| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

 

السبت 9/2/ 2008

 

الانتخابات الأمريكية
بين وعود المرشحين وهموم الناخبين....

جلال حنونا

منذ مطلع هذا العام وحتى نهايته يشتد التنافس وتعلو أصوات المرشحين بمقدار الملايين التي تبذخ في الترويج والدعاية لهم، ويفرغ كل ما في جعبته من وعود وخطط ، إن وجدت طريقها إلى الواقع، فستكون الكفيلة بان تجعل كل أمريكي ينام قرير العين مطمئن البال، ينعم باليسر والترف ومستقبل مضمون لما تكتنزه البلاد من موارد وثروات........ ولا يقف المرشحون عند هذا الحد ، بل لا ينسى كلاً منهم تصويب سهامه إلى كل سلبيات منافسه بدءا من الاتهامات وتسليط الضوء على الإخفاقات والفضائح إلى التدخل أحياناً بكل الخصوصيات سواء أن كان مع غريمه في الحزب أو من الحزب المنافس. وتخمد في النهاية عند انتخاب الرئيس الذي ينضوي الجميع تحت رايته وتكاد اهتمامات المرشحين للفوز بالدائرة البيضوية معروفة مسبقاً لأنها مزمنة تسبق كل رئيس ليودع بعضها لما بعده... وهي مشكلات تستقطب اهتمامات وهموم قطاعات واسعة من الأمريكيين، تزداد سوءا وتعقيداً وتحدياً بمرور الزمن، وبالمعالجة المبتورة الغير الجذرية وحسب رؤيا وتأثيرات مراكز الضغط والقرار المتمثلة في الكارتلات المالية والشركات العملاقة، ومصالحها الداخلية والخارجية التي تتحدد وتحدد ملامح وأنشطة الرئيس في ولايته الأولى وتمتد بنفس الوتيرة إذا انتخب لولاية ثانية.
ولا أكون مبالغاً أن قلت بأن المسألة العراقية طغت على كل ما قبلها وما بعدها من عقد خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة، وكانت جذورها منذ قيام ثورة الرابع عشر من تموز في عهد الرئيس الراحل إيزنهاور، لتنشغل الإدارة الأمريكية في موروثات الإمبراطورية البريطانية وتتعامل مع كل التغييرات المتسارعة في الشرق الأوسط ، فواكبت كل التقلبات والانقلابات على الساحة العراقية المعروفة لدى الجميع، والتي احتلت وقائعها اليومية مانشيتات الصحف ومقدمات النشرات الإذاعية والتلفزيونية ، ومادة دسمة في فصول الانتخابات.
قفزت المسالة العراقية لتحتل موقع الصدارة لدى الشارع الأمريكي... فبعد أن كان يجهل موقع العراق على خارطة العالم، بات ملماً بكل دقائق وتفاصيل الحياة، والتركيبة الاجتماعية والدينية والطائفية فيه لما أحدثته من تأثيرات على الواقع الحياتي بسبب الوجود العسكري ونفقاته من جهة، وما برز من تغيرات في مراكز القوى والتأثير في المنطقة منذ حرب الخليج الأولى والثانية وصولاً إلى إزاحة صدام، وكلها أدت إلى تصعيد الاهتمام الرسمي ، ويقظة المواطن العادي على قضية غاية في الأهمية ، لها دلالاتها وانعكاساتها والمساس المباشر بحياته. كما إن التخطيط لدمرقطة العراق لم يكن بالسهولة المتوقعة لما برز من تحديات غير معهودة ... فالانتقال الفجائي إلى تلك المرحلة المتقدمة بعد قرون من الرضوخ والتسليم بالأنظمة الشمولية ، بعث بعددية مفزعة في مراكز القوى بدلاً من العددية المفترضة ، وظهرت على الساحة الميليشيات وعصابات القتل والمرتزقة والإرهابيين الوافدين من كل مكان ليملئوا الفراغ الناجم ، ليجد الجندي الأمريكي وقياداته (الذين باستطاعتهم إسقاط أية دولة في العالم) متورطين مع مجموعات انتحارية لا تقيم وزناً للحياة... وهذا يعني ان التواجد العسكري على الأرض يتطلب وقتاً طويلاً ، ولاعتبارات معنوية ، لا يمكن ، ومهما بلغت التضحيات، إلا الخروج بنتيجة تحفظ التوازن في العراق ، وتحبط المشاريع التوسعية والطروحات الإيرانية في المنطقة .... وسيكون كل هذا ، هو الهم الأول للرئيس المقبل، وأمل الناخب الذين انتخبوه ربما لهذه الخلفية الشائكة، من إيجاد الحل المناسب لها.
والمسالة الملحة الأخرى هي الرعاية الصحية التي يفتقد إليها أكثر من (47) مليون أمريكي حسب الإحصاءات ، وهؤلاء ليسوا من العاطلين عن العمل أو المسنين (الذين توفر لهم هذه الخدمات مجاناً) بل من ذوي الدخل المتوسط والمحدود، إذ لا تكفي مواردهم لسد فواتير إضافية كوثيقة التامين الشهرية، والأكثر أهمية من ذلك، هو أن الذين يتمتعون بتغطية نفقاتهم الطبية، يشكلون عبئاً على المؤسسات الإنتاجية بسبب تكاليف الاستشفاء الباهظة والتي تضاف على كلفة البضاعة المنتجة ، لتتراجع في النهاية أمام منافسة المستورد لمثيلاتها، وخير مثال على ذلك البضاعة الصينية التي غزت الأسواق الأمريكية ، ودخلت كل مفصل وكل منزل، والأغرب أنها في طريقها لتسويق سياراتها التي لم يمض على خبرتها في هذا المجال أكثر من أربع سنوات،(مقارنة بأكثر من قرن للأمريكية منها)، وهذه بحد ذاتها لها دلالاتها الكبيرة .....

فثمة شيء ناجح في إدارة الإنتاج ، والقوى العاملة هناك ، يقابله خلل في نفس المفاصل في المؤسسات الصناعية هنا، والتي غالباً ما تلجأ لتنقيص العمالة وتسريح الآلاف للتخفيف من خسائرها، وما يرافق ذلك من تدهور اقتصادي وكساد السوق على جميع الأصعدة، وتحويل الأموال إلى الدول ذات العمالة الرخيصة.
يقول السناتور (جان ادوارد) المرشح عن الحزب الديمقراطي في معرض تناوله الخدمات الطبية وتسليط الضوء على هذه المشكلة المزمنة (وهو يعد بإيجاد الحلول في حالة فوزه) إن امرأة في الحادية والخمسين من عمرها احتاجت لعملية زرع الكبد، كان لها وثيقة تامين صحي ، ولكن الشركة المعنية رفضت دفع نفقات العملية .. كررت المحاولة، وباءت جهودها بالفشل ... وتحت ضغوط كثيرة ومتنوعة ، رضخت الشركة أخيراً ، ولكن بعد فوات الأوان، حيث أن السيدة فارقت الحياة!!!.
وفي نفس الإطار ، خاطبت السيناتورة هيلاري كلنتون عن الحزب الديمقراطي مؤازريها قائلة.... إنني أكافح من أجلكم وليس من اجل شركات الأدوية، والاستثمارات العقارية، والنفط، والتي تعمل من اجلها، ولسبع سنوات، هذه الإدارة الحالية.
ويمثل موضوع الضرائب وقعاً على الناخبين، فالمرشح الجمهوري السناتور جان مكيين عن ولاية أريزونا ليعدهم في تصليح الخلل وخاصة لدى متوسطي الدخل، وتطرق في مناظراته لموضوع لا يقل أهمية وهو الهجرة والتواجد غير الشرعي التي تشكل معضلة حقيقية في هذه البلاد.
أما المرشح الجمهوري (مت رامني) الذي فاز في ولاية مشيكان في الانتخابات الأولية، (حيث مسقط رأسه، وحاكم الولاية لعام 1969 كان والده) وعد بالقضاء على الركود الاقتصادي وتفشي البطالة وتدني المستويات المعيشية والاقتصادية فيها.
وإذا كانت النقاط الارتكازية ومحور اهتمامات المرشحين هي العراق والحرب على الإرهاب ، وتوفير الخدمات الصحية للجميع، والضرائب والبطالة والهجرة غير الشرعية، فان الأهم من ذلك كله أن يستطيع الرئيس القادم من أن يخلق لدى المواطن روح التحدي بدل الهموم، والانجازات أكثر من الوعود ، ليترجم الفرد بدوره ما ذهب إليه الرئيس الراحل جون كينيدي في مقولته المشهورة (اسألوا ماذا باستطاعتكم أن تقدموا إلى أمريكا ولا تسألوا عما تستطيع أن تقدمه أمريكا لكم). والبلاد بأمس الحاجة ، أو ينقصهما كثيراً من يفكر بهذه الطريقة.... وبنفس المستوى، ولما له من انعكاسات ايجابية يعزز من سمعة البلاد ومكانتها، أن يمد الرئيس المنتخب يده لنصرة الشعوب والتخلي من دعم الأنظمة ، فالأيدي باقية والثانية زائلة... ونتمنى ان نرى هذه البلاد تزهو بالتألق الدائم بعد أن تكون قد اجتازت أزماتها واستعادت عافيتها.... وللرئيس القادم التوفيق فيما يذهب إليه من وعود .
 


 

Counters

 

أرشيف المقالات