| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأربعاء 4/2/ 2009



ذهبا ولكن.....

خضير الاندلسي

ما ان انطلقت تلك الطائرة متوجهه الى عاصمة الحب في يوم بائس الا وصور الفرح ابتسامته المزيفة تلك ,راسما للعيان صور واشكال اغرت المقابل نوعا ما.

ان الاثنان توجها وقلبيهما على وشك الموت شوقا للوطن وحبا بشعبه ,وهو امر منافٍ لقلبي الذي توفى لحظة رحيله ,فبعد موجة المجاعة التي كان يحملها من حب وشوق اضحى بلا حب يذكر ولا شوق يخطر على البال.
فقلبي كتلك الزهرة التي لملمت اوراقها حين طل ذلك المساء العابس ,وسوف لن تتفتح الا بالعودة الابدية الى شمس الوطن التي طال اشراقها, فالبعد الصارم فتفت ذلك الشوق الهائج.

اتعلم يا قلبي الى من تحمل ذلك الشوق ,انك تحمله لتلك التي يحيط بها الرجال من كل جانب ,ولكن يسودها الشرف الرفيع ,انك عشقتها فلابد من ان تتذكر ذلك العشق الذي كان يقودك ايام الطفولة اليها والى كيانها الملئ بالمحبة, كأنها العاشقة الصبورة التي تأبى ان تفارق الحبيب المهاجر فلا تحاول النسيان ,انها دار السلام.

قبل ايام وقبل ان اتوجه لتلك الوسادة لأستلقي واذا بخيال وهمي يقودني الى ارض الوطن مصوراً لي منظر اهلي وحياة شعبي ,ولكن باي صور حل ,صور لم تُقنع الخيال نفسه, فرأيت راية سوداء واخرى صفراء وثالثة بيضاء يتخذها الناس رمزا علاوة على رايتهم الوطنية ,رأيت الوعاظ والشيوخ يحتالون على ميول النفس ,رأيتهم يطالبون الفقراء برفع اعينهم الى السماء وهم تاركيها في ارض المطامع ,رأيت ذلك الشاب قد تحول الى آلة بيد المحتال ويقلده كالببغاء حين يقلد الاصوات بعد ان كان ثورة هائجة لا توقفه الايام ,رأيت المترفعين يتاجرون بالاكاذيب بسوق الفقراء وهؤلاء ساكنين لا حول ولا قوة ,رأيت الكادحين يعملون والمالكين يجنون ,رأيت الاطباء يتحايلون على المرضى ويتاجرون بأرواحهم التي اتعبها ماضيها الحزين فلو ودعت من قبل لكان خيرا من العيش بالذل, رأيت وطني مكللا بالقيود من كل جانب ويأبى الاستسلام, ورأيت صورا اتعبها ماضيها ويحاول مستقبلها تفاديها بعد ان ادلت والدتي بصوتها بالاقتراع الاخير.
هذه صور وطني التي رأيتها وحين شاهدتها جميعا ,تنهد جسدي من شدة الاذى واضحى كالمتعب الذي ما ان لامسته ريحا بسيطة ,الا وتمايل شمالا وجنوبا من شدة الارهاق.

في المنفى وبعد ان اعلنت الشمس معانقة الارض التي تستوعبني اليوم ,فُجئت بخبر حزنت لحزنه تلك الشمس التي ما ان سمعت به الا واعتذرت للارض المترقبة لضوءها منذ ابد بعيد وانسحبت حزينة مخلفة تلك الغيوم السوداء التي اندمجت بعتمة الليل المظلم لتمحي بذلك ألق النهار واشراقته البهية.
تكبكب الماء اللعين على ساقيه لتغديا على غير المعتاد ,فالألم العميق الذي ولده بنفسي ذلك الخبر كالجرح الذي ترك اثاره بقدميه.

ما ان جلست لأسرد تلك المفردات لايام ,محاولا انتقاء الانقى تعبيرا والاكثر بلاغة ,الا واصعقت بخبر ثانٍ وقف لهوله شعر رأسي ولم اقوَ على استيعابه ,فبعد ان غدت تلك الروح في السماء وانجذب ذلك الجسد نحو الارض ,وبعد ان رفعت رايتها البيضاء اعلنت تلك الدموع استسلامها ,اما العيون فنهلت باكية لمصاب قد لا تستطع التعابير وصفه والحروف الاحاطة به ,لذا انسحبت خجولة, انه الموت البغيض الذي يدخل فجأة الى القلوب محاولا اقناعها بان الحياة مزيفة لا تستحق العناء فهو المساند الاول لتلك الصور التي صُورت اعلاه ,لذا نراه متحمسا حين يغد الانسان حزينا لحادثة ما ,لانه يريد كسب الشهرة والترفع بها ونشر افكاره السوداء التي تحاول محي افكار الحياة الخالدة.

ايها الموت الغابر (ندائي لك) ,اتعلم حين تسرق ذلك الجسد من مكانه الذي يشغله في الحياة ,فان الروح التي يستوعبها تبقى في سكينة الليل العاشق وتتمتع باحضان المحب؟
اتعلم حين تأخذ ذلك الجسد نحو الفناء كيفما شئت ,فان الروح تسير الى الخلود مسرعة ,والى الابدية محلقة ؟انها تذهب باتجاه السماء لتقيم حياة مع من عشقت ولكن بذلك الفضاء الرحب دون الارض.

ايها الموت ان نجحت بان تسرق اجسادنا من هذه الارض ,فاعلم بانك لا تستطع ان تفرق ارواحنا عن الفضاء ,فأنت والمادة (الجسد) ضعف متفرق ,وانا والروح قوة متحدة.

ندائي لمحامد الاخلاق ولغزال الاشواق اصبرا ,لان من لا يرى الاحزان لا يرى الافراح .


4 شباط 2009
من وارشو الى بغداد والحلة.

 

free web counter

 

أرشيف المقالات