| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الثلاثاء 6/5/ 2008

 

سليمان يوسف (ابوعامل) المعلم..الانسان
ذكريات..

عمانوئيل شكوانا

اعتبر نفسي محظوظا جدا لانني عايشت المناضل الكبير (ابوعامل) في عدة مراحل من حياتي واعتبره افضل معلم لي في مسار العمر.
منذ صغري كانت صداقة عائلية تربط بين عائلتينا،لكن معرفتي الحقيقيه به بدأت سنة 1950 لدى انتقالي الى مدرسة القوش للبنين تلميذا ودرست فيها الصفين الخامس والسادس الابتدائيين. كان معلما لدرس الحساب(الرياضيات) اضافة الى الرياضة البدنية. كان افضل من يدرس الرياضيات. لا اتذكر انه ضرب تلميذا في حين كان معظم المعلمين يلجأون الى الضرب لسبب او لاخر ولكن شخصيته القوية وصوته المهاب كانا يفرضان احتراما لا حد له لدى التلاميذ وذويهم ولدى اهالي القوش جميعا كبارهم وصغارهم.
كان (ابوعامل) خريج دار المعلمين الريفية وخريجو هذه المدرسة لم يكونوا مؤهلين للدراسة في الكليات وهذا الجأه الى دراسة مواد الدراسة الثانوية وادى فيها امتحان البكالوريا بصفة طالب خارجي سنة 1952 ونجح فـإستقال من الوظيفة وتوجه الى بغداد وقُبل في كلية الحقوق التي تخرج منها سنة 1956، وكان خلال هذه الفترة يعمل معلما في مدرسة الارمن الاهلية التي سرعان ما اصبح معاونا للمدير فيها.
كان طموحه ان يعمل محاميا ولكن سنحت فرصة التعيين في وزارة الدفاع ضابطا بعنوان(مشاور قانوني) فأختار الجيش لكي يتمكن من تقوية تنظيم حزبه الشيوعي في الجيش. عمل فترة في موقع الموصل حين كنا نسكن الموصل، ثم انتقل الى مقر قيادة الفرقة الثانية في كركوك مشاورا قانونيا لها، كانت عائلتي قد انتقلت اليها ايضا، بقي في كركوك الى انقلاب شباط الاسود1963 ،وكان طيلة ذلك النهار في ملابسه العسكرية مع رفاقه جاهزين لمساندة اي تحرك مضاد للانقلاب. وبعد نجاح الانقلاب اعتقل ثم نقل الى سجن رقم (1) في بغداد ونال في التحقيق تعذيبا رهيبا لكنه لم يكن من معدن يمكن كسره فصمد كالعهد به، ثم نقل مع رفاقه في قطار الموت في تموز1963 الى سجن نكرة السلمان الى ان حل موعد محاكمته امام المجلس العرفي اواخر 1963 وكان لشخصيته الآسره اضافة الى صموده البطولي سببا في عدم ثبوت اية تهمة عليه، فقد كان احد الضباط الشيوعيين قد ضعف في التحقيق واعترف ان (ابوعامل) حزبي شيوعي ولكن عند مواجهته له في المحاكمة انكرالضابط شهادته معترفا انه شخصيا شيوعي ولكن(ابوعامل) ليس كذلك. وهكذا افرج عنه واعيد الى الجيش ونسب بنفس وظيفته السابقة الى الفرقة الاولى في الديوانية وهكذا التقينا مرة اخرى حيث كنت مدرساً هناك.
عمل جاهدا لاعادة وتقوية تنظيمات الحزب ونظم اتصالا منتظما مع تنظيمات فرع كردستان التي كانت بمعظمها سليمة بعد هجمة شباط الاسود .
كان في مقر الفرقة في الديوانية محكمة عسكرية المدعي العام فيها (راغب فخري) المشهور بعدائه للشيوعية ولكن حين يكون مجازا كان (ابوعامل) يكلف بمهامه وحصل مرة ان احيل مجموعة من العسكريين المتهمين بالشيوعية الى هذه المحكمة و(ابوعامل) كان المدعي العام وكان هؤلاء المتهمون وتحت ضغط شدة التعذيب قد اعترفوا في التحقيق بالتهمة الموجهة لهم ولكن في المحكمة وجه لهم (المدعي العام ابوعامل) اسئلة اطمئنوا فيها فانكروا التهمة فأذا ب(المدعي العام!) يطلب تبرئتهم واطلاق سراحهم وبحجة قانونية ان المحكمة عليها الاخذ بأفادة المتهم امامها وليس افادته في التحقيق. وهذا ماحصل وكان رئيس المحكمة وطنيا كرديا فأكمل الموضوع واطلق سراحهم جميعا. وربما كانت هذه الحادثة السبب في نقله الى قيادة الفرقة الثانية في كركوك اواخر سنة 1965 ولما كان قائد هذه الفرقة (ابراهيم الانصاري) يعرف (ابوعامل) فقد عمل على احالته الى التقاعد.
بعد تقاعده انتقل الى بغداد وافتتح مكتبا للمحاماة في مدخل شارع السعدون (عمارة فاطمة) ونظرا لجديته في العمل وصدقه واخلاقه العالية وحسن تعامله مع الاخرين اضافة الى كفاءته المهنية سببا في نجاحه محاميا فلم يمر سوى وقت قصير حتى كثر موكلوه وازدادت الدعاوى التي يتوكل فيها واستمر في نجاحه المطرد الى ان تولى مهاماً حزبية قيادية سنة 1970 فترك المحاماة وتفرغ لهذه المهام. وبقي على هذه الحال حتى كان حادث السيارة المشؤوم المدبر سنة 1975 قرب بلدة (طوز) على طريق بغداد كركوك. هذا الحادث الذي اودى بحياة الفقيدة زوجته (يازي ام عامل) والسائق (صابر) وقد نجا (ابوعامل) ولكن خرج بجروح وكسور خطيرة نقل بعدها الى مدينة الطب في بغداد. كان خلال مدة العلاج يعاني الاماً مبرحة الا ان ذلك لم يكن يبدو عليه.
كان لفقدانه زوجته ورفيقة دربه ضربة كبيرة له وبقي وفيا لذكراها طوال حياته، فقد كانت خير سند له في كل اعماله ورعاية بيتها وتربية اولادهما الذين كان الوقت الذي يخصصه لهم قليلا بسبب انشغالاته والتزاماته تجاه القضية التي يؤمن بها،فكانت لحرصها الشديد عليه ترافقه في تنقلاته الكثيرة المتعلقة بمهامه الحزبية مما ادى الى رحيلها المبكر وهي في عز شبابها في ذلك الحادث المأساوي. ولكن ومع فداحة الخسارة التي ألمت به والفراغ الكبير الذي سببه رحيلها فقد تلقى نبأ رحيلها بصمود لايصدق واذكر موقفه بوضوح ، لم يكن يعرف انها فارقت الحياة فقد نقلا الى مستشفى كركوك وهي لازالت على قيد الحياة الا ان شدة اصاباتها اودت بحياتها بعد فترة قصيرة وحين نقل الى بغداد قيل له انها بقيت في مستشفى كركوك بسبب حراجة وضعها. وبقي لايعرف مصيرها حتى جاءت (نضال) ابنته الكبرى من (براغ) حيث كانت تدرس وقامت هي باخباره برحيل امها، وقد كنت في زيارة له في المستشفى فانتظرت الى ان تخرج (نضال) من غرفته فدخلت بعدها ولم اعلم ان نضال اخبرته حيث لم تظهر عليه اية ملامح تدل على انه تلقى هذا النبأ المفجع حتى خرجت من عنده ورأيت (كفاح) ابنته الثانية التي اخبرتني ان نضال ابلغته بالنبأ المشؤوم .
اعتقد ان سبب هذا السلوك هو ايمانه الشديد بقضيته الذي جعله يحس ان معاناته الشخصية ليست الاولى في اهتماماته لذا لايحق له اظهارها.
بعد هذا الحادث وبعد مغادرته المستشفى وكشف موقعه الحزبي القيادي تغيرت مهامه من اعمال تنظيمية حزبية الى مهام اخرى ومنها انه كلف بادارة (دار الرواد) للطباعة والنشر التابعة للحزب الشيوعي وكعهده فقد نجحت هذه المؤسسة خير نجاح وبقيت مزدهرة الى ان حلت الضربة الكبرى التي وجهها البعث للحزب منذ حزيران 1978 حين تم اعدام (28) شيوعيا بتهمة انتمائهم للتنظيم العسكري للحزب، ثم كانت الهجمة على الشيوعيين التي بدأت بالمنتسبين السابقين للجيش وذلك في كانون الاول 1978 فكانت بداية الهجمة اعتقال(ابوعامل) وهويخرج من بيته في شارع فلسطين وتعرض في السجن الى ابشع انواع التعذيب فحين افرج عنه وعن بقية المعتقلين في اواخر آب 1979 اثر تسلم صدام حسين رئاسة الجمهورية،كان اشبه بشبح لشدة هزاله بسبب ما تعرض له في السجن.
بقي بضعة اشهر في بغداد يدير التنظيم مع اخرين من رفاقه ثم التحق بالثوار في شمال العراق وبدأ نضاله القيادي المسلح مع حزبه وباقي القوى الوطنية

ان رحيل (ابوعامل) لهو خسارة كبرى لشعبنا العراقي عموما وشعبنا الكلدواشوري خصوصا ولكافة الوطنيين العراقيين ولكل قوى التحرر والسلام والديمقراطية في العالم ، ذكراه ستظل خالدة فقد كان معلما لاجيال كثيرة علمها حب الوطن حتى الشهادة، وان مصلحة الشعب فوق المصالح الشخصية والمكاسب الذاتية كما علمهم الصدق والصراحة والصمود وحب الحياة.
الذكر الخالد لابن القوش استاذي (سليمان يوسف) . ولعائلته الكريمة وتلامذته ورفاقه الصبر والعزاء..




 

Counters

 

أرشيف المقالات