| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأربعاء 5/3/ 2008

 

نحن و هم .. مقاربة للمسألة الدنماركية

سعد صلاح خالص

الخوض في موضوع مثل الرسوم الدنماركية بدون "باقة" الخطابة المعتادة أشبه بالمشي على حبل فوق فوهة بركان في هذا الجزء من العالم. فعندما يستثار "المقدس" هنا تغيب كل العقول وتغشى الأبصار ويسود الجمعي على الفردي حتى يتم تفريغ الشحنة المركزة في مظاهرات وصراخ ومقالات وتنديدات ومقاطعات، و ربما بعض أعمال العنف، لا تلبث أن تخبو بعد حين.
وبالطبع، فإن رجال السلطة و الدين سيقفزون إلى حمّى المزاد في محاولة إثبات من هو أكثر أيمانا و حبا بالرسول أمام الجموع ، وهي فرصة ذهبية لإلهاء الجميع عن التردي اليومي وفقدان لقمة الخبز وأكوام المعضلات التي تواجه هذه الجموع يوميا التي تخلت عن الحلم بحياة كريمة منذ أبد بعيد، و باتت تحلم بالبقاء على قيد الحياة وحسب و هو ما يحرص الأخوة الأعداء- رجال القصر و رجال المسجد- على استمراره . ثم يأتون إلينا بابتكارات مثل اقتراح قانون دولي لتجريم الإساءة للأديان ، أو حوارات بين الأديان، أو توضيح الصورة المشوهة و إبراز تلك المضيئة للدين و ما إلى ذلك.
والواقع يشير بأن كل ذلك هراء و متاجرة، لأن المعضلة ليست في اختلاف الأديان، و لا في عدم وضوح الصورة ، و إنما في مفهومين مختلفين ورؤيتين متناقضتين للعالم و الإنسان والحياة و التاريخ والعقل والأيمان. ولا يعني ذلك بأن هنالك طرف محق وطرف مخطئ، فالجميع على حق. فالمسلمون محقون في الاستياء و الشعور بالإهانة مقابل أحقية الغربيين في الدفاع عن قيم حرية التعبير، ولذا لا مجال لحوار بين طرفين لا يفهم أحدهما البناء الفكري و الثقافي للآخر و لا يسعى لذلك أصلا، وأتحدث هنا عن الإنسان العادي، أو كما نسميه رجل الشارع، و ليس عن المتنطعين من الساسة أو رجال الدين أصحاب المصلحة و المشاريع العلنية والسرية، كما ظهر في اجتماع أصحاب المهنة المنقرضة في أغلب دول العالم المسماة بوزير الإعلام، الذين اتفقوا على تحريم المساس بالرموز الدينية والوطنية (وقد اقحمت الدينية إقحاما فالرمز هنا ليس بالضرورة رمز هناك) و المقصود بالطبع هو عدم المساس بأصحاب الجلالة و السمو والسعادة والنيافة و الفخامة و لا بأس من إقحام بعض وعاظ السلاطين معهم بعد أن تجرأ البعض على استخدام الفضاء للمساس بأكثر الخطوط احمرارا في العالم العربي.
يتصور الفكر الديني العالم أجمع و الإنسان و الطبيعة في إطار محدد و مغلق عليه تحمّل عبء كل صغيرة و كبيرة في الحياة، فالصراعات العالمية صراعات بين المسلمين و المسيحيين (الصليبيين) و اليهود، و كل ما خلا ذلك باطل، فالإنسان كائن ديني بالضرورة وهو بالتعريف مسلم أو مسيحي أو يهودي (كتابي) أو كافر (غير كتابي أو ملحد) قبل أن يكون إنسانا، ولذا فإن التحليل السلوكي للبشر في إطار الفكر الديني يتحدد فقط في هذا التعريف لأن الإنسان اللاديني لا وجود له. ولا يقتصر هذا على الإسلام فحسب بل هو إطار عام لجميع أصناف الفكر الديني منذ أن تطور من تفكير و تأمل فردي إلى مرحلة العقيدة الاجتماعية الشاملة و منها إلى إيديولوجيا سياسية، حيث لم يشفع الإيمان بنفس الإله للآخرين من تهمة المروق وبات المتطرفون من سدنة هذه الأديان جميعا يحاولون إثبات بأن اله الآخرين هو غير إلههم أو أن الآخرين قد حرّفوا و شوّهوا وغير ذلك من صنوف الجدل الذي يمكن تتبعه بسهولة عبر ألاف المطبوعات و الصفحات الإلكترونية المكرسة لإثبات صحة هذا وباطل ذاك. وبما أن كل دين يعتقد بأنه الحق الوحيد على الأرض و أن قبوله الهش بالآخرين إنما هو من قبيل "قيم التسامح فيه" فإن هذه التربية الاجتماعية التي تحقن في الأطفال منذ الصغر عائليا و مدرسيا و إعلاميا تقطع كل سبيل لتفهم الآخر و التعامل معه، ولذا يأتي رد الفعل على الرسوم الدنماركية مشوّبا برد فعل على المسيحية و اليهودية، و على مواطنين عاديين لا ذنب لهم بالرسوم وغير معنيين بكل هذا الجدل، فالإنسان الفرد في نظر أبناء العقيدة الكليانية الشاملة لا وجود له فهو بالضرورة عدو ما دام من مواطني ذلك البلد، و لابد أن يكون مسيحيا أو يهوديا ولابد أن يكون موافقا على هذه الإساءة، لأنه لا يمكن أن يكون إلا كذلك، ففكرة الاختيار الفكري الحر لا وجود لها في نظر هذا النوع من العقائد، التي علّمت أبناءها بأن الدين حقيقة عضوية تسري في الدم وليست فكرية، فحتى التزاوج مع الآخرين ممنوع ، بل ويصل الاختلاف في المعتقد إلى درجة وصم الآخر بالنجاسة ( وعندنا يحدث هذا حتى بين المذاهب ضمن الدين الواحد على بعض المستويات). و في سياق احتكار الحقيقة (بما فيها احتكار الإله ذاته) تكاثر المتحدثون باسمها و اسمه، فبات الكل وكيلا له ومقدسا بالنيابة عنه و متحدثا باسمه، من الرئيس أو الملك نزولا الى الشرطي، و يبقى رجل الدين مانح صكوك الغفران للجميع ولذاته حاضرا على جميع المستويات، ولذا نثور ونعتقد بأن رئيس وزراء الدنمارك مثلا يمكنه رفع سماعة الهاتف و الأمر باعتقال الناشرين أو الرسامين، كما يحدث عندنا تعتقلك عشرات "الأجهزة" بأمر اقل من أمر رئيس الوزراء بكثير.
هذه المعايير جعلتنا نصرخ بحق ارتداء الحجاب في الغرب و نمنع حق عدم ارتدائه عندنا حتى على غير المسلمات في بعض الدول ونطالب بتجريم الإساءة للأديان دوليا ونلعنها يوميا على منابر المساجد ولعلنا أكثر من سيقف أمام القضاء اذا تحقق هذا المشروع المستحيل، فمقياس الحقيقة عندنا واحد، يستوي فيه أبناء الفكر الديني و حتى أبناء الإيديولوجيات العلمانية (افتراضا) التي ترى من يتركها أو يختلف معها خائنا و مارقا يستحق القتل، كما هو حال المرتد عند الأخوة الإسلاميين الذين ربما كانوا أكثر "رحمة" في هذا الجانب على الأقل. فموقفنا من أية قضية في العالم يجب أن يكون جمعيا بالضرورة، فالرأي الفردي كفر ومروق وانحراف، وحق الاختلاف عبارة مجردة في كراسات ناشطي حقوق الإنسان التي لا يقرأها احد.
وعلى الطرف الآخر يقف الغربي، دنماركيا كان أم غير ذلك، الذي ترّبى على قيم حضارة مادية مختلفة، اصطدمت بالفكر الديني منذ قرون وحيدته في إطاره المعتقدي و الأخلاقي و جعلته اختيارا فرديا عوضا عن أن يكون معتقدا اجتماعيا شاملا، و تعلم أبناؤها عبر القرون، وبعد تضحيات ومساجلات بل وحروب مادية وفلسفية عديدة، بأن الإنسان حرّ في اختيار عقيدته إلى أبعد الحدود في ظل قانون يضمن احترام الآخرين و معتقداتهم، ومن هنا جاء رد فعل الكثيرين من الغربيين مستغربا من ردة الفعل الإسلامية و مشفوعا بسؤال لا يخلو من سذاجة وهو "لم لا يلجأ المسلمون إلى القضاء اذا رأوا بأن في الرسوم إساءة لمعتقداتهم؟"
أن تفهم هذا النمط من التفكير ليس بالأمر السهل في ظل ثقافتنا التي تعج بالثوابت وتقل فيها المتغيرات ، ويتطلب تفهما كاملا للصراع الاقتصادي والاجتماعي والفلسفي الذي ساد أوروبا لقرون طويلة، ومن ذا باستثناء المثقفين المستلبين والمهانين أصلا في مجتمعاتنا تحّمل أعباء مثل هذا البحث، ومن ذا الذي يتحمل الاستماع إلى جدل المثقفين في مجتمعات تقرأ بالكاد وتقمعهم شعبيا قبل أن يكون ذلك سلطويا، وأي قضاء ذلك في مجتمعات لا تجرؤ على صياغة قوانينها خوفا من الفردوس الذي ستفقده، و الفردوس الأرضي الذي سيفقده الحاكمون ورجال الدين.

تكمن المعضلة في إمكانية حوار هاتين الثقافتين هو غياب القيم النسبية في أحداهما و تجاوز الأخرى للقيم المطلقة منذ زمن طويل، فالحوار إن حدث وتم سينجح بشرط واحد و هو تغليب قيم المصلحة المشتركة و المنفعة المتبادلة، وما عداه سيكون حرثا في الهواء.

وكما ذكرت سابقا، فإن الاستياء بل و الغضب من الرسوم الدنماركية مشروع تماما في ظل الاعتزاز بالعقيدة ، كما أن إصرار الدنماركيين والغربيين عموما على التعبير عما يعتقدون مشروع تماما هو الآخر في ظل القيم الثقافية لكلا الكتلتين المتنافرتين، ولا حل لهذه المعضلة بحوارات الأديان فالمسألة ليست مسألة اختلاف الأديان بل هو تضاد ثقافات نمت في ظروف تاريخية مختلفة تحتاج الى مزيد من الوقت لتتعايش. وكلما أزداد العنف، ازدادت التساؤلات وتوسع العداء الذي ربما يسعى إليه البعض لإثبات نبوءات "حتمية تصادم الأديان في آخر الزمان" وهم منتشرون بين أتباع الديانات الثلاث الكبرى إذا صح التعبير الدارج رغم أن البوذية أكبر منهم جميعا. وهذا جورج بوش ذاته يتحدث عن يهودية دولة إسرائيل التي عجزت حتى الآن عن تثبيت هويتها بين العلمانية و الدينية، مقدمة نموذجا محببا لأصحاب الدولة الدينية في بلادنا لتبرير نظرية صراع الأديان وتجاهل عوامل الاقتصاد و الجغرافية و التاريخ و المصلحة.

إنه صراع الإنسان الأبدي للبحث عن ذاته وغاية وجوده، في السماء تارة و في الأرض تارة أخرى، وصراع على الموارد والثروات تحت راية الإله حينا و راية الايدولوجيا حينا آخر، في رحاب العلم مرة وفي كتب الدين مرة أخرى، في الانغلاق المطلق و الحرية التي لا حدود لها، وهذا مطلوب وذاك لابد منه للتوازن، فهذا هو الإنسان وتلك هي الحياة. ولأجل أن يكون ذلك التوازن صحيا ومتكافئا، لا مناص من الحلم الأصلي في عقول مبدعي كل الأفكار التي ظهرت على وجه هذه الأرض و هي الحرية لا غيرها، فهي التي تصنع الخبز والآلة والحياة المتجددة دوما.
 

Counters

 

أرشيف المقالات