| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأثنين 5/2/ 2007

 

أرشيف المقالات

 

غرفة في الباب الشرقي


غالب غزاي ساجت

نظر سلام من فتحة ثقب الباب وقال هامساً : رجال بملابس القطعتين، إنهم ( رجال الأمن )، وسط باحة الدار .. من دلهم علينا ؟؟
كان الوقت صيفاً، وشوارع بغداد تغص بالشيوعيين المطاردين، من قبل أزلام أمن السلطة، في أشرس حملة منظمة ضد تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، في نهاية القرن الماضي .
لقد إبتدأت السلطة بحملتها الشاملة ضد الحزب الشيوعي العراقي، بإعدام ( 31 ) شيوعياً عسكرياً، بحجة وجود تنظيم عسكري مزعوم داخل الجيش، والإعداد لمحاولة إنقلاب عسكري، بينما الحقيقة هي إن السلطة كانت تعد العدة لقيام نظام دكتاتوري شمولي، لذلك أعدمت سهيل شرهان وبشار رشيد ورفاقهم .
كان المعتقلون من الشيوعيين يصمدون حتى الموت أمام جلاديهم، فيما أجبرت أعداد كبيرة منهم على الإختفاء من أعين الأمن، لغرض تدبير الظروف الملائمة للصعود الى كردستان، أو السفر الى الخارج .
السلطة في تلك الفترة، كانت تثقف تنظيماتها ( حزب البعث )، بأن عام 1980، هو عام نهاية الحزب الشيوعي العراقي، وكانوا يحثون الخطى نحو هذا الهدف البغيض، ويكرسون له كل أمكانياتهم القمعية الهائلة، من قوى أمن ومخابرات ومخبرين .
كان الوقت بين سماعنا لصرخة سالم والتفكير بما يمكن عمله ثواني قليلة، إلا إنها كانت دهراً، في ذلك البيت المزوي في الباب الشرقي .
أن تجد ملاذاً آمناً يحميك من عسس المخابرات، هو هاجس دائم لكل الشيوعيين المختفين عن أعين السلطة، فقد تفرق الرفاق المختفين في محلة الصابونجية، بعد إن طالت الإعتقالات عدد كبير منهم، وكانت أحدى غرف هذه المحلة العتيقة في باب المعظم تضم مجموعة من الرفاق الذين قدموا من المحافظات، حيث كانت تضم أحدى الغرف بين 10 الى 12 شخصاً، وقد إستشهد عدد منهم، الشهيد كفاح إبراهيم والشهيد آيدن جواد والشهيد ظافر جابر والشهيد عدنان حسين الهلالي والشهيد كريم السيد، ذلك الشاب الحيوي، الذي تلتمع في عيونه كل معاني الحياة والحب والبساطة الوضوح للكادح العراقي .
أهتدينا أخيراً أنا وسعيد، بواسطة صديقنا عدنان، عم الشهيد مناضل عبد العالي موسى، الى إستئجار غرفة، خلف سينما غرناطة، في الباب الشرقي .
كان عدنان أحد أبطال المقاومة الشعبية التي تصدت لقطعان الحرس القومي في عام 63، وهو عراقي أصيل ذو مكانة متميزة في هذه المنطقة الشعبية في الباب الشرقي، وكنا نلقبه بالسريع، نظراً لنشاطه وحركته السريعة، وإستعداده الدائم لمساعدة الآخرين، ومساعدتهم في شتى صنوف الحياة . وقد ساعدنا في إستئجار الغرفة بكفالته، وقد إتفقنا أنا وسعيد وعدنان، بأن لاأحد يعرف طريقاً الى هذه الغرفة مهما كانت الأسباب، وهذا ماحصل فعلاً، حيث سكنا أنا وسعيد، دون أن يعرف بمكاننا احد .
عاد سعيد من وحدته العسكرية، حيث كان يؤدي الخدمة الإلزامية، وكانت السلطة قد أصدرت قانوناً يقضي بإعدام، كل شيوعي عسكري، يتهم بممارسة نشاط تنظيمي مهما كان بسيطاً، عدا النشاط في حزب البعث، وهكذا عاد سعيد للإختفاء معنا .
في تلك الفترة ألتقيت بحميد، الذي كان قد هرب من الخدمة العسكرية، وعمل وسكن في فندق يقع في شارع الرشيد، قرب الشورجة، وكان يتحرك بوثيقة هي دفتر الخدمة العسكرية لإخيه، والتي تحمل نفس الإسم .. كان وضع حميد بائساً وصعباً، وكان حينها بلا صلة حزبية، حيث حدثت مشكلة خطيرة تتعلق بتدبير هروب مجموعة من الرفاق الى الكويت عن طريق تل اللحم، إلا إنه أخفق في العملية ولم يلتزم بالحضور للمكان، وعرضهم الى خطر حقيقي، مما أفقد ثقة الرفاق به، وحذر التنظيم من الإتصال به . إلا أني وبجهد شخصي، وجدت له صله حزبية رغم صعوبة الظروف وتعقيداتها فيما يتعلق بالخطوط الحزبية، وكنا نلتقي به في مقهى قرب الشورجة كنا نسميها ( أفواه وأرانب ) نسبة للمسلسل العربي الشهير في تلك الأيام، والذي كان يعرضة تلفزيون المقهى .
كان حميد يعمل ويسكن في فندق بشارع الرشيد قبل أن يتركه، ويعمل معه شخص لبناني إسمه جمال، وكان يستلم جوازات ساكني الفندق، وكنا نفكر بكيفية تدبير طريقة للخروج من العراق، وقد قمنا بمحاولة إستصدار جوازات سفر من بغداد بطريقة الأمر الإداري، لكنها فشلت .
كتب سمير هامش مرة، شعراً نثرياً، في أحدى حالاته وهو يصارع من اجل الحصول على جواز سفر ( ضرب القنصل بيده على المنضدة وقال، إذا لم تحصل على جواز سفر فأنت لامحال هالك .. لامحال هالك )، سمير هامش الذي هلك في حروب النظام العبثية، كان شاباً يحلم بمدن سعيدة وأطفالاً تغني في ليلة صيفية مقمرة، كنا هو وباقة رائعة من شباب الناصرية، أحمد موسى وزكي عطا ومنير فاضل وأحمد عبد علي وناصر خزعل وعلي شبيب وسعد شهاب وغيرهم، كانت تجمعنا لقاءات يومية حلوة وسهرات رائعة وجميلة، مرة في نادي الموظفين، ومرات في بيت سمير هامش، ذلك البيت العتيق في شارع الحبوبي . نتحاور ونتجادل ونضحك ونسمع شعراً وموسيقى ونتابع المسرح، ونحلم بعالم خالي من الظلم ، يحترم الإنسان .
في بغداد إقترح حميد على جمال إن كان بإمكانه تدبير جوازات سفر له ولنا، فأبدى إستعداده، وقال إن القضية ليست بالصعبة، وزاد بإنه يستطيع إبدال الصور ووضع صورنا محلها، مقابل مبلغ من المال، وقد أوصل حميد الفكرة لنا، فأستحسناها وإشتغلنا بهذا الإتجاه، خلال هذه الفترة كانت لقاءاتنا بحميد منتظمة، في نفس المقهى، حيث لم يكن يعرف مكاننا بالمطلق .
خلال تلك الفترة كانت بغداد تتهيأ لدخول بوابات الجحيم، حيث ذكرى إنقلاب 68، والأجواء عام 79، مهيأة لإستلام صدام حسين السلطة من احمد حسن البكر .
هيئنا الظروف الخاصة بموضوع الجوازات، حيث جهزنا الصور، ومبلغاً من المال، جرى الإتفاق عليه، وهنا لابد من الإشارة الى إننا لم نلتق بجمال، بأستثناء مرة واحدة إلتقاه فيها سعيد، وكان ذلك بإتفاق معنا، لمعرفة مدى جدية هذا الشخص، ومعرفته شخصياً . لم يتبين شيء من لقاء سعيد به، وهكذا مضينا بالخطة .
في يوم 16 – 17 تموز أبلغنا حميد بأن الجوازات أصبحت جاهزة، وسيقوم بإستلامها عندما نتفق معه على الموعد بالضبط، وفي الليلة التالية أي يوم 17 – 18 تموز، وكان يوم إحتفال السلطة بإنقلابها المشؤوم، وكذلك تسلم صدام لمقاليد السلطة بشكل رسمي، وقد تحولت بغداد الى ثكنة لرجال الأمن والمخابرات، وكذلك الجيش والشرطة، التي لاتغيب عنهم أية شاردة وواردة .
لقد قررنا، أنا وسلام وسعيد وحميد، بأن نسافر حال إستلامنا الجوازات الى الأردن، وقد تحركنا على شركات النقل في منطقة الصالحية لجمع المعلومات، بعد إن تأكدنا بأن كل شيء يسير على مايرام !!
في ليلة 17 تموز خرقنا قرارنا ووعدنا الذي قطعناه على إنفسنا بأن لاأحد يتعرف على مكان الغرفة بإستثنائي وسعيد، ففي تلك الليلة جئنا بحميد، على أساس إن هذه الليالي هي الليالي الأخيرة، وليس من المعقول أن يحصل ماهو غير محسوب، وبهذه السرعة .
كنا في تلك الليلة قد إفترشنا سطح المنزل، مع نزلا ء الدار الآخرين، تلك الدار البغدادية الطراز، التي تحتوي على عدد من الغرف، بطابقين ، تتوسطه باحة واسعة .
نمنا تلك الليلة على سطح الدار، ونحن نتابع من شاشة التلفاز الذي يعود لأحد النزلاء، وبالمناسبة فالنزلاء كلهم من المصريين العاملين في العراق، وهو ما أفادنا لاحقاً، وكنا نتابع البهرجة والضجيج الإعلامي، الذي يصاحب عادة إحتفالات النظام . وكان حميد يحدثنا عن الفرق، بين ان تنام في فندق والنوم على سطح دار .
بعد أيام أنطلق سعيد وحميد، اللذان كانا على موعد مع جمال لإستلام الجوازات، وبقينا ننتظرهم أنا وسلام مرت نصف ساعة تقريباً قبل أن يعود سعيد مسرعاً، ليبلغنا بأن في الأمر مؤامرة ووشاية، وإن جمال متعاون مع الأمن ، وقد تم إعتقال حميد.
كان الوقت بين عودة سعيد ووصول رجال الأمن الى ساحة البيت قصيراً جداً، أذ لم نكن لنتصرف ونحن حبيسي غرفة البيت، والسؤال الرئيسي، من دلهم علينا ؟؟ ومن قادهم الى البيت بهذه السرعة ؟؟ فتح سلام باب الغرفة وقال أتبعوني، تحركت خلفه الى الباحة، وكانت تغص برجال الأمن المنهمكين بتفيش الغرف والبحث عنا، وكانت أشكالنا التي تشبه السحن المصرية قد أفادتنا تماماً .
ونحن نخطو خطواتنا العشر أو الثمان، والتي تفصل بين غرفتنا والباب الرئيسي للدار، إستللنا بهدوء وحذر، حيث كانت مسافة بين الحياة والموت، لم يتلفت أحدنا الى الوراء، وكأن الأمر طبيعي، حتى لانثير شكوك رجال الأمن، وأول ماوطأت قدماي دكة الباب الثانية نزولاً كانت هناك ثلاث سيارات ( لاندكروز ال .. التي يستخدمها رجال الأمن، متوقفة على بعد خمسة أمتار من الباب، ووقعت عيني على من كان جالساً بالسيارة الأولى، وهو متلفع بيشماغ أحمر ، إنه حميد وكان مذعوراً .. لقد خاننا .
أسرعنا الخطى بعد الخطوة الأولى بإتجاه محلة الفناهرة ثم السنك، و كانت المسافة بين البيت والأزقة بين 50 الى 70 متر، وأخذنا سيارة تكسي بعيداً عن الخطر... في عصر نفس اليوم ألتقيت بالصديق عدنان السريع وكان يبكي، وأبلغني بإعتقال سعيد .
رتبنا أفكارنا ووضعنا، بما يجب علينا أن نعمله لاحقاً، وتلك حكاية أخرى .