| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأربعاء 4/3/ 2009



حتى لا يتحول العراق إلى جمهورية موز

سعد صلاح خالص

"
الدولة المستقرة الوحيدة هي تلك التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون"
                                                                          أرسطو

جمهوريات الموز هي تلك التي لا يحاسب فيها فاسد ولا يعاقب فيها مجرم، وهي تلك التي لا يلبث أن يستقر فيها نظام حكم على كرسي حتى يطيح به مغامر آخر، وهي تلك التي تتكلم كثيرا وتعمل قليلا، والتي ينهب فيها المال العام الخاص حتى تصبح السرقة قيمة اجتماعية دائمة، والتي تعيش فيها فئات محدودة في واد والملايين في وديان أخرى. أنها دول على الورق فقط، يعيث فيها كل من هب ودب طولا وعرضا، تبدأ بضجيج كبير وتذوي تدريجيا حتى تصبح على هامش العالم.

وفي عراق اليوم تبدو جمهورية الموز (أو ربما جمهورية التمر) في طريقها إلى النشوء، فالأطراف التي تدعي بأنها تبني ديمقراطية تعجز حتى عن إجراء تصويت لاختيار رئيس لمجلس النواب، وشركاء السلطة يتوعد أحدهم الآخر بحروب وبلايا، والفاسدون، مثلهم مثل القتلة والإرهابيين، يقطفون الأموال والأعناق ولا حساب، فلا محكمة تقضي، وإن قضت لا يعتقل أحد، وإن اعتقل اليوم فإنه يخرج مرفوع الرأس غدا. تجري انتخابات، فيتحدث الجميع عن التزوير قبل أن تحدث، ويستبق كل خسارته باتهام الآخرين بكل الموبقات، وبالتأكيد لا يلجأ أحد إلى القضاء لأن القضاء لا حضور له إلا على المساكين أولا، و لأن اللاعبين الرئيسيين جميعا هم فوق القضاء إن وجد ثانيا، وهذه هي أولى مقومات جمهورية الموز.

في العراق فقط ، يحال رئيس مجلس النواب على التقاعد وكأن عضوية المجلس وظيفة حكومية، و بمعاش يساوي أو يزيد على مرتب الرئيس الأمريكي وبما يوازي دخل أربعين استاذا جامعيا. وفي العراق فقط يتهم نائب بتفجير المجلس ويستقل الطائرة من مطار العاصمة ويرحل، ويجدون في بيت نائب آخر سيارات مفخخة فيأتي ليحضر جلسات المجلس وكأن شيئا لم يكن، ويجدون معتقلات ومقابر في مسجد يخطب فيه آخر ولا ينفك يظهر على الشاشات يوميا متحدثا عن الديمقراطية.

وإن أتاك حديث الديمقراطية، لنتذكر فرنسا السبعينيات، حين عجز الرئيس فاليري جيسكار ديستان عن التوسط لأبنه الطبيب لكي يقضي فترة من تدرجه الطبي في العاصمة ، ذلك لأن كونه رئيسا لا يعني شيئا، فهي خدمة عامة - وشتان ما بين الرئيس والسلطان - بل وسقط المسكين هو الآخر لأنه قبل هدية من وحش بصورة إنسان يدعى بوكاسا، وكان من أسقطه صحيفة صغيرة ولكنها حرة . وفي انجلترا فرضوا على ملكتهم دفع الضرائب، وحتى في إسرائيل أطاحوا برئيس الوزراء بسبب "فسودة" صغيرة لا تساوي نقطة في بحر إبداعات فاسدينا وقتلتنا. فأية ديمقراطية حقيقية ستصطدم بالفساد لا محالة، فلا تعايش بينهما، ذلك أن أصل كل فساد (يدعونه في العراق فسادا ماليا وإداريا) هو فساد سياسي نابع من وجود أشخاص وجماعات فوق القانون ، وعلى كل هذا الكم من فطاحل السياسة اللذين تمتلئ بهم الشاشات وصفحات الجرائد يوميا أن يدركوا بأن الديمقراطية ليست غاية، بل هي وسيلة ربما تكون الأمثل لتحقيق الرفاهية والحرية والكرامة للشعوب، ولا ديمقراطية بلا قانون.

وفي الواقع، فإن الطريق إلى الوصول إلى جمهورية الموز العراقية بدأ بسقوط الملكية حيث توالت الجمهوريات العسكرية الشعاراتية واحدة تلو الأخرى تلوك الحديث عن "نضالات شعبنا" حتى تتوجت بدكتاتورية رهيبة حكمت لأربعة عقود لتنتهي بلا دولة ولا مواطنة أسقطها احتلال أجنبي بنفخة صغيرة، وبعد أن أتى على ما تبقى منها استيقظت قريحته الأخلاقية فيعلن رحيله متخليا عن التزامه القانوني ببناء ما دمره على اقل تقدير، ليضيف إلى الفراغ العدلي والاقتصادي مقوما آخر من مقومات جمهورية الموز وهو الفراغ الأمني.

في جمهورية الموز القادمة لا يعرف النظام ما يريد، فبين إسلامية سياسية وليبرالية اقتصادية بحار من التناقض، فلا قيام لهذه بوجود تلك، والعكس هو الصحيح، فلا الأولى قادرة على توفير المناخ الملائم لقيام الثانية، ولا الثانية بقادرة على تجنب الاصطدام الحتمي بالأولى فهنالك تبعات سياسية لليبرالية الاقتصادية، كما إن هنالك تبعات اقتصادية للثيوقراطية الدينية ولا وفاق أو حلول وسط بين هذه وتلك. ولا ادري إن كان مخططو السياسية المنشغلون حاليا بدعوات الاستثمار الأجنبي يدركون بأن الاستثمار الحقيقي الكفيل بحل مشكلات البطالة هو الاستثمار المحلي، إذ أن الاستثمار الأجنبي يفرض إحضار عمالته الخاصة به وفق احتياجاته التي لا يملك سوق العمل المحلي تلبيتها بعد عقود من انفصال مخرجات التعليم عن متطلبات التنمية وعن التقنيات الحديثة وتزايد الفجوة التقنية بين اليد العاملة العراقية والقفزة التقنية العالمية. وقد يحضر نوع من الاستثمار السياسي أو المدعوم بأغراض سياسية، كالإيراني أو الأمريكي أو التركي وربما الخليجي، ولكنه لن يكون استثمارا حقيقيا في البنية التحتية صعودا إلى الفوقية ذلك أن مناخ الاستثمار الحقيقي يتطلب مقومات لا تملكها دولة تتأرجح بين المراتب الأخيرة في تصنيفات الفساد والحكم الرشيد على مستوى العالم.

ولا أعتقد بأن من يحكمون العراق اليوم، وكثيرون منهم قد قضى فترات لا يستهان بها في الخارج، يجهلون بأن المؤسسات الاستثمارية العالمية الجادة خلايا نحل لا تتوقف عن جمع المعلومات والتحليل فيما يشبه عمل أجهزة المخابرات الاقتصادية وهي كذلك بالفعل، وهي غالبا لا تعير أهمية كبيرة لوعود الحكومات المتلقية وتصريحات مسئوليها بالدرجة التي تعيرها للحقائق على الأرض. فمن يغامر بوضع أمواله في بلد لا يزال نظامه المصرفي مثلا على حاله منذ خمسين عاما حين كان البنك عبارة عن صندوق توفير فحسب، ومن يضع ملاينه في بلد لم يحاكم نظامه القضائي فاسدا واحدا، ولم يسمع يوما بأن قضاءه التجاري، ناهيك عن الجنائي، قد تدخل لردع الفساد والجريمة المنظمة وابتلاع أملاك الغير، وبأن أجهزة فرض القانون تعمل في خدمة القضاء وليس العكس، فمن يحميها من ابتزاز لصوص العمولات وتقاسم إرباحها مع قطاع الطرق من أدنى درجاتهم الميليشاوية في الشارع وحتى الحيتان الكبيرة في مفاصل الدولة العليا. وما ينطبق على الاستثمار الأجنبي ينطبق على الاستثمار المحلي الذي يبحث عن ذات الحماية المصرفية والقضائية والأمنية.

الدولة العراقية وحكومتها اليوم على مفترق طرق، والأوان لم يفت بعد. فكما أن جمهورية الموز ماثلة للعيان، فإن الطريق الآخر إلى الرخاء الاقتصادي والتطور الاجتماعي ماثل للعيان أيضا والفرق هو بضع خطوات صغيرة كبيرة، أولها إعادة الاعتبار للمواطنة واحتضان جميع أبنائها والاختيار ما بين الغرق في دفاتر الماضي والعيش في حفرته إلى الأبد أو الانتقال إلى المستقبل بكل آفاقه الأمر الذي لا يتحقق إلا بالمواطن ، العامل والطبيب والمهندس والجندي، وإزالة الحيف عنه، وإعادة الاعتبار للقضاء المستقل وفصله بالقوة إن تطلب الأمر عن السياسة ومجاريها الوسخة، وإعادة الاعتبار لصحافة حرة لتكون سلطة رابعة حقيقية، وأخيرا البحث عن عنوان للدولة الذي يجب أن يكون العراق المرفه الحر القوي بأبنائه وانجازه الحضاري فحسب.







 

free web counter

 

أرشيف المقالات