| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأثنين 8/12/ 2008

 

نوري المالكي .. سياسي في محنة

سعد صلاح خالص

"
السياسيون متشابهون في كل مكان .. يعدون ببناء الجسور حيث لا توجد أنهار"
                                                                                نيكيتا خروتشوف

العراق اليوم بلد ممزق الولاءات والمشاعر والمفاهيم، بل وحتى الجغرافيا. عراق اليوم كعكة كبيرة لا تنضب يسيل لها لعاب أمراء الحرب والأحزاب والميليشيات والدول وكبار اللاعبين، ولكنها تضيق يوما إثر يوم على الشعب الحالم بلقمة عيش كريمة وبضع سنوات وربما أشهر من السلام. يتحدث الجميع في العراق عن الانتخابات والقوائم ولا يتحدث أحد عن الخبز والماء الهواء.
في حوار مع دبلوماسي أوروبي عمل ببغداد قبل عامين حول الأمن الذي بدأ بالتحسن وآمال العراقيين في مستقبل آت، قال الرجل ببساطة بأنه من الطبيعي أن يتحسن الأمن، فقد بات التكريس الطائفي واقعا على ارض بغداد، ولم يعد هنالك أحد لتقتله ميليشيات الطرف الآخر. وإن لم يكن هذا الأمر صحيحا تماما، فإنه على قدر كبير من الصحة في مناطق عديدة من عاصمة النهر والجمال التي كانت.

لا أصعب من أن تحكم العراق اليوم، باحتلالات أجنبية عدة، وبسياسيين فقدوا بوصلة الوطن، وبتحالفات غير متحالفة، وبمزيج تقسيمي يقيم الولائم لتبادل المجاملات نهارا ويحيك الدسائس ليلا، وبأحزاب تتحدث عن كل شيء وتتصارع من أجل كل شيء سوى العراق، وبشعب تفصله الكتل والجدران الكونكريتية، وعمائم حرب تبيع الوهم للبسطاء مع الرز والبطانيات وبطائق دخول الجنة. وهذا هو حال نوري المالكي اليوم، الباحث كما يبدو لي على الأقل، عن حد أدنى من الدولة التي رحلت قبل التاسع من نيسان بزمن بعيد. على رئيس الوزراء، الذي لا أملك تقييمه كشخص لأنني ببساطة لا أعرفه إلا عبر الشاشات والإعلام، أن يخوض كل يوم عشرات المعارك مع الحلفاء قبل الأعداء، ومع النظام الحالي قبل النظام السابق، ومع الفقر والجهل والتخلف، ومع أولئك الذين حملوه إلى السلطة، ومع شركاء في الوطن لا يفكرون كشركاء، ومع دستور أكتشف متأخرا بأنه مكتظ بالعيوب والنواقص يحاول البعض تحويله صنما مقدسا، في حين يتبولون عليه ليل نهار.

في بلد مثل العراق، يباع قاموس الشتائم والتهم على قارعة الطريق، والكل يتهم الكل بالعمالة والخيانة من المسؤول حتى رجل الشارع، وكلّ حاكم بأمره عالم بالمؤامرات وبدهاليز البيت الأبيض والمناطق الخضراء والحمراء، ، وفي بلد مثل العراق تقوده أهواء وبقايا إيديولوجيات ونسخ متعددة من الدين الواحد، و ركام من قوميات ومعتقدات وعقائد سياسية، وتراث من الدم والدموع، لا يسع المسؤول أن يفعل الكثير بدون قاعدة سياسية وشعبية بل وعسكرية، وهو حال رئيس وزراء العراق اليوم، فلا هو بقادر على بناء جيش يحمي الوطن، ولا قوات أمن ليس أمام أعينها غير الوطن، ولا مؤسسات وطنية بعيدة عن التقاسم القبيح الذي يرميه الجميع على عاتق بريمر ولا يجرؤ على السؤال لماذا أستمر كذلك بعد رحيله.

الديمقراطية هي الحل، كما يقال، ولا شك في ذلك ولكن من أين تأتي الديمقراطية بين أحزاب لم تمارسها حتى في حياتها الداخلية، وشعب تعلم بتلقين من عصابات تحكم الشارع بأن يربطها بالفوضى والتسيب. هل تأتي الديمقراطية من العدم أو تهبط من السماء أم أن هنالك تطور تأريخي اقتصادي واجتماعي لا بد وأن يأخذ مجراه الطبيعي، وهل هنالك حرية اقتصادية اجتماعية، وتربية أسرية تقوم على احترام حقوق الفرد والجماعة؟ بالتأكيد كلا. وهنا على الحاكم، سواء أكان نوري المالكي المكبّل أو صدام حسين مطلق الصلاحية، بل وحتى تشرتشل وديجول وباراك أوباما، أن يتمرس بما يسمى بفن الإدارة، وهو علم وفن يتعلمه السياسيون في العالم في مطابخ أحزابهم عبر التجربة المتراكمة، وهو يعني ما تعنيه الكلمة بالضبط، أن تدير الوطن بكل تنوعه وشرائحه ومصالحه المتناقضة، وأن تحاول التوفيق بن تلك المصالح باتجاه مصلحة مشتركة، أي بأن ترتبط حياة زيد بحياة عمرو أو بمعنى آخر خلق المصير المشترك والهم المشترك والحياة المشتركة. هي ديمقراطية قد تحتاج إلى قبضة حديدية في مرحلة ما، وإلى قفاز من حرير في مرحلة أخرى، ولكنها دائما تحتاج إلى رؤية للغد وللهدف القادم. أما أحزابنا وحكامنا، فلا تجربة ولا تراكم معرفي ولا اعتراف بهذا العلم أصلا، فهي قبائل أكثر منها أحزابا وهم مشايخ أكثر منهم سياسيين وقادة.

الدولة في العالم من حيث المبدأ حدود وعلم، وتعليم وقضاء وشرطة وسوق، والسوق هو الاقتصاد الكلي والأصغر والعام والخاص، ثم جيش ومجتمع مدني وصحافة. وبناء الدولة فعل جماعي حكومي وشعبي ، وهذا ليس تنظيرا بل مبادئ لا نراها في العراق، بل وفي غيره في هذه الأرجاء، لأننا لم ننتقل بعد إلى مرحلة الدولة. وقد يقول البعض كانت في العراق دولة، ولا أراها، فالسجن الكبير كما كان في العهد السابق ليس بالدولة. تغير السجان ونوع التهديد، ولكن السجن باق وما زال السجناء يهربون زرافات ووحدانا، فما الفرق بأن يقتلك النظام الحاكم أم أن يقتلك قاطع طريق أو ميليشيا تعيش على غياب أي نظام، أو أن تموت إعداما نهشا بالكلاب أو أن تنهشك كلاب الشارع، وهل تكترث الشاة لشكل السكين إذا حضر الذبح ؟ كما يقول الكبير مظفر النواب.

في متابعات لأحاديث وتصريحات رئيس وزراء العراق في الفترة الأخيرة، أراه قد بدأ بالبحث عن الوطن والدولة وأتمنى بأن يكون ذلك صحيحا وليست مزايدة سياسية أو حزبية، فقد يوحي كرسي السلطة أحيانا بما هو أكثر من المصلحة الذاتية والحزبية، بل وبدأ في تعبئة الجمهور مما جعل الأطراف الأخرى تشعر بخطر حقيقي إذ تدرك بأن الجمهور في شوق إلى الدولة والنظام والقانون، وبدأ من بدأ في إعادة النظر في المالكي كشخص بل وبالعراق كمنظومة حكم، وحتى أعداء الأمس أخذوا بالحديث عن نفس وطني بعد خمس عجاف من التشاؤم. كنت أتمنى بأن يبتعد رئيس الوزراء عن حديث المنجزات والخير القادم واللقاءات الجماهيرية و"هوسات" النفاق، وأن لا يعد "ببناء جسور حيث لا توجد أنهار" ، وأن يخرج على الملأ ليقول لهم صراحة بأن هذه هي مشكلاتنا، وهذا ما نعانيه، فلعله ينقذ ما يمكن إنقاذه.

ما أن تحدث المالكي في "المحظور" المتمثل بالدستور الأعرج والتقسيم ووحدة العراق، حتى بدأ الهتاف المعتاد عن الصدامية والعودة إلى الدكتاتورية (وكأن الديمقراطية قد تحققت منذ أجيال) بل وبدأت التعبئة لإسقاطه انتخابيا إن لم يكن قبلها. تحدث عن الطائفية والجرائم التي ارتكبت باسمها وهو يجلس ليلا نهارا مع بعض مرتكبيها الذين لا أراهم يغفرونها له، وتحدث عن عراق موحد واستثمار وبناء وهو أعلم الجميع بأن هذا لن يتحقق في ظل التركيب الحالي للسلطة في العراق وسياساتها. ويبدو إن العراق مقبل على معركة كسر عظم بين أطراف السلطة السياسية، يراقبها الأميركيون بعد انسحابهم وراء الكواليس ممسكين بخيوط لا يعرفها إلا القليلون وإن ظن الجميع بأنهم يعرفون، ويراقبها الإيرانيون بقلق وهم لاعبون أساسيون قد يفقدون ساحتهم وقد يحكمون قبضتهم عليها، ويرافقها الأتراك بقلق لا يقل كثيرا وفي أعينهم حدودهم الجنوبية، ويراقبها الجوار العربي بحيرة بين شعوب خضعت لتعبئة مضادة لما يحدث في العراق وحكام بات من المفروض عليهم أن يعترفوا بأمر واقع لا قبل لهم بتغييره.

نوري المالكي سياسي في محنة بين الوطن والدولة والحلفاء والشركاء والجيران والأعداء وشعب يريد المغادرة. وهو يدرك أكثر منّا جميعا بأن هنالك أكثر من خليفة ينتظر أن تزل قدمه، وبأن العراق قد يحتاج فعلا إلى قبضة حديدية ولو لفترة من الوقت قبل أن يضيع نهائيا تحت راية الفوضى المدمرة التي باتت النموذج العراقي للديمقراطية التي ربما كانت الأكثر تشويها في العالم.

في مقولة مأثورة لبرنارد شو يقول بأن الديمقراطية هي أداة تضمن لنا بألا يحكمنا أحد بأكثر مما نستحق.
 

 

free web counter

 

أرشيف المقالات