| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رالف ميليباند


الاشتراكية لعصر شكاك

ترجمة : نوال لايقة
مراجعة : د. غانم حمدون

مقدمة

يقوم هذا الكتاب على مسألتين متميزتين . الأولى هي ان الرأسمالية تشكل حاليا عقبة هائلة تحول دون تخطي الكوارث التي انتجتها هي نفسها في سياق تطورها . الثانية هي ان هناك بديلا اشتراكيا للرأسمالية يمكنه حل هذه المشاكل .

هاتان المسالتان متميزتان اذ مهما بلغ ما يقال ضد الرأسمالية فهو لا يؤدي بالضرورة الى أن هناك بديلا مرغوبا فيه لها . ومع أن اعتى المتحمسين للراسمالية لا ينكرون ان لها نواقصها ، الا انهم يصرون على ان هذه النواقص ليست صميمية ويمكن علاجها ضمن اطار النظام الرأسمالي نفسه . ومن الشائع القول ، على أية حال ، ان الرأسمالية على علاتها أفضل بكثير من أي بديل اشتراكي قد يتحقق . خلاصة القول ، وبكلمات فرانسيس فوكوياما ، تمثل الرأسمالية ، او بالأحرى الرأسمالية الليبرالية ، "ذروة التطور الأيديولوجي للجنس البشري" و "الشكل النهائي لحكم البشر " (1) .

يقرّ أصحاب هذا الراي بان "الاشتراكية " في صيغة اشتراكية – ديمقراطية معتدلة ، ما زالت ، وسوف تبقى ن الى امد طويل ، جزءا من المشهد السياسي في المجتمعات الراسمالية ن ويمكن ان تصبح ، ان لم تكن قد أصبحت تيارا فكريا اقوى من تيار رأسمالية الاقتصاد الحر (
LAISSEZ-FAIRE CAPITALISM) ولكن معينا من الاشتراكية –الديمقراطية المعتدلة لا تشكل ، عمليا ، بديلا للرأسمالية ، وانما شكلا معينا من أشكال التكيّف معها . اعني بالاشتراكية ، دون وضعها بين قويسات ، وعلى العكس تماما مما سبق ، تغييرا جذريا للنظام الاجتماعي . انها الاشتراكية التي يعتبرونها الأن احدى النظريات المهترئة ، التي يجب احالتها الى المتحف المزدحم بالخطط والمشاريع الوهمية الحالمة التي تكاثرت عبر العصور ، ويعتبرون التشبث بذلك المشروع دليلا عل غياب الحس الواقعي .

اعتقد ان هذا الراي خاطئء ، وان الديمقراطية الاشتراكية تشكل بديلا ، ملائما ، ممكنا ومرغوبا فيه للرأسمالية وللديمقراطية الرأسمالية . وليس بامكاني اثبات ذلك ، اذ يجب ان يأتي البرهان على ذلك عن طريق بناء هذا البديل ، والذي لم يزل مهمة تنتظر الانجاز . ولكن غياب البرهان ، اي عدم وجود مجتمع اشتراكي متفوق بشكل واضح على المجتمعات الرأسمالية ، والذي ساد الادعاء بوجوده في وقت ما في الاتحاد السوفيتي والدول الشيوعية الأخرى ، لا يثبت بحد ذاته أي شيء . والاعتقاد بأن غياب هذا البرهان حاسم ونهائي يعادل القول بأن اي شيء ، أفضل مما هو متاح الآن يقع خارج نطاق قدرة الجنس البشري . فهذا التقديس الأعمى لما هو قائم يمثل قمة السذاجة .

رغم تعذر البرهنة على وجود بديل ممكن ومرغوب في للرأسمالية وللديمقراطية الرأسمالية ، يمكن على الأقل مناقشة هذا البديل بشكل عقلاني مقنع . هذا ما انشده ، منطلقا من اعادة تقييم وتحليل المشروع الاشتراكي في ضوء التجارب التي اثّرت بالاشتراكية (واوجعتها ) في هذا القرن ن في ضوء التغيّرات الهائلة التي طرات على الراسمالية وعلى العالم بشكل عام خلال العقود التي تلت الحرب العالمية وفي السنوات الأخيرة بالتحديد .

بدات العمل على هذا الكتاب عام 1989 ، ولكن توجّب على التوقف عنه منذ بداية عام 1991 وحتى ربيع 1992 . كانت تلك السنوات مفعمة بالأحداث على نحو استثنائي بالطبع ، وأعي تماما مدى تأثير تلك الفترة على طريقة تفكيري حول الاشتراكية . فخلال اربعة عقود من الزمن عالجت بعض الموضوعات المثارة في هذا الكتاب في مقالات عديدة . الا ان الكتاب ، حسب اعتقادي ، يقدّم وجهة نظر تتجاوز ، الى حد بعيد ، تلك الكتابات ن وتعكس بعض الأفكار التي قادتني اليها التطورات التي حدثت في السنوات الأخيرة . وهكذا فان النص ، بجزئه الأكبر ، يطرح اعادة انتقادية للأفكار التي حملتها لسنوات طوية . وحصيلة هذا الانتقاد . كان همي الأساسي هو الابتعاد عن الصيغ الجاهزة والمالوفة جدا (سواء الصيغ الخاصة بي أو بآخرين) والشروع بعملية اعادة تقييم جديد وحقيقي للاشتراكية وللطرق الكفيلة بتعزيز امكانية تحقيقها . وفي هذا السياق اصبحت اكثر وعيا من اي وقت مضى بالمشاكل التي يطرحها المشروع الاشتراكي –قديمها وحديثها - . ولكني لا ادّعي تقديم حل لها لأن ذلك ياتي بالممارسة فقط بكلمات اخرى , لا أنوي تقديم برنامج عمل جاهز لتحقيق البديل الاشتراكي وانما اطرح المعنى الذي يجب ان يعطي للاشتراكية الآن ، العقبات التي تعترضها واسلوب تخطي تلك العقبات .

أهتم بشكل خاص في هذا الكتاب بما أسماه آليك نوف " الاشتراكية المعقولة " ، ويعني بذلك "اشتراكية يمكن تحقيقها خلال حياة طفل لم يزل الآن جنينا " (2) . ولكني ، خلافا لذلك ، أعتقد أن الاشتراكية نظام اجتماعي جديد ، يمتد تحقيقه لأجيال متتالية ، وقد لا يتحقق بشكل تام ونهائي أبدا . أعني بذلك أن الاشتراكية تقتضي ارتقاء دائما بالأهداف الماثلة في تعريف الاشتراكية .

لا بد من الاشارة هنا الى كيفية استخدامي للمصطلحات . سأشرح ما أعنيه بكلمة اشتراكية في الفصل الثاني ، والفصول التي تليه أيضا ، لكن أستطيع الاشارة هنا الى أني أرى الاشتراكية كمشروع ذي هدفين أساسيين متضافرين ، الأول هو اقامة الديمقراطية التي تتجاوز الى حد بعيد ما يمكن للديمقراطية الرأسمالية أن تقدمه ، أما الثاني فهو المساواتية أو ، بمعنى آخر ، التخفيف الجذري لجميع مظاهر التباين وعدم التكافؤ التي تشكل جزءا من تكوين الديمقراطية الرأسمالية . لا بد من اضافة هدف آخر للاشتراكية وهو تحقيق الملكية الجماعية لوسائل الانتاج ، وسوف أبيّن لاحقا الدور الأساسي لهذه الملكية في تحقيق الهدفين السابقين .

أستخدم كلمة "يسار" للاشارة الى عدد كبير من الناس ، بمن فيهم الاشتراكيون بالطبع ، والى أناس أكثر من هؤلاء قد يترددون في قبول أنهم "اشتراكيون " أو هم يرفضون هذا التعريف تماما . ويمكن استخدام صفة "تقدمي" للاشارة الى أناس كهؤلاء ، يطمحون الى التغيير في العديد من جوانب النظام الاجتماعي باتجاه تحقيق الديمقراطية والمساواتية . يشمل التعريف السابق أيضا النساء والرجال الذين يشكلون جزءا من حركة العمال والعديد من "الحركات الاجتماعية الجديدة " أيضا . يمكن اعتبار أن جميع هؤلاء يشكلون الجهة اليسارية والتقدمية من الطيف الايديولوجي والسياسي ، ولكن في مواضع مختلفة فيه .

استخدمت تعبير "الاصلاح الجذري" للاشارة الى جميع اجراءات الاصلاح التي تهدف الى تغيير عميق في جانب أو آخر من جوانب النظام الاجتماعي السائد باتجاه تحقيق الديمقراطية والمساواة أيضا . وعلى هذا الأساس يكون لجميع حركات النضال ضد (التفرقة) العنصرية وبين الجنسين دور هام في هذا التغيير . لا بد من الاضافة أن هذا الكتاب ، رغم أنه يقدم الكثير جدا من المقترحات العامة الجيدة للارتقاء بالأهداف الاشتراكية ، لكنه لا يكرح اقتراحات محددة حول الكثير من القضايا التي يتوجب على الاشتراكيين الاهتمام بها ، الخدمات الصحية ، الموصلات , الاسكان , البيئة ، الضمان الاجتماعي ، رعاية الطفولة ، نظام الضرائب ، القانين الجزائية ، ويمكن للقائمة أن تطول الى ما لا نهاية ، وعلى السياسات الاشتراكية حول هذه القضايا أن تكون مترابطة ومتسقة فيما بينها . ولكن معالجة هذه القضايا لم تكن هدفي من تأليف الكتاب ، كما أني لا أجد لدي الكفاءة للقيام بهذه المهمة .

"الثورة " و "الثوري" مصطلحان غامضان وملتبسان لأنهما يشيران الى مفهومين مختلفين . يعني هذان المصطلحان ، من ناحية أولى ، تراكم التغييرات الهامة والجوهرية بشكل كاف لاحداث تحول ثوري في النظام الاجتماعي . هذا ما كانت تقصده الاشتراكية – الديمقراطية قبل عام 1914 . ويمكن القول ان نزعتها "الاصلاحية" كانت تحتوي على شحنة ثورية بالمعنى الوارد أعلاه . أما الفهم الشائع للكلمتين "ثورة" و "ثوري" فهو الاطاحة بالسلطة القائمة واحداث التحول في النظام الاجتماعي . ولا يستبعد هذا المنظور النضال من أجل الاصلاح ولكنه يراه كمرحلة تحضير للاستيلاء على السلطة عن طريق ثوران شعبي مسلح . وسوف نهتم بكلا المنظورين في الصفحات التالية .

أما مصطلح "شيوعية"
Communism (بادئة بحرف C كبير ) فيشير الى نظام الحكم الذي قام في روسيا في تشرين الثاني عام 1917 ، وفي بلدان أخرى بعد عام 1945 . وأعتقد أن ليس للشيوعية بهذا المعنى اية علاقة بما عناه ماركس بالشيوعية : حالة مجتمعية في المستقبل البعيد تميّزها الوفرة ، المساواة والانسجام ، وهي تتجاوز الاشتراكية بأشواط طويلة جدا .
سوف يجد القارىء أني أرجع الى ماركس وغيره من شخصيات "الماركسية الكلاسيكية " في نقاط عديدة من هذا النص لاعتقادي بأن العملية النقدية التي نقوم بها هنا ، من اعادة تعريف وتقييم للاشتراكية ، تتطلب التعاطي مع الماركسية. وذا التعاطي ينطوي على الاعتراف تما لا يزال في الماركسية الكلاسيكية محتفظا بأهمية دائمة ، وثمة من هذا شيء أكثر جدا مما يعترف به الآن لها . لكن هذا التعاطي ينطوي أيضا على الابتعاد عن بعض طروحاتها . في كلتا الحالتين ، أعتقد بوجوب أخذ الماركسية كنقطة مرجعية رئيسية أثناء مناقشة الاشتراكية .

يركز الكتاب على البلدان الرأسمالية المتقدمة ، رغم أنه يعرض في الفصل الأول تأثير الامبريالية الغربية على أماكن اخرى من العالم ، ويعرض في الفصل السابع بعض التوقعات بالنسبة الى ابلدان الشيوعية السابقة ، وبعض بلدان " العالم الثالث " . كما أن المسائل التي يناقشها الكتاب تهم هذه البلدان . فالقيم الاشتراكية قيم عالمية ، ولكن المشاكل التي يطرحها تطبيق هذه القيم تتجلى بشكل مختلف من بلد الى آخر حسب تاريخ كل بلد وتجاربه . وتقتضي معالجة هذه المشاكل والاحتمالات الخاصة بالبلدان الشيوعية السابقة والعالم الثالث تأليف كتاب آخر ، لست أهلا لكتابته .

أناقش في الفصل ألأول النقاط الأساسية للاتهام الذي يمكن توجيهه الى الرأسمالية ، وأهداف ، على أساس هذا الاتهام ، الى الاجابة على السؤال : لماذا أرفض الرأسمالية ؟ . وأقول في الفصل الثاني بمناقشة معنى الاشتراكية وابين ، في سياق ذلك ، مدى اختلافها ، بمعناها هذا ، عن الشيوعية . ويناقش الفصلان التاليان (الثالث والرابع) بالتفصيل ، القضايا الأساسية المطروحة في الفصل الأول والثاني . أما الفصل الثالث فيناقش مسألة لم تحظ حتى الآن بالاهتمام الذي تستحق ، هي ، تحديدا ، طبيعة الاصلاحات المؤسساتية الضرورية لتحقيق جوهر الديمقراطية الاشتراكية . ويتضمن الفصل أيضا اقتراحات حول الاصلاحات الأساسية التي يقتضيها بناء نظام كهذا .

يعالج الفصل الرابع التغييرات الاقتصادية التي سوف تشكل الأساس اللازم للانتقال من الديمقراطية الرأسمالية الى الديمقراطية الاشتراكية ، كما يناقش المشاكل التي سوف تطرحها هذه التغييرات في بيئة رأسمالية تزداد عولمتها يوما بعد يوم . ويهتم الفصلان الخامس والسادس بمسألة التطبيق الحاسمة في كل هذا . فالفصل الخامس يحاول تقصي درجة التأييد التي يمكن للاصلاحات المطروحة في الفصول السابقة أن تحصل عليه ، وما هي المنظمات والاستراتيجيات الأكثر ملاءمة لتحقيق ذلك . أما الفصل السادس فيناقش العقبات التي ستواجه سلطة اشتراكية ما ، ويحدد الخطوات الأساسية التي يتوجب على تلك السلطة اتباعها لتذليل هذه العقبات . وفي الختام ، يناقش الفصل السابع امكانية حصول المطامح الاشتراكية على تأييد اوى مما تحظى به الآن في أجزاء مختلفة من العالم .

الهدف الأساسي من هذا الكتاب هو تدشين نقاش حول مواضيع تحتاج الى بحث تفصيلي لا يميل الى تشجيعه مناخ التشاؤم السائد في أوساط اليسار حول امكانية التغيير . هذا التشاؤم مفهوم وله أسبابه ولكني أعتقد أنه مفرط. أنا أعترف بأن التغييرات الأساسية التي تقتضيها الاشتراكية لن تقودنا بشكل آلي الى عهد من الانسجام التام ، فأحاول أن أكون اقل "طوباوية" ، وأعتقد أن الاشتراكية سوف لن ترى النور الا بعد وقت طويل ، حتى ان اتخذت صيغة أكثر أناة . أما اذا اعتبرنا الاشتراكية محاولة دائمة للتقدم نحو أهدافها ، فان الأفق ، ولأسباب سوف أناقشها لاحقا ، ليس بدرجة الكآبة الشائعة حاليا ، ويعتبر الوقت الحالي منسبا ، مثل أي وقت آخر ، لتمهيد السبيل للتقدم اللاحق ، وليست المحاججة العقلانية أقل شأنا من غيرها في هذا السبيل .


(1) F.Fokoyama :Man and the End of History . ( Hamish Hamilton . 1992 ) . p . XIII  

(2)  A. Nove. The Economic Feasible Socialism ( George Allen and Unwin , London , 1983 ) . p . ix