| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الثلاثاء 3/10/ 2006

 

أرشيف المقالات



العنف الفكري في المجتمع العربي وسبل القضاء عليه

 

علي البهادلي
alialbahadly@iraqiein.org

للعنف المجتمعي اسباب بعضها له عمق تاريخي قد لاينتبه لها المصلحون عند حدوثها ، او قد يعتبرون الاهتمام بها في وقت نشوئها امر غير مهم . وهذه المشاكل موروث اخر من الموروثات الشعبية لدى المجتمعات ، لكن الفرق بينها وبين اي موروث اخر انها تسبب العنف الفكري المستقبلي وما ينتج عنه من افرازات على المجتمع الذي سيتأثر بارهاصات ذلك العنف الفكري المختلفة (غير الظاهرة على السطح) من خلال التأثيرعلى العلاقة المستقبلية والشعور بالانتماء والتعايش السلمي بين مكوناته.

ونتيجة طبيعية لتلك الافرازات والارهاصات سوف يتبلور رأي لدى هذا الطرف المؤثر او المتاثر ( او كليهما ) بضرورة حدوث حل كلي للمشاكل وبرؤية غير محددة ، في حين ان الهدف محدد جدا في هذه المرحلة ، التي هي اول مراحل العنف الفكري حيث يعتبر كلا المؤثر والمتأثر في هذه المرحلة ارضا خصبة للتغذية باية افكار تنسجم مع الموروث المتراكم لديهما.
في هذه المرحلة ايضا يتسبب الكبت المتراكم في ايصال المجتمع الى مراحل متقدمة من التصادم الفكري ما يدفع المصلحين للعمل على التفكير العلمي والواقعي للاحاطة باسباب ذلك العنف ووضع الحلول الجذرية العادلة له (من وجهة نظر المتخاصمين) ومن ثم دعوتهم للتوافق والمصالحة.

يمر العنف الاجتماعي بعد تلك المرحلة بمراحل فكرية متقدمة يتطور من خلالها قبل ان يصبح حقيقة ملموسة يعاني منها المجتمع ، ويعمق ذلك العنف نتيجة لتصرفات وممارسات متراكمة تنشأ على اثرها (في تفكير الاطراف المتخاصمة) مجموعة هشة من الافكار التي لاتجد حلولا او اجابات ثم تتبلور تلك الافكار لتصبح حزم معتقدرات ، تترسخ بمرور الزمن فتشكل قضايا تتكون على اساسها مجاميع مصالح (تكتلات فئوية) داخل المجتمع الواحد.
في هذه المراحل المتقدمة من العنف الفكري يكون من الصعب المعالجة ومحاولة اقناع المتخاصمين لنسيان القضايا ومحوها من خارطة العقل البشري ، بسبب ان ذلك العنف غير ظاهر الى العيان وانه يدور في مسارين الاول داخل العقل البشري ، والاخر بين مجاميع مغلقة على بعضها ، متفقة في الاراء والافكار ، تستند في تفكيرها واعتقادها على تقارب ثقافي وتاريخي وتحليلي للمشاكل.
ومن خلال تلك المعتقدات يمكن قياس مدى القابلية على توطيد الوفاق الوطني والحيلولة دون حدوث صراعات أهلية أو حروب بين اطراف المجتمع وصولا الى تعزيز حالة التاخي والوئام بين المكونات المتخاصمة.

في هذه الحالة النهائية من العنف الفكري يمكن للطبيعة الانسانية وطريقة التكوين الثقافي والتاريخي للمجتمعات ان تشجع او تمنع فرص اندلاع حروب او نزاعات ، فمثلا تزداد فرصة حصول حرب بين مجوعتين (متخاصمتين فكريا) عندما يكون احدها يستمد ارثه الثقافي وتكوينه الجماعي من مباديء ومعاني تقوم على اساس الانتصار والبطولة على الخصم (المكون الاخر للمجتمع) في وقت يعاني المكون الاخر للمجتمع من تبعات نفسية تقوم على معاني معاكسه كالظلم او الهزيمة ، حيث سيؤدي ذاك الى التصادم وكل ما ينتظر قيام تلك الحالة من العنف المادي هو اشعال شرارة الفتنة.

ان الحالة الاقل تأثيرا يحتمل حدوثها بين المتشابهين في التبعات والقيم اذا ما كان التحليل يقوم على اساس معطيات مختلفة وقراءات للواقع تعاكس قراءات الطرف الاخر ، وهنا يمكن ان يقوم العنف بنفس الطريقة السابقة ، بيد أن فترات استمراره ستكون قصيره ، فسيلعب الارث الثقافي والتعايش والاخلاقيات والقيم المشتركة التي تجمع المتخاصمين دورا في وضع نهاية سريعة للعنف خصوصا اذا ما تم تنمية الشعور بالاسس المشتركة في العلاقة بين الاطراف المتخاصمة ، ومعالجة الاسباب التي تؤدي الى الاختلاف - علاجا جذريا عبر سلسلة من الاجراءات والقوانين والتعويضات عن الضرر ، وكذلك تشجيع التزاوج الاجتماعي والمصاهرة والشراكات الاستثمارية بين المتخاصمين.
أما إذا ما تركت أسباب النزاع قائمة دون إزالة أو حل فأن ذلك سيؤدي الى تجزيء المجتمع وتكوين الحالة الاولى التي تطرقنا اليها والتي يصعب حلها او محو اثارها من عقول المتخاصمين وبالتالي تحويلها الى قضية مشتركة بدلا من حالة استثنائية.

من خلال ما تقدم نجد ان العنف الفكري العاصف بمجتمعاتنا العربية هذه الايام والذي ادى الى بروز ثقافات غريبة تبني قوتها على الاقصاء والتكفير والتصفية الجسدية والارهاب الى غيرها من الاساليب العنيفة - انما يقود مجتمعاتنا الى مسارات التصادم الداخلي الذي يهدد بضياع ما تبقى من الحلم بقيام وحدة عربية وسيقوض حتى من فكرة الامة العربية الواحدة ، لابل سيجزأ المجزء ويمنع اي محاولة لاعادة توحيده !

ومن وجهة نظر مستقلة اجد ان العبء الاكبر في ايجاد السبل الجديرة بتفتيت قاعدة هذا العنف يقع على كاهل المثقفين العرب ، فهم مطالبون عبر مجموعة من الانشطة الحوارية والدراسات والبحوث والكتابات والمنشورات والمؤتمرات والمنتديات الى اعادة الثقة بالقواسم المشتركة بين ابناء الامة ، والى ارجاع لغة الحوار الى حيز التداول و وضع الحلول لمعالجة حزم المعتقدات العنيفة في افكار وعقول من يؤمنون بالعنف كحل وحيد لتجاوز الاحساس بالانهزام والدونية.