| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مقالات وآراء حرة

 

 

 

الخميس 9/10/ 2008




ملاحظات حول وحدة عمل قوى اليسار في العراق *

سلم علي

يكشف الجدل والنقاش حول وحدة اليسار في العراق الحاجة الى ان يكون هناك أولاً وضوح بشأن مفهوم اليسار، أي البعد المفاهيمي للمسألة، وكيف يتجلى في الواقع العراقي.
يتعين النظر الى اليسار باعتباره يمثل حركة وقوى اليسار السياسي والاجتماعي، بمعنى انها لا تقتصر على، ولا ينبغي ان تختزل الى، مجرد احزاب وتنظيمات سياسية يسارية. بل انها تشمل، في جزء أساسي وبالغ الأهمية منها، الحركات الاجتماعية التي تناضل من اجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، دفاعاً عن الحقوق والحريات الديمقراطية والحقوق النقابية، وعن المكتسبات التقدمية للشغيلة وعموم الشعب، ومن اجل التقدم الاجتماعي والتحولات الراديكالية على صعيد الاقتصاد والمجتمع.
وتدخل ضمن هذا المفهوم لليسار الاجتماعي: النقابات، عمالية ومهنية، ومنظمات النساء والشباب والطلبة، وتنظيمات المثقفين، والحركات المدافعة عن حقوق الانسان، وجماعات حماية البيئة، اضافة الى الحركات المطلبية التي تنطلق لتحقيق اهداف محددة (على سبيل المثال: الحملة من اجل وقف العنف ضد المرأة ..).
انها حركة تتسع صفوفها وتغتني مضامينها وتتنوع أشكالها وأساليب عملها على الدوام وباستمرار.

كيف يتجلى اليسار في الواقع العراقي؟
تتطلب الاجابة على هذا السؤال تفحص الواقع العراقي كما هو، مع التعرف على الامكانات الكامنة والآفاق الواعدة للتيار الديمقراطي عموماً ولليسار بشكل خاص. نحتاج الى التعرف على نقاط القوة والضعف في القوى التي تشكّل اليسار، ببعديه السياسي والاجتماعي، والى البحث المتواصل في سبل استنهاضها، وتطوير رؤاها، وقاعدتها الفكرية، وأطرها التنظيمية واساليب نشاطها.

وحدة اليسار .. ماذا تعني؟
هناك تصورات وآراء خاطئة تختزل هذه الوحدة الى عملية دمج وإندماج، وتوحيد تنظيمات، واشكال فوقية للوحدة، تؤدي بالنتيجة، وفي التطبيق العملي، الى خلق عراقيل تعيق نهوض اليسار. بدلاً من ذلك، يجب تركيز الاهتمام على وحدة عمل قوى اليسار.
اذا تحدثنا عن "وحدة عمل اليسار"، ستنفتح عندئذ آفاق أرحب وامكانات أكبر بكثير مما هو عليه الحال في الوقت الحاضر. وستبرز أمامنا عندذاك أشكال وصيغ متعددة، متنوعة، لوحدة العمل: تنسيقية مثلاً، مؤقتة او على مدى أبعد.
وستتطور هذه الاشكال وتبرز في مجرى النضال لتحقيق مشروع اليسار التغييري، وفي خضم النضالات الوطنية والديمقراطية والمطلبية (التي تجمع على نحوٍ وثيق بين الوطني والديمقراطي والاجتماعي). أي ان هناك ترابطاً وثيقاً بين خوض هذه النضالات وتطور وإغتناء أشكال وحدة عمل قوى اليسار.
عندذاك، عندما ترتقي حركة اليسار الى مستويات أعلى، ستفرض مهمات جديدة، أرقى، نفسها، على جدول عمل هذه الحركة.
وستكون هذه الاشكال (لوحدة عمل قوى اليسار) أكثر غنى وتنوعاً مما يمكن التفكير به على الصعيد النظري في الوقت الحاضر، او يمكن التنبؤ به مسبقاً. ولكن على الشيوعيين، قبل غيرهم في حركة اليسار، ان يلتقطوا الجديد في خضم هذه التحولات، وحتى في اوضاع تتسم بالهيجان والاضطراب، ويُدخلوا اليها (الى هذه الحركة) عنصر الوعي والتنظيم. وان لا يترددوا في قيادتها الى جانب أفضل ممثلي هذه القوى الاجتماعية ومنظماتها (النقابية، الديمقراطية، الاجتماعية ..)، الأكثر صدقاً وإخلاصاً والتصاقا بقضية الشعب، قضية الديمقراطية الحقة، وتمسكاً بحقوق المواطنة ومبادىء المساواة والعدالة الاجتماعية، التي تجسّدها الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة.
ان الأزمة المستفحلة ومأزق النخب الحاكمة، على كل المستويات، وتعثر مشاريعها، وتوق غالبية الشعب الى التغيير، يوفر ظروفاً مؤاتية لبناء حركة يسار قوية عميقة الجذور.. تتصدر النضال من اجل القضية الوطنية الكبرى (انهاء الاحتلال وجلاء قواته والتصدي لمشاريع الهيمنة الامريكية)، وقضايا الحقوق الديمقراطية والاجتماعية، وخوض الصراع وحسمه لصالح التطور الديمقراطي ودحر مشاريع الدولة الطائفية والاستبدادية، ومهمات إعادة بناء الاقتصاد الوطني والتصدي لمشاريع الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق الحر المنفلت.
وستتحول افكار ورؤى اليسار الديمقراطي عندئذ الى قوة تغيير مادية هائلة، بعد ان تستحوذ على عقول وأفئدة الملايين من العراقيين الطامحين الى التغيير، والى حياة أفضل.. لينخرطوا في حركة تعبّر حقاً عن إرادة غالبية الشعب، وتمكّنهم من إدراك قدرتهم على تحقيق التغيير المنشود بإرادتهم الحرة.
أي انها، أولاً وقبل كل شىء، معركة أفكار كبرى.. معركة رؤى ومشاريع وبدائل.. وصراع على المستقبل. ويتعيّن على قوى اليسار أن تدرك ان البلاد والمجتمع أمام مفترق طرق، وأن مصيرهما لعقود مقبلة يتوقف على حصيلة الصراع الجاري، على إعادة بناء الدولة، محتواها وشكلها، وما يتمخض عنه. وهذا يتطلب من الشيوعيين المزيد من وضوح الرؤية، والوضوح في الهدف، والسبيل الى تحقيقه.
وهنا، لا بديل عن التوجه الى الشعب، ومنظماته وأطرها.. الى القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة الرئيسية في تحقيق اهداف مشروع اليسار، الذي ينسجم في المرحلة الراهنة مع "المشروع الوطني الديمقراطي" الذي اطلقه الحزب الشيوعي العراقي في آب 2007، ولكنه أبعد مدى وأكثر جذرية، خصوصاً على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي.
فهذا هو السبيل الى تغيير تناسب القوى السياسي والمجتمعي لصالح البديل الديمقراطي .. لابد من العمل بدأب ومثابرة - وهذه هي مهمة اليسار، وفي القلب منه الحزب الشيوعي - على تجميع هذه القوى الحية في تيار شعبي واسع لدعم "المشروع الوطني الديمقراطي"، لينتزع بجدارة، من دون فرض او إفتراض مسبق، قيادة هذا التحالف السياسي - الاجتماعي.. والمضي بثبات على طريق تحقيق البديل الديمقراطي، البديل الوحيد المعوّل عليه بالضد من مشاريع الطائفية السياسية والاستبداد أياً كانت أشكاله.. لإنهاء الاحتلال واستعادة السيادة الوطنية والاستقلال وبناء الدولة المدنية الديمقراطية.
 


*
قدّمت هذه الملاحظات في الملتقى الفكري الثالث لمنظمات الخارج للحزب الشيوعي العراقي، "ملتقى الشهيد كامل شياع"، المنعقد في لاهاي/هولندا في الفترة 26-28 ايلول 2008، الذي كان مكرّساً للبحث في مستلزمات بناء الدولة المدنية الديمقراطية.







 

free web counter

 

أرشيف المقالات