مقالات وآراء حرة
ليس بإسمي أيها السيد المالكي
علي بداي
ربما كان عليّ قبل أن أبدأ عرض فكرتي عليك أيها السيد المالكي، أن أشكرك على البحيرات الصناعية الرائعة التي ميزت هذا الشتاء بلادنا وعاصمتنا التي تحكمها أنت عن بلدان وعواصم العالم . صدقّني عرضت صور أحياء بغداد الوزيرية، والصليخ، والكرادة بعد أمطار تشرين الثاني الماضي على مجموعة من زملائي المهندسين الهولنديين فأثارت إعجابهم ودهشتهم في آن . قال أحدهم "لم نكن نتوقع أن يتمكن العراقيون من إنشاء مبانيهم على المياه ، كنا نقول دائماً أن فينيسيا ومدن هولندا هي من يتميز بذلك ... لكنك أتيتنا اليوم بما هو جديد علينا". مبروك سيادة رئيس الوزراء ولا واحد من هؤلاء العباقرة إكتشف الحقيقة، تصوّر.
ثم عليّ بعد ذلك أن أبارك جهودك الهادفة الى جعل عام 2012 عام الخدمات كما أسميت عام 2008 من قبل و2009 و 2010 و 2011 حين طوى العراقيون في بداية عهدك الزاهر صفحة ستدخل تأريخهم ولن ينسوها ، صفحة سيتناقلها الأبناء عن الآباء ، هي صفحة نقص أو غياب أو إختفاء الكهرباء. لقد مضى ذاك العهد الأسود أيها السيد المالكي يوم لجأ العراقيون الى المولدات المدّوية الملوثة للهواء والبيئة لسد النقص في الطاقة الكهربائية.. فصرفوا على مولداتهم الخاصة واشتراكات مولدات الأحياء 80 مليار دولار .أما الطاقة الكهربائية عموماً فقد كلفت البلاد آنذاك 120 مليار دولار، أي إن المجموع يعادل عشرة أضعاف ميزانية البحرين وأكثر من ميزانيتي الكويت والإمارات مجتمعةً بكثير. هذه المبالغ، أيها السيد المالكي تكفي لـشراء أصول شركة جنرال إلكتريك بكل فروعها، وشركتي سيمنز الكترونك و ميتسوبيشي باور .. ومع كل ذلك لم تدخل الكهرباء بيوت العراقيين آنذاك الا كزائر متعجل .. طبعاً هذا كان في ما مضى من السنين والعراقيون الآن لا يتذكرون تلك الأيام الا مرفوقة باللعنات على حكام تلك الأزمان الذين لم يبقوا على شئ في البلاد دون أن ينهبوه. .. تصور سيادة رئيس الوزراء هذه البلاد وتصور نفسك أنت رئيس لوزراءها كم هو مخجل أن تسرق 120 مليار دولار من شعب ربعه من الذين يعيشون تحت خط الفقر؟
وأتقدم اليك بالشكر على الدفعة الهائلة التي حضيت بها عاصمتنا الخالدة بغداد من لدنكم فإستحقت بذلك عن حق واحداً من ثلاثة القاب عالمية هي المدينة الأكثر كآبة وقذارة وخطورة في العالم...
بالحقيقة لا يسعني في هذه العجالة أن أختصر كل إنجازاتكم وإنجازات حكومتكم، ولا إنجازات مجموعة مستشاريكم الفطاحل كإبن خالتكم علي الموسوي وإبنكم أحمد وعلي الدباغ وسامي العسكري و عزت الشابندر وحسين الأسدي، والصف الثاني المبجل أمثال صلاح عبد الرزاق وكامل الزيدي، هؤلاء يا سيادة رئيس الوزراء يعيشون في ضمائر شعبنا كرموز للمرحلة الحالية ولا أخالك تجهل الألقاب التي خلعها عليهم شعبنا المعّذب .
وأنا في هذا الخضم، خضم سرد مزايا عهدكم السعيد أخشى أن أنسى الكثير، فلا أذكر مثلاً الجامعات التي تطورت في عهدكم المشرق حين تربعت جامعة بغداد على كرسي المجد محرزة المركز الذي يدعو للفخر 10637 وجامعة البصرة المركز المشرف للغاية 10487 في ترتيب جامعات العالم ، إنه عمل إختراقي بمعنى الكلمة ، ولا يفوتني التعريج على مشاريع الإسكان التي رفعت العراق من المركز الأول بعدد 14 شخص للمسكن الواحد فأصبح لكل عائلة مسكناً يليق بمواطن دولة تملك ثاني إحتياطي نفطي في الأرض.
أنا في الحقيقة ، أيها السيد المالكي ، مررت على التضاريس البارزة لإنجازاتكم ولكن قصدي من هذه المقالة هو الإنجاز الأعظم وهو ما تفتقت به عبقريتكم السياسية قبل أيام حين أعلنتم إنتقال الصراع في العراق من الطائفي الى القومي ! يا لكم من داهية ، كيف تمكنتم بهذه العجالة من حرق المراحل والوصول بشعبنا الجريج الى بر الآمان ؟ فهذا هو النبوغ بعينه ، هذا هو ما نحتاجه الآن، في هذه المرحلة بالضبط : لكي نتخلص من الصراع الطائفي علينا أن ننتقل الى الصراع القومي، وهي طريقتكم لكي تحصلوا على تأييد السنّة ( بعد أن فقدتم نصف الشيعة ) فتتمكنوا من ولاية جديدة .. يا للكرسي من ساحر ينقل الناس من ذكريات درابين السيدة زينب فلا يعودوا يرون سوى قصور المنطقة الخضراء .. يا لهذا الكرسي من كائن عجيب!
السيد رئيس الوزراء ، أرجوك الإنتباه :كفى ... نعم كفى .. لسنا بغالاً، ولا نعاجاً لكي نرسل أبناءنا يقودهم غيدان بعد وطبان و يتلاعب عبود قنبر والزيدي بحيواتهم الغضة بعد أن تلاعب غيره بنا من قبل. نحن لسنا أغبياء، أياك أن تعتقد ذلك! نحن ما زلنا نقرأ الممحي وما زلنا نقرأ ما بين السطور رغم كل ما عانيناه.
أنا سيادة رئيس الوزراء أريد أن أصارحك بحقيقة .. أنا كمواطن عادي (لنقل ذلك باللهجة التي تفهمها عربي شيعي) أختلف عنك انت كرئيس وزراء عربي شيعي. فأنا أشعر بالأمن والراحة في أربيل وأتمنى لأربيل أن تتطور أكثر، ولكن ذلك يغيضك لاشك ، أنا أشعر بالفرح حين أرى السليمانية نظيفة ويبدو أن ذلك يمزق أمعائك ، يجتاحني شعور بالفخر حين أرى آلاف السواح يستمتعون بأوقاتهم في سولاف و دوكان وهذا لا يسرك بل أنك لا تريد أن ترى ذلك، أنا أشعر بالفرح لفرح الناس وتمتعهم بالأمن وأتمنى من قلبي أن يأتي يوم تخلع فيه مدننا الجنوبية والوسطى الحزينة المنكوبة ثوب حزنها الذي طال ،أتمنى أن يحل يوم تأتي فيه العائلات من السليمانية ودهوك الى البصرة للتمتع بدفء شتاءها.. يدبكون بين غابات النخيل دون خشية من أحد وانت تريد للجنوب أن يبقى لاطماً متشحاً بالسواد الى أبد الدهر. السيد المالكي ، يغيضك أن الكرد يأخذون 17 بالمئة من الميزانية .. مرة سمعت أحد أتباعك المقربين يقول "يسرقونها" .. حسن .. أنت بإعتبارك رئيس وزراء كيف تنظر لذلك؟ اليس الكرد مواطنين لهم الحق بجزء من الميزانية ؟ لنفترض أنك تجادل بأن هذه النسبة عالية، هذا أمر قابل للنقاش، الكل يصيح أنه يريد تعداد سكاني موضوعي ولكن لنا حق بأن نسألك ماذا فعلت أنت بنسبة 83 بالمئة المتبقية؟ لماذا لم نر أثراً لتلك المليارات؟ قل لنا من الذي يمنع يديك الكريمتين لكي تحولا مدننا الى ما يشبه المدن الكردية وأحلى؟ قل لنا لماذا يهج شعبنا بمئات الألوف بإتجاه الشمال ولا يهج شعبنا بالعشرات بإتجاه الجنوب ؟ نحن نقول لابناءنا أن أيام الحروب قد ولت وأنت تحاول إعادتنا لأيام أمهات المعارك وأمهات الكوارث وأمهات الهزائم حيث الدم والخراب والتيتم والأطراف المبتورة ، نحن نريد وطناً منتجاً بمصانع ومزارع ومستشارك الدباغ يريده وطناً عالة على الحضارة يستخرج النفط ليبيعه ويقتات بثمنه، نحن نريد مدارس عصرية تليق بالبشر لأبناءنا وقوانين ضمان إجتماعي لأراملنا وكبارنا ومساكن صحية بدلاً من بيوت الصفيح لفقراءنا وأنت منشغل بترميم فضائح صفقات السلاح بالهروب الى الخطاب القديم المقيت حول "تراب الوطن" وكأننا لا نعلم أنك لم تحاول مرة واحدة الجلوس مع حلفائك الكرد للتباحث حول هذه المشكلات ، وكأننا لا نتذكر صمتك أزاء القصف التركي و التدخل الإيراني فعلى من تروم تسويق بضاعتك هذه المرة ؟ الم تعلم من قبل أن هناك مطالب كردية ؟ ألم تعط ضمانات لمناقشة ما علق من مسائل ؟ الا تعلم أن سلطاتك تنفيذية بحته وأن دم الناس ليس لعبة بيدك ؟ متى يحين الوقت للكف عن تخيل نفسك إماماً للناس تقول إهجموا فيهجمون وأرجعوا فيرجعون؟
كلنا يعلم أننا دولة بمشاكل لا حصر لها لكن ناخبيك إنتخبوك ( ولا أعتقد أنهم أحسنوا صنعاً) لكي تساهم في حل هذه المشاكل لا بخلق المزيد منها ، إنتخبك ناخبوك لكي تدافع عنهم لا لكي تدفعهم الى حافة الهاوية ، إنتخبك ناخبوك للكشف عن الفاسدين لا للتستر عليهم .. إنتخبك ناخبوك لأنك كما قلت صلت صولة الفرسان التي أعطيتها مهمة تطهير البلاد من المتجاوزين على القانون لكنك تتجاوز الآن على كل شئ ، على القانون ، على مال الناس بل وعلى مصير البلاد ... ولكن لا تفعلها بإسمي، لا ترفع مثلما فعل غيرك شعار العروبة ومعركتك نعرفها كلنا .. هي معركة العائلة المالكة ضمن الطائفة المالكة.. ليس بإسمي إذن.