| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الخميس 3/4/ 2008

 

كانت حياة صعبة، ولكنها ممتلئة وغزيرة!

منى توما توماس

كانت الظروف التي مرت بألقوش استثنائية ومتميزة بصعوبتها وقسوتها، فما لاقته هذه البلدة من معاملة قاسية من السلطات العراقية في أعقاب انقلاب 8 شباط الأسود يكاد لا يصدق أحيانا لما فيه من مآسي وآلام. فقد تعرض أهالي القوش لاضطهاد فاق ما لاقاه أبناء القرى والبلدات المجاورة... وليس ذلك بغريب فالسنوات طوال، كان الحاقدون قبل المحبين يسمون القوش ب (موسكو العراق)...

يصعب علي تحديد متى عرفت الحزب... فقد ولدت والحزب في بيتنا مقيم بشكل دائم... فلم يكن بيتنا ليفرغ من الرفاق المختفين، إلا لان قطعان ذئاب السلطة قد داهمته بحثا عن الأنصار، لتتركه دمارا ورمادا...

ومذ كنا صغارا، كان علينا ان نتعود حمل الأسرار الحزبية بأمان في مكان عميق من القلب.. فكانت معنا تلك الأسرار أينما ارتحلنا،

في إحدى المرات، وجند السلطة وجحوشها يحيطون بالبيت ويخرجون كل محتوياته، لحفلة حرق أمام أنظار أهالي القوش، همس ضابط شاب لوالدتي، ان تخفي الأشياء الغالية قبل حرقها... لكنها لم ترأف بهمسه حينما صاحت ان التراب الذي تدوسه الآن، هو أغلى ما عندي وطالما كان صاحب هذا البيت ( وأشرت باتجاه قمة جبل القوش) سالما فكل الأشياء رخيصة.. نظرنا بفضول الطفولة نبحث عنه في قمة الجبل... رأينا الحزب هناك شامخا قويا ومتماسكا....

هكذا علمتنا والدتي، ان نصرخ بوجه الظلم، ومن دون ان تدري علمتنا ان نحسب الأيام لنكبر بسرعة، كي نصبح شيوعيين...

وسرعان ما عرفنا عيد الحزب.. من خلال ما كان يطرزه الأنصار الشيوعيون من مآثر، احتفاء بالمناسبة.. وعام بعد عام كان الخوف على سلامة والدنا يمتزج مع الفرح بما كان يحققه الأنصار، ليتوحد الخوف مع الفرح محولا تلك الذكرى (31 آذار) إلى قوس قزح نحلم بتسلق ألوانه عله يوصلنا إلى أب نفتقد حنانه الكبير.

ورغم حاجتنا لذلك الحنان، بسبب حياة والدنا كبقية الأنصار الشيوعيين، إلا إننا كنا نشعر به قريبا على الدوام، نحس بأنفاسه تحيطنا، تشعرنا بالدفء والحماية.

في بعض السنوات، وحينما كانت تشتد ملاحقة السلطة لنا، ولم نكن سوى أطفالا، كنا نضطر للتوزع في عدة بيوت للاختفاء، احدنا لا يعرف أخبار الآخر.. وبسبب ذلك لم يكن لنا أي مجال للاستمرار في مدارسنا، أو حتى للتواصل مع صداقات الطفولة...

وكلما كانت ملاحقات السلطة تزداد، كانت تلك البيوت التي تفتح أبوابها لاحتضاننا تزداد عددا.. وبهذا كنا نكبر مع محبة الناس والتصاقهم بالحزب...

هذه الظروف اضطرتني ان أتحمل ولم أكن قد تجاوزت العاشرة، مسؤولية الاهتمام بشقيقتي وشقيقي الأصغر مني، بسبب اختفاء والدتي في مكان آخر.. ولم يكن أمامنا سوى الاختفاء، خوفا من الوقوع بأيدي السلطة التي لم تكن تتورع في المساومة بحياتنا مقابل ان يسلم والدنا نفسه للسلطة...

الحديث عن تلك السنوات، مؤلم حقا، لكنها كانت أفضل مدرسة لنا، تعلمنا فيها الكثير من الدروس عن محبة الأصدقاء وحنانهم، عن طيبة العراقيين بمختلف مكوناتهم، فمن بيت في قرية ايزيدية إلى بيت في بغداد أو كركوك وحتى البصرة...كلها كانت ممتلئة بالحنان والدفء وعلمتنا تلك السنوات أيضا، كم كان الذين يلاحقوننا ضعفاء ومنبوذين...

وبعد اضطرار مجاميع من الرفاق للتوجه إلى كردستان اثر اشتداد حملة القمع التي شنتها سلطة البعث نهاية السبعينات، تعرضت عائلتي وبالذات والدتي لصنوف شتى من المضايقات، وقلما مر شهر دون ان تداهم دارنا، ومع ذلك لم نكن لنبخل بإيصال قصاصة ورق من رفيق مقطوع أو من نصير إلى زوجته يطمأنها، أو إيصال مبلغ خصصه الحزب لإعانة أحدى العوائل...

وفي أجواء من الرعب وبعد اختطاف شقيقي ( منير ) من الشارع بعد خروجه من محل عمله، لم يبق أمام والدتي، وكنت معها برفقة شقيقتي وشقيقي الصغيرين، سوى التوقف عن أي نشاط في القوش، بل تركها بأسرع ما يمكن والالتجاء إلى مقرات الأنصار الشيوعيين

أجواء المقرات لم تكن غريبة عنا، فها نحن مرة أخرى وسط رفاق، كانوا لها نعم الأهل.. لنبدأ مشوار آخر، مدرسة أخرى بل جامعة حقيقية... ما ان تكون بأجواء محاضرة ثقافية تتحدث عن المسرح، حتى تنتقل الأحاديث إلى كمية القذائف التي سقطت قرب النهر.. ومن أجواء احتفالية لتقطيع الحطب إلى الخدمة الرفاقية ( واجب الطبخ ) أو الخبز أو الحراسة النهارية أو الليلية، إلى أصوات الطائرات تخترق أجواء مقراتنا من علو شاهق.. إلى مرافقة الرفيق الطبيب في معالجة قروية كردية أو ابنها الرضيع..

وفي كردستان، كان زواجي وولادة ابني الأول في وسط الغازات السامة التي اختطفت منا الرفيقين أبو فؤاد وأبو رزكار في بهدينان..

واليوم بمناسبة ذكرى ميلاد حزبنا المجيد الرابعة والسبعين، امتلأ بالفرح وبالأمل، حينما أجد ابني الثاني يسلك ذات الطريق، بإيمان وقناعة أزهو وافتخر حينما أجده بين رفاق كثر، بعمر أبيه أو اكبر، يشارك ويساهم ويواصل كي يشرق على عراقنا الحبيب فجر زاهي يحمل لشعبنا الأمان والاستقرار والسعادة

فهل أستطيع ان أجد يوما من حياتي لم أكن فيه ابنة للحزب...

وكل آذار والعراق وحزبنا بألف خير


طريق الشعب 151 في 31/3/ 2008

 

Counters

 

أرشيف المقالات