| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الأثنين 9/2/ 2009



طالبٌ خبيث ... ومُدرّس ممسوس

د. هاشم عبود الموسوي

ليس فينا من يدّعي بأنَّه لم يكن خبيثاً في يومٍ من الأيام... ولكنَّ السؤال يبقى هُنا.. هل مارسَ ذلك عن وعيٍ وإصرار، وهل استمرّ على نفس النهج، أم أنَّها كانت رغبة عابرة أدّاها من أجل التجريب فقط، أو لإشباع رغبة مؤقتة وبشكلٍ غير واعي.
نعم... أنا مارستُ الخُبث مع أحد أساتذتي في مرحلة الثانوية مع سبق الإصرار وبوعيٍ كامل، يدفعني فضولي إليه، وكُنتُ أُريدُ أن أعرف رد فعله.. والذي كان بالفعل وفق رغبتي، وكما توقّعت.

لقد كان لدينا في مرحلة الثانوية المركزية في البصرة أساتذة متنوعي المواهب، والميول.. وإلى يومنا هذا أتذكّرهم واحداً واحد.. وكأنَّ صورتهم مطبوعة في ذاكرتي، كانت علاقتي بهم جيدة جداً، بحيث أنِّي كُنتُ أخجل أن أرسب لدى أحدهم، مما دفعني للاجتهاد، رغم انشغالاتي ببعض الهوايات كالرياضة، والرسم، وبعض المحاولات في الكتابة ، وربما كانت هذه الأخيرة قد قرّبتني إلى أساتذة اللغة العربية، ومنهم الأديب "قصي سالم علوان" ابن الأديب العراقي المعروف "سالم علوان"، وكان الأستاذ "قصي" يطلب مني أن أكتب بخطي في دفتره القصائد المختارة التي ينتقيها لشعراء عراقيين وعرب، وقد كان فرحي كثيراً آنذاك عندما طلب مني أن أكتب قصيدتين من قصائدي في دفتره، إحداها باللغة الفصحى، والثانية باللغة العامية، وهي باكورة كتابتي في الشعر الشعبي، بعد أن سحرتني قصيدة "مظفر النواب"، التي نُشرت في مجلة المثقف، والتي استدعيتُ لقراءتها في أُمسية من أمسيات اتحاد الأدباء في البصرة، وبعد سنين طويلة التقيت الشاعر الكبير "مظفر النواب" بداية السبعينات في دمشق، وذكرتُ له ذلك، وقال لي مُجاملاً بأنّه سمع أنَّ شخصاً ما في البصرة كان قد ألقى قصيدته الشهيرة، وكان أحسن منه في الإلقاء، فرفضتُ منه هذا المديح، لأني أعتقد بأنَّ طريقة الإلقاء للشعر التي يمتاز بها "مظفر" هي ليست ظاهرة عراقية أو عربية، وإنما ترتقي إلى مصاف الإنفراد على المستوى العالمي، خاصةً بعد أن حضرتُ أماسي متعددة في دولٍ عربية وأوروبية، واستمعتُ إلى أحسن مَنْ يُلقى الشعر فيها.
ولكني أود الآن أن أتحدّث لكم عن خباثتي التي ارتكبتها بوعي، وربما ستعذروني عليها إن كُنتم مُنصفين. فهي لم تكن سوى محاولة لسبر أعماق شخصية غير اعتيادية .

كان لدينا مُدرّس آخر يقوم بتدريس اللغة العربية في مرحلة الثانوية، بدينٌ بشكلٍ غير مُتناسق، يبرز أمامه كرشٌ غير مُنسجم، لا ينم شكله عن هيأة مدرس.. وكان مُعجباً بشكلٍ مُثير للانتباه، بالحديث عن الجنس أمام الطلاب... فمرّة يتّهم النساء بأنَّهن كلّهنّ فاسقات، وأنَّ زوجة أخيه حاولت أن تُغريه لمضاجعتها، وكان وحيداً في البيت عندما طلبت منه مدقّاً للمهراس المعدني، وذكر لنا بأنَّ هذا الطلب منها لم يكن سوى حجّة واهية، وأنّ المدق يُشابه أحد أعضاء جسم الرجل... ومرّةً أخرى سأل أحد الطلاب، لماذا تُصادق شباباً أكبر منك في العمر، وعليه ألا يرتكب نفس الخطأ الذي ارتكبه عندما كان صغيراً حين أغراه أحد زنوج البصرة، والذي كان يكبره سناً، بأن يطّلع على الحمام الذي كان يُربّيه فوق السطح، ثم أجبره على كشف مؤخرته و إعتدى عليه.. ثم يبصق أمام الطلاب ويشتم ذلك الزنجي، وينصحهم بألا يرتكبوا نفس الخطأ الذي وقع فيه.. وكلّ مرّة عندما يُريد أن يبدأ بالحديث عن مثل هذه المواضيع، ويتدخّل الطلاب لتحميسه على الاستمرار متشوقين لأن يُكمل لهم قصصه وانفعالاته الجنسية، يردّ عليهم: ما علينا ... يجب أن نرجع إلى الدرس، ونترك الحديث عن ذلك الموضوع، بعد ذلك اتفق الطلاب أن يصمتوا عندما يريد الحديث، لكي لا ينهرهم بجملته "لنرجع إلى الدرس"، فيواصل حديثه بين لهفة ومُتعة وسخرية الطلاب منه.

هذا الوضع لم يستمر طويلاً، لأن مُدير المدرسة المركزية، وقد علم بأمره منعه من الدخول إلى قاعات التدريس، وأصبح يُجلسه معه في الإدارة، ويكلفه بأمور كتابية، كنقل الدرجات، وكتابة الإعلانات، والجداول، وغيرها... إلا أنه كان يتحين الفرص، متظاهراً بأنه ذاهب إلى المراحيض، وعندما يرى أن إحدى القاعات الدراسية شاغرة من مدرسها، فيُسرع للدخول إليها، ويسأل الطلاب ما هو المقرر الدراسي لهذه الحصة، فيقوم بكتابة اسم المقرر على السبورة، ويكتب بعض الجمل التي تخص نفس الموضوع.. ويسأل الطلاب بعض الأسئلة عن بعض المصطلحات وماذا يفهمون عنها، وسرعان ما يعود ليقول لهم هذا ليس بالمهم.. عليكم أن تفهموا بأنكم جميعا مرضى بأمراض اجتماعية "ومنها السيكوباتية"هكذا كان يقول ويرفض أي توضيح لذلك ، ويتابع قائلا: ولا يحق لكم أن تتعلموا الفيزياء والكيمياء والأحياء والرياضيات، دون أن تعرفوا علتكم الأساسية.. وكثيراً ما كان يُسرع المدير إلى المجيء إلى القاعات، باحثاً عنه ويُخرجه من القاعة. لم يكن لديه من حديث، ألذ من الحديث عن الجنس.. الجنس في كل الأمور وفي كل المناسبات.
فكّرتُ ملياً وعلى صغر عمري، لماذا يختلف هذا المُدرّس عن بقية المدرسين... لم أستطع أن أجد لذلك جواباً، سوى أنَّه مُعقّد وجائع جنسياً، وربما يكون قد مرّ بطفولته بأحداث عائلية أثّرت عليه.
والمهم أنَّه قبل أن يُمنع من القيام بالتدريس، طلب منّا في مادة الإنشاء، أن يكتب كلّ واحدٍ منا موضوعاً بعنوان (قصة واقعية أعجبتني).

هنا فكّرت بأن أستعمل خباثتي، لأستفزّ مشاعره وغرائزه الضاجة بجوعٍ جنسي لا يُوصف.. فكتبتُ له قصة قصيرة إستوحيتها من اخر فلم شاهدته ، مع بعض التحويرات والاضافات ، استغرقت سبعة صفحات من دفتر مادة الإنشاء، مليئة بالمشاهد المُثيرة، مفادها بأن أبا جاسم والبالغ من العمر سبعين عاماً حارس بيت المرحوم الحاج شبيب الذي توفي منذ أكثر من عشرين عاماً، وقد أبقته عائلة المرحوم على الحراسة بشكل رمزي، وليحصل منها على ثمان دنانير شهرياً لا تسد رمقه.. وقد اضطر أبو جاسم لأن يستعين بابنته الشابة خيرية، ذات العيون الواسعة والمظهر الجذاب والصدر الممتلئ، مقترحاً عليها أن تساعده في تغطية نفقات العائلة، وقد اختار لها عملاً شريفاً، من خلال جلوسها عند نهاية زقاق بيت الحاج شبيب على الطريق العام المؤدي من العشار إلى أبي الخصيب، مع قدر الباقلاء المسلوقة، تبيع منها لأطفال الحارة، والذين يجلسون حولها كل يوم، يتحاورون ويمرحون، ويأتمن عليهم أهلهم، لأنهم بحماية خيرية، وكان صحن الباقلاء لا يزيد عن الخمسة فلوس فقط...

وفي يومٍ من الأيام، تقف سيارة أمريكية فارهة صفراء اللون من نوع (ناش)، يقودها شابٌ يرتدي ملابساً تدل على غناه، وبعد أن أتمّ أكل الباقلاء أعطى خيرية خمسون فلساً، تشكّرت منه وهي ذاهلة، كيف أنَّ في الدنيا لا زال هناك أناس رحماء.. وتطول القصة، ليُقنع هذا الشاب خيرية بالعمل كخادمة في بيته وبمرتب شهري، وبعد أن حصل على موافقة أبيه على ذلك... وتمر الأيام ليُغريها بكلامه المعسول ويوهمها بأنه يحبها وسوف يفاتح أهله للزواج منها، لتكون المسكينة فريسةً سهلة، لهذا المُدلّل وتُطيعه، ليُمارس الجنس معها و بأماكن مختلفة من البيت و أوقات مختلفة.. حاولت أن أصف المشاهد الجنسية متعمدا المبالغة في ذلك.
حتى أنني شخصياً كُنتُ أتهيجُ عند قراءة بعض مقاطعها، رغم كوني أنا الذي كتبتها، ولكني كُنتُ على ثقة بأنَّ هذا الأستاذ سيتفاعل مع هذه القصة باهتمامٍ بالغ، ولم أدري ماذا سيكون ردّة فعله... وكُنتُ أنتظر يوم الثلاثاء حسب الجدول الأسبوعي لموعد حصّة اللغة العربية ليأتي إلينا هذا الأستاذ حاملاً معه 34 كراساً من كراريس الطلاب ليوزعها علينا، لأرى الدرجة التي منحني إياها، وكيف يكون تقبّله لها.

تفاجأتُ بالموقف، حين وقف الأستاذ تماماً في وسط الفسحة الموجودة بين حائط السبورة وأول خط لطاولات جلوس الطلاب... ليسأل باهتمام بالغ، من هو جاسم محمود؟ نهضتُ من مقعدي قائلاً، نعم أستاذ أنا هو... فقال لي تفضّل استرح.. وبدأ يوبّخ الطلاب الآخرين على عدم فهمهم لمحتوى الحياة، وأنّهم جهلاء، لا يقرأون كُتب الوجوديين مثل ألبير كامو وجان بول سارتر. ثم عاد ليذكّر بأنّ هذا الطالب (وهو يعنيني بذلك)، كتب قصّة من واقع الحياة، وقد نالت إعجابي، وحصل على درجة ثلاثين من ثلاثين، وهذه الدرجة لم أكن قد منحتها لأي طالب قط من قبل.. ثم أدار رأسه بزاوية 45 درجة إلى اليمين، حيث كُنتُ جالساً بمحاذاة الجدار الذي تقع فيه نوافذ القاعة، ليقول لي: هل لنا أن نتحدّث فيما بعد عن تفاصيل أكثر عن هذه القصة.. أجبتهُ نعم يا أستاذ، وأنا على استعداد إلى اصطحابك إلى محلتنا، حيث كانت تدور حوادث هذه القصة..|

وقد تعرّض الأستاذ في هذه الحصة للمدير وهو من الناس المحترمين في المدينة، متهماً إياه بأنه شاذ جنسياً، وأنّه يُحب مضاجعة الغلمان، معتمداً على أنّه شاهده وهو ذاهب إلى بيته، برفقة حمال شاب يرفع له المواد الغذائية من خضار ولحم وفاكهة، ليوصلها إلى بيته، متسائلاً ألا يستطيع هذا المدير حمل هذه المواد بنفسه؟ ولماذا يختار حمالاً صغيراً؟

أكمل الأستاذ ما تبقّى من حصّة الدرس، ليطلب مني أن أتمشى معه في الممر المعمّد والمسقوف بين القاعة الدراسية وغرفة المدرسين، والذي لا يزيد طوله عن ثلاثين متراً، كان يُمسك بيدي وكأنني طفلٌ صغير يمشي مع أبيه في طريقٍ مُزدحمٍ بالسيارات... فهو كان يُريد أن يطرح الأسئلة، ويسمع الإجابات عليها بسرعة. لكنّني فاجأته قائلاً أنَّ الفتاة صاحبة هذه القصة، كانت قد انتحرت، بعدما حملت من هذا الوغد، وطردها أهل البيت مُشيّعينها بمختلف التهم، وبأنها مُدعية زوراً بالعلاقة مع ابنهم... وأنَّها عاهرة، ولربما تكون قد حملت بالطفل من شخصٍ آخر..! شاهدتُ الأستاذ يُبطئ في مشيته ثم يقف بُرهة ليقول لي ما لم أستطع أن أصدّقه، لو ذكره لي واحداً آخر، بأنّه استعمل العادة السرية عدّة مرات أثناء قراءته لهذه القصة.. ثم تأوّه وقال يا ربّ كم تمنّيتُ أن ألتقي بخيرية ليكون لي معها حديثاً آخر.





 

free web counter

 

أرشيف المقالات