| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأربعاء 4/10/ 2006

 

أرشيف المقالات

 

الحزب الشيوعي العراقي بين التجديد والتأبيد


ياسر المندلاوي
Imadeldin.darwich@bredband.net

في بادرة طيبة، تتوافق مع حرص الشيوعيين العراقيين على التواصل مع الذات والآخر، جرى الإعلان عن مسودة برنامج الحزب وايضا عن مسودة النظام الداخلي، في إطار التحضيرات الجارية لعقد المؤتمر الوطني الثامن. وفي إفتراض صادق، أذهب إلى القول بأن الإعلان عن مشاريع الوثائق لم يكن سعيا للتجمل بمساحيق الديمقراطية بقدر ما هو توجه حقيقي لإشراك أوسع عدد ممكن من الفعاليات الفكرية والسياسية والإجتماعية في صياغة حاضر ومستقبل الحزب. وفقط في شروط هذا الإفتراض، أجدني معنيا بالنظر فيما جاء في الوثيقتين، بغض الطرف عن توافق رؤيتي أو عدمها، مع هوى المجددين والمحافظين سواء بسواء.

المنهج والفكر
إن المهمة التي تواجه الحزب في مؤتمره الثامن، تناقضية ولكنها ممكنة، اي إنها مهمة قابلة للإنجاز رغم التناقض بين حدي التجديد والتأبيد، بين الإستجابة لشروط التغير وبين الحفاظ على الهوية. وفي سعي لحل هذا التناقض أشار مشروع البرنامج إلى أن الحزب ( يسترشد في سياسته وتنظيمه ونشاطه، بالفكر الماركسي وسائر التراث الإشتراكي )، ليؤكد سعيه ( إلى تطبيق ذلك بصورة مبدعة في ظروف العراق ). الفقرة الأولى محاولة لتحرير الفكر من قيود النص، تشي بها كلمة ( يسترشد )، بينما الفقرة الثانية تعيده إلى نصيته رغم الإيحاءات المخالفة التي تتضمنها عبارة (بصورة مبدعة). نحن إزاء فكر بكل ما يتضمنه من مقولات وإستنتاجات وفرضيات وأوهام، يراد الإسترشاد به وتطبيقه على الواقع العراقي، والأرجح إن المقصود (أو هكذا ينبغي أن يكون) الإشترشاد بالمنهج الماركسي وتطبيقه بإبداع في الظروف الملموسة في العراق. وذلك لأن المنهج طريقة أو وسيلة أو أداة لوعي الحقيقة ( الواقع العراقي في مختلف جوانبه)، والفكر هو وعي الحقيقة، وحيث إننا نتحدث عن المنهج الماركسي، فإن وعي الحقيقة الذي هو الفكر، أنما هو الفكر الماركسي. وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال بأننا نفصل بين المنهج والفكر، فهما في وحدة واحدة في مستويات متباينة قابلة للإنصراف إلى مستويات متناقضة ينفي بعضها البعض الآخر بعلة الوعي الخاطيء بالحقيقة بسبب إختلاف الزمان والمكان، أو بسبب القصور في التمكن من الأدوات المعرفية الخاصة بالمنهج، وتاليا إستخدامه في الدراسة والتحليل والإستنتاج بطريقة خاطئة. وفي صياغة ثانية، إن الوعي بقوانين حركة المجتمع العراقي في النواحي السياسية والإقتصادية والإجتماعية يتطلب إعمال المنهج الماركسي في الواقع العراقي لا المحاولة لإرغام الفكر الماركسي في كليته على التكيف مع مفردات هذا الواقع، والإسوأ إرغام الواقع على الإستجابة لمقولات وإستنتاجات وإفتراضات وأوهام هي حصيلة إستخدام المنهج الماركسي، بصورة صحيحة أو خاطئة، في زمان غير زماننا وفي مكان غير مكاننا. إن الذي يعد فكرا ماركسيا لغيرنا قد يبدو لنا عند الإحتكام إلى المنهج الماركسي - في ظرف ملموس- نقيض الماركسية، وهذا ينطبق على أفكار ماركس نفسه. ربما يبدو هذا القول غريبا على مسامع المؤمنين باللاهوت الماركسي، ولكن لحسن طالع الماركسيين إن المنهجية الماركسية لا تؤمن بفكر خاصيته عموم الزمان والمكان. لهذا نؤكد القول بأن المنهج الماركسي في مكونيه الأساسيين، المادية الديالكتيكية والمادية التأريخية، هو الإلزام الوحيد لحزب ماركسي من طراز الحزب الشيوعي العراقي، وكل ما عداه من فكر، ماركسيا كان أو غير ماركسي، لا إلزام لنا به إلا بمقدار توافقه مع المنهج الماركسي في علاقته مع الواقع العراقي، أي تحقيقه لشروط المنهج في التحليل والإستنتاج في وضع ملموس هو المجتمع العراقي في حركته الدائمة.
أن من شأن الإحتكام إلى المنهج الماركسي عوضا عن النص الماركسي، يحرير المنهج من قيود النص، وتمكين الفكر الماركسي في عمومه من الإنجازات العلمية للمدارس الفكرية غير الماركسية، كأدوات معرفية قابلة للإستخدام الماركسي إن جاز التعبير. وليس لهذا القول علاقة ما بالدعوة إلى إستحداث مناهج ماركسية متعددة كالماركسية التحليلية والفردانية والأخلاقية وغيرها، فهذه جميعها تشترك في خطيئة واحدة، هي إخضاع المنهج الماركسي للتيارات الفلسفية والفكرية غير الماركسية، بطريقة لا تبقي من الماركسية سوى إسمها.

تجديد أم تبديد
حالة التمزق بين ضرورات التجديد وإشتراطات الحفاظ على الهوية الطبقية والفكرية للحزب، تتكشف بوضوح أشد في الخطاب السياسي والإقتصادي-الإجتماعي الذي تم إعتماده في مشروع البرنامج. فبينما القسم السياسي يجنح بقوة نحو اللاهوية، فإن القسم الإقتصادي-الإجتماعي يسجل حسنة التمكن من التجديد مع الحفاظ على الهوية.
سياسيا، حسب مشروع البرنامج، لم يعد الحزب الشيوعي العراقي حزب الطبقة العاملة العراقية، وليس حزب العمال والفلاحين وسائر الكادحين، معطوفين على المثقفين الثوريين، فهو - حسب المشروع دائما- تعبير عن إرادة أبناء الشعب من الكادحين (الذين مر ذكرهم)، أو مدافع أمين عن مصالحهم. هنا تورية للهوية الطبقية للحزب، كان بالإمكان قبولها لولا المصادرة اللاحقة للإيحاءات الطبقية التي تصل بسرعة إلى من يحسن الظن بالحزب الشيوعي العراقي من أمثالي. غير أن عبارة ( وهو في الوقت عينه حزب وطني مستقل) تصادر هذه الإيحاءات وتقودنا إلى الإستنتاج بأن وجهتنا نحو تبدبد الهوية لا تجديدها، ناهيك عن تأبيدها. أن يقدم الحزب الشيوعي العراقي نفسه على إنه حزب وطني ، أمر لا غبار عليه، ولكن الأمر يختلط بالشبهة عندما يعرف نفسه على إنه حزب وطني مستقل، وذلك لأن الإستقلالية هنا لا يفهم منها عدم الإرتباط بقوى خارجية أو داخلية متنفذة تصادر الإرادة الحرة للشيوعيين العراقيين، وإلا إكتفينا بالقول على إنه حزب وطني، على إعتبار أن وطنية الحزب تلغي حكما عدم إستقلاليته بالمعنى الذي ذهبنا إليه، وفي سياق هذا المعنى أيضا، لا يمكن قبول فكرة وجود حزب وطني مستقل وحزب وطني غير مستقل ( عميل وتابع وفاقد الإرادة )، فإما حزب وطني وفق إشتراطات الوطنيه، ومنها الإستقلالية، وإما حزب غير وطني وفق شروطه، ومنها الرذائل المذكورة آنفا. لذا، فأن القول بأن الحزب الشيوعي العراقي حزب وطني مستقل، يجنح بنا إلى توصيف الحزب على إنه حزب فوق الطبقات، أي أنه حزب مستقل عن الطبقات الإجتماعية.
إن السياقات المعتمدة في مشروع البرنامج لا تسمح لنا بغير هذة القراءة، حيث جرى إعتماد التعابير والمفاهيم والتوصيفات العامة التي تفتقر إلى خاصية التعبير عن المضامين الطبقية للتحولات السياسية والإقتصادية والإجتماعية، بل وتزيد عليها أنها تموه المحتوى الطبقي للظواهر والأحداث. فليس من الغرابة والحالة هذه، أن يبدو المجتمع العراقي فوق شبهة الإنقسام الطبقي والصراع الإجتماعي الذي تحول، بقدرة مشروع البرنامج، إلى مجرد مشكلات إجتماعية يعمل الحزب على حلها عبر الأشكال السلمية والديمقراطية. والمزيد يتوافر بكثافة في ثنايا فقرات البرنامج، كالقول بأن الحزب ديمقراطي في جوهره أو بناء الدولة الديمقراطية العصرية وغيرها كثير. وهنا سوف لا أتجاوز قصور إدراكي لما يعنيه جوهر الحزب الموصوف بأنه ديمقراطي، ويقينا لا يقصد به ( بنائه وتنظيمه ونشاطه وعلاقته مع القوى الإجتماعية والسياسية الأخرى )، فهذه جميعها جاءت معطوفة على (في جوهره)، على الأرجح المقصود به فكره وسياسته وأهدافه ومواقفه، كما يستشف من التفصيلات اللاحقة للمقتطف الذي أوردناه. وأيا كان القصد، فإن الإجابة على تساؤلات الهوية الطبقية للحزب تبقى بعيدة المنال، تماما مثلما القول بالدولة الديمقراطية العصرية، والطابع الوطني الديمقراطي للدولة الجديدة أو الحالة الإنتقالية والإستثنائية التي يعيشها مجتمعنا وإقتصادنا، لا يقدم الإجابة على التساؤلات الخاصة بطبيعة المرحلة سياسيا وإقتصاديا وإجتماعيا، ناهيك عن بيان دور مختلف القوى الإجتماعية في دعم أو إعاقة مسيرة البلاد نحو التقدم.

مساهمات أخرى للكاتب :

الحزب الشيوعي العراقي.. سياسات بحاجة إلى تدقيق