| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الثلاثاء 9/9/ 2008

 

من اجل نشر وترسيخ ثقافة اللا عنف

طالب عبد الامير

عندما نرفع اصواتنا ضد العنف وثقافة العنف، ننطلق من ضرورة ارساء البديل، "ثقافة اللاعنف" التي يجب ان تسود المجتمع العراقي و التخلص من حالة الاضطراب السياسي والاجتماعي التي يعيشها العراق اليوم ,جراء لصراع الذي تتقاطع فيه المصالح الذاتية الضيقة، الانية، للقوى التي تغشي ضبابية الوضع بصيرتها نحو المستقبل ومشروع الوطن المؤسس على ركائز حضارية متطورة، هذا الى جانب اجواء العنف، والالم الذي يكابده الناس، بعدم الامان والخوف والبطالة التي مازالت مستشرية وتنامي المحسوبيات والوساطات وتهميش المثقفين من قبل السياسيين وعودة الافكار التي عفا عليها الزمن، اضافة الى التركة الثقيلة التي خلفها النظام الاستبدادي، وغيرها، مثل الافكار التكفيرية والارهابية الوافدة من خارج الحدود.اسهمت هذه وغيرها في صنع هذه الحالة التي يعيشها العراق اليوم. ولاننسى دور الاحتلال ايضا وتبعاته الثقيلة في هذا السياق.
العنف كموضوع بحث في نظريات علمي النفس والاجتماع له خلفيات واسباب كثيرة، وانماط ثقافية مختلفة، لسنا بصدد الدخول في تفاصيلها، والعنف موجود في مجتمعات مختلفة ولكن بدرجات وقياسات مختلفة، وان اغلب الدراسات في هذا الميدان تشير الى فرضيتين رئيسيتين وهي ان العنف فطري ومكتسب، بمعنى ان العنف متأصل عند الانسان، وهو ايضا سلوك مكتسب من مصادر متعددة. وهذه فرضيات تقبل الجدل العلمي ولكنها تبقى في كل الاحوال نسبية، بمعنى انها موجودة عند اشخاص وغير موجودة عند غيرهم، ولكن الشئ الملموس، حسب فهمي ان العنف كسلوك يمارسه اناس افرادا اوجماعات هو مكتسب بسبب عوامل اجتماعية وسياسية وبيئية مختلفة اثرت في تكوينه. وتنطلق هذه العوامل من العائلة والمدرسة واماكن العمل والملتقيات.. وغيرها..وتسهم الانظمة المستبدة وسلوكياتها ازاء الافراد والجماعات في خلق ممارسات العنف. وهو ذو مستويات مختلفة وادواته مختلفة، العنف في التعامل وفي التخاطب مع الآخر ومحاولة مصادرة حقه وحتى الغائه ... كل هذا ينعكس في الثقافة التي استخدمت ادواتها في معارك وخلافات ايديولوجية واقحمت في الحروب كتلك التي خلقها النظام السابق وعسكر بها المجتمع وسلح بها الوعي، حيث تسلل العنف الى العمل الابداعي، في الاداب والفنون ودمر فيها الحس الانساني الجميل، تحت وقع مفردات عنيفة، مثل الموت والدم والبندقية وغيرها، مما اسهم كل هذا في تهشيم الشعور النبيل عند الانسان والحط من كرامته وقيمته وافقده الثقة بالنفس.

ان الارث السلبي للنظام الديكتاتوري في مسخ الثقافة وادلجتها وخلق الريبة والشك بين افراد المجتمع وجماعاته وعلى فترة استطالت لعقود، واجيال نشأت خلالها في ظل ثقافة الاستبداد وقمع الرأي الآخر، نراه ينتقل وباشكال مختلفة الى هذه الفترة التي يشهدها العراق اليوم، مرحلة اعادة البناء، هذه المرحلة الحاضنة للتحولات على اصعدة ونواحي مختلفة والتي تجري، في ظل وضع سياسي قلق متأرجح يعكس في مرآته انقساما اجتماعيا، تتجاذبه اطراف ذات مصالح ومشاريع ذاتية، رغم مشاركتها في عملية التحولات الانتقالية التي تتخذ من الديمقراطية وممارستها شعارا كبيرا لها ، ولكن "كل يغني على ليلاه". تتحمل هذه القوى والاحزاب السياسية على مختلف اشكالها وبمستويات مختلفة جزءا من المسؤولية في عدم جديتها في محاربة العنف .
وفي ظل هذه الاوضاع يجري تهميش الثقافة، فهي في معايير بعض الاوساط السياسية ليست بذات قيمة، ولذلك اعتبرت وزارة الثقافة من المؤسسات الثانوية للسلطة، ضمن المحاصصات، بينما هي من اهم المؤسسات في حياة المجتمع. ومازالت الثقافة توظف لخدمة الايديولوجيا، كما كانت في العهود الاستبدادية، وان تبدل نمط توظيفها، ومحاولات ادلجتها وتسخيرها للطائفية التي يتوهم مناصروها بانها هي الدين، وهي ليست كذلك، كما يقول على الوردي، " الطائفية نوع من الانتماء القبلي الى مذهب او شخص معين، والفرد الطائفي حين يتعصب لمذهبه لايهتم بما في المذهب من مبادئ خلقية او روحية، فذلك امر خارج نظاق تفكيره"، كما يجري تسييس الثقافة الدينية، وعكسها على الثقافة بمفهومها العام، رغم ان الثقافة لاتتقاطع لا مع السياسة ولا مع الدين، ولكنها لايمكن ان تكون اداة لمشاريعهما. فالثقافة، بمفهومها الواسع يمكن ان تبحث في موضوعات سياسية او دينية وغيرها، في اطار طرح الرؤى وصياغتها في اعمال ابداعية. لكن مما يبدو ان هذه المسألة لاتروق، او ليس من المهم استيعابها، بالنسبة لاصحاب المشاريع الايدولوجية والاجندات الخاصة التي تحاول توظيف اي مجال لخدمة مصالحها، وخاصة الحقل الثقافي لما له من قدرة على النفاذ الى العقل ومحاكاة الحس الانساني. لان صيروة الثقافة مبنية على المشروع الانساني العام المنفتح على القيم الجمالية النبيلة المؤسسة على المساواة والحرية والكرامة. فعندما يتعارض هذا مع المشروع الايديولوجي لبعض القوى ذات المصالح الذاتية الضيقة، تجد في المثقف الملتزم، صاحب المشروع الانساني النبيل خطرا عليها فتستخدم العنف ضده، حد الغائه، في محاولة لافشال مشروعه.
ان محاربة الثقافة والافكار الحرة في العراق اليوم هي انعكاس لحالة الصراع بين التنوير والظلامية التي تمتد جذورها في عمق التاريخ الانساني، وعايشتها مجتمعات كثيرة، منها اوروبا ابان عصر النهضة، ومحاربة الثقافة اليوم تنم عن تشابك خليط من الجهل والعمل المنظم لتعطيل مسيرة بناء العراق الجديد الواعد. واغتيال اصحاب الكفاءات ومالكي العقول النيرة امثال الكاتب والباحث وصاحب المشروع الانساني النبيل كامل شياع، مؤخرا،ً يأتي هذا في سياق الصراع بين الماضي والمستقبل على ارض الحاضر، صراع من اجل اعادة تأهيل الانسان العراقي واعادة الثقة بالنفس وبعملية اعادة بناء الدولة ومؤسساتها من جهة، وبين من يريد العودة بالعراق الى قرون الظلام من جهةاخرى،. وكامل شياع ليس الوحيد، فقبله كان آخرون. وربما سياتي بعده. وليس ببعيد عن الذاكرة، محاولة اغتيال ساحة انتاج الوعي الثقافي شارع " المتنبي" بسيارة مفخخة قبل عام مضى. واستمرار الانتهاكات ضد الاعلاميين والصحفيين، التي بلغت اعلى مستوياتها في العراق حسب تقارير دولية، حيث بلغ عدد القتلى من العاملين في مجال الاعلام والصحافة، خلال الفترة الماضية والسنتين الاخيرتين مامجموعه 238 صحفي فحسب، منذ العام 2003. من بينهم 184 قتلوا على ايدي مسلحين مجهولين او ميليشيات. وخلال السنة الاخيرة تعرض صحفيون عراقيون الى 197 انتهاكا توزعت بين القتل والاختطاف والاعتداءات الجسدية والاعتقال واقتحام المؤسسات الصحفية وغيرها. حسب احصائيات مرصد الحريات الصحفية.
اذاً هناك استهداف لحرية الكلمة ، ومصادرة حرية التعبير عن الرأي والاختلاف، الذي يعد من اساسيات بناء الدولة الحضارية، التي ترسي اعمدتها على مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان.
ولكي يتم محاربة العنف يجب ارساء ثقافة القبول بمبدا الاختلاف مع الآخر وعدم مصادرة حريته بالتعبير عن افكاره، بل مناقشتها بلغة حوار بناء. وهذا يجب ان يسود في داخل الاحزاب وفي خطابها السياسي اليومي، يجب على الاحزاب التي آمنت بالمشروع الديمقراطي ان تجد لغة مشتركة ، فمهمتها الاساسية هي كيف "تصنع من هذا الاختلاف والتنوع والتعارض الواسع، والقاتل، اجماعا صادقا حول مشروع بناء الوطن الذي هو مشروع بناء عمل وليس مشروع كلام وبلاغة" حسب كلام الشهيد كامل شياع في مقابلة معه في صحيفة المدى.
لابد من محاربة العنف بارساء ثقافة اللاعنف. وفي هذا السياق بامكان المثقفين ان يلعبوا دورا اساسيا في النهوض بالمجتمع الى المستوى الحضاري المرموق، شريطة ان تتوفر قناعة تامة لدى مسؤولي الدولة والبرلمانيين والسياسيين الذين تهمهم مصلحة البلاد ، باهمية دور العاملين في حقول الثقافة والاعلام وتوفير مستلزمات النشر والابداع الفكري والادبي والفني الانساني الهادف البناء.
ان تنوع الحياة السياسية والتنظيمية حيث تشكيل احزاب وجمعيات اختصاصية ومنظمات مجتمع مدني جديدة، انتشرت بعد التاسع من ابريل، هي ظاهرة ايجابية في المجتمعات المتمدنة، ولكن يجب ان تؤسس وفق مبادئ الاحترام المتبادل والمنافسة الحرة وعدم الاقصاء والتهميش.
كما ان تعدد وسائل الاتصال الجماهيري، من صحف ومجلات ووسائل اعلام سمعية وبصرية، ظاهرة ايجابية، هي الاخرى ولكن يجب ان تتوفر لها الارضية السليمة لضمان حرية التعبير عن الرأي وحق الرد، المكفولة بقانون ينظم هذه العملية الحضارية، لكي تكون ساحات للحوار البناء وترسيخ ثقافة اللاعنف.
بأن يكون هناك مشروع وطني انساني عام لترسيخ هذه الثقافة، تشترك فيه جميع الاقلام المنتجة لابداعات الفكر الانساني المنفتح على المنجز الانساني العالمي، بمختلف خلفياتها العلمية والادبية والفنية، حيث يلعب المثقف، بكل تصنيفاته، دور الناشر للرؤى الانسانية المنفتحة على مصادر هذا الفكر، وترسيخ مفاهيم العدالة والحرية وحقوق الانسان وصون كرامته، واشاعة روح التسامح، واعادة الثقة بالنفس، ولهذا يمكن ان تتشكيل لجان مختصة في مجالات العلوم والفنون والتراث لابراز مايتعلق بهذه المفاهيم وتطهير المناهج الدراسية والتربوية من كل ماله صلة بالعنف ونشر ثقافة التسامح والحوار البناء والاعتماد على القضاء والحكم النزيه في حال حدوث نزاعات معينة، بمعنى اعادة هيبة القانون واحترامه وفق مبدا المساواة امام القضاء والعدالة.
هذا طموح مشروع للتخلص من حالة العبث والقلق الذي يعيشه العراق، ولكن حتى يتم هذا من يحمي المثقفين؟ برأيي ان المثقفين يجب ان يتآزروا لحماية انفسهم، والمجتمع ومؤسساته المدنية يجب ان تؤازرهم . وانا اجد في دعوة عدد كبير من المثقفين العراقيين الى تشكيل مرصد للدفاع عن مثقفي العراق، باسم " مرصد كامل شياع"، بادرة جيدة، اذ تكون هناك متابعات ميدانية لرصد الانتهكات ضد المثقفين والابلاغ عنها والدفاع عن ضحاياها وان يكون هنالك ميثاق عهد، بين المثقفين من جميع الوان الطيف العراقي، ومن خلفيات سياسية ودينية واجتماعة مختلفة، يختلفون في الرأي ولكن يجتمعون على الايمان بدورهم في الاسهام ببناء الوطن وارساء دعائم السلام وبث الاستقرار فيه وان يكون للمثقفين دور الرقيب على مؤسسات السلطة والمجتمع المدني، الى جانب نشر الوعي الانساني المنفتح عبر النتاجات الادبية والفنية والبحوث العلمية وغيرها.

 

* مداخلة في سيمنار " الثقافة والعنف في العراق" ستوكهولم 5 سبتمبر/ايلول 2008

 

free web counter

 

أرشيف المقالات