سيما ما يتواءم درسه بمجموع دروس البلـغـاء من المنفيين والذين إجتمع شملهم في دار المعـلمين . جمع الأبوذية منهم , وتسقط أخبار الأدب الشعـبي , وحكايات الجنوب ,حتى كان درس العـربية زاخرا ً بما هو معـمق للدرس وميدانا ً له . والفتى يضيف ما إفتقرت إليه مكتبته في الذاكرة , ولم يستطع الكلام معـه إلا َ ضمن دائرة الدرس .
ويوم كتب أسئلة الإمتحان عـلى اللوحة السوداء بخطه الجميل , وقف وظهره عـلى اللوحة بينما وجهه أما م الطلبة , حدـّق بهم مليا ً فبدت للفتى الصورة عـلى أحسن ما يمكن , مترقبا ً ؛ أن الرجل هذا لا ينتظر إلا ّ أن يطلق حكمة جديدة , فكان قلبه أكثر رهافة في الإنتظار . وإنتظر , والمدرس يلحظهم , والفتى ينتظر عـلى غـير ما كان الطلاب ينتظرون , لأنه تعـلم في بيت الحزب , وهذا مدرس وفد من جامعـته , بل أتى من روح جادة نضاله الصعـب والبليغ , وما هي إلا ّ دقائق في ثواني ،أوساعـات في دقائق , حتى وضع ( الزبيدي ) قطعـة الطباشير عـلى أول رحلة أمامه , وهو يتقدم نحوها بتعـثر , ثم هم بمغادرة الصف مطلقا ً عـبارته التي مازالت تحتفظ بقوتها ودفئها إلى الآن , إذ يعـتبرها من أرقى ماتعـلمه من بلاغـة في الدرس والحياة , قال ثم غأدر :
{ ــــ أترككم وضمائركم . }
وبقي الموج يتعـالى داخل الصف ويتماوج , يهدأ ويثار والفتى يدقق في ما أطلقه مدرسه من حكمة , كان قد تعـلمها في مدرسة الحزب وأراد أن ينميها في عـقول الأبناء . الضمير ماهو ..؟ كان هذا أول الأسئلة . أما ألاجوبة آنذاك فكانت في إختيار المعـلومة الصحيحة , وإن تعـذر تذكرها فليبقى الحال عـلى ماهو عـليه لأن الأمانة التي تركها بين أيديهم تتطلب الحرص , بل الدرس الجديد الذي سطره إستاذهم يدعـو إلى شيء من التعـامل بإسلوب أرقى .
كان ( الزبيدي ) عـلامة للفتى , حيث سرى دأبه في أشد حالات الخلوة مع نفسه , وأمام واجب وطني حتمته الحياة وحملته إياه كما أوكلته لأساتذته يومها . كان يردد مع نفسه وهو في الصحراء وبين تلاميذه ... الله والوطن حاضر في هذه البرية وأمامي جمع من أبناء الفقراء , فكيف لا يكونون درسا ً جديدا ً لي ... فكان . وحين كان ينظر إلى السماء والماء في أهوار الجنوب حيث رمته الأقدار والحتمية السياسية , ليقول أيضا ً راضيا ً مطمئنا ً ... الله والماء وهذه الحيوات التي تمخر عـباب المسطحات لتصل إلى الدرس فماذا نتعـلم منه غـير البلاغة الجديدة لي ولهم . ..
وتزداد البلاغـة أكثر حين يرى صورة ( الزبيدي ) , من بعـد ما أعـتقل , وأجري معـه اللازم الذي كان ينتظره في مجمل حياته السياسية . رآه الفتى عـلى أحسن صورة للنضال . ذاك الرجل الذي تمكن من كل شيء , لم يتمكن من إرتداء بنطلون بيجامته في التوقيف , حاول .. وحاول .. لكنه لم يستطع . إستخدم أسنانه في رفع أي طرف من اللباس , لكنه وجد صعـوبة في هذا والليل بلغ مداه , إذ إستيقظ أحد الرفاق صدفة وساعـده عـلى إجتياز محنته . شكره بأدب جم , وإنساب إلى فرشه بهدوء .. كانت يداه تخطان سائبتين إلى جنبيه , لايستطيع السيطرة عـلى تحريكهما .
بلاغـة الدرس يا مدرسي ياأيها الزبيدي الكبير كانت عـميقة , فماذا أقول بحقك , بل بحق من وهبك لنا كي تعـلمنا الحكمة , وتفتح لنا طريق الدراية .. إنه الحزب بتأريخه العـتيد والبليغ , وبدروسه التي ما إنقطعـت عـنا حتى ونحن نعـيش عـلى مقترباته , لأنه منحنا درسا ً في الوطنية وكيف تكون , بل هو تابع لثغـتنا الأولى فشد د عـلى ما يزيد من تواصلها , مهما إختلفت الأزمنة والأمكنة . ومهما إشتدت الظروف تعـقيدا ً وإشتباكا ً فالوطن هو المرآة , والوطنية هي المعـيار . إسمع أيها الزبيدي يا بن الحزب , لابد من أن أهمس كي أحقق بلاغـة درسك حيث تعـلمت الكثير منك ومن غـيرك سر البلاغـة الوطنية وكيفية المحافظة عـليها ‘لقد كانت عـلى يد ولسان ( عـبد الله وخيري وطعـمة مرداس وعـطشان وأحمد عـبد الكريم وعـزيز السيد جاسم وأبو كريم وأبو إيمان و.... و.... ) والقائمة تطول ولا تخلف سوى البلاغـة في كل شيء , غـير أن درس ( كامل قزانجي ) يضيف بلاغـة أخرى , فقد حدثني إستاذ فاضل عـنه يوم كان منفيا ً في ( عـين التمر ) , وفي صباح مبكر كما إعـتاد واصل جولته في القضاء حتى حط الرحال في المقهى التي إعـتادوا الجلوس فيه , وقت كان صاحب المقهى يتناول فطوره فدعـاه , وواصل الرجل حديثه , ومن خلاله كان يحث المناضل ( قزانجي ) عـلى التسليم بالأمر الواقع والعـودة إلى العـيال والأهل قائلا ً :
{ إعـط الجماعـة مايريدون وعـد إلى بيتك }
نظر له ( قزانجي ) بعـد أن رفع يده من الطعـام . حدق به مليا ً وأجاب بلطف ومزاح كي لا يخدش مشاعـر صاحبه أو يشكك في طيبته قائلا ً :
{ لقد عـجز الأوغـاد عـلى ثنيي عـن طريقي , وها أنت بقطعـة الخبز والقيمر
وإستكا ن الشاي تهدم ما بنيته منذ زمن طويل شكرا ً لإستضافتك }
قيل ثم غـادر المقهى , لكنه عـاد إليه في المساء مع جمع المنفيين .
ألم يكن مثل هذا أيها الزبيدي الطيب , بلاغـة جديدة كان الفتى قد أضافها إلى صفحات دفتره الذي طلبت أن يحتفظ به طوال حياته في أدراج ذاكرته , ففعـل كما أردت وأوحيت .
بورك الحزب الذي ربانا جميعـا ً , وفطمنا عـلى حب الوطن والشعـب وليس غـيرهما , وليرفل بحلته الثانية والسبعـين مباركا ً من كل قوى الخير والمحبة والسلام .