| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

السبت 7/2/ 2009



ايام سوداء لا تنسى .....
في الذكرى46 لانقلاب 8 شباط الاسود

نزار ياسر الحيـدر

الدبابات المزيفة .....
لقد كان لموقع دارنا في ستينات القرن الماضي في الصالحية في بغداد كبير الاثر لما حصل لعائلتنا من تبعات على مر العقود الخمسة الماضية فقد كنا في قلب الاحداث حيث شاهدناها بأم اعيننا وخاصة انا حيث ولدت بداية الخمسينات في هذه المنطقة فكانت وكأنها ميدان الصراع السياسي الذي حصل في العراق وبغداد بالاخص وسأركز على ما حدث منذ الساعات الاولى لاعلان الانقلاب الفاشي في 8 شباط وكانت الساعة التاسعة صباح يوم الجمعة وكان منتصف شهر رمضان فبعد ان بث البيان رقم واحد خرجت الجماهير واحتلت الشوارع المحيطة والمجاورة للاذاعة والتلفزيون وهم من عامة الشعب وكانوا غير منظمين وكان قسم منهم يحمل العصي وما شابه وكان مركزهم الذي تجمعوا به هي ساحة الصالحية وكان عددهم بالمئات وكانت تنتصب في هذه الساحة ملوية مصنوعة من الخشب كبيرة وعالية وتزينها اضوية (الفلورسنات) من اعلى الى اسفل وكانت الجماهير تطلق الهوسات تأييدا الى الزعيم عبد الكريم قاسم وترفع صوره وقد كنت اشاهدهم وانا بصحبة والدتي التي كانت متجمهرة مع نساء الحي قرب مبنى وكالة الانباء العراقية القريب من هذه الساحة وقد لمحت بعض الوجوه التي اعرفها وقسم منهم مر وسلم على والدتي وكانوا من الاقارب والمعارف المندائيين وبدأ عددهم يتزايد ويعلو صوتهم وهتافاتهم وفجأة شاهدنا دبابات قادمة من جهة العلاوي والمتحف العراقي باتجاه ساحة الملوية وهي تحمل صور عبد الكريم قاسم وقد اوهموا الجماهير بأنهم قادمين لنصرة عبد الكريم قاسم ولدحر الانقلابيين وما ان وصلو بالقرب من الساحة حتى هبت الجماهير لاستقبالها متجهين اليها ليصعدوا فوقها مرحبين بها وحصل ما لم يكن في الحسبان فقد فتحت النيران على هذه الجماهير من فوهات مدافعها الرشاشة الثقيلة المثبتة عليها وباتجاه الناس العزل وخلال لحظات امتلأ الشارع بالقتلى والجرحى وهربت الجماهير بأتجاهات مختلفة في ازقة الاحياء المجاورة واسرعت الدبابات لاحتلال الاذاعة والتلفزيون وعدد منها بدأت تطارد الناس في الازقة وهي مستمرة بالرمي عليهم فهربنا انا ووالدتي ونساء الحي الواقفات بجانبها الى بيوتنا ونحن مرعوبين من هول ما حدث من مجزرة وبعد دقائق حصل فتور في الرمي بعد ان قتل من قتل وجرح من جرح وهرب من هرب بجلده واذا بنا نرى مجاميع من الناس وهم يحملون الجرحى الى داخل زقاقنا لانهم علموا من شخص ما بوجود ممرضة تسكن جوار بيتنا محاولين انقاذ ما يمكن انقاذه فتجمعت في الساحة الصغيرة امام دار الممرضة كلادس وهو اسمها ، اكثر من عشرة جرحى مصابين بجروح خطيرة وبمناطق مختلفة من اجسامهم وقد ذهلت من مشاهدة هكذا جروح عميقة نازفة كوني كنت طفلا ابن العشر سنوات حينها وانتبهت على ما قامت به جارتنا الممرضة كلادس وهي تحمل القطن وقنينة كبيرة من السبرتو وهي تسكبه على القطن وتحاول تغطية الجروح وعندما تزايد العدد بدأت تصرخ بشكل هستيري لان الامور اصبحت اكبر من امكانياتها المتواضعة جدا وتقول لا استطيع ان اعمل شيء لهم ارجوكم اخذوهم الى المستشفى ..

مســـــــدس أبــــــو عــــــــادل .......
لقد كان من بين الشخصيات التي كانت مع الجماهير في ساحة الملوية الاستاذ لعيبي خلف رمضان حيث شاهدناه من ضمن الذين تعرفنا عليهم انا والوالدة فأذا به يطرق بابنا بعد فترة قصيرة من هذه الاحداث حيث انقطعت به السبل ليعود الى داره في حي الداودي في المنصور فاستقبله والدي واهلي وبدأ يقص علينا تفاصيل ما حدث ونحن نسمع لعلعة الرصاص في محيط دارنا وبدأنا نستمع الى الاخبار والبيانات من الراديو والتلفزيون وقرر والدي رحمه الله ان يضّيف الاستاذ لعيبي (ابو عادل) معنا لحين انفراج الامور حيث بقى عندنا بالدار لاكثر من اسبوع لكن الاوضاع تدهورت بسرعة وبدأت مفارز الحرس القومي بمداهمة البيوت التي كان لها نشاط وطني والظاهر انهم كانوا راصدين هذه البيوت ويعرفون ساكنيها مسبقا بدليل انهم بدأوا في اليوم الثاني وبعد ان اعلنوا منع التجوال واعدموا الزعيم عبد الكريم قاسم في الاذاعة وبدأنا نسمع عن انتهاء المقاومة الشعبية في الشواكة وباب الشيخ والكاظمية واعلنوا في اليوم الثالث بيان رقم 13 سيء الصيت بدأوا بتشكيل مفارز لمداهمة واعتقال الشخصيات الوطنية والمرصودة مسبقا فبدأت نوبات التفتيش على دارنا يوميا مرة او مرتين وفي اوقات مختلفة واعتقلوا اخي ناجي وبدأوا يسألون عن اخي الدكتور جبار واخواتي ويحققون مع والدي في البيت ومرات يأخذونه الى مقرات الحرس القومي كل ذلك كان يجري والاستاذ لعيبي خلف ابو عادل في البيت يختبأ عندما يدخلون ويفتشون الدار وكان يختفي ولا يرونه وكأنه يرتدي طاقية الاخفاء!!! اذ كان دارنا كبيرا نسبيا وفيه زوايا واثاث تساعده على الاختفاء ولكن المصيبة الكبرى ان ابو عادل كان يحمل بيده مسدساً صغيراً متمسك به يحمله بيده ويختبأ !!!! وبعد مرور حوالي اسبوع وفي فترة رفع منع التجوال لعدد من الساعات جاءتنا المرحومة والدته تسأل عنه لانه خرج ولم يعد منذ يوم الانقلاب وكانت تتمنى ان تعرف شيئاً عن اخباره لانها علمت انه كان في الصالحية بعد ان اخبرها احد الاشخاص بمكانه حيث شاهده يوم الانقلاب حيث كانت متلهفة لسماع اخباره وبعد ان طمأنتها والدتي ورأته عندنا بخير اجهشت بالبكاء خوفا وفرحا به فعانقته وقبلته وبدأ يطمأنها ويجلس بجانبها ويكلمها ويسألها عن اهله واخوته واذا بالباب يطرقها مجموعة من الحرس القومي يريدون تفتيش الدار فصرخت والدتي عليه ولم يكن يستطيع الا ان يختبأ تحت (الكرويتة )التي تجلس والدته بجانبها حيث تغطى بشرشف يصل الى الارض فدخلوا دارنا كالمعتاد وانتهكوا حرمته للمرة العشرين ودخلوا غرفة الاستراحة التي نجلس فيها غير مبالين بالنساء والموجودين في الدار وبدأو يرفعون اركان شراشف الكرويتات من الاركان حتى وصلواالى مكان اختباء ابو عادل فلم يرفعوا الشرشف من جانبه بل رفعوه من الجانب الاخر فلم يروا شيء وكان يحمل بيده مسدسه العتيد وكانت المسكينة والدته تجلس وهي مخطوفة المشاعر ومستعدة لما قد يحصل حيث كانوا يطبقون انذاك مضمون بيان رقم 13 الذي يقضي بالاعدام الفوري لكل من يحمل السلاح ومن يتستر عليه وكانت بحق معجزة انهم لم يلحظوه وبعد ان فتشوا الدار كالمعتاد وتوجيه الاسئلة وعبثوا بموجوداته خرجوا وخرج ابو عادل من مخدعه وتنفسنا الصعداء اذ كتب لمن كانوا في الدار يومها حياة جديدة!! بعدها غادر ابو عادل مع والدته وسمعنا بعدها باسابيع انه تم القاء القبض عليه واودع التوقيف وعانى ما عاناه كبقية رفاقه الاخرين فمرحا لابي عادل وهو الان في السويد وبئسا لمسدسه الصغير الذي كاد ان يفني عائلتنا !! .

المختــــار الشريـــــف......
خلال الايام الاولى للانقلاب المشؤوم وفي صباحات احدى الايام طرقت بابنا واذا بمدرعة وسيارة عسكرية تقف عند بابنا ونزل منها اعداد من الحرس القومي ومعهم الحاج رشيد مختار محلة الكريمات والصالحية وهو صديق لوالدي وبعد ان خرج لهم والدي وسلم على المختار سأله المختار وبجانبه افراد الحرس القومي عن شخص الدكتور صلاح زهرون وهام وهل يعرفه والدي كونه مندائيا وكان يوجه السؤال ويبدو عليه الاستغراب وهو يسأل ويدّعي بانه لم يسمع بهذا الاسم ويدّعي انه اخبر الحرس القومي بذلك لكنهم لم يقتنعوا ولذلك جاء بهم الى والدي ليتأكد منه كون الدكتور صلاح مندائي ووالدي اعرف من غيره بالمندائيين فأنكر والدي معرفته بالدكتور صلاح واخبرهم بانه لا يوجد في الصابئة شخص بهذا الاسم وهو متأكد فأثنى المختار على والدي وقال لقد قلت لهم ذلك لكنهم لم يقتنعوا والحمد لله انك اكدت كلامي فغادروا مولين بغير رجعة لكن الحقيقة كانت هي ان هذا الانسان الشريف رشيد المختار كان داره يقع بالضبط مقابل دار المرحوم زهرون وهام والد الدكتور صلاح في محلة الكريمات المقابلة لمحلتنا في الصالحية وهو يعرفه ومتأكد من وجوده لكنه نفى معرفته بهم وتحمل المسؤولية وتصرف بشرف . بعدها وبعد ان تواروا عن الانظار مسكني والدي من يدي وطلب مني ان اركض وبسرعة الى بيت زهرون وهام ابو صلاح لاخبارهم وتنبيههم بان الحرس القومي يبحث عن الدكتور صلاح وعليه ان يتوارى عن الانظار وان المختار رشيد اضاعهم وانكر وجوده ولاني كنت صغيرا ولانه يخاف على اخوتي الكبار ولعدم لفت الانتباه بعثني الى بيت ابو صلاح واخبرتهم بكل ما حصل ورجعت الى دارنا لكننا سمعنا بعد اسابيع انهم ايضا القوا القبض على الدكتور صلاح وبعد شهر علمنا انهم اعفوا مختارنا الانسان الشريف من مسؤولياته وعينوا بدله احد عملائهم الفاسدين فتحية لذكرى مختارنا الشريف رشيد .



اربيل شباط 2009






 

free web counter

 

أرشيف المقالات