| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الثلاثاء 8/4/ 2008

 


تأثيرات حرب العراق على الاقتصاد الامريكي

سلم علي

مقدمة
لم تخطىء ادارة بوش حساباتها بشأن منافع حربها على العراق فحسب، بل اخطأت ايضاً بشأن الاكلاف الباهظة لهذه الحرب التي مضى عليها خمس سنوات. وبدلاً من توقعات الرئيس بوش ومستشاريه بأن تكون حرباً سريعة وغير مكلفة، فقد اصبحت ثاني اطول حرب تخوضها امريكا. وتشير تقديرات باحثين اقتصاديين مرموقين في الولايات المتحدة الى ان تأثيرها على الاقتصاد الامريكي فاق كل التوقعات، وتقدر كلفة ما تكبده حتى الآن 3 تريليونات دولار (أي 3 آلاف مليار دولار). ويتوقع هؤلاء الباحثين ايضاً ان تخلّف الحرب آثاراً وخيمة على مستقبل الاقتصاد الامريكي، وعلى مدى عقود، وإن كانت بعض المؤشرات الى ذلك بدأت تطفو على السطح في الفترة الاخيرة مقترنة ببدايات مرحلة ركود اقتصادي يشبه في بعض سماته "الركود الكبير" في اواخر عشرينات القرن الماضي.
بالنسبة الى العراقيين، تكتسب دراسة تأثير الحرب على الاقتصاد الامريكي اهمية خاصة لارتباط ذلك على نحو وثيق بخطط صناع القرار في واشنطن وسياسة الادارة الحالية (والمقبلة) تجاه الملف العراقي، والاحتمالات التي تكتنف مسارها، بما في ذلك مسألة الوجود العسكري الامريكي، البعيد المدى والمفتوح، في العراق والسيطرة على ثرواته النفطية الهائلة.
فمن جهة، سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن الولايات المتحدة، وبالاخص الاتجاهات اليمينية المتطرفة في المؤسسة الحاكمة والمجمع الصناعي العسكري، ستتخلى بسهولة عن الاهداف التي رسمتها للحرب في العراق ومنطقة الشرق الاوسط، في اطار استراتيجيتها للامن القومي على الصعيد العالمي، خصوصاً بعد كل ما تكبدته من "تضحيات" اقتصادية وسياسية، وفي الارواح، خلال السنوات الخمس الماضية. يضاف الى ذلك، توقع احتدام الصراع والتنافس على مصادر الطاقة، وبالاخص النفط، بين امريكا ومنافسيها القدامى والجدد، بالاخص في اوروبا وآسيا (الصين والهند)، وما يعنيه ذلك بالنسبة الى احتياطي النفط الهائل في العراق الذي يحتل المرتبة الثانية عالمياً.
من جهة اخرى، يمكن للاعباء المتزايدة على الاقتصاد الامريكي جراء الحرب واستمرار الوجود العسكري في العراق، الى جانب تعمق الازمة الاقتصادية الراهنة، ان تعزز مواقع الاوساط السياسية في امريكا التي تفتش عن مخرج من المأزق العراقي، والسعي الى بدائل لسياسات المحافظين الجدد الاحادية على الصعيد الدولي، التي اضعفت موقع الولايات المتحدة ونفوذها وهيبتها وأدت الى تسريع وتيرة الانتقال من نظام القطب الواحد، الامريكي، الى ما سيصبح نظاماً متعدد الاقطاب على صعيد عالمي.
ومما له دلالة كبيرة في هذا الشأن ان الحرب في العراق وآثارها على الاقتصاد الامريكي تستقطب اهتماماً متزايداً في الجدل الدائر حالياً في حملة الانتخابات التمهيدية في الولايات المتحدة، خصوصاً بين المرشحين الرئاسيين للحزب الديمقراطي. ويمكن ان تبرز هذه القضية بقوة اكبر في الشوط الاخير من الحملة الانتخابية لكلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، في الفترة بعد آب (اغسطس) المقبل والى موعد الانتخابات الرئاسية في نهاية 2008. وعلى رغم انه لا يتوقع حدوث تغييرات سريعة في السياسة الامريكية تجاه العراق في حال فوز الديمقراطيين، لكن مثل هذا التغيير سيؤثر بقوة على اتجاهات هذه السياسة على المدى المتوسط، ويفتح الباب على مصراعيه لاحتمالات عدة.
وهو ما يعني في المقابل، بالنسبة الى العراق والعراقيين تحديداً، إتاحة فرصة او فرص ثمينة للتعجيل بانهاء الوجود العسكري الامريكي، عبر فرض جدول زمني للانسحاب مدعوم بقرار دولي، وانتزاع السيادة الوطنية الكاملة للعراق واستقلال قراره السياسي والاقتصادي. ولا جدال في ان تحقيق هذا الهدف الحاسم يتطلب تحقيق اجماع وطني يستند على حركة شعبية ذات مشروع وطني، ديمقراطي موضوعياً، يتخطى الانقسامات الطائفية والقومية والفئوية، ويشكل بحد ذاته شرطاً ملازماً لاستعادة الوحدة الوطنية وارساء مقومات الدولة المدنية الديمقراطية في العراق.

كلفة العمليات العسكرية المباشرة
تشير احدث دراسة للباحثين جوزف ستيغليتز، البروفسور في جامعة كولومبيا والحائز على جائزة نوبل للاقتصاد (2001)، وليندا بيلمس المحاضرة في السياسة العامة في جامعة هارفرد (*)، الى ان كلفة العمليات العسكرية الامريكية المباشرة (وهي لا تتضمن حتى الاكلاف البعيدة المدى مثل رعاية قدامى المحاربين المصابين) تزيد على كلفة حرب فيتنام، التي استمرت 12 سنة، وتبلغ اكثر من ضعفي كلفة الحرب الكورية.
وحتى في احسن السيناريوات المحتملة، يتوقع ان تبلغ هذه الكلفة عشرة اضعاف ما كلفته حرب الخليج الاولى، وتزيد بنسبة الثلث تقريباً على كلفة حرب فيتنام، وتبلغ ضعف كلفة الحرب العالمية الاولى. والحرب الوحيدة في تاريخ امريكا التي كلفت اكثر منها هي الحرب العالمية الثانية، عندما خاض 16،3 مليون جندي امريكي القتال على مدى اربع سنوات، وبلغت كلفتها الاجمالية (بقيمة الدولار في 2007، وبعد أخذ معدل التضخم بالاعتبار) حوالي 5 تريليونات دولار (اي 5 آلاف مليار دولار). وفي تلك الحرب، عندما شاركت القوات المسلحة الامريكية كلها تقريباً في القتال ضد الالمان واليابانيين، كانت الكلفة لكل جندي اقل من 100 ألف دولار (بقيمة الدولار في 2007). بالمقارنة مع ذلك، تصل كلفة الحرب في العراق الى 400 الف دولار لكل جندي.
ولم يتحسس الامريكيون بعد هذه الاكلاف. فالكلفة بالدم دفعها الجنود المتطوعون ومتعاقدون جرى استئجارهم. اما الكلفة المالية فقد جرى تمويلها كلياً بالاقتراض. ولم تجر زيادة الضرائب لتمويلها، بل جرى في الواقع خفض الضرائب على الاغنياء. ويعطي العجز في الموازنة الامريكية الانطباع بأنه يمكن تعطيل فعل قوانين الاقتصاد، وان بالامكان الاستمرار، عبر زيادة العجز، بتمويل الانفاق على الحرب والحاجات الاجتماعية على السواء. لكن هذه القوانين لا يمكن ان تلغى. وتبقى اكلاف الحرب حقيقية حتى اذا جرى تأجيل استحقاقاتها الى جيل آخر.
وقد ارتفع الدين القومي للولايات المتحدة بحوالي 2،5 تريليون دولار منذ بدء الحرب، ويرجع 1 تريليون دولار منه بشكل مباشر الى الحرب بالذات. ويستمر هذا الرقم بالارتفاع، وتشير التقديرات الى انه بحلول 2017 سيرتفع الدين القومي، بسبب الحرب وحدها، بحوالي 2 تريليون دولار.

تقديرات عشية الحرب
شهدت ادارة بوش عشية الحرب نقاشات حول اكلافها المحتملة. وقدّر لاري ليندسي، المستشار الاقتصادي للرئيس الامريكي ورئيس المجلس الاقتصادي الوطني، انها قد تصل الى 200 مليار دولار. لكن هذا الرقم تعرض الى الاستهانة به من قبل وزير الدفاع رونالد رامسفيلد الذي وصفه بأنه "هراء". واعتبر نائبه، بول ولفويتز، ان عملية اعادة الاعمار في مرحلة ما بعد الحرب يمكن ان تمول من عائدات النفط العراقية التي سترتفع. وقدم ميتش دانييل، مدير مكتب الادارة والموازنة، ورامسفيلد تقديراً لاكلاف الحرب يتراوح بين 50 و60 مليار دولار! واعتبرا ان جزءاً منها ستموله بلدان اخرى. (اذا اخذنا بالاعتبار معدل التضخم، بقيمة الدولار في 2007، فان هذه الكلفة التقديرية ستتراوح بين 57 و69 مليار دولار). لكن هذا المبلغ اصبح ينفق كل ثلاثة اشهر!
وتجدر الاشارة الى انه حتى لاري ليندسي، بعدما لفت الى ان الحرب يمكن ان تكلف 200 مليار دولار، اضاف قائلاً: "سيكون انجاز الحرب بنجاح شيئاً نافعاً للاقتصاد". وتكشف مراجعة تقديرات ليندسي الآن انه قلل بشكل كبير من تقدير اكلاف الحرب ذاتها وايضاً كلفتها بالنسبة الى الاقتصاد. واذا أقرّ الكونغرس الامريكي تخصيص بقية الميزانية التكميلية للحرب التي تبلغ 200 مليار دولار للسنة المالية 2008، يكون الكونغرس قد خصص اكثر من 845 مليار دولار للعمليات العسكرية، واعادة الاعمار، واكلاف السفارة الامريكية، وتعزيز الاجراءات الامنية في القواعد الامريكية، وبرامج المساعدات الامريكية في العراق وافغانستان.
ومع اقتراب السنة الخامسة للحرب من نهايتها، تشير التقديرات لكلفة العمليات العسكرية (او ما يمكن ان يسمى بـ"الانفاق الجاري") للسنة 2008 الى انها ستزيد على 12،5 مليار دولار شهرياً للعراق، وهي زيادة كبيرة بالمقارنة مع كلفتها في 2003 عندما بلغت 4،4 مليار دولار شهرياً. واذا اضيفت الحرب في افغانستان، فان الكلفة الكلية هي 16 مليار دولار شهرياً. ويعادل هذا المبلغ الموازنة السنوية للامم المتحدة. ولا يشمل هذا الرقم الـ500 مليار دولار التي تنفقها الولايات المتحدة بالفعل سنوياً على المصروفات المعتادة لوزارة الدفاع. كما انه لا يتضمن نفقات اخرى مخفية، مثل جمع المعلومات الاستخبارية، او اموال ممتزجة بميزانيات وزارات اخرى.

ارقام رسمية.. وارقام فعلية
ان الكلفة الاجمالية للحرب أعلى بكثير من الرقم الرسمي لان هناك اكلاف كثيرة لا تدخل ضمن حسابات الادارة. على سبيل المثال، غالباً ما يقول مسؤولون في الادارة بأن ارواح الجنود لا تقدر بثمن. لكن من منظور الكلفة، تظهر هذه الارواح "التي لا تقدر بثمن" على سجل حسابات البنتاغون كمبلغ 500 الف دولار فحسب، وهو ما يدفع كمساعدات وفاة وبوليصات تأمين على الحياة. وبعد ان بدأت الحرب، ارتفع هذا المبلغ من حوالي 12 الف دولار الى 100 الف دولار (مساعدة الوفاة) ومن 250 الف دولار الى 400 الف دولار (بوليصة التأمين على الحياة). لكن هذه المبالغ لا تمثل سوى جزء مما كانت عائلات القتلى ستتقاضاه لو ان الافراد فقدوا ارواحهم في حوادث مرور. ففي مجالات مثل الصحة وضوابط السلامة تقدّر الحكومة الامريكية قيمة حياة مواطن شاب في ذروة قدرته على كسب الإجر بما يزيد على 7 ملايين دولار، وهو اكبر بكثير من المبلغ الذي تدفعه المؤسسة العسكرية الامريكية كمساعدات وفاة. وباستخدام هذا الرقم، تبلغ كلفة الـ4 آلاف جندي امريكي الذين قتلوا في العراق حوالي 28 مليار دولار.
كما ان الاكلاف التي يتحملها المجتمع جراء الحرب هي اكبر بكثير من الارقام التي تظهر في موازنة الحكومة الامريكية. واحد الامثلة الاخرى على الاكلاف المخفية يكمن في فهم ما تعنيه الاصابات في صفوف الجنود الامريكيين. فالاحصائيات التي تصدرها وزارة الدفاع عن الاصابات تركز على تلك التي تنجم عن عمل عدائي (قتالي)، وفقاً لما تحدده المؤسسة العسكرية. ولكن اذا اصيب جندي بجروح او مات في حادث سيارة ليلاً، يوصف ذلك بأنه "ذو صلة بحادث غير قتالي"، حتى عندما يكون التنقل بالغ الخطورة بالنسبة الى الجنود خلال النهار.
وفي الواقع، يحتفظ البنتاغون بنوعين من السجلات. الاول هو لائحة الاصابات الرسمية الموجودة على موقع وزارة الدفاع في الانترنت. اما الثاني، الذي يصعب العثور عليه، فان المعلومات التي يتضمنها لا تتوفر الاّ في موقع آخر على الانترنت ويمكن الحصول عليها بموجب "قانون حرية المعلومات". وتبيّن هذه المعلومات ان العدد الكلي للجنود الذين جرحوا او اصيبوا او عانوا من المرض هو ضعف عدد المصابين بجروح في اعمال قتالية. وقد يجادل البعض بأن نسبة من هذه الاصابات التي تقع خارج ظروف القتال يمكن ان تحدث حتي اذا لم يكن الجنود متواجدين في العراق. لكن الدراسة الجديدة للباحثين الامريكيين ستيغليتز وبيلمس كشفت ان غالبية هذه الاصابات والامراض يمكن ان تربط بشكل مباشر بالخدمة العسكرية في الحرب.

الكلفة الاجمالية للحرب
وبالاستناد الى المعطيات المتوفرة عن التمويل لحالات الطوارىء، والى السجلات المتعددة، والانتباه الى التقديرات التي تقلل على نحو مزمن من الموارد المطلوبة لمواصلة الحرب، سعى الباحثان الامريكيان الى كشف الانفاق الفعلي على الحرب، وما يرجح ان تنفقه الولايات المتحدة عليها في النهاية. والرقم الذي توصلا اليه هو اكثر من 3 تريليونات دولار (3 آلاف مليار دولار)، مع الاشارة الى ان الحسابات التي اجرياها استندت على افتراضات محافظة. وهما يلفتان الى ان هذا الرقم (3 تريليونات دولار) يميل الى ان يكون اقل من الرقم الفعلي. كما يوضحان انه لا يمثل سوى كلفة الحرب بالنسبة الى الولايات المتحدة، ولا يعكس الكلفة الهائلة التي تكبدها العراق او بقية العالم.

فاتورات سيستمر دفعها لعقود
كشفت تجربة حرب الخليج في 1991 ان حوالي 40 في المئة من القوات الامريكية التي بلغ عددها 700 ألف جندي (شاركوا في القتال لمدة شهر واحد) اصبحوا يستحقون تسلم مساعدات إعاقة (جسدية ونفسية)، ويدفع لهم اكثر من 4 مليارات دولار سنوياً من هذه المساعدات. لذا يمكن للمرء ان يتخيل ما ستكلفه الحرب الحالية، اذا استمرت اكثر من ست او سبع سنوات، واذا اخذنا بالاعتبار انه سيجري الزج بأكثر من مليوني جندي فيها.
وبينما كانت نسبة المصابين الى القتلى في الحروب السابقة تبلغ 2،5 الى 1، فان هذه النسبة في الحرب الحالية هي 7 الى 1. ويرجع ارتفاع هذه النسبة في حرب العراق الى منجزات الطب الحديث وتطور العلاج المقدم للمصابين من الجنود الامريكيين. واذا جرى تضمين اولئك الذي يتعين اجلاءهم طبياً بسبب ما يعتبر حوادث غير قتالية او امراض، فان النسبة تصبح 15 الى 1. والكثير من الاصابات بليغة وتتطلب تقديم رعاية على مدى الحياة. وسيشكل ذلك عبئاً ثقيلاً على نظام الضمان الاجتماعي الامريكي. وتبيّن التجربة المستخلصة من الحرب العالمية الثانية ان الانفاق على رعاية قدامى المحاربين بلغ ذروته بعد انقضاء اكثر من اربعة عقود على انتهاء تلك الحرب.

الحرب وتأثيرها على سعر النفط
يثار جدل احياناً حول وجود تأثير ايجابي للحروب على الاقتصاد، وهو فهم خاطىء نشأ من الدور الذي لعبته الحرب العالمية الثانية في مساعدة الولايات المتحدة على الخروج من الازمة الاقتصادية الكبرى ("الركود الكبير"). لكن اصبح واضحاً ان الحرب في العراق لها تأثير سىء الى حد كبير على الاقتصاد الامريكي.
ويمكن تشخيص اربعة اصناف لتأثيرات الحرب على الاقتصاد الاجمالي للولايات المتحدة. الاول يتمثل بتأثير الحرب على اسعار النفط. اذ كان سعر برميل النفط اقل من 25 دولاراً قبل الحرب، بينما يزيد الآن على 100 دولار. وقبل خمس سنوات، كانت الاسواق الآجلة تتوقع ان يصمد سعر الـ25 دولار لعقد من السنين على الاقل. وبالرغم من توقع زيادة الطلب من الصين والهند، كان يفترض ان يلبي العرض هذه الزيادة. ومع توفر امدادات كبيرة وكلفة استخراج واطئة في الشرق الاوسط، توقعت الاسواق ان يرتفع الانتاج متمشياً مع الطلب. لكن الحرب غيّرت هذه المعادلة. واستندت حسابات الباحثين ستيغليتز وبيلمس للكلفة الاجمالية للحرب على تقديرات محافظة جداً لتأثيرها على سعر النفط (5 الى 10 دولارات من الزيادة)، وعلى افتراض ان الزيادة الناجمة عنها ستستمر لفترة 7 الى 8 سنوات فقط. واوضح البروفسور ستيغليتز في شهادته امام اللجنة الاقتصادية المشتركة في الكونغرنس، في 28 شباط 2008، ان ذلك الافتراض كان "محافظاً بشكل غير واقعي" لانه على سبيل المثال "تتوقع الاسواق الآجلة اليوم ان يبقى سعر النفط اعلى من 80 دولار طيلة العقد المقبل على الاقل". ومن شأن الاموال الاضافية التي تنفقها الولايات المتحدة لشراء النفط ان تخفض الدخل القومي.
التأثير الثاني ينشأ من حقيقة ان الانفاق على الحرب لا يحفز الاقتصاد الامريكي على المدى القصير بقدر ما يفعله الانفاق، مثلاً، على البنية التحتية او التعليم الذي توجد حاجة ماسة اليه في الولايات المتحدة.
التأثير الثالث هو ان الانفاق على الحرب، بشكل مباشر وغير مباشر على السواء، عبر العجز المتزايد، يحجب الاستثمارات التي كانت ستزيد انتاجية امريكا في المستقبل.
واخيراً، ادى ارتفاع الدين القومي الناجم عن الحرب الى اقتراض المزيد والمزيد من الاموال من خارج الولايات المتحدة، ما يجعلها الآن مدينة للآخرين اكثر بكثير مما كانت قبل خمس سنوات. وسيدفع الامريكيون، والجيل القادم منهم، فائدة على هذا الدين. ولا يعني اقتراض المزيد بدلاً من دفع الفاتورات المستحقة سوى تأجيل دفع فاتورات الحرب. وسيؤدي دفع هذه الفاتورات الى خفض مستوى معيشة الامريكيين بالمقارنة مع ما كان سيكون عليه. وهي نتيجة قاسية بشكل خاص اذا اخذنا بالاعتبار ان متوسط دخل المواطن الامريكي اليوم هو اقل مما كان عليه قبل خمس سنوات.
لذا لم يكن مفاجئاً انه عندما احتاجت مؤسستان ماليتان كبيرتان في امريكا، هما "سيتي بانك" و"ميريل لينتش"، الى المال بسرعة مؤخراً، لم تكن هناك سيولة مالية كافية في امريكا. فقد ادت اسعار النفط المرتفعة والمدخرات المرتفعة في الصين واماكن اخرى الى تمركز هائل للثروة خارج الولايات المتحدة، ما اضطر المؤسسات المالية الامريكية الى التوجه الى تلك المراكز.

اسباب القوة الظاهرية للاقتصاد
حتى وقت قريب، بدا مثيراً للاستغراب بالنسبة الى البعض انه بالرغم من الطريقة الواضحة التي تؤدي بها حرب العراق الى إضعاف الاقتصار الامريكي، فان هذا الاقتصاد بدا قوياً. فهل كان ذلك يعني ان هناك شيئاً ما يؤكد صواب تلك المقولة القديمة بأن الحروب نافعة للاقتصاد؟ الجواب هو ان نقاط الضعف هذه جرى اخفاؤها، بالضبط كما جرى اخفاء الكثير من الاكلاف الاخرى للحرب بحيث انه لا يمكن رؤيتها بسهولة. فقد جرى اخفاء التأثيرات الاقتصادية الاجمالية عبر سياسة نقدية فضفاضة، وتدفق للسيولة, وضوابط متهاونة. وسمح ذلك لمعدل مدخرات الأسرة الامريكية بالتدني الى الصفر، لتبلغ أدنى مستوياتها منذ "الركود الكبير" (في اواخر عشرينات القرن الماضي)، وساهم بزيادة فورة استهلاكية غير مسؤولة عبر تشجيع سحب مئات مليارات الدولارات كقروض عقارية. وساعد ذلك، لفترة من الوقت، على اخفاء الكلفة الحقيقية للحرب.
وهي ليست المرة الاولى التي تحاول فيها ادارة امريكية حشد الدعم والتأييد لحرب لا تحظى بشعبية باخفاء الاكلاف الحقيقية والكلية عن الشعب الامريكي. كما انها ليست المرة الاولى التي تعاني فيها امريكا والشعب الامريكي جراء ذلك. ففترة التضخم التي مرت بها امريكا ابتداءً من اواخر ستينات القرن الماضي كانت، جزئياً على الاقل، نتيجة لفشل الرئيس الاسبق جونسون في التعامل كما يجب مع اكلاف حرب فيتنام واجراء نعديلات مناسبة في الضرائب والانفاق. واذ يبدو ان الوضع الاقتصادي مختلف هذه المرة، وبالتالي فان النتائج الناجمة عن الحرب وتأثيراتها مختلفة، لكنها من نواح كثيرة اكثر حدة.

آثار بعيدة المدى
وليس معروفاً كم سيدوم التراجع او الانكماش الحالي في الاقتصاد الامريكي، او مدى عمقه، لكن المرجح ان يكون اسوأ من أي تراجع مماثل في ربع القرن الاخير، وستكون كلفته هائلة. وحتى اذا بلغ معدل النمو هذه السنة 0¡8 في المئة (حسب توقعات صندوق النقد الدولي)، وبدأ النمو يسترد عافيته السنة المقبلة ليصل الى 2 في المئة، ويعود في 2010 الى نمو بنسبة 3¡5 في المئة مثلاً (وهي وتيرة تحسن اسرع مما يتوقع معظم المحللين)، فان الخسارة الاجمالية في الناتج على مدى هذه السنوات الثلاث (اي الفرق بين الناتج الفعلي للاقتصاد وقدرته) ستبلغ حوالي 1¡5 تريليون دولار (أي 1500 مليار دولار).
وفي كل الاحوال، مهما كان غنى امريكا فانها لا يمكن ان تهدر 3 تريليونات دولار دون ان يؤثر ذلك على قوتها ويضعف مكانتها على الصعيد العالمي، ويحد من قدرتها على خوض حروب عسكرية متزامنة عبر البحار، وبمستوى حربها في العراق. واذا بقيت القوات الامريكية في العراق سنتين اخريتين، فان ذلك سيضيف 500 مليار دولار على الاقل الى الكلفة الكلية للحرب. ولا بد لاكلاف الحرب وتأثيرها على الاقتصاد ان تترك آثاراً بعيدة على مجالات حيوية تمس حياة المواطن الامريكي، مثل الرعاية الطبية ونظام الضمان الاجتماعي والتعليم. (حسب الباحثة الاقتصادية الامريكية بيلمس فان مبلغ تريليون دولار يمكن ان يغطي توظيف 15 مليون مدرس في المدارس الحكومية، أو تقديم منح دراسية كاملة لأربع سنوات لـ43 مليون طالب امريكي في الجامعات الحكومية). وسيؤثر خفض الاستثمار المطلوب في التكنولوجيا والعلوم من القدرة التنافسية للاقتصاد الامريكي. بالمقابل، كان الرابح الاكبر في امريكا من حرب العراق هو الشركات الكبرى (مثل "هاليبرتون" التي احتكرت عقود إمداد وتموين القوات الامريكية)، والمجمع الصناعي العسكري، وشركات النفط.

_____________________

(*)
صدر للباحثين الاقتصاديين جوزف ستيغليتز، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، وليندا بيلمس المحاضرة في جامعة هارفرد، كتاب بعنوان "حرب الـ3 تريليونات دولار"، في آذار 2008.


طريق الشعب 8/4/ 2008














 

free web counter

 

أرشيف المقالات