| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

السبت 9/9/ 2006

 

أرشيف المقالات

 


مـعــركـــة الـعـلـمـيـــن

 

فرات علي

لا شك ان العلم العراقي الحالي (موضوع الجدل) يمثل رمزا لواحدة من اكثر المراحل قتامة وظلامية في تأريخ العراق المعاصر. فتحت هذا الرمز ساق النظام البائد عشرات الالآف من الشباب العراقيين كوقود لحروب داخلية عنصرية وشوفينية عبثية واخرى خارجية خاسرة. ولا اتذكر ان ثمة مأثرة تحققت يمكن لشعبنا الافتخار بها في ظل هذا الرمز. انه يرمز لصفحة سوداء ينبغي طيها من ذاكرة العراقيين, مثلما ينبغي طي رموزها وابطالها الموغلين بالاجرام. وربما كان هذا الرمز الاكثر ايذاءا للذاكرة الكردية حيث ارتكب النظام الشمولي المقبور جرائما ضد الاكراد تكاد تفوق جرائم النازية, ولا يمكن تصنيفها قانونيا ألأ كجرائم ابادة جماعية وجرائم ضد الانسانية. وبغض النظر عن موقفنا من القرار الذي اتخذه السيد مسعود البارزاني والقاضي بتحريم رفع العلم العراقي الحالي في الدوائر الرسمية وابداله بعلم الجمهورية العراقية الاولى (والذي يرمز الى اكثر الصفحات اشراقا في التأريخ العراقي), اقول بغض النظر عن موقفنا من كل ذلك, فان الحقيقة التي لا تقبل الجدل ان ذلك القرار احدث هزة عنيفة في الحياة السياسية العراقية الراهنة ومنح الذريعة لبعض القوى لوضع المزيد من العصي في عجلة العملية السياسية الجارية في بلادنا حاليا. بالاضافة الى ذلك فاني اعتقد بأن اتخاذ مثل هكذا قرارات ومن طرف واحد يؤسس لظاهرة غير سليمة في تنظيم العلاقة بين السلطات الفيدرالية (الاتحادية) وسلطات الاقاليم. اما القول بأن (قرار العلم) جاء لملئ الفراغ الدستوري فذلك ما لا يمكن الاخذ به, حيث نصت المادة الثلاثون بعد المائة من الدستور العراقي الدائم على ان " تبقى التشريعات النافذة معمولا بها،ما لم تلغ أو تعدل وفقا لاحكام هذا الدستور". ولا اعتقد ان ثمة تشريع قد صدر عن السلطات الاتحادية المخولة دستوريا بشأن علم الدولة العراقية ورموزها الاخرى. مثلما لا يمكن الاعتماد على نص الفقرة (ثانيا) من المادة العشرين من الدستور والتي تمنح الاقليم حق "تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الاقليم، في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الاقليم بخصوص مسألةٍ لاتدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية". ذلك ان رموز الدولة الفيدرالية لا يمكنها ان تكون من الاختصاصات الحصرية لسلطة الاقاليم في اي من الدوّل الفيدرالية المعروفة. بالمقابل تمنح الدولة الفيدرالية سلطات اقاليمها امكانية اختيار الرموز وفق ما تراه مناسبا وبالشكل الذي يعبر عن واقع تلك الاقاليم ويرمز الى تأريخها القومي الخاص, شريطة عدم اخلالها برموز الدولة الاتحادية. من هنا ارى ان مهمة استثنائية تقع على عاتق برلمان دولتنا الان للاسراع بسن تشريع ينظم رموز الدولة استنادا الى نص المادة 12 (اولا) من الدستور العراقي النافذ. وبالشكل الذي لا يدع مجالا لاحداث شرخ اخر في النسيج العراقي المثخن بالطعنات.
لقد أشّرت واقعة العلمين, من بين ما أشّرت اليه, الى واحدة من اكثر القضايا حساسية في المشهد السياسي والاجتماعي العراقي. حيث انبرى الكثيرون من الحريصين (على ثوابت الامة) الدينية والقومية الى الدفاع عن الرمز الصدامي, بحجة انه يحمل لفظ الجلالة, وهي ذات الذريعة التي تمسك بها بعض السياسيين العراقيين في السنة الاولى لسقوط الصنم حينما جرى الحديث عن التخلص من رموز الفترة الصدامية المظلمة, ما يدفع الى الذاكرة مهرجانات النحر التي كان ينفذها المجرم المقبور ابو مصعب الزرقاوي, ولا يزال ورثته في الاجرام من التكفيريين والصداميين ينحرون ضحاياهم تحت رايات تحمل الفاظ الجلالة ايضا, ما يؤكد الحقيقة المحسومة وهي ان دهاليز السياسة واروقة الدولة هي الاماكن الاكثر تشويها لتعاليم الدين السمحاء والاكثر تلويثا لرموزه المقدسة. من هنا الدعوة الصادقة لممثلي شعبنا , اعضاء مجلس النواب العراقي بتجنب اعتماد الرموز الدينية خلال مناقشتهم لمشروع قانون العلم ورموز الدولة الاخرى , حفاظا على قدسية الرمز الديني من ادران الدولة مهما كان طابعها.