| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأثنين 4/2/ 2008



بمناسبة الذكرى الستين لوثبة العراق الكبرى 1948

ذكريات ومفارقات، ودروس الطائفية المقموعة

علاء الدين الأعرجي *

في صراعه ضد القوى الإمبريالية الغربية، التي كانت بريطانيا تمثل رمزها البارز، منذ القرن التاسع عشر، بوجه خاص، سجل الشعب العراقي، بدمائه، ثورات وانتفاضات، نذكر منها خصوصا ثورة العشرين، وحركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941، ثم وثبة الشعب الصارمة والعارمة، في مثل هذه الأيام من كانون الثاني/ يناير 1948، حين أسقطت حكومة صالح جبر ومعاهدة بورت سموث، التي اعتبرتها الأحزاب الوطنية المعارضة مخلة بسيادة العراق واستقلاله ومصالحة الوطنية والقومية، ولا تختلف كثيرا عن معاهدة 1930، التي تكبل العراق بقيود صارمة.
ولئن أسفرت ثورة العشرين عن إنشاء حكومة "شبه وطنية" مقيدة ، كانت تعتبر ، مع ذلك، أفضل من الحكم البريطاني المباشر، الذي فـُرض على العراق نتيجة معاهدة سايكس بيكو، التي عقدتها بريطانيا سرا مع فرنسا، في نفس الوقت الذي كانت تقدم الوعود الكاذبة للعرب؛ فقد مهدت وثبة 1948 الشعبية، لانطلاق ثورة العراق، بعد عشر سنوات (تموز/يوليه 1958)، التي قضت على النظام السابق، الذي كان، بوجه عام، يسير في ركب الاستعمار البريطاني، كما هو معروف. ذلك الاستعمار الذي كنا نعتقد أنه، هو وحده، أصل الداء، ولكننا اكتشفنا، بعد "خراب البصرة". وبعد أن خبرنا "الحكم الوطني "، خلال نصف قرن أن أصل الداء يكمن، في معظمه، في تخلف "الأنا" الحضاري، وليس في مؤامرات "الآخر" وتجبره فقط:

                                 نعيبُ زمانـَنا والعيبُ فينا           وما لزمانِنا عيبٌ سِوانا

وقد شرحتُ هذه القضية الخطيرة في عدة بحوث ومقالات سابقة، نـُشرت في مجلات وصحف عديدة ومنها هذه الصحيفة الغراء، وفصلـّـته في كتابي"أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي بين العقل الفاعل والعقل المنفعل".
ونحن هنا لا نريد العودة إلى هذا الموضوع الواسع والمتشعب، بقدر ما نريد أن نـُذكـِّر فقط بكفاح الشعب العراقي، وتضحياته في وثبة عام 1948، من خلال تجربة شخصية مرّ بها كاتب هذه السطور. فنستعرض بعض وقائعها الحقيقية باختصار ودقة، قدر الإمكان . لأنها قد تعتبر مثالا متواضعا واحدا، من مئات بل آلاف الحالات المشابهة لصبيان وشبان عراقيين بذلوا أقصى طاقتهم وتحدوا النظام الذي كان قائما آنذاك، بأرواحهم، لأنهم كانوا يؤمنون أن خلاص بلادهم وتحررها من نير الاستعمار والسيطرة الأجنبية تتوقف عليهما مصلحة بلادهم ومستقبلها في التقدم واللحاق بركب الحضارة الحديثة.

القضية الطائفية لم تكن مطروحة بل مرفوضة
ومن جهة أخرى فإن أهمية التذكير بهذه "الوثبة" والتعبير عن بعض جوانبها، على الصعيدين الشخصي والتاريخي، ينبثق من كونها تعتبر مثالا جليا لتقييم القائد السياسي، بناء على منجزاته وتاريخه وتطلعاته ومشاعره القومية والوطنية، وليس بناء على انتمائه الطائفي، في أي حال من الأحوال.
العراق اليوم تشرذم بل أصبح ساحة حرب طائفية، أو بالأحرى، ما برح يتـمزق، ليس بسبب الآخر المحتل فقط، بل بسبب الفتنة الطائفية التي تعصف به . إن هذه الفجوة وما يتبعها من جفوة، بل عداء، مستحكِم قائم اليوم بين مجموعات متخلفة من السنة والشيعة في العراق ( ومن فئات خارجية دخيلة)، والتي انتقلت تداعياتها إلى بعض البلدان العربية المجاورة، أصبحت، بالإضافة إلى كونها كارثة محلية، تشكل أزمة عربية عربية، خطيرة يؤججها "الآخر"، ولاسيما إسرائيل، التي تسعى للتفرقة تحقيقا لمبدأ "فرق تسد". هذه الفتنة الطائفية التي مازالت قائمة في العراق، بكل أسف، جديرة بالتحليل والتعميق، من جانب المفكرين والمعنيين العرب، لاسيما في هذه الفترة الحرجة من تاريخ العراق المعاصر بالذات.
ومع أننا نأخذ بنظر الاعتبار مؤامرات "الآخر" ودسائسه الخبيثة، إلا أننا نعتقد أن هذه المؤامرات لم تأت أكلها لولا وجود أرض صالحة تستزرعها وتسقيها وتغذيها.لذلك حاولت تفسير وتنظير هذه الظاهرة عن طريق طرح بعض النظريات: نظرية "العقل المجتمعي" ونظرية " العقل الفاعل والعقل المنفعل"، ونظرية " صراع القيم بين البداوة والحضارة". وقد شرحت بعض أوجه هذه النظريات في كتابي "أزمة التطور الحضاري. . . " المشار إليه أعلاه.
ونحن نحاول الآن العودة إلى تلك الفترة التي حدثت خلالها الوثبة لنبرهن على أن مسألة السنة والشيعة لم تكن مطروحة أصلا. فرئيس الوزراء، صالح جبر، الذي يمثل أول رئيس وزراء شيعي تسلم الحكم بعد مرور قرابة ثلاثة عقود على إنشاء الحكم الوطني في العراق، رفضه الشعب العراقي بأجمعه، حيث يشكل الشيعة النسبة الأكبر، بوجه عام. علما أن الأحزاب الوطنية المعارضة كانت تضم مختلف الطوائف والأديان، بما فيها الطوائف السنية والشيعية. كما يمثل كاتب هذه السطور، الذي ينتمي إلى أسرة شيعية محافظة، مثالا واقعيا حيا، لمدى تحرر الشيعة، من قياس الزعيم بمسطرة التشيع والتسنن، بل أن هذا الموضوع لم يكن مفكرا به نهائيا لدى الشيعة عموما، حسب علمي على الأقل.
وبغية إثبات ذلك سنقدم للقراء نتفا من التجربة الشخصية لكاتب هذه السطور، حينما كان في مقتبل العمر. وهذه الشذرات تعبر عما عاناه من صعاب، وما تعرض له من أخطار، أثناء تلك الوثبة، ثائرا ضد صالح جبر، على الرغم من شيعيته، بسبب موقفه المهادن للإنكليز، والمعادي للشعب العراقي، حسب اعتقاده في تلك الفترة. وقد حاول الأخير، في أواخر أيام الوثبة ، العزف على وتر كون التظاهرات التي انفجرت ضده كانت بسبب انتمائه، وذلك بقصد تحويل الشيعة، الذين كانوا يمثلون أكثرية االجماهير الثائرة، عن موقفهم المناوئ له إلى موقف المؤيد له. ولكنه فشل في هذا المسعى. وفي الأيام الأخيرة للوثبة، أتذكر تماما أنني لاحظت، أثناء تظاهراتنا الصاخبة والدامية، وفي وقت أصبحت فيه الجماهير مسيطرة على شارع الرشيد، الذي يمثل قلب العاصمة؛ لاحظت ظهور منشورات تشير إلى ذلك، فحرصنا على تمزيقها أو إهمالها، وكنت من أكثر المتحمسين لرفضها. ولم تؤثر هذه المحاولة الأخيرة في إنقاذ صالح جبر، مما اضطره إلى الاستقالة ، أو بالأحرى أجبر عليها ، فسقط في مساء 27/1/1948، لاسيما بعد "واقعة الجسر" التي حصدت العشرات من المتظاهرين . علما أنني لم أشترك بهذه الواقعة، ولم أسمع بها إلا بعد وقوعها، لأنني كنت أصارع في موقع بعيد عنها كما يبدو.
ومع أننا كنا نعلم (كطلاب)، أن الأحزاب السياسية المعارضة(حزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي وحزب الأحرار وحزب الشعب والحزب الشيوعي العراقي، وهي أحزاب فيها خليط من الشيعة والسنة والمسيحيين واليهود، على السواء، دون أن تكون قضية التفرقة الطائفية أو الدينية مطروحة أصلا)، أقول تلك الأحزاب وقفت ضد إبرام المعاهدة وضد الحكومة، ودعت الجماهير إلى التظاهر لإسقاطهما؛ إلا أن معظم التظاهرات كانت عفوية أكثر من أن تكون منظمة وموجهة سلفا. فجميع المظاهرات التي اشتركت فيها، لم تكن فيها قيادات واضحة منظِمة ، بل كانت شبه فوضى تتحكم بها الآراء الشخصية الآنية. ومع ذلك كانت هناك توجيهات تنتشر بيننا بشأن مكان وزمان اللقاء في اليوم التالي مثلا. وهي تصدر على الأكثر من لجان الطلبة، الموجهة من بعض الأحزاب.

ذكريات ومفارقات شخصية
في معظم تلك الأيام العصيبة والمثيرة، التي منع فيها منع التجوال كان كاتب هذه السطور يخرج من بيته، الذي يقع في الحي السكني الهادئ؛ الكرادة داخل (هويدي)، والذي كان يعتبر بعيدا عن مركز بغداد (أصبح اليوم جزءا من المركز، وتحدث فيه غالبا كثير من التفجيرات)؛ أقول، يخرج متلصصا، في فجر كل يوم من الأيام الحاسمة للوثبة. وأحيانا يلقي نظرة دامعة على أخواته المستغرقات في أحلامهن، ويتوقع أنها قد تكون نظرة اللاعودة الأخيرة. ولا ينسى أن يحمل في جيبه شيئا من كسرات الخبز "البايت" أو اليابس، (من جوة النجانة، مكان حفظ الخبز)، وبعض التمرات الجافة (الزهدي الجسب) ، وكتابا مدرسيا للتمويه، ليبدأ رحلته الخطرة والمرهقة على الأقدام ، التي تتجاوز الساعتين، متخفيا بين الأحراج، في بساتين "الكرادة" الكثة وخلف جذوع النخيل الباسقة. وإذا وصل مركز المدينة، فبين"الدرابين"، أي بين الأزقة الأثرية الضيقة في أحياء بغداد العتيقة، ومنها السويدان والدهانة والشورجة والحيدرخانة والميدان، متوجها إلى حي المعاهد العالية في الباب المعظم، وهكذا يتجنب دوريات الشرطة الراكبة والراجلة، التي كانت منتشرة في جميع الطرق الرئيسية والساحات العامة لتفعيل منع التجوال. ومع ذلك لم ينج ُ من ملاحقة شرطة النظام. ففي بعض المرات قبضوا عليّه متلبسا بجريمة انتهاك "حُرمة" أوامر منع التجوال. فيقول ببراءة : "عمي، آني رايح البيتنة، بعكد السويدان، جنتْ بيت صديقي "محمد" دندرس للامتحان". (أي: إنني عائد إلى بيتنا في حي السويدان، وكنت مع صديقي "محمد" نحضر للامتحان ). ويتغير تحديده لحي إقامته، الكاذب، تبعا لمكان إلقاء القبض عليه. وفي إحدى المرات وجد نفسه وجها لوجه أمام مفوض شرطة عملاق أخذ بتلابيبه، وهو مستسلم لأشد العقوبات التي يهدد بها رئيس الوزراء ومنها الاعتقال. لكنَّ الشرطي يتوقف فجأة ويهتف قائلا: ابن الأستاذ السيد صادق؟ في هذه اللحظة نظر كاتب السطور إلي الشرطي مستغربا، فعرفه: أحد أبناء الفلاحين من سكان "الكرادة" الأصليين الطيبين الذين يزورون والد الصبي في بعض المناسبات والأعياد، ويتمتعون بأحاديثه التاريخية والدينية الشيقة، وكان الصبي يقدم لهم الشاي أو "الشربت" و"الكليجة"( كعك العيد)، كما كان هذا الشاب/ الصبي، الذي أصبح مفوضا للشرطة، يحضر أحيانا مع والده. والأهم أن "الولد" المطلق السراح، تنفس الصعداء وحـَمَدَ الله على السلامة، بل انتعش وانتفش، حين اعتذر الشرطي منه. إلا أنه فوجئ بسؤال هذا الشرطي له بتوجس: "لكن أنت وين رايح بعيدا عن بيتكم اليوم ؟". وهنا استجمع "الولد" شجاعته، وقال له بكل تحد ٍ وكبرياء وبلاغة: "أنا سأقوم بواجبي الوطني الشريف، وأنت مضطر للقيام بواجباتك القذرة". وانطلق راكضا، قبل إنهاء عبارته الأخيرة، والشرطي يصرخ:عد من حيث أتيت، فلدينا تعليمات مشددة بمنع التظاهرات بأي ثمن، وإلا سألقي القبض عليك . . . . لكنه كان قد أبتعد كثيرا قبل أن ينهي عبارته، مستغلا تسامح هذا الشرطي الصديق.

مَشاهد من مظاهرات حامية
خلال الفترة من 5 كانون ثاني/ يناير 1928 ، تاريخ مظاهرة كلية الحقوق حتى 27 منه، حيث أضطر رئيس الوزراء صالح جبر أخيرا إلى الاستقالة، وألغيت المعاهدة الجديدة. حصلت أحداث خطيرة وكثيرة: فورات شعبية، معارك دموية، بين جماهير غاضبة عزلاء وقوات شرطة مسلحة تهاجم المتظاهرين. بيانات تهديد ووعيد،أو بيانات مهدئة ومطمئنة، واجتماعات على أعلى المستويات مع الوصي عبد الإله ورؤساء الأحزاب والسياسة. وسنصف مظاهرتين أشترك فيهما كاتب هذه السطور بحماس.

مظاهرة كلية الهندسة
في أحد تلك الأيام العاصفة، التي منع فيها التجوال، اتفقنا نحن الطلبة الخروج في مظاهرة، خططنا مكان انطلاقها ومسارها . فوصلتُ إلى موقع اللقاء بالقرب من كلية الهندسة، بالطريقة التي وصفتها. وكانت الكلية مغلقة من الناحية الرسمية، لذلك كان من المفروض أن ننتشر، بدون أن نجلب النظر، في الشوارع الفرعية وبين الأشجار والبنايات والحدائق العامة. وما أن دقت ساعة الصفر، وفي خلال فترة دقائق خرج عشرات الشباب والصبيان من مكامنهم، وشكلنا كتلة يشرية متراصة متكاتفين بالأذرع، فكنت في الصف الثاني أو الثالث، لا أذكر، بالضبط.
وبعد دقائق نظرت إلى الخلف فإذا بالمظاهرة أصبحت ربما تقارب المئات. وبعد أن توغلنا قليلا في الشارع المؤدي إلى ساحة باب المعظم، حيث كان هدفنا المرحلي الأول، ومنها إلى أهم شارع في وسط بغداد" شارع الرشيد "، حسب الخطة؛ وإذا بمفرزة من الشرطة الراكبة بعربة نصف مصفحة، يتبعها عدد من الشرطة الراجلة تعترض طريقنا. وما هي إلا لحظات حتى هجم علينا عشرات الشرطة ضربا بمقابض البنادق الصلبة، وأذكر أنني تلقيت ضربة، فسقطت مغشيا عليّ . وعندما أفقت وجدت نفسي في حفرة على جانب الشارع ، لا أدري كيف وصلت إليها. ورأيت بعض الطلاب يتراكضون ويدخلون إلى كلية الهندسة. فتحاملت على نفسي وركضت معهم فدخلنا المبنى. وأغلقنا الباب الرئيسية. وأخذ الطلبة يلقون بالحجارة على الشرطة . ولكنني كنت عاجزا عن مشاركتهم، فدخلت إلى قاعة الكلية، وتهالكت على الأرض واستسلمت للنوم أو للغيبوبة، لا أدري. واستيقظت بعد فترة على صوت الزميل صالح جواد الكاظم( الأستاذ الجامعي فيما بعد) يخطب في الطلاب اللاجئين إلى المبنى، ثم يعلن أننا محاصرون من جانب قوات الشرطة. وبقينا مسجونين في المبنى حتى المساء. ثم أخرجونا فرادى. وعلمت أن عددا، من الزملاء تم توقيفه وعددا آخر نقل إلى المستشفى .

معركة الكلية الطبية
وفي يوم آخر من تلك الأيام الحالكة والساطعة، كنا على موعد للقاء في المدخل المؤدي إلى الكلية الطبية، لننطلق من هناك ، حسب الخطة، إلى ساحة باب المعظم ومنها إلى شارع الرشيد، أهم شارع في وسط العاصمة. وقبل أن نبدأ التجمع، وكان عددنا بالعشرات فقط ، وإذا بمفرزة من قوات الشرطة تتوزع في الشارع المقابل لذلك المدخل أو بمحاذاة سياج "بهو الأمانة"، وتأخذ أوضاعا قتالية، وكأنها تقابل معركة مع فرقة أعداء كاملة. وكانت الرشاشات والبنادق موجهة إلى المدخل. تفاوضنا أولا مع قائد المفرزة، ليسمحوا لنا بالخروج باعتبار أن مظاهرتنا سلمية. قال بأدب وحرج :أنا مضطر لتنفيذ الأوامر بمنع أي مظاهرة بجميع الوسائل. وبعد أخذ ورد، بدون جدوى ، بدأنا المناوشات بقذف الحجارة على الشرطة، وكنا لا نتجاوز بضعة أفراد. ومن الطلاب الذين أذكرهم معنا "خلوق أمين زكي:، الطالب في كلية الحقوق . ولكن الشرطة واجهتنا بإطلاق الرصاص. ،فتحمسنا أكثر، وكنت في مقدمة عدد قليل جدا، لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، من المتظاهرين المتحمسين. وأتذكر بوضوح أن الطالبة سميرة صبحي أديب(الدكتورة فيما بعد، وزوجة المرحوم الدكتور قتيبة الشيخ نوري)، كانت تحاول تهدئتنا خوفا على حياتنا من" هؤلاء المجرمين"، على حد قولها. كما كانت المرحومة فاطمة الخرسان(دكتورة فيما بعد)، تساعدنا فتقدم لنا الحجارة المناسبة للرمي، وتحاول أن تكسّر قطع الآجر(الطابوق) الذي انتزعناه من سياج الكلية، كذخيرة حيّة، كما تشارك أحيانا في قذف الحجارة، وهي تتستر بالسياج.
وفي إحدى المرات التي كنت فيها أتقدم بل أتقحم وأقذف الحجارة، كما قال الجواهري:

تقحمْ، لـُعنتَ، أزيز الرَصاص، وجرب من الحظ ما يـُقسمُ
فإما إلى حيث تبدو الحياة لعيـنـيـك مـَكـْرُمة ً تـُغنمُ
وإما إلى جَـدَثٍ لم يكن ليفضُله بيـتـُك المُـظلمُ ؛

كان الرصاص يلعلع، كنت في المقدمة مع طالب آخر يتأخر عني خطوة أو خطوتين فقط. وحدث المُصاب!!!. حدث ما كنا، في نفس الآن، نتوقعه ونستبعده، مأخوذين بحماسنا لقضية تحرير أمتنا بأي ثمن؛ ولكن فورة الحياة في هذه السن ووعي الإنسان، بعمق طاغ، بوجوده العامر والغامر، كجزء من غريزة المحافظة على الحياة نفسها، يجعلك تستبعد الموت، أو حتى تتخيل حقيقته، الذي يمكن أن يكون أقرب إليك من حبل الوريد، لاسيما في هذا الموقف الخطر، بل المتفجر.
ومنذ ستين عاما، ما زلت أتذكر أزيز الرصاصة، التي كانت تقصدني، كما أظن، فأخطأتني بمعجزة، إذ مرت إلى جانب أذني اليمنى مباشرة، ربما بمسافة لا تتجاوز سانتمترا واحدا. ثم أصابت هذا الطالب الشهيد بدلا عني، فتفجر رأسه وسال دماغه على بلاط الشارع . توقفنا قليلا عن الرمي وانسحبتُ إلى داخل سياج الكلية، بينما توقف إطلاق النار. ثم جاء أحد موظفي الكلية الطبية (أو ربما طالب، لا أعرفه) يحمل إناء طبيا وقطعة من "الكوز"، فجمع الدماغ، من على بلاط الشارع وذهب به إلى عمادة الكلية، ثم عاد بعد فترة قصيرة ليعلن، وهو ينحب، عن استنكار العميد الدكتور هاشم الوتري واستقالته مع الهيئة التدريسية. وعلمنا بعد انتهاء الأحداث أن مدير الشرطة العام بعث إلي عميد الكلية الطبية برسالة يعتذر فيها عن الحادث المحزن ويضيف أنهم قاموا بتشكيل لجنة للتحقيق في أسباب مقتل هذا الطالب. ولكننا لم نسمع شيئا عن نتيجة التحقيق، الذي أعتقد أنه لم يحصل أصلا.
هذا الحدث زادنا تحمسا. ومع توقف إطلاق النار، واصلنا رمي الحجارة بشدة ، فانسحبت قوات الشرطة فجأة. وهكذا انطلقنا راكضين وهاتفين في الشارع المؤدي إلى ساحة الباب المعظم القريبة، حيث كانت مفرزة شرطة أخرى تطلق الرصاص في الهواء. وهنا لاحظت انضمام بعض المواطنين العاديين الذين أخذوا يقذفون الحجارة معنا. على قوات الشرطة فأخذت أشجعهم: وأصرخ بهم: " عفية عفية، شوية ساعدونا يا أخوان، هذا وطنـّا كلنا" وما إلى ذلك، بقدر ما أتذكر تقريبا (عفية معناها أحسنتم، أو بخ بخ، وشوية، معناها قليلا). وأقبلت على بعضهم، وأنا أضحك ضحكات هستيرية ، ودموعي تنهال في نفس الوقت،أعانقه وأولول بعبارات لا أدري ما هي: ربما خليط من التشجيع والترحيب والنخوة والحماس. وعندئذ انسحبت قوات الشرطة بسرعة أيضا مخلفة عربة شرطة نصف مصفحة. حاولنا إحراقها، حتى أنني استلفت علبة كبريت، من رجل (لابس جراوية ) ورحت أضع، بغباء، عود الثقاب المشتعل في فتحة خزان الوقود، ومن حسن الحظ أعتقد أنه كان خاويا.
وسرعان ما أصبحت ساحة باب المعظم الشهيرة، التي تقع فيها المكتبة المركزية وتتفرع منها عدة شوارع مهمة منها شارع الرشيد، تغص بالجماهير الغاضبة والهاتفة مثلا، باللهجة العراقية المنغـَّمة :" نوري السعيد القندرة" فيجيب فريق آخر"صالح جبر قيطانها". أي نوري السعيد الحذاء وصالح جبر شريط الحذاء أو مشده.
ومما يستحق التسجيل والفخر، أنه خلال جميع هذه الوقائع، وأثناء أيام الوثبة العاصفة لم تحصل حسب علمي أية حوادث سلب ونهب للمحال التجارية الكبرى، التي يعج بها شارع الرشيد، وأسواق بغداد الحافلة بالسلع المختلفة. علما أن قوات الأمن والشرطة اختفت تماما من الشوارع الكبرى التي احتلتها الجماهير الغاضبة. مرة واحدة لاحظت أن شخصا عاديا من المتظاهرين، كان يركض قريبا مني في وسط شارع الرشيد، المقفر تماما من المرور وقوات الأمن طبعا، قذف حجرا نحو الواجهة الزجاجية لمحل تجاري كبير. فتملكني الغضب وقفزت نحوه آخذا بتلابيبه: وصرخت بوجهه" لماذا فعلت ذلك؟ فأجاب:"إنه يعود لمالك يهودي " . فأجبته" يا أخي، أنت تشوه المظاهرة بهذا العمل".
ولا بد أن أشير إلى أن موقف أهلي من نشاطي هذا كان متسامحا جدا، مع انهم كانوا قلقين إلى أقصى حد على ولدهم الوحيد. فلم يؤنباني أو يمنعاني من الخروج. بل كانت أمي تستعطفني، وتذكـّرني أنها ستموت حزنا إذا حدث لي عارض، وتقول إنني أصلي وأدعو الله أن يحرسك. ولكنها قالت لي فيما بعد أن والدك قال إنه يتمنى أن يكون معكم.
وأتذكر أنني عندما عدت في مساء اليوم الأخير الحاسم (27 كانون الثاني/ يناير 1948) إلى البيت، منهكا، وقد عضني الجوع الشديد والإعياء البالغ، بعد أن قضيت طيلة ذلك اليوم في التظاهر مع مئات الآلاف من الحشود من جميع طبقات الشعب، بادرني أبي بالتهنئة على نجاحنا بإسقاط حكومة صالح جبر، وكانت أمي تهلهل وهي تستمع إلى البيان الذي أذاعه الوصي باستقالة حكومة صالح جبر. وهنا ينبغي أن نتأمل بدقة موقف هذه الأسرة التي تمثل نموذجا لمعظم الأسر الشيعية المحافظة، من الطبقة المتوسطة، التي كرهت هذا الرئيس (رغم شيعيته) لأنها تعتقد أنه خان شعبه، ولا تفكر أصلا بتقييمه بناء على مذهبه. ولم يشر والدي في أي من أحاديثه المسهبة معي، حول الوضع السياسي العام، إلى هذه النقطة أصلا.
وفي نفس الليلة، التي كانت أسعد ليلة في حياتي، عدت أدراجي إلى الباب الشرقي، في مركز العاصمة، وأنا ألتهم لفتي التي زودتني به الوالدة) رغيف الخبز العراقي الذي ينطوي على شيشين كباب بغدادي مع السماق والكراث والمعدنوس)، بشهية عارمة. وجدت الجموع محتشدة تهتف: "فاليحية وصينا سـًقـّـط الخاين"، وتخاطب صالح جبر متسائلة" وين تنام هالليلة؟!!" كل ذلك بترنيم ملحن، نسميه بالعراقي "بستة". ربما تقابل في اللغة المصرية "طقطوقة". بقيت أحتفل مع تلك الجماهير الحاشدة حتى ساعة متأخرة. واستمرت الاحتفالات حتى الصباح.
ولم يظهر أثناء هذه التظاهرات، في تلك الليلة التي لم تنم فيها بغداد، أي من قوات حفظ الامن والنظام، التي تعرف مصيرها لو ظهرت. ومع ذلك لم أشهد ولم أسمع بحصول أي اعتداء على الأموال العامة أو المحلات التجارية العامرة بالسلع والمواد الثمينة، في تلك الليلة المشهودة. وهذا يدل على وعي الجماهير وترفعهم عن القيام بأي عمل يشوه وثبتهم الظافرة.
ملاحظة مهمة: استعنت في تدقيق بعض التواريخ والمواقع والأحياء البغدادية القديمة ببعض الزملاء الذين عاصروا أحداث الوثبة، واشتركوا فيها بنشاط، ومنهم الأخ الدكتور شاكر الجنابي والأستاذ الفاضل غالب مقصود، صاحب الكتاب المتميز "سوالف بغدادية"، الذي يمكن أن يعتبر مرجعا تاريخيا قيما للأحياء البغدادية القديمة، فضلا عن العادات والتقاليد العراقية التي آلت إلى الاندثار.


*
محام/ كاتب من العراق يقيم في نيويورك



 


 

Counters

 

أرشيف المقالات