نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

الأربعاء 8/3/ 2006

 

أرشيف المقالات

 



نحـن ويوسـف الصـائغ

 

 فاضل ثامر

أثار رحيل الشاعر يوسف الصائغ جدلاً واسعاً بين الادباء والمثقفين العراقيين ووضع الاوساط الأدبية والثقافية داخل العراق وخارجه أمام إشكالية خلافية محرجة:هل ينبغي علينا تأبين الشاعر الراحل واستعراض منجزه الابداعي أم نحاكمه وندينه أم نكتفي بالصمت ونتجاهله كلياً؟
وامام هذه الخيارات الثلاثة إنقسمت الأوساط الثقافية والادبية فهناك من دعا الى تأبين الشاعر الراحل وإعادة قراءة ماقدمه للثقافة العراقية وعدم المبالغة في الانكار على موقف الشاعر السياسي المتخاذل تجاه دكتاتورية صدام الدموية متذرعين بموقف الثقافة العراقية من إنموذج آخر هو الشاعر بدر شاكر السياب الذي أعيد تقييمه ورد الاعتبار اليه بصورة كلية وغض النظر عن موافقه السياسية. وربما يمثل موقف جريدة ” الاديب”البغدادية ورئيس تحريرها الناقد عباس عبد جاسم خير مثال على ذلك،اذ بادرت الجريدة لتكريس عدد خاص(العدد105 الأول من شباط2006)عن الشاعر الراحل .
وهناك من يرى ان الشاعر يوسف الصائغ كان قد اساء كثيراً للثقافة العراقية وللحركة الوطنية ولتاريخه الشخصي عندما ضعف امام دكتاتورية صدام وانتقل الى موقع الدفاع عنها وتبرير أفعالها فساهم بصورة غير مباشرة في تقرير سلطة الاستبداد الفاشية وتبرير سحق الحركة الوطنية المناهضة للدكتاتورية ، وإنه بهذا المعنى يتحمل مسؤولية غير مباشرة عن سفك دماء ابناء شعبنا في حروب الطاغية المجنونة وفي دهاليز السجون والمعتقلات ،ومما زاد من خطيئة الشاعر الراحل، على وفق هذه الرؤية ،أن الشاعر، بعد سقوط النظام الدكتاتوري لم يراجع نفسه ويعتذر للشعب العراقي عن مواقفه واساءته السابقة،بل كشف عن اصرار كبير على تبرير افعاله وتمجيد الدكتاتور المخلوع الذي سام الشعب العراقي ،والمثقفين العراقيين بشكل خاص الويلات طيلة اكثر من ثلاثة عقود. وبذا فإن إساءة الشاعر الراحل كانت موجهة ضد الحركة الوطنية والشعب العراقي، ولم تقتصر على إطار صغيريتمثل في”خروجه الايديولوجي من الحزب الذي ينتمي إليه” كما ذهب الى ذلك الزميل الناقد عباس عبد جاسم في عموده الاسبوعي”الذي ذيل به العدد الخاص عن الشاعر يوسف الصائغ،من جريدة”الأديب” البغدادية.
ولذا فان أصحاب هذا الرأي يرون أن تأبين الشاعر يوسف الصائغ يعني تجاهلاً لدماء أبناء شعبنا وتبريراً للمواقف المخزية والمتخاذلة لعدد من المثقفين والأدباء العراقيين الذين انضموا -وللأسف-الى قافلة الطبالين والمصفقين وشهود الزور الذين حاولوا عبثاً تلميع صورة الدكتاتور واعتبار جرائمه مآثر وبطولات قومية ، ويرى أصحاب هذا الموقف أن دعاة تأبين يوسف الصائغ إما انهم لقصورفي النظر،يقللون من خطورة انزلاق المثقف العراقي ايديولوجياً وسياسياً لتبرير جرائم الدكتاتورية أو انهم ممن لم يطالهم عسف الدكتاتورية لاعتبارات كثيرة منها انهم لم يكونوا ممن يعارض بصورة جذرية النظام القمعي، أو أنهم كانوا ،بطريقة أو بأخرى شركاء لذلك النظام وجزءاً منه. لذا فإن أصحاب هذا الموقف يميلون الى إجراء محاكمة ثقافية وفكرية لسلوك هذا الشاعر لكي لاتختلط الأوراق ولكي لاتنسى بسهولة الاساءات التي ألحقها ،هو وأمثاله من الشعراء والمثقفين بحق شعبنا. أما أصحاب الخيار الثالث فيفضلون الاكتفاء بموقف الصمت وتجاهل المناسبة بصورة كلية تجنباً لاثارة المزيد من الاشكالات والمواجهات الجديدة،وهم يرون بان الزمن كفيل بحل هذه الاشكالية وقد انعكست هذه الخيارات على سلوك الزملاء في المكتب التنفيذي للاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق .فهناك من طالب بكتابة لافتة تأبينية واقامة حفل تأبيني، وهناك من عارض هذا الراي وقال باستحالة تناسي مواقف الشاعر المحالفة للدكتاتورية التي الحقت إساءة كبيرة بالشعب العراقي وبكل المثقفين والكتاب والفنانين في العراق ، ولذا فقد اختاروا الاكتفاء بالصمت. وهناك ممن دعا لإقامة ندوة ثقافية عامة تدرس فيها شخصية الشاعر الراحل يوسف الصائغ بما له وماعليه من خلال إجراء موازنة بين مواقفه الجيدة والسيئة، كأنموذج لشريحة من المثقفين والأدباء الفنانين الذين وضعوا موهبتهم لفترة من الزمن في خدمة الدكتاتورية ونظامها الاستبدادي الشمولي المعادي للانسانية والتقدم.ونظراً لعدم الاتفاق على رأي موحد فقد قرر المكتب التنفيذي طرح الموقف لمناقشات أوسع مع ترك الحرية لجميع الادباء ومنهم أعضاء المكتب التنفيذي للتعبير عن وجهات نظرهم الخاصة في المنتديات أوالصحف والمجلات. وهذا مادفع بأحد اعضاء المكتب التنفيذي وهو الزميل شوقي كريم لنشر عمود صحفي طالب فيه بعدم تجاهل رحيل الشاعر يوسف الصائغ وانتقد عدم قيام إتحاد الادباء بتأبين الشاعر الراحل أو على الاقل كتابة لافتة تأبينية بالمناسبة. ويبدو موقفي بين هذه المواقف في غاية الدقة والالتباس فانا أحمل تقديراً كبيراً لمنجزالشاعر يوسف الصائغ واحتفظ بذكريات كثيرة عنه منها السنوات التي جمعتنا معاً في سجن نقرة السلمان وسجن الحلة المركزي بعد انقلاب الثامن من شباط الدموي عام 1963، والعمل المشترك في صحيفة ”طريق الشعب” في السبعينيات ، لكني في الوقت نفسه لايمكن لي أن أتناسى سقطته الكبرى بالرضوح لاملاءات الدكتاتورية وشروطها وممارسة لون من الخداع الذاتي مع النفس،في شكل من أشكال تماهي المقموع بالقامع ، لتصوير هذا السقوط بوصفه خياراً شخصياً نابعاً من قناعة خاصة، والاستمرار في تلك اللعبة المخجلة التي واصلها الشاعر بتمجيد فصائل الدكتاتور المستبد متجاهلاً كل تحذيرات أصدقائه ومحبيه له. لذا فأنا أشعر بمزيج من الشفقة والرثاء والحزن على ماآل اليه مصير هذا الصديق والشاعر المبدع وليس مرد احساسي هذا ناجما عن خروج الشاعر الايديولوجي من الحزب الذي ينتمي اليه كما ذهب الى ذلك الزميل الناقد عباس عبد جاسم ، بل لان سقطة الشاعر تركت جرحاً وطنياً مؤلماً. فكل الشرفاء في العراق الذين ناضلوا ويناضلون اليوم ضد الدكتاتورية والارهاب ومن أجل عراق ديمقراطي جديد من أقصى اليسار الى أقصى اليمين لايمكن لهم أن يغفروا بسهولة ليوسف الصائغ خطيئته الوطنية الكبرى بحق تاريخنا وشعبنا وثقافتنا.
ومما يزيد من حراجة موقفي الشخصي اني سبق وان كتبت أكثر من دراسة عن الشاعر الراحل يوسف الصائغ.فقد درسته شاعراً وروائياً في كتابي”الصوت الآخر”1992، كما درسته ناقداً في كتابي ” مدارات نقدية”-1987-وتوقفت أمامه مرة آخرى في كتابه”اللغة الثانية” 1994 ولكن هل يمكن لي-أو ربما هل يحق لي-اذا ما كتبت عن سيرة الشاعر الراحل أن أنسى أو أتناسى سقطته الكبرى بأية ذريعة كانت ؟لاأعتقد ذلك.
قد يقال بان الزمن كفيل بحل الكثير من الاشكالات التي مازالت معلقة أو عالقة. وهذا محتمل الى حد كبير . قد ننسى بعض مواقف يوسف الصائغ وليس كلها ولكن بعد زمن طويل ، فما زال الجرح طرياً ومازالت دماء الابرياء تراق كل يوم بأيدي القتلة المدرجين الذين صنعهم وجندهم الدكتاتور المجنون الذي يتباهى الشاعر بمديحه وتملقه وتمجيده. أما أولئك الذين هرولوا ليمنحوا يوسف الصائغ شارات البراءة فعليهم قبل كل شيء مراجعة مقاييس الوطنية والقيم التي يحتكمون اليها ففي مواقف كهذه لامكان للرأي-التكنوقراط- المحايد بين الخير والشر بين القامع والمقموع،بين القاتل والمقتول ليس لنا الا الاحتكام وبوضوح وباخلاقية عالية الى معايير الوطنية الحقة عند تقييم هذا المبدع أوذاك او هذه الظاهرة أوتلك.