| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الجمعة 9/5/ 2008

 

غزوة بيروت..

سعد صلاح خالص

بدأ أحمدي نجاد غزوته المباركة ليخضع بيروت الفاسقة لولاية الفقيه المقدسة. هي مسألة وقت قبل أن ترتفع صور الولي الفقيه و بطل الصمود و التصدي السوري على عمارات الوسط التجاري لتؤدب الشعب الذي تجرأ على حضرة بطل القومية العربية العلية ووكيل الإسلام السياسي في 14 آذار قبل ثلاث سنوات. وهي مسألة وقت، وربما بعد فوات الأوان، قبل أن يكتشف العماد عون والرئيس بري ومن لف لفهما بأن قيمة بقاء لبنان المتحضر الغني بأهله وحضارته وثقافته أبقى من قيمة كرسي رئاسة يديره علي خامنئي لحساب المهدي المنتظر.
لم يكن توقيت أحمدي نجاد مفاجئا لمن يفهم كيف تفكر كراسي طهران ليفتح جبهاته الثلاث فيما يعتبره حرب الإسلام المقدسة ضد ما يدعوه بالاستكبار العالمي، وليجعل من إيران عاصمة العالم التي تديرها يد الإمام الغائب الخفية كما صرح قبل أيام، مستبقا الضربة الأميركية المفترضة. فالولايات المتحدة في موسمها الانتخابي و إسرائيل بلا رئيس حكومة، وأوروبا بلا حول ولا قوة، وتركيا تغرق في صراع الهوية. ولم يكن مفاجئا أن يتحدث كل من حسن نصر الله ومقتدى الصدر وعبد الملك الحوثي في توقيت واحد عن سلاح المقاومة والحروب المفتوحة وقطع الأيدي وعدم شرعية الدولة وأن يعيدوا شن حروبهم المقدسة، كما ليس من المستغرب أن تكون دولة قطر وأداتها الجزيرة حاضرة بالوكالة بدرجات مختلفة في الحالات الثلاث.
تحدثت سابقا وتحدث غيري عن تكتيك الدولة داخل الدولة، بدعة السياسة الخارجية الايرانية الجديدة في حروبها الإلهية، فها هو مقتدى كما نصرالله يجلس في برلمان بلاده ويحمل "سلاح المقاومة" في ذات الوقت و ينشأ دولته على مستوى الشارع تمهيدا للقفز إلى الكراسي. كانت دولة حسن نصرالله السرية هي النموذج، وكانت العراق واليمن ساحات تجارب. رفع "المجاهدون" رايات حزب الله علنا ووجهوا سلاح المقاومة المفترض إلى الداخل مستخدمين ثقوب الأنظمة القائمة وأخطاءها وفسادها وغفلتها، وسحر كلمة "المقاومة" الرومانسية التي تجتذب جموع المحبطين من الشباب و المثقفين على حد سواء. نشأ الثلاثة في كنف الأنظمة القائمة وبدعمها لدواع سياسية محلية، وانقلبوا عليها عندما حانت الساعة الكبرى. لبنان ربما هي الخاصرة الأضعف كما يرى الولي الفقيه، نظرا لتركيبته السياسية المعقدة و جيرانه غير الودودين، فسوريا حاضرة دوما للثأر لكرامتها المهدورة بعد ضياع الضيعة التي تبيض ذهبا، ليس لشعبها بالطبع، وإنما لعشرات ضباط المخابرات والجيش والأمن والحزب الذين كانوا يعتبرون لبنان حديقة متعة خلفية وساحة للحروب بالنيابة، و إسرائيل وذريعة التحرير قائمة أيضا حتى لو كانت مزارع شبعا سورية، فلا يزال هنالك تحرير فلسطين وربما سبتة ومليلة أيضا.
هي حروب و صدامات دموية قادمة لا مفر منها، قد تأتي على الأخضر و اليابس. فالإسلام السياسي يعتقد بأنها اللحظة التاريخية الحاسمة، وهاهم الأخوان المسلمون و مشتقاتهم من قاعدة وغيرها يقوضون مصر و الشق السني عموما طمعا في عودة دولة الخلافة، حلم حسن البنا التاريخي، وها هي إيران ترى نفسها حاضنة للجميع وليس للشق الشيعي فحسب، تبدد ملايين نفط شعبها على الجميع من المحيط إلى الخليج لإعادة المجد الإمبراطوري بعباءة المهدي المنتظر، وبينما يقتل الليبراليون في الشوارع بدعوى العمالة، وينعم الماركسيون بإجازة مفتوحة، ويهيم القوميون في وهم العودة الصوفية إلى كرسي سلموه طائعين فاشلين، تستعد شعوبنا لمراحل أخرى من القتل المجاني.
كل ما نسمعه اليوم عن ضرورة تدخل "حكماء لبنان" وطاولة الحوار وما إلى ذلك حقن من المورفين لا غير، فجميع الأطراف تدرك تماما بأن الصدام قادم وإن تأجل، ذلك أن الكثير من الأطراف لا تملك قرارها، الذي لم يعد لبنانيا حتى إشعار آخر. ولن يدافع أحد من العرب عن لبنان، فالأنظمة بدرجات مختلفة في زواج متعة دائم مع أمثال القاعدة وحزب الله وما يتفرع عنهما، فالدين بضاعة رائجة لا يمكن للسلطة التخلي عنها، فتراها تضع قدما في الجنة وأخرى في النار، تحاربها وترفع عقيرتها بالصراخ نهارا، وتستضيف قتلتها وتوفر لهم الحماية والرعاية ليلا، تخرجهم من السجون، وترسلهم إلى العراق ولبنان ومصر وفلسطين وأفغانستان، هم إرهابيون إن رفعوا السلاح في وجه السلطة، ومقاومون ومجاهدون إن مارسوا ذلك الطقس في أي مكان آخر. القاعدة وحزب الله وجيش المهدي وفتح الإسلام وما شئت مسميات لحالة واحدة من اللاوعي السياسي والإنساني، ونتيجة طبيعية لعهود طويلة من التجهيل والإفقار.
تلك وساخة السياسة، وتلك هزيمة الثقافة والحرية والجمال في مجتمعات تجعل من قطاع الطرق والقتلة أبطالا، وتقيم سرادقات العزاء لمن قتل أكثر. ففي أوطاننا يكفي أن ترمي حجرا باتجاه إسرائيل لتصبح بطلا قوميا، أما هموم البسطاء ورفاهيتهم وتنميتهم، فهو هراء استعماري، ومادامت لنا الجنة، فلتذهب الحياة الدنيا إلى الجحيم. وما ننتظر في مجتمعات تصفق لتفخيخ المعاقين وتفجيرهم بدعوى المقاومة، وفصل رؤوس الأطفال عن أجسادهم بدعوى الاختلاف في المذهب؟
ولكنها أخيرا هزيمة وقتية في حرب طويلة بين العقل والخرافة، وبين التحضر والبداوة، فما لا يمكن أن يدركه الملتحون من ساسة اليوم بأنه إذا احترق الأخضر و اليابس ، فإن الأخضر لا بد وأن يزهر ثانية لأنه يمتلك قوة الحياة، أما اليابس فلا عودة له بعد أن تذره الرياح.

 

free web counter

 

أرشيف المقالات