| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

السبت 5/7/ 2008

 

 الرّمز والتّرْميز في الإنتخابات المحلية

ياسر المندلاوي
falun92@hotmail.com

أضحى جليا للعيان إهتمام الفعاليات السياسية العراقية بحال ومآل الإنتخابات المحلية في المحافظات، وباعث هذا الإهتمام واضح وبيّن هو الآخر بلحاظ الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها المجالس المحلية. ومن دون الخوض في ماهية هذه الصلاحيات فيما إذا كانت تفيض عن الحاجة أم تقصر عن اللزوم، فإن واقع الحال يشي بسجال حاد بين المتبارين حول ما إذا كان بالمقدور تجريد بعض القوى من وسائل الإكراه المادي والضغط المعنوي على الناخبين لضمان الحد الأدنى من شروط النديّة السياسية في تنافس إنتخابي نزيه، يتمخض عنه تمثيل حقيقي مفترض لإرادة العراقيين في مجالس المحافظات بعد كبوة التمثيل في البرلمان. وهنا لست بحاجة إلى براهين تعضد القول بأن بلوغ التمثيل الحق لا يعتمد على نزاهة عملية الإنتخاب وحسب، رغم أهميتها السياسية والأخلاقية، وإنما على عوامل أخرى أيضا، في مقدمتها الآليات الإنتخابية التي يتم إعتمادها في قانون للإنتخابات تشرف على صياغته القوى السياسية المهيمنة على السلطة والقرار في بلد معين، ولكن، ليس بمعزل عن حجم وتأثير القوى السياسية المعارضة وقدرتها على تحقيق التوازن السياسي الذي يجد ترجمته لاحقا في قانون إنتخابي متوازن يمنع مصادرة نتائج الإنتخابات وفق آليات ترجح كفة أحزاب السلطة وتشد من أزرها في معركة إحتكار غالبية المقاعد إن في البرلمان المركزي أو في المجالس المحلية. وحيث إن العراق بلد محتل، السلطة والقرار الفعليين لا يقعان في متناول مواطنيه، جزئيا أو كليا، حسب إختلافاتنا في النظر إلى واقع الإحتلال، فمن المؤكد إن الإنتخابات لا تحقق تمثيلا حقيقيا لإرادة الناخب العراقي بعلة إفتقار العراق إلى إستقلالية إرادته العامة بعامل الإحتلال، والإرادة الخاصة للمواطن، بهذا المعنى، إرادة مصادرة مسبقا بذات العلة وبنفس العامل إياه، أي أنها إرادة مزورة سلفا. إن الإنتخابات وآلياتها ووسائطها لا تخضع إلى علاقة قوى السلطة بقوى المعارضة وموازين علاقة القوة والضعف بينها، وإنما تخضع إلى إستحقاقات علاقة قوى السلطة بالإحتلال. إن هذا التشخيص لواقع الإنتخابات وظروفها لا يعني، ولا ينبغي له أن يعني، الدعوة إلى العزوف عنها أو التبخيس من شأنها، لأننا وببساطة نؤمن بأن التعبير عن إرادة قابلة للتزوير أفضل من إنعدام الإرادة.
إستنادا إلى إدراكنا لهذا الواقع، بالكيفية التي أشرنا إليها، نحاكم الدعوة إلى إعتماد الرموز الدينية وأماكن العبادة كوسائط إنتخابية ضارة. فهذه الدعوة، علاوة على إنها تحجر الناخب العراقي بعوامل محلية إضافية فوق عامل الإحتلال، فإنها تبنى على محاكمات خاطئة لثلاثية الرمز والمكان والجمهور، وتحيلها مجتمعة إلى مواضيع للتطفل السياسي في سياقات نفعية تنزع إلى خصخصة الدين عبر الإستحواذ غير المشروع على مفردات وجوده العام في شخص رجال الدين ومساجد الله والعبّاد من الجمهور.
إن دعاة التوظيف الإنتخابي للإيمانيات لا يسعون إلى رمز مقدس يدل عليهم بقدر سعيهم إلى جعل الكيان السياسي رمزا للمقدس ومعبرا عنه على وجه الإدعاء لا الحقيقة، الأمر الذي يسمح بقراءة تعسفية للمشهد الإيماني ترى في إرتياد المصلين لمساجد الله ولاءً لحزب بعينه أو لمجموعة أحزاب، لا إداءً لفريضة دينية، وفي إندفاعة المؤمنين لإحياء المناسبات تبنيا لبرنامج سياسي مخصوص، لا تكريما للمناسبة ولصاحبها، وأخيرا ترى في المساجد التي أمر الله أن تكون له وحده، ساحات للتبشير ومقرات للأحزاب وربما ثكنات للقتل والإعتقال والتنكيل. وعليه فإننا نبرر دعوتنا، لتجريم الإستخدام النفعي للمقدسات، بدواعي تتجاوز الحرص على الإنتخابات المحلية ونزاهتها، إلى الحرص على تحرير المعتقدات الإيمانية ورموزها من سطوة التحزبات السياسية الهادفة إلى قداستها الخاصة بالتضاد مع قداسة الرموز الإسلامية، بل وعلى أشلائها. ولعل الخطوة الأولى بإتجاه تحصين المقدسات الإيمانية من شرور المتطفلين، ساسة وأحزاب، تبدأ من الحيلولة دون التوظيف الإنتخابي لهذه المقدسات، ولكنها تبقى مجرد خطوة ما لم يتم تعزيزها بجملة من الإجراءات الهادفة إلى إعادة كل ما يتعلق بالفعاليات الإيمانية إلى المؤسسات الدينية دون المؤسسات الحزبية. وهي مهمة شائكة ومعقدة في ظروف إنهيار الحدود بين ما هو ديني وما هو دنيوي في ظل الخراب الذي ألحقه الإحتلال بالمؤسسات الدينية والسياسية على حد سواء. غير أنها مهمة قابلة للإنجاز فيما لو تنادى المعنيون إلى نبذ المغالبة الطائفية والسياسية بوسائل غير مشروعة، أقل ما يقال عنها، إنها ضارة بالعراقيين في دينهم ودنياهم. وأما إنها ضارة بدينهم فلأنها تؤدي به إلى التلبيس، ومن ثم، إلى الترميز بمعنى الوهن والهزال، وضارة بدنياهم فلأنها تؤدي بهم إلى منزلقات التناحر والتنابز بدل التوحد والتكاتف لإخراج العراق والعراقيين من المأزق الذي يلف رقاب الجميع بخيوط نسجها الإحتلال من ضعفنا وسوءات ولاة أمرنا من قبل ومن بعد.
 

 

free web counter

 

أرشيف المقالات