مقالات وآراء حرة
الخميس 8/10/ 2009
ضيف مفترض من حركة الأنصار على الفضائية البغدادية
علي بداي
مع بدء الأستعدادات لأنتخاب مجلس النواب، ومع استمرار الضغط المتعدد المصادربالتزايد ، والمال العمائمي بالتدفق لابقاء العراق منبعا للطم والمراثي والفواجع الى ابد الأبدين، ومع استخدام ايران ذات الحكم الأسلامي الشيعي وتركيا ذات الحكم الأسلامي السني للماء كسلاح دمار شامل، وبروز شبح استخدام الدين من جديد طريقا للتشبث بالسلطة ، بدأت الفضائية البغدادية حملة لكشف صفحات حقائق تأريخ العراق المخفي، عبر البدء بتسليط الضوء على احداث بشت ئاشان عام 1983 في كردستان العراق.
ورغم انني تابعت لحد الأن لقاء البغدادية مع الصديق القديم ورفيق السلاح والمواقف المشتركة " محسن الجيلاوي"، اوضح انني لست هنا بصدد التعليق على كلامه، لانه مبني على اساس قناعات خاصة به هي ثمرة لتجربته الحياتية ومن ضمنها السياسية .
لكن الذي اثار انتباهي في اللقاء ان البغدادية ومن خلال احداث بشتئاشان وبرنامج اسمه " للتأريخ" لم تبحث عن الحقيقة التاريخية الموضوعية بل عن تثبيت قناعتها الأيديولوجية المسبقة الصنع، ولذلك افترضت نفسي ضيفا على السيد حميدعبد الله معد ومقدم برنامج " للتأريخ"وساضع كضيف مفترض، ذات الأسئلة التي اعدتها البغدادية مضيفا لها بعض الأسئلة المساعدة في الكشف عن الحقائق التاريخية.
(البغدادية) حميد عبد الله: هل لكم التحدث قليلا عن حركة الأنصار : الأسم ، الأهداف ؟
أنا: حركة الأنصار حركة عراقية خالصة ضمت اعضاء ومؤيدي الخط السياسي والبرنامج الأجتماعي للحزب الشيوعي العراقي من النساء والرجال، واختصت بالعمل الفدائي المسلح شارك بها عراقيون عرب وكرد وكلدانيون واشوريون، مندائيون وارمن ، واستغرقت فترة عشر سنين ابتداءا بنهاية السبعينات ، كان باقي العراقيين خلال هذه الفترة مملوكين ملكية مطلقة لعائلة صدام حسين يتصرف بهم وبمستقبلهم كما يشاء، وكانت انفاس الناس خلالها تحصى، وهمساتهم تخضع لالف تحليل ،وكان الناس خلال هذه الفترة كمن على روؤسهم الطير ، ينخرطون في حزب السلطة افواجا دفعا لشبهة المعارضة، ويساقون في حياتهم اليومية كما تساق الحمير،"نفذ ثم ناقش"،لااعتراض، لاتساؤل ثم تطور الشعار الى "صفق ولا تناقش"، ولاحقا "حين يقول القائد يقول العراق".
حينها ،وقفت معظم حكومات العالم بما تمليه عليها مصالحها مع عصابة تملك النفط والضمير الخرب والأستعداد اللامتناهي لتخريب الأرض كلها من اجل البقاء في السلطة، ووقف نظام القبيلة العربية الذي كان يدمج الراعي برعيته في وثاق محكم شعوبا وحكاما ، الى جانب صدام حسين في جولاته الدونكيشوتية المهلكة، غير عابئ بمصير الملايين وبمصير العراق الذي دفعه صدام الى حافة الهاوية.
كان فهد مؤسس الحزب الشيوعي يوصي المنتمين الجدد لحزبه: ايها الرفيق صن لقب الشيوعي من اية شائبة، وكن ايها الرفيق على استعداد دائم لنفع من هم حواليك . كل منهج فهد، كان موجها من اجل خلق انسان قادر على الشعور بالآم غيره وتجاوز ذاته ، وكان هذا الأنسان هوالوحدة البنائية للحزب الذي اراد من خلاله فهد تغيير المجتمع المحكوم بشريعة الغاب الى مجتمع انساني. لهذا لم تكن حركة الأنصار غير تجسيد مكثف لوصية فهد بالأنتصار للانسان .
(البغدادية) حميد عبد الله: ولكن يقال ان الأكراد كانوا متعصبين ويترصدون العرب البيشمركة للغدر بهم ؟
أنا: اود ان اقرب لكم صورة حياة الأنصار، اولا هم لم يكونوا عربا فقط، ولكنك كنصيرعربي، لا تعرف اللغة غالبا، تتحرك بين اناس لا تعرفهم ولا يعرفونك تدخل وتأكل وتنام في بيوتهم ، انها بقية من بقايا عهد العلاقات الأنسانية الصافية حيث لا ربح ولا حساب تكاليف.
ساذكر لكم في سبيل التوضيح فقط ،كيف دخلنا مرة قرية داهمها الجيش فانسحبنا مهرولين خائضين بالأوحال قبل انكشاف امرنا قاصدين قرية اخرى ،كل فرد ببيت ، وبعد ساعتين من التكريم والأطعام والتعاطف الأنساني، وعند المغادرة اتت امراة البيت الشابة بزوج جوارب جديدة ، نظفت حذائي الموحل، كما تفعل مع اي من ابناء بيتها ، وضعت عن طيب خاطر ما تيسر من طعام الفقراء في حقيبة القماش التي احملها ، هكذا مشهد كان يتكرر على مدى الأيام والسنين ، لو ساعد الوقت ساذكر لك مئات القرى بالأف الناس الذين كانت بيوتهم مفتوحة امامنا ليل نهار، كان ثمن هذه الضيافة قاسيا جدا: انتقام النظام منهم بعمليات ابادة شاملة كان اخرها حملة الأنفال البشعة.
مرة تعرضت لنزف كلوي واغماء فوجدت نفسي وحيدا وقد غادرت مجموعتي المكان ،ضعت في الجبال ونمت ليلتي الأولى وحيدا في العراء في منطقة لااعرف مسالكها ، وفي مساء اليوم الثاني قررت الدخول لقرية قريبة ،كنت مسلحا ولكني كنت جائعا ومريضا ، كان جنود السلطة وراء الجبل قريبين من المكان اي ان مسالة تسليمي لهم من قبل اهل القرية كانت مغرية جدا ، فالقرية التي تسلم ثائرا تعتبر قرية متعاونة ستتمتع لاحقا بامتيازات السلطة وتتجنب غضبها ، سحب عبد الله صاحب البيت الذي دخلته سلاحي واخفاه ، اتوا لي بالطعام وقالوا انت هنا آمن وواحد منا، الى ان نتدبر عملية التحاقك بجماعتك!
(البغدادية) حميد عبد الله:
هل يصح ما يقال من ان القيادة كانت نائمة مرتاحة في حين تحمل الأنصار المخاطر والصعاب؟
أنا: الحديث عن كفاءة القيادة وقدرتها على التصدي للمهام شئ وعن تمتعها بالأمتيازات شئ اخر مختلف تماما، لقد كانت قيادة حركة الأنصارمن اكثر قيادات احزاب الشرق الأوسط تضحية، اقرأ معي بعضا من أسماء الشهداء :
سربازاحمد باني خيلاني ابن احمد باني خيلاني
وحيد اسعد خضر ابن اسعد خضر
هيوا نائب عبد الله ابن نائب عبد الله
بوتان كريم احمد ابن كريم احمد
سيد توفيق وجمع من افراد عائلته
كل هؤلاء الآباء( وماذكرته قليل) فقدوا ابنائهم الانصار في معارك الانصارمع عصابات البعث، نستطيع توجيه تهم اخرى للقيادة كما ترى غير الترف .
(البغدادية) حميد عبد الله :
يقال ان بشتئاشان كانت حلبجة العرب ؟
أنا : في حلبجة استشهد 5000 انسان مدني على الأقل، ربما كان اغلبهم من الأطفال وكلهم من الكرد بسبب سياسة نظام عنصري، قمعي، بربري لم يتردد في استخدام السلاح الكيمياوي المحرم دوليا، وضد مدنيين. في بشتئاشان استشهد 100 مناضل كلهم من العرب تقريبا بسبب عام هو مرض الأستقواء بدول الجوارو الهيمنة الحزبية والقتال المتكرر بين اطراف الحركة الوطنية الناتج عن غياب البرنامج العراقي الوطني الجامع لاطراف هذه الحركة، لكن الذي ميز بشتئاشان عن غيرها هو انها كانت مجزرة من صنع قطاع طرق لاتمت أخلاقهم لاخلاق الشعب الكردي بصلة، اشترك بها عنصريون و لصوص همهم الأول سلب السلاح والمال،وشهدت حوادث مقرفة مثل نبش القبوروقتل الأسرى وأفعال لايقترفها الأ الأوباش المتوحشون مثل قطع اللصوص لاصبع المناضلة المندائية الباسلة عميدة لسرقة خاتم زواجها ، ولابد من القول ان هؤلاء انفسهم قد تصرفوا ذات التصرف مع احزاب قومية كردية مخالفة لهم.
(البغدادية) حميد عبد الله :لكن يقال ان هذه المعركة كانت تمثل رغبة الكرد كقومية؟
انا: اطلاقا لا ، الأ اذا كان نظام البعث يمثل العرب، عدذئذ سنختصر القوميات بنخب واشخاص .
اعطيك مثالأ : انتصرت الأنتفاضة في كردستان وكان فيها الأف الجنود العرب وهم جنود لجيش مهزوم ، لو كان الشعب الكردي كله على اخلاق اوباش بشتئاشان لحدثت مجازر، لكن احدا لم يصب في تلك الأيام باذى، بل ان الأف الجنود العرب لقوا الترحيب والضيافة من شعب عرف بالكرم والوفاء.
كان البارزاني الأب يطلق سراح الجنود العرب المقاتلين ضد قواته، فيما تصرف قادة هجوم بشتئاشان ابشع تصرف مع حلفاء لهم، واطلقوا شعارا عنصريا يفيد بان على العرب ان يقاتلوا في جنوب العراق لان هذه ليست ارضهم ، فهل يصح ان يقول العرب العراقيون الأن للسيد جلال الطالباني نحن لانريدك في بغداد لان هذه ليست ارضك؟ بالطبع لا ، لكنهم ينتظرون منه توضيحا لتصرف مجموعة كان هو قائدا لها .ان انسب تكريم لشهداء بشتئاشان هوان يبادر الطالباني نفسه لاعادة الأعتبار للشهداء والدعوة لتوقيع بيان في ذكرى استشهادهم يلزم جميع الأحزاب السياسية بتحريم استخدام السلاح ضد بعضها .
(البغدادية) حميد عبد الله :
حلبجة كانت نتاج لفعل طيار متهور فلم كل هذه الضجة ؟
أنا: كلا، بل كانت نتاجا لنظام عنصري متهور ، ولو كان الأمر كما طرحتم لماذا لم تعلن السلطة ذلك في وقتها وتحاكم الطيار المتهور الذي اضر بسمعتها؟ لماذا عاملت السلطة البعثية الناجين من مجزرة حلبجة معاملة العبيد منفيين الى مناطق الجنوب؟ اليس من الأولى ان تساندهم وتخفف من الأمهم وتعوضهم عما الحقه بهم ذلك الطيار المتهور ؟
(البغدادية) حميد عبد الله:
الان، بعد كل هذه السنين كيف تعرف الأنصار هل كانوا مغامرين؟ مخدوعين؟ ام ابطالأ ؟
أنا: قلت قبل قليل ان الحركة كانت تجسيدا مكثفا لاخلاق الشيوعيين بالأنتصار للناس ضد بطش المستبدين، لان الوقوف مع الأخرين الذي افترضه فهد جزءا من اخلاق المنتمي لحزبه، قد وصل غاية قصوى لدى الأنصارهي الجود بالنفس، وفي هذا فقط ، في هذا الخلق الفدائي قبل نتائجه ، بل ومهما كانت نتائجة، تكمن عظمة الأنصار وسمو اخلاقهم، على الأقل بالقياس لركام التفاهات وسقط المتاع من سياسيي واعلاميي عهد الأحتلال من السراق والسماسرة وشركاء عدي وحسين كامل الذين اضحوا بفضل امريكا ورعوتنها وبفضل انفسهم الدنيئة اصحاب ملايين وفضائيات يرفعون رايات الكفاح المزيف ضد الأحتلال، وهم اول الرابحين من وجود الأحتلال،هؤلاء يتجنبون الحديث عن اربعين سنة بعثية ارجعت العراق اربعمئة سنة الى الخلف، كانوا هم خلالها بين جلاد ومخبر او في اقل الأحوال، شياطين خرس اسكتهم الجبن عن الألتفات لمآساة غيرهم ، وكان جدير بمن هو على شاكلتهم دفن رأسه خجلا ولكن هل يعرف هؤلاء للخجل من معنى؟
ان كل من وطأت قدمه ارض كردستان نصيرا ( ومن بينهم الصديق محسن الجيلاوي ) كان بطلا ونصيرا لشعب استولت عليه عصابة ، وكل من رفع السلاح بوجه هذه العصابة ذات التاريخ الموغل في الأجرام كان متحديا وشجاعا وعامرا بالشرف ، لأن رفع السلاح لم يكن يعني المجازفة بفقدان الحياة وهي في بداية تفتحها وازدهارها فحسب، بل المجازفة بمصير من تبقى من العائلة والأقارب.
ولان برنامجكم اسمه " للتاريخ" يتوجب ان نكون أمناء في الكلام فنقول ان هذه الحركة بدأت حين كانت ارض العراق في حينها تفيض ذهبا، ولم يكن العراق في حينها قد انزلق لمستنقع الحروب ، ولم يكن من بين الأنصار من كان بلا عمل ، بل ان كثيرهم ضحى ببيته واملاكه، وكانت اغلبيتهم من الشباب الذين تركوا جامعاتهم ومعاهد تعليمهم . اما العلامة الفارقة في هذه الحركة فهي مشاركة المرأة على نطاق واسع لأول مرة في تاريخ العراق المعروف، ولم تكن هذه المشاركة اجبارية ابدا، فقد كان المجال مفتوحا حينها امام اية فتاة لاكمال دراستها في واحدة من دول اوربا الشرقية او العمل في اليمن الجنوبية، الأ ان اصرار النساء كان عجيبا ومدهشا، لو حدث هذا في اي بلد اوربي لمنحت النصيرات شهادة الوطنية والشجاعة والتضحية من الدرجة الأولى ، ولنقشت تلك البلاد اسماء نصيراتها على لوح مشهود في متاحفها، ولكننا نعيش في بلاد كل شئ فيها وضع بالمقلوب .
أنا: أشكر للبغدادية سعة صدرها،وحرصها على تنفيذ هذا اللقاء الافتراضي وجهودها الرامية لحفظ تأريخ العراق من الضياع!!