| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الجمعة 7/3/ 2008

 

لمحات من تطور الحركة النسائية العالمية
(العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والقرن العشرين)

خانم زهدي

رغم التقدم الحضاري والتطور الذي حققته البشرية في العلوم والتكنولوجيا في العقود الأخيرة من الألفية الثانية, لاتزال جلّ النساء على كوكبنا الأرضي تعاني من التمييز إضافة الى مظاهر الاضطهاد والقهر في العائلة والمجتمع إذ خلّفت المجتمعات القديمة عبئا كبيرا بأفكارها وتقاليدها وسلوكها تجاه المرأة بما يتنافى مع التقدم الذي أحرزته البشرية من تقدم . لقد أدى ذلك الى مطالبة المرأة وبإلحاح بحقوقها الإنسانية التي نصت عليها المواثيق الدولية والقوانين المحلية ولم توضع حيز التنفيذ, وتناضل ضد التمييز ضدها ومن أجل ومساواتها .
بدأ هذا النضال بشكل طبيعي وعلى نطاق كل بلد ولما كانت بلدان العالم تتفاوت في تقدمها الحضاري وتتباين بناء عليه نوعية المشاكل التي تواجه المرأة لذلك تتفاوت اهتمامات الحركات النسائية ومهام نضالها .

ككل الظواهر الاجتماعية الأخرى كان المفروض أن تتغير الحياة الاجتماعية للمرأة في المرحلة الرأسمالية . ومن البلدان الأوربية الأكثر تطورا في الغرب وعندما بدأت الثورة الصناعية في البلدان الأوربية وأمريكا فإن العلاقات الرأسمالية الجديدة قد جذبت المرأة في المدينة الى صفوفها بفتحها الأبواب أمام المرأة للعمل , وهذا التغيير لم يقدم لها التحرر والاستقلال, ولفترة طويلة ظلت الكثير من العلاقات والتقاليد الإقطاعية على حالها وخاصة تلك التي تمهد الطريق أمام الرأسماليين لاستغلال المرأة أكثر. فأصبحت المرأة عاملة كالرجل ولكن بأجور وحقوق اجتماعية وثقافية تصل الى نصف مايحصل عليه الرجل علاوة على العائلة الملقاة على عاتق المرأة ,وهذا ينطبق على تشغيل الأطفال .

في بدايات القرن التاسع عشر توجهت المرأة في البلدان المتقدمة الى المعامل وكانت تعمل كالرجل فساعات العمل تصل يوميا الى معدل 17 ساعة . إن الفقر دفع المرأة الى أن تعمل في أخطر الظروف من أجل سنتات إضافية وبأجور أقل مما دفع أصحاب المعامل الى استغلال ذلك كورقة رابحة ضد عمل الرجل حيث أدى ذلك الى خلق الكراهية والتفرقة .
إن ساعات العمل الطويلة وظروف العمل السيئة والأجور غير المتساوية والمنخفضة دفعت المرأة في الغرب الى النضال من أجل المساواة في الأجور وتحسين ظروف العمل , ففي أواسط القرن التاسع عشر في الثامن من آذار عام 1857 أضربت عاملات مصنع النسيج في نيويورك مطالبات برفع الأجور وتضامن معهن العمال والعاملات في المصانع الأخرى.لكن الإضراب قوبل بالرصاص وإسالة الدماء .ونتيجة للتغيرات الحاصلة في مجمل الحياة الاجتماعية والاقتصادية تصاعدت وتيرة نضالات المرأة من أجل المساواة حيث بدأت النساء في الغرب بتأسيس الجمعيات والنقابات وإصدار المجلات النسائية المعبرة عن طموحات المرأة في المساواة .. كان أول حركة للمنظمات النسائية باسم (فيمينزم)(الحركة من أجل مساواة المرأة )..
لقد تصاعدت وتائر النضال ولم يتمكن أحد من إيقافه فبدأت النساء بتأسيس منظمات خاصة بهن وتطور النضال نوعيا فامتزج بالحياة السياسية للشعوب المتقدمة .ففي بلدان كثيرة حصلت المرأة على بعض الحقوق في المجالات المختلفة كالتعليم والعمل وفي الحياة العائلية وكذلك حق التنظيم والنشر . ففي عام 1888تأسست جمعية نساء الولايات المتحدة الأمريكية , وفيما بعد تأسست جمعية نساء العالم بمبادرة من نساء أمريكا, وفي عام 1904 تأسس الإتحاد النسائي العالمي من أجل النضال في سبيل المساواة السياسية وكذلك تأسس الإتحاد النسائي البريطاني.
في ألمانيا لعبت جريدة المساواة (كلايشهايت) لسان حال النساء الاشتراكيات والتي كانت محررتها المناضلة كلارازتكين دورا كبيرا في الدعوة من أجل المساواة والدفاع عن حقوق المرأة , وفي المؤتمر الأول للاشتراكية الدولية في شتوتغارت في ألمانيا عام 1907 قدم اقتراح باعتبار يوم الثامن من آذار يوما عالميا للمرأة وفعلا في المؤتمر الثاني للاشتراكية الدولية في كوب نهاكن 1910تم إقرار الاقتراح المقدم من قبل المناضلة كلارازتكين واعتبر يوم 8 آذار يوما عالميا للتضامن مع النساء في نضالهن من أجل المساواة في الحقوق وكان ذلك نقطة انطلاق في الحركة النسائية التضامنية .

في عام 1909 تحتفل نساء أمريكا لأول مرة بيوم الثامن من آذار يوم التضامن العالمي وفي آذار 1917 احتفلت معا نساء كل من النمسا وهولندا والولايات المتحدة وروسيا وألمانيا وهنكاريا وسويسرا بالثامن من آذار...وفي روسيا 1917 تظاهرت نساء بتروغراد ضد الحرب ونظام الجوع والإفقار والاستبداد ملتحمة مع جماهير المدن واشتدت نيران الثورة وفي مدة قصيرة أسقط عرش نيكولا .

إن نضال المرأة المدعوم والمسند بنضال التقدميين والثوريين وتضامنهم معها قد أثمرت من إنجازات كثيرة كسرت حلقات عديدة أخرى من السلاسل التي تكبل المرأة..ولكن الحصول على تلك الحقوق بلا شك خطوة كبيرة سواء في حياة المرأة بصورة خاصة أو في حياة المجتمع بشكل عام .مع كل هذا لم تكن هذه الحقوق تضمن المساواة الحقيقية للمرأة ولهذا واصلت نضالها من أجل المساواة وظلت المرأة في البلدان المتقدمة محرومة من حق الانتخاب والترشيح حتى نهاية الحرب العالمية الأولى . إن التطورات السريعة التي حدثت عام 1917 أحدثت تغيرات فيما يتعلق بقضية المرأة إذ حصلت في ست دول على حق الانتخاب (النمسا , نيوزلندا ,النرويج ,الدنمارك ,فنلندا ,أيسلندا ) وبعدها بأربع سنوات بلغ العدد 17 بلدا وفي عام 1970 بلغ العدد 121 بلدا واستمر العدد في تصاعد ولكن مع ذلك فإن عدد النساء من البرلمان أقل من عدد الرجال بأضعاف مضاعفة.
مما هو جدير بالتأكيد انتشار الأفكار الاشتراكية التي تنظر الى المرأة والرجل نظرة واحدة كان دعما كبيرا لقضية قبل انتهاء القرن التاسع عشر كما أن العلماء ومناضلي هذا الطريق قد ربطوا قضية حقوق المرأة بالنضال السياسي اليومي للجماهير الشعبية وهذا قرب قضية تحرير المرأة .

أما في بلدان القارات الآسيوية والأفريقية وفي بلدان أمريكا اللاتينية كانت الرأسمالية تسيطر بنظامها الكولونيالي في جميع هذه الأجزاء من العالم , فإن نضالها المرأة لم يقتصر على نيل الحقوق المتساوية للمرأة فاقترن بالطابع العام للنضال من أجل التخلص من نير الكولونيالية وتحقيق التحرر الوطني.
وفي المنطقة العربية التي تعرضت للاحتلال الإنكليزي والفرنسي منذ 1914 فقد كانت مشاركتها في نضال شعوبها ضد الاحتلال هي باكورة نضالها الوطني ونضالها من أجل حقوقها .
لقد شارك المتنورون من الأدباء والشعراء والكتاب بالكتابة عن المرأة ودورها الكبير في الأسرة والمجتمع وضرورة إنصافها لتساهم في التغييرات التي تحصل في مختلف البلدان . فقاسم أمين والزهاوي ومحمد حسنين هيكل ونظيره زين الدين من دعاة رفع الحجاب ومساواة المرأة وكانت المظاهرة التي قادتها هدى شعراوي من أجل رفع الحجاب باكورة نضال المرأة المصرية .
فيما بعد تصاعدت حركة النشر في مجال قضية المرأة فكانت هناك 25 مجلة وصحيفة تملكها وتحررها النساء في كل من القاهرة ودمشق وبيروت وبغداد وكانت هناك جمعيات نسائية جمعية الترقية النسائية في مصر ويقظة الفتاة العربية في بيروت ونهضة الفتاة في طرابلس وجمعية النهضة النسائية في بغداد. كما عقدت مؤتمرات نسائية لبحث القضايا الوطنية والقومية وقضية المرأة ففي عام 1922 عقد أول مؤتمر نسائي في بيروت بدعوة من الإتحاد النسائي اللبناني وعقد المؤتمر النسائي العام في لبنان وسوريا عام 1928. وفي عام 1938 عقد المؤتمر النسائي العربي الأول , وفي عام 1945 عقد المؤتمر التأسيسي للإتحاد النسائي العربي في القاهرة لدراسة أوضاع المرأة العربية بجانب القضايا القومية.
وفي عراقنا الذي تعرض للاحتلال الإنكليزي الكولونيالي في عام 1914 فقد كانت مشاركة المرأة في ثورة العشرين ضد الاحتلال هي باكورة نضالها الوطني ونضالها من أجل حقوقها وكانت هذه الإسهامات بمثابة المدرسة الأولى التي نمت خلالها المفاهيم الوطنية والاستقلال وبداية نمو الوعي تجاه قضية المرأة وإدراك لما تملك من الطاقات النضالية الكامنة فكانت أول جمعية في العراق هي جمعية النهضة النسائية 1924 وأول صحيفة نسائية هي صحيفة ليلى .
إن تطور الحركة النسائية وتحولها الى حركة جماهيرية بعد الحرب العالمية الثانية وبروز منظمات نسائية ذات أهداف مزدوجة(الطابع الخاص والعام ) واهتمام الأحزاب الوطنية بقضية المرأة في العراق وخاصة الحزب الشيوعي العراقي وتبني قضية المرأة وجعلها إحدى أهدافه الرئيسية في برنامجه أعطى زخما كبيرا لهذه الحركة .
كانت سنوات الخمسينات والسنوات الأولى من الستينات وبعد تأسيس رابطة المرأة العراقية في 10 _3 _ 1952 سنوات انتعاش وازدهار للحركة النسائية العراقية التي قدمت خلالها إنجازات كبيرة للمرأة ومن ضمنها وأهمها قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 . بعد ذلك تعرضت المرأة العراقية والرابطة لصنوف الاضطهاد والتعذيب على أيدي الأنظمة الرجعية والدكتاتورية وصلت الى الإعدام والتصفيات الجسدية .
بعد أن شهدت البلدان الأوربية في العقد *الرابع من القرن الماضي ظهور الفاشية والنازية في ألمانيا وايطاليا وبعد اجتياح ألمانيا في الحرب العالمية الثانية للعديد من الدول الأوربية ,ناضلت المرأة في صفوف مقاومة الفاشية ضد الاحتلال وبعد الانتصار على الفاشية اجتمعت ممثلات المنظمات النسائية في هذه البلدان في باريس عام 1945 لدراسة ماخلفته الحرب والفاشية في أوروبا والعالم وآثار ذلك على حياة والأطفال وتبنى الاجتماع ثلاثة اتجاهات في برنامجه,النضال من أجل السلام , ومن أجل حقوق المرأة وحماية الطفولة,هكذا تأسس الإتحاد النسائي الديمقراطي العالم وقد فتح الإتحاد المجال أمام انتماء المنظمات النسائية في كل أنحاء العالم ولعب الإتحاد دورا كبيرا في مساعدة المنظمات المنتمية والحركات النسائية بأساليب مختلفة ومن تقوية وتطوير التضامن بين نساء العالم من خلال مؤتمراته وكونفرنساته وهيئاته ومعالجة القضايا والمسائل الجديدة في كفاح المرأة وأصبح يشارك في هيئات ومنظمات دولية مختصة .
لقد نشط الإتحاد النسائي الديمقراطي العراقي( أندع) داخل هيئات الأمم المتحدة المختصة وتمكن من تحقيق مكاسب عديدة للحركة النسائية العالمية في مقدمتها اقتراحه في أن يكون عام 1975 عاما دوليا للمرأة لرفع التمييز عنها وإقرار هيئة الأمم المتحدة لهذا الاقتراح ومن ثم تقديمه مشروع وثيقة رفع التمييز ضد المرأة الذي أقرته الأمم المتحدة في مؤتمر لها عقد في عام المرأة ذاته .
وبعد نجاح عام المرأة قررت هيئة الأمم المتحدة أن يكون العقد بين عامي1975 – 1985 عقدا تجري فيه متابعة تطبيق الوثيقة من قبل الحكومات والبلدان التي وقعت عليها .وعقد مؤتمر نيروبي عام 1985 لتقييم تطبيق الوثيقة وقد حضر المؤتمر وفود حكومية وغير حكومية من منظمات نسائية وحقوقية وإنسانية . ثم فتحت الأمم المتحدة مركزا خاصا لها في فبينا لمتابعة تطبيق التزامات وثيقة رفع التمييز عن المرأة . لذا فإن التطور النوعي على الحركة النسائية العالمية يكون قد بدأ عام 1975 عام المرأة .
ومنذ السبعينات برزت منظمات نسوية دولية أخرى غير حكومية وتزايد عددها وتنوعت أهدفها وأوجدت لها عقد المرأة صلات واسعة مع المنظمات النسوية الوطنية في مختلف أنحاء العالم وفي عقد المرأة أيضا تأسست منظمات جديدة إنسانية أو حقوقية أو تنموية أو تضامنية أخذت تدافع عن حقوق المرأة خاصة في مناطق الحروب والنزاعات, كما برزت ا لعشرات من الجمعيات والمنظمات النسائية في الثمانينات والتسعينات في أكثر بلدان العالم وبمختلف الأهداف والتوجهات ..فالمنعطف الهام في الحركة النسائية العالمية كان في مؤتمر بكين الدولي الذي عقدته هيئة الأمم المتحدة عام 1995والذي برز فيه دور المنظمات النسوية الغير حكومية في بلدان الجنوب بشكل قوي متين سواء ذلك لسعة وتنوع هذه المنظمات أو في عمق أهدافهاوملموسيتها فأدى ذلك الدور عمليا الى وضع مشاكل المرأة والتحديات التي تواجهها على أسس صحيحة .
في خضم هذه التطورات عمل ( أندع)بجد من أجل التخلص من مجمل المظاهر السلبية في عمله ونشاطه الفكري وعلاقاته بالمنظمات والجمعيات النسائية المختلفة في مختلف بلدان العالم. فمنذ مؤتمر أندع الحادي عشر عام 1994 اهتم بشكل أكبر وبملموسية بما تعانيه المرأة من اضطهاد , وتمكن في الوقت ذاته والى حد بعيد الى إيجاد خطاب مشترك لكل نساء العالم لمواجهة تحديات العصر الخطيرة التي يضعها النظام العالمي الجديد أمام أوضاع المرأة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ويتحول تضامن المرأة الى عمل مثابر للوقوف أمام هذه التحديات من أجل أن تلعب دورها الفعال في الألفية الثالثة .
إن خطاب أندع في المؤتمر الثاني عشر في فرنسا عام 1998كان موجها في هذا الاتجاه : (لنجابه الجوانب السلبية في العولمة بعولمة تضامن نساء العالم ) أي الاهتمام يوجه الى معالجة المشاكل الملموسة في حياة المرأة من ناحية وأثر التضامن النسوي في حل مثل هذه المشاكل من ناحية أخرى .
وفي الختام ما أحوجنا نحن في العراق الى إتباع مثل هذه التوجهات في عملنا ونشاطنا لمواجهة معاناة المرأة العراقية بخطاب مشترك لمعالجة مشاكلها وهي تحت وطأة الاحتلال والإرهاب منذ سقوط النظام الدكتاتوري , وفي ظل الظروف الحياتية الصعبة وإرهاب الطائفية والمليشيات والمفخخات وذبح النساء , وكافة أشكال التمييز ضدها ففي العراق اليوم العديد من المنظمات النسائية ذات الأهداف المشتركة ,فلنعمل معا لمواجهة التحديات .




 



 

Counters

 

أرشيف المقالات