
رالف ميليباند
الاشتراكية لعصر شكاكترجمة : نوال لايقة
مراجعة : د. غانم حمدون
الفصل الأول
مقاضاة الرأسمالية-1-
ان السؤال الأول الذي يتوجب على الاشتراكيين الاجابة عليه هو : ما الذي يجعلهم يناضلون من أجل بديل جذري للرأسمالية ؟ فأي بديل ، باعتراف الاشتراكيين أنفسهم ، مفعم بالشكوك والمسائل غير المبتوت فيها . كما أن الرأسمالية اليوم ليست كما كانت في منتصف القرن التاسع عشر عندما بدأ ماركس تأليف ما أصبح فيما بعد "رأس المال" الذي طبع عام 1867. فقد حققت الراسمالية منذ ذلك الحين تحسينات كبيرة على الحياة اليومية للعاملين باجور ، وأبدت مرونة وقابلية للتغيير لم تكن تراود الأحلام قبل مئة عام . ولم يكن ممكنا لماركس أن يتوقع درجة تطبيق "الديمقراطية الاجتماعية " التي حصلت في البلدان الرأسمالية المتقدمة . فمنذ العقود الأخيرة للقرن التاسع عشر ولاحقا مارست "السياسة الجماهيرية" وتنامي الحركات العمالية الضغط على الحكومات (مهما كانت ميولها ) من أجل اجبارها على تقديم تنازلات للطبقة العاملة في كثير من المجالات ، مما أدى الى خلق مجموعة من الحقوق المتنوعة لهذه الطبقة . وتختلف هذه الحقوق كثيرا ، بطبيعتها ، درجتها وجوهرها ، من بلد رأسمالي الى آخر ن تختلف الرأسمالية السويدية في هذا الجانب عن الرأسمالية الأميركية او اليابانية ، كما تختلف بلدان اوروبا الغربية عن بعضها في هذا المجال . ولكن لم يفشل عمال اي من هذه البلدان في تحقيق تقدم هام ، وخاصة في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية ، التي تعتبر العصر الذهبي للرأسمالية في القرن العشرين . لقد بيّن عالم الاجتماع السويدي تيربورن في مقالة له نشرتها New Left Review عام 1984 "ان الراسمالية تعرضت الى تحول كبير ، وان يكن صامتا ، خلال فترة الستينات والسبعينات ، ولم تزل التأثيرات الاقتصاديو والاجتماعية والسياسية لهذا التحول تنتظر البحث ز وقد سمّى هذا التحول "رأسمالية دولة الرفاه"ولاحظ أن ، في ظل هذا النظام ، تضمن القواعد والحقوق السياسية حدا أدنى من الدخل للناس آخذا في الازدياد بشكل مطرد ، ويزداد اهتمام الحكومات بتوفير وتنظيم الضمان الاجتماعي ، الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليم . "وتحصل الأسرة على خمس الى ثلث دخلها من الحكومة وليس من الملكيات الخاصة أو العمل الماجور في القطاع الخاص او العام "(1). وقد لاحظ كاتبان آخران ، منذ اواخر الستينات . "ان النموذج الاشتراكي –الديمقراطي للالتزام بالليبرالية السياسية , دولة الرفاه ، الاقتصاد المشترك الذي يدار حسب مبادىء الكينزية ، والتحول التدريجي بالمجتمع باتجاه المساواتية يبدو اقدر من غيره على تامين الأسس العريضة للوفاق" (2) .
لقد ثبت ان هذه الأفكار كانت مبالغة في تفاؤلها ، ذلك ان اجماعا كالذي قام بين أحزاب المحافظين والأحزاب الاشتراكية –الديمقراطية حول المسائل الاقتصادية والاجتماعية بدأ يتآكل مع نهاية سنوات الازدهار عقب الحرب العالمية الثانية ، فمنذ 1970 ساد الميل الى مهاجمة الانفاق العام على الخدمات العامة والاجتماعية ، والسعي الى تقليص الاستحقاق لها ، لكن حتى الحكومات الأشد حماسا لتقليص حق المواطن في المعونات الحكومية ، كالولايات المتحدة وبريطانيا ، لم تنجح سوى جزئيا في مساعيها . وهكذا تآكلت "دولة الرفاه" لكنها لم ولن تتعرض للتدمير الكلي . ان "راسمالية دولة الرفاه" بخيلة وضنينة . وهي تبقى مساحات واسعة من الحرمانات ، ولكنها الآن جزء من الواقع الرأسمالي . وتدميرها النهائي هدف صعب وخطر . فتقليص الحقوق الاجتماعية يؤدي ، عند نقطة معينة ، الى معاقبة المسببين له عن طريق هزيمتهم في الانتخابات ، أو يؤدي الى اضطرابات اجتماعية ، أو كليهما .
على ضوء هذا التطور ، رغم قصوره ومحدوديته ، هل من المعقول أن تسعى الى استبدال الرأسمالية بنظام مختلف تماما عنها ؟ اليس من الأكثر معقولية ان ندفع باتجاه المزيد من الأصلاحات ضمن نطاق النظام الحالي فتحقق بالتالي راسمالية اكثر انسانية ؟ اذا اعتبرنا الاشتراكية افقا شديد البعد ، أو وهما باطلا فلماذا لا تركز جهودنا على النضال من اجل تحسينات ممكنة التحقيق ، وننسى فكرة ، رؤيا أو يوتوبيا فقدت المصداقية لدى اوساط واسعة ؟ اليس من الممكن ، أو حتى المرجح ، أن تؤدي هذه التحسينات مع مرور الوقت الى تحويل الراسمالية الى الاتجاه المنشود ؟ بتعميم اكثر ، ألسنا الآن في مرحلة بيّنة من التاريخ شهدت تغيّرا كبيرا على الرأسمالية ، أدى الى تغيّر صبوات الناس ومنظورهم بحيث باتوا يرون ، على نحو متزايد ، أن فكرة البديل الاشتراكي شاذة ولا ظائل تحتها ؟
ان مثل هذه "النغمة" تمتع بجاذبية اكيدة لدى الكثيرين في صفوف اليسار هذه الأيام (3) . ولكن هناك الكثير من الأسباب المقنعة لرفضها . فنحن نرى ان الاصلاح التدريجي ليس كافيا للقضاء على الشرور المتأصلة في النظام الرأسمالي ، وان التخلي عن المنظور القائل بالتحول الجذري ، المتمثل بالاشتراكية . قد اثّر تاثيرا جوهريا على طبيعة الاصلاح هو مجرد رد فعل جزئي جدا وخاضع لمنطق راس المال ، ويتناول نوعا محددا من المشاكل فقط .
وتعتبر الحكومات المحافظة الاصلاح وسيلة لمنع حصول التحول الجذري ، فهي تشتري السلام الاجتماعي بقبول بعض التنازلات . ولكن ، حتى عندما قامت الحكومات الاشتراكية – الديمقراطية بالاصلاحات ، لم تؤدّ هذه الاصلاحات الى الغاء السمات الأساسية للراسمالية . وليس هذا بمستغرب ، اذ قلما كان هذا الالغاء هدفا للأصلاحات . ليس الهدف من قولنا هذا تشويه سمعة النضال من أجل الاصلاح ، أو ما حققه هذا الاصلاح ، وانما يهدف الى القول ، ومن وجهة نظر الاشتراكية ، ان ما يطرحه طريق الاصلاح يجب أي ندرج في مشروع تغيير جذري ، ويجب ان يحكم عليه انطلاقا من التحسينات التي يحققها ، وكذلك مدى مساهمته في انجاز مشروع التغيير الجذري ذاك . ان محدودية الاصلاحات التي تحققت في سياق خاضع للرأسمالية لا تكفي بالطبع لادانة الراسمالية . كما أن هذه المحدودية وحدها لا تشكل حجة مقنعة لصالح بديل اشتراكي . فما يتوحب علينا هو أولا الاجابة على السؤال الأساسي التالي . "ما هو العيب الجوهري للرأسمالية؟" . ثم علينا اقناع الناس ببديل اشتراكي لها . يهتم هذا الفصل بالسؤال الأول . كما تدافع الفصول اللاحقة عن الرأي القائل بامكانية خلق نظام يختلف عن الرأسمالية ويحظى برضا اكبر .
أولا : ان رفض الرأسمالية ينطلق من عوامل اقتصادية ‘ اجتماعية ‘ سياسية واخلاقية . وثيقة الترابط فيما بينها . ثانيا : وهو الأهم ، هناك البرهان على أن القضايا التي تدين الرأسمالية والنظام الاجتماعي الذي يحتضنها تشكل جزءا جوهريا من نظامها ، وذلك مهما بلغت التحسينات التي بامكانه تحقيقها . ولذلك تعد فكرة "رأسمالية ذات وجه انساني " فكرة مشكوكا فيها . فمن الممكن بالتأكيد تخفيف اشد مساوىء ومظالم النظام الرأسمالي ولكن من غير الممكن ازالة اللاأنسانية المتأصلة فيه . فلازالتها نحتاج الى نظام مختلف تحركه دوافع مختلفة .
تتنوع تعاريف الرأسمالية ، لكن أفضل ما يعبر عنها هو القائل بأنها النظام الذي يملك فيه القطاع الخاص ويسيطر على الجزء الأكبر ن على الأقل ، من وسائل النشاط الاقتصادي، الصناعي ، التجاري ، المالي ، ووسائل الاتصال والاعلام ، ويكون المحرك الأساسي لهذه الفعاليات ، والهدف الذي يفوق كثيرا كل الاعتبارات ، هو جني الأرباح الخاصة من عمل مأجور لشغيلة مستقلين شكليا . بهذا المعنى ، تكون الرأسمالية الآن أوثق ارتباطا بالنظام الاجتماعي الذي يحتضنها من اي وقت مضى ، وذلك رغم جميع التحولات التي عرفتها على مر السنين . حيث يجري حاليا ، بلا كلل تمجيد علاقات السوق كافضل شكل من أشكال التفاعل الفردي الاجتماعي ، كما أن علاقات المتاجرة اليوم أتم شمولا لكل مجالات الحياة من أي عهد مضى .
مع ذلك ، فان التمييز بي الرأسمالية والنظام الاجتماعي له أهمية كبيرة فالرأسمالية هي نمط انتاج وشموله يتيح لنا الحديث عن نظام اجتماعي رأسمالي . ولكن "النظام الاجتماعي" مفهوم أكثر شمولية لتركيب مؤسساتي واسع ومعقد للمجتمع نتج عبر تطور تاريخي طويل . قال غرامشي ذات مرة ان ، في روسيا ، "كانت السلطة كل شيء ، والمجتمع المدني بدائيا وهلاميا ، اما في الغرب ، فكانت السلطة مجرد خندق خارجي يقف وراءه نظام قوي من الحصون والمتاريس "(4) . ولكن لا يوجد مجتمع "هلامي" حقا ، مهما كانت درجة "بدائيته" ، يوجد في جميع المجتمعات حصون ومتاريس تؤثر بعمق على شكلها وطابعها (5). يوجد في جميع المجتمعات أيضا ، تيارات فكرية شتى راسخة من الفكر ، المشاعر والممارسات ن بعضها يمثل أراء ومبادىء ، وأعراف وعادات ، تشكل ، على الأقل ، مصدرا لمقاومة سيطرة الرأسمالية على المجتمع ، من ذلك المقاومة المنبثقة عن الحركات العمالية والحركات الاشتراكية ن عن الحركات الاجتماعية القائمة على العرق ، القومية والجنس ، وكذلك تلك النابعة من النضال ضد الاستغلال المفرط . وان مقاومة قيم وممارسات الرأسمالية تنبع أيضا من أنماط التفكير الدينية والتقليدية . وفي العادة ، تعني "الهيمنة" عند غرامشي قدرة الطبقات الحاكمة على غرس قيمها في الطبقات المحكومة وتحويل هذه القيم الى "بديهيات" تميّز العصر ".وها قد اكتسبت كلمة هيمنة معنى اضافيا في الوقت الحاضر: قدرة الطبقات الحاكمة على اقناع الطبقات المحكومة بعدم وجود بديل لها مهما كان رأيها بالنظام الاجتماعي السائد ، وذلك مهما كانت درجة تغريبها عنه . فالهيمنة لا تعتمد على الموافقة بقدر ما تعتمد على الاذعان .
ان السيطرة الرأسمالية ، وان لم تكن مطلقة ، الا أنها حقيقة واقعة ، رغم وجود القوى المعارضة لها . انطلاقا من هذا الواقع ، ما هي نقاط الاتهام الرئيسية التي يمكن ان توجه ، من منظور اشتراكي ، ضد الراسمالية وضد النظام الاجتماعي الذي تسيطر عليه ؟-2-
من المفارقة بمكان أن يتعلق أحد أهم بنود اتهام الرأسمالية بنجاحها الاستثنائي كنظام للانتاج . فكثيرا ما يذكّرنا المدافعون عن الرأسمالية هذه الأيام بأن ماركس وأنجلز في "البيان الشيوعي" دون غيره قد اثنيا على قدرة الرأسمالية على الانتاج والتجدد (6) . ولكن ، رغم أن ملاحظتهما هذه في المراحل الأولى للرأسمالية الصناعية تتكشف عن بصيرة نافذة ، لم يكن بوسعهما تخيل مدى القدرة على البقاء والقوة الاتثنائية اللتين ستبديهما الرأسمالية فيما بعد . فبدلا من "الانهيار" تحت ثقل تناقضاتها الذاتية ، أفلحت الرأسمالية حتى الآن في ايجاد مصادر جديدة للقوة والتجدد ، ولئن كان صحيحا ، كما قال ماركس ، انه " لا ينهار أي نظام اجتماعي أبدا قبل أن تتطور جميع قوى الانتاج التي لها حيّز فيه " (7) فان الرأسمالية تبدو وايقة من حياة طويلة الأمد . مهما تكن الأزمات التي تنوء تحتها الآن .
كتب ماركس في المقدمة نفسها يقول : " في مرحلة معينة من تطورها ، تدخل قوى الانتاج المادية في المجتمع في تناقض مع علاقات الانتاج القائمة ... فتتحول هذه العلاقات من أشكال لتطوير قوى الانتاج الى قيود عليها " (8) . لقد تبيّن أن ضرر هذه "القيود" بعملية الانتاج أقل بكثير مما ظن ماركس . ورغم هذا ، فان مقتل الطاقة الانتاجية العظيمة للرأسمالية يكمن في عدم قدرتها على الاستخدام الأنفع للموارد التي أنتجتها ولا تزال تنتجها . ويبقى التناقض جوهريا بين الوعد الذي يحمله التطور الهائل لقوى الانتاج من جهة ، وبين الواقع اليومي الذي يواجهه العاملون بأجور من جهة أخرى . لقد خلقت الرأسمالية ، لأول مرة في تاريخ البشرية ، امكانية ضمان حد أدني لحياة آمنة ماديا وكريمة اخلاقيا لجميع سكان الكوكب ، ولكنها عاجزة ، بسبب جوهر طبيعتها وغاياتها ، عن تحويل هذا الوعد الرائع الى واقع . فالربح الخاص يبقى في الرأسمالية فوق كل شيء . الأمر الذي لا يتساوق مع الحياة المرفهة للجميع ، وذلك عكس كل ما يقال في هذا الشأن . فما يحرك الرأسمالية هو العقلانية الجزئية في نطاق الشركة (micro-rationality) وليس العقلانية الكلية المطلوبة على نطاق المجتمع (macro-rationality) .
ان التحسينات التي طرأت على ظروف حياة الأغلبية ، والتي ساهم في تحقيقها تطور قوى الانتاج في النظام الرأسمالي ، تعتبر حقيقية وملموسة ، مع ذلك ، فان المتعصبين لرأسمالية الاقتصاد الحر هم وحدهم الذين يدّعون أن الشكلين الآنفين من العقلانية يتوافقان توافقا حتميا ز على العكس من ذلك . فقد ترافق تطور قوى الانتاج مع نشوء آفات اجتماعية جسيمة يعود معظمها الى طريقة عمل الشركات الخاصة ، مما ارغم الدولة على التدخل لمعالجة هذه الآفات (9) ، ولكن قدرة الدولة على فعل ذلك يحدّها السياق الرأسمالي الذي تعمل وفقه (بملء ارادتها ).
أحد المؤشرات الواضحة على عدم الانسجام بين الرأسمالية وما أسمّيه حياة آمنة ماديا وكريمة للجميع هو وجود عدد كبير من الناس غارق في فقر مدقع ومهانة كبيرة حتى في اغنى البلدان الرأسمالية . لقد تنبا J. Galbraith في كتابه "مجتمع الوفرة" الذي طبع أول مرة عام 1958 ، أن الفقر في المجتمعات الغربية الغنية سوف يختفي في أمد قريب . ولكن الفقر ، المهانة ، الأمراض غير المستعصية ، التشرد ، الفساد واليأس بقيت آفات يعانيها الملايين في هذه المجتمعات ، ولا يوجد اي مؤشر الى امكانية التخلص منها ضمن نظام غايته الأساسية هي تحقيق الأرباح الخاصة . على العكس من ذلك ، نجد أن الظروف المعيشية لأقليات كبيرة من سكان "مجتمع الوفرة " قد اصبحت أسوأ مما كانت عليه في العقود الأخيرة بدل ان تتحسن ، ومما يزيد مرارة هذه الظروف هو التبجح الصاخب ب"مجتمع امستهلك " وهم مستبعدون عنه . وتشكل هذه الظروف تربة خصبة لنمو الأدمان على المخدرات والجريمة كأسلوب حياة سائد لعدد كبير من الناس (10) . وتغذي هذه الظروف نفسها أمراضا اجتماعية اخرى مثل العنصرية ، معاداة السامية ، ورها بالغرباء ، كما تشجع البحث عن كبش فداء موجود دوما . وبينما يمجد المبررون فضائل وانتصارات الراسالية ، تظهر نذر مشؤومة على تفشي التعصب القومي والعرقي بين الشبان والشابات ، اذ ينشأون في ظل اليأس والسخط والمستقبل القاتم لحياتهم .
ان الحرمان الذي يعاني منه الفقراء في بلدان الرأسمالية المتقدمة يعتبر ، رغم مرارته ، "رفاها " اذا ما قورن بظروف حياة الأغلبية الساحقة من سكان بلدان "العالم الثالث" المحكوم عليهم العيش والموت في هذه الظروف . ولكن هذا لا يقلل من أهمية واقع الحرمان الذي تعيشه جماهير البلدان الرأسمالية امتقدمة .
والى هذا فان فهم طبيعة الرأسمالية يقتضي عدم التركيز فقط على بؤر ضخمة من الحرمان الشديد في مجتمعات "الوفرة"رغم أهمية هذا الجانب . ففي هذه البلدان اعتقاد واسع الانتشار بأن العاملين بأجور أبعد ما يكونون عن الحرمان ، وانهم ، اذا ما أخذ كل شيء بعين الاعتبار ، يعيشون في رخاء وقد تحسنت حياتهم بشكل ملحوظ من جميع النواحي . ان هذا الاعتقاد بشأن المأجورين الذين لديهم عمل ، قائم على أساس التحسين الذي طرأ على ظروف حياتهم اليومية ، تحسن شروط السكن وامكانية امتلاك المساكن ، وفرة الدخل ، مساهمة الزوجات مع الأزؤاح في تكوين دخل العائلة ، القدرة على شراء اسلع المعمرة التي ينعم بها العمال منذ الحرب العالمية الثانية ، واشياء أخرى مثل تمضية الاجازة في بلدان أجنبية وغيرها من سبل الرفاه ، والحصول على شروط عمل أفضل وما الى ذلك .
ولكن هذا يغفل حقائق جوهرية حول حالة العمال المأجورين ، حقيقة أنهم يعيشون دوما تحت خطر البطالة وكل الأذى والحرمانات التي تنجم عنها ، وأن عليهم خوض صراع دائم من أجل الحفاظ على مستوى دخلهم وظروف عملهم ، دع جانبا تحسينها . ان عددا كبيرا منهم ، وخاصة النساء ، يتقاضون أجورا متدنية بشكل مؤس ، وغالبا تحت ظروف عمل سيئة للغاية . فعلاقات الانتاج ما زالت لاديمقراطية بصورة عميقة ، والخدمات الاجتماعية والعامة التي يعتمد عليها مستوى حياتهم الى درجة بعيدة ، هي غير وافية من جوانب كثيرة . وقد ازدادت الحالة سوءا من هذه الناحية في السنوات الأخيرة في العديد من البلدان الرأسمالية المتقدمة حيث تتحسن الخدمات الخاصة وتتراجع الخدمات العامة . فتوفر الخدمات الخاصة يعتمد على القدرة على دفع نفقاتها . أما الغالبية العظمى من الناس ، فلا تستطيع دفع نفقات الخدمات الخاصة ، فتعتمد على الخدمات العامة وعليها أن ترضى بمستوياتها المتدنية .
توجد فروق كبيرة وواضحة بين البلدان الرأسمالية في هذا المجال . ولكن ، رغم كل ما يقال عن الطبقة العاملة "المرفهة" وانحسار أهمية التقسيمات الطبقية ن يبقى الموقع الطبقي عاملا أساسيا في عدم المساواة العميق فيما يخص العمل ، الدخل ، السكن ن التعليم ، الفرص المتاحة ، وكثيرا من الأشياء الأخرى التي تحدد انماط الحياة . والهوة كبيرة ، بل مذهلة عند قطبيها بين الظروف الحياتية للأغلبية الساحقة من الناس من جهة ، وظروف حياة أفراد من الطبقة الوسطى والعليا من جهة ثانية . فحتى في السويد ، وهي متقدمة اجتماعيا بشوط كبير على جميع البلدان الرأسمالية الأخرى ، بحيث اعتبرها أحد الكتاب "أقرب من أية دولة رأسمالية أخرى الى المثل الأعلى الاشتراكي – الديمقراطي في تأمين فرص عمل للجميع والضمان الاجتماعي وتكافؤ المداخيل " (11) ، تبقى مجتمعا طبقيا يتجلى في عدم المساواة الشديد في توزيع الثروة ، السلطة والفرص المتاحة . كبرهان بسيط على هذه النقطة نجد مدى استنكار أفراد من الطبقة الوسطى والعليا في كل مكان لو هبط مستوى معيشتهم الى مستوى معيشة حتى افضل العاملين بأجور ، ومدى اعتبارهم لهذا الهبوط كارثيا . اما الاشتراكية فتعنى بتحقيق ارتفاع في مستوى العيش يساهم في ردم الهوة وازالة اللامساواة المسببة للحسد وللشقاقات الموجودة اليوم . هذا لا يعني بالطبع محاولة تحقيق تماثل تام بليد في أنماط الحياة ، بل يعني خلق مجتمعات تحقق مساواة تقريبية في الظروف الحياتية مترافقة مع تنوع حقيقي ، تنوع يخلقه ازدهار الامكانات المكبوتة الآن عند الأغلبية الساحقة بسبب الظروف غير الملائمة جد لتفتحها .
وتشكل البيئة مجالا آخر يتبدى فيه التناقض ، بين العقلانية الجزئية ضمن الشركة من جهة ، ومتطلبات المجتمع من جهة أخرى ، صارخا وذا نتائج وخيمة . ان طبيعة النظام ترغم من يدير الشركات على اعتبار حماية البيئة , موضوعا ثانويا في احسن الأحوال . ان مدراء الشركات يمكن ، كأفراد ، ان يكونوا مهتمين حقيقة بحماية البيئة مثل غيرهم ، اما كمالكين ومدريرين لهذه الشركات فاهتمامهم بالموضوع ينحسر رغم نواياهم الحسنة . والحكومات ايضا ، رغم ادعاءاتها ، تواجه العقبات الاقتصادية والسياسية عند معالجة التخريب البيئي الناتج عن السعي وراء الأرباح الخاصة .-3-
ان للرأسمالية ، كنمط انتاج ، دورا حاسما في تشكيل البنية الاجتماعية للمجتمعات التي تسيطر عليها . انها تكرس انقسام المجتمع بين طبقة مسيطرة صغيرة نسبيا من جهة ، وطبقات خاضعة تشكل الغالبية الساحقة من جهة أخرى(12) . كان هذا الانقسام شائعا في اكثر أنماط الانتاج السابقة ، ولكن الرأسمالية ، بدل ازالته ، تكرسه بطرقها الخاصة . فدرجة الحراك الاجتماعي التي تميز الرأسمالية عن أنماط سابقة لم تغير من هذه الحقيقة شيئا. كما أن فرصة صعود أفراد من الطبقات الخاضعة الى مواقع السلطة لا تغير حقيقة السيطرة الواقعة ، انها فقط تغير شخوصها .
ان في اعلى مستويات الهرم الاجتماعي جزءا من الطبقة المسيطرة ، يشكل نخبة سلطتها ، على حد تعبير C.Wraight Mills . هؤلاء هم الذين يملكون أو يسيطرون على " القمم الاستراتيجية " للاقتصاد ، وعلى الجهاز المركزي للدولة ، ويملكون وسائل اعلام القطاع الخاص الرئيسية ويديرونها ، أو يسيطرون على تلك الوسائل في القطاع العام . ويمكن القول ان نخبة الحكم تشكل "طليعة" الطبقة المسيطرة ، انها تنحدر بشكل أساسي من تلك الطبقة وعند الاستقالة من المناصب العليا أو التقادع ، يعود أفراد النخبة الى تلك الطبقة . ويتمثل القسم الأكبر من الطبقة المسيطرة في البورجوازية التجارية والمهنية التي تتمتع بقدر كبير من السلطة والنفوذ ، رغم انها أقل نفوذا من النخبة الحاكمة . قد نقول: لا بد من وجود ما يشبه النخبة الحاكمة في أي مجتمع . لكن النقطة التي سنناقشها في فصول قادمة بشكل مطؤّل هي أن النخبة الحاكمة في المجتمعات الرأسمالية متحررة الى حدّ كبير من الرقابة الديمقراطية الفعّالة ، وهي بالتالي تشكل نوعا من "الأوليغاركية" أو حكم الأقلية الملطّف جزئيا بالأشكال الديمقراطية .
لا بد من القول فورا انه لا النخبة الحاكمة ولا بقية الطبقة المسيطرة تشكلان طبقة موحدة متماسكة ، سواء من ناحية اقتصادية أو اجتماعية او سياسية أو ثقافية . وكما هو حال أية طبقة أخرى ، يمكننا أن نجد عددا لا يحصى من الانقسامات في داخلها حول قضايا عظيمة الأهمية أحيانا كثيرة . ولكن ، في الظروف الطبيعية ، نجد أن ما يؤدي الى انقسام الطبقة المسيطرة أقل أهمية نوعا ما مما يوحدها ، وبالتحديد ، أقل أهمية من تصميم غالبية أفرادها على الحفاظ على النظام الاجتماعي القائم والسعي الى تقويته باسم المصالح القومية ، أو الحرية ، أو الديمقراطية ، أو أي شيء آخر يمكنه في وقت من الأوقات أن يخدم كوسيلة لاضفاء الشرعية . ويجب ألا نعتبر فكرة اضفاء الشرعية وسيلة مناورة فقط ، على العكس من ذلك ، نجد أن الايمان بها عميق كما أنها تقنع القرد في شرعية حالته . ان اعتقاد المرء بأنه على حق يشكل عنصرا أساسيا في ممارسته للسلطة ، كما ينسجم هذا الاعتقاد كثيرا مع عادة التأثير على الآراء ، تحريف الحقيقة ، واساءة استخدام السلطة . فالاعتقاد بأن الوسائل الملتوية تخدم أهدافا نبيلة يعطي مبررا لاستخدام هذه الوسائل .
ان التصميم على الحفاظ على النظام الاجتماعي وتقويته لا يعني رفض جميع الاصلاحات والتنازلات . وقد انقسم المحافظون دوما فيما بينهم حول ذلك ، فمنهم من يقبل ، بتردد ، وأحيانا بلا تردد ، الحاجة الى تقديم التنازلات في سبيل التخفيف من السخط الذي تخلقه ظروف لا يمكن تحملها عند الأغلبية ، ومنهم المتشددون الذين يعارضون أية تنازلات لاعتقادهم بأن أية اصلاحات سوف تولّد مطالب جديدة .
ولكن ، عند أخذ كل هذه العوامل المسببة للخلاف بعين الاعتبار ، يبقى هناك رابط قوي يوحّد أفراد هذه الطبقة ، ألا وهو الامتيازات الطبقية وحقيقة أن أفرادها يتمتعون بدخل أعلى بشكل مذهل من غالبية أفراد الشعب كما أنهم يملكون نسبة كبيرة من ثروات البلد لا تتناسب مع عددهم ، وتشكل هذ الثروات بحد ذاتها مصدرا اضافيا للدخل . فثمة دلالة هامة جدا لحقيقة أن 10% من السكان ، في بريطانيا ، على سبيل المثال ، كانوا عام 1993 يملكون 50% من ثروة البلد برمتها ، وأن 25% من السكان يملكون 71 % من الثروة . بكلمة أخرى ، على 75 % من أفراد الشعب أن يتدبروا أمرهم بما تبقى من الثروة (29 %) (13). هذه الحالة غير المتكافئة لتوزيع الثروات موجودة في جميع البلدان الراسمالية .
ان للعلاقة بين أصحاب الشركات والماسكين لسلطة الدولة أهمية كبيرة . ورغم أن هذه العلاقة ليست أبدا بالسهلة أو المنسجمة ، نجد أن كلا الطرفين ، رغم جميع خلافاتهما ، تجمعهما شراكة صلبة . تتصرف السلطة التنفيذية للدولة في أحيان كثيرة بشكل مستقل ، في القضايا ذات الأهمية الكبيرة ، وذلك دون الرجوع الى أهل السلطة الاقتصادية . ويمكن للوزراء في حقيقة الأمر ألا يكنّوا سوى قدر ضئيل من التعاطف مع الشركات وزجال الأعمال ، ويمكن أن ينظروا بازدراء الى افقهم المحدود . ورجال الأعمال بالمقابل ينظرون بازدراء الى رجال السياسة الذين ، بالتعبير الأمريكي ، لا يتوجب عليهم ابدا " دفع قائمة الأجور" . يمكن لاهتمامات رجال الدولة أن تتمحور حول الأمور الكبيرة السامية مثل : المصالح القومية والأمن القومي . ولكن ، مهما كانت هذه الاهتمامات ، فان تحقيقها يعتمد ، الى درجة حاسمة ، على عافية الاقتصاد ، وفي الاقتصادات الرأسمالية ، يتأثر ذلك بالثقة الممنوحة للحكومة من قبل رجال الأعمال وأصحاب الشركات داخل البلد وكذلك خارجه . وقد كانت رعاية هذه الثقة دوما عاملا ضروريا وحاسما في رسم سياسات الحكومات وأفعالها . بكلمة أخرى ، تمنح هذه الشراكة أصحاب الشركات ورجال الأعمال فرصة للتأثير على الشريك الثاني (السلطة) بفعل قوتهم الاقتصادية ليس الا (14) . ومن الملفت للنظر أن هذه الشراكة نادرا ما تعرضت لخطر الزوال بسبب سلوك السطلة . أما ما يحدث فعلا حين تتعرض هذه الشراكة للخطر فسوف تتم مناقشته في الفصل السادس .
تتألف الطبقات الخاضعة في المجتمعات الرأسمالية من عنصرين مختلفين ، طبقة عاملة أي طبقة ذوي الأجور التي تؤلف الغالبية الساحقة من السكان في البلدان الرأسمالية ، والفئة الدنيا من الطبقة المتوسطة أو البورجوازية الصغيرة المنقسمة ، هي الأخرى ، بين أصحاب المشاريع الصغيرة وفئة الحرفيين وصغار المهنيين والمدراء الصغار والمشرفين وتضم معلمي المدارس ، المرشدين الاجتماعيين ، موظفي الدولة والادارة المحلية في المستوبات الدنيا للبناء الاداري ، وغيرهم كثير من الذين يزاولون اشغالا شتى . وهؤلاء أناس لديهم فقط درجة صغيرة من السلطة والمسؤولية في تشغيل الميكانيزم الذي يساعد على ضمان اعادة انتاج النظام الاجتماعي القائم .
هناك صفات أساسية تجمع افراد طبقة العاملين بأجور ، مع وجود فوارق .
أولا ، انهم جميعا يعتمدون في دخلهم كليا أو أساسيا على قوة عملهم ، أو ، بشكل أو بآخر ، على مساعدات الدولة .
ثانيا ، مستوى هذا الدخل يضغ الشعيلة والمستفيدين من مساعدات الدولة في المستويات الدنيا لمعدل الدخل . ومن السهل ملاحظة أن بعض العمال المهرة يتمتعون بأجور عالية . ولكن حتى أجورهم تلك لا تقارن بالمرتبات التي يتم دفعها لغالبية أفراد الشركات أو البورجوازية المهنية .
ثالثا ، ان تأثير العاملين بأجور ونفوذهم كأفراد هو في حده الأدنى ، سواء في عملهم أو في المجتمع بشكل عام . ولكن للطبقة العاملة ، كمجموع ، قوة كامنة جبارة ، كما أثبتت مناسبات كثيرة ، في الاضرابات العامة مثلا ، حيث يتم استخدام تلك القوة الكامنة ، ولكن هذه قضية أخرى مختلفة تماما .
وبصرف النظر عن الانقاسمات العائمة على الجنس ، العرق ، القومية ، الأثنية ، الدين ، فان التطورات الأخيرة التي طرأت على عملية الانتاج قد أدت الى تعميق الانقسام القديم العهد بين اقلية من العمال المهرة الذين يتمتعون بأجور وشروط عمل جيدة وبين جيش يتنامى من العمال المستخدمين في أعمال واطئة المستوى ، على أساس مؤقت أحيانا كثيرة ، ولا يتمتعون بأية حماية أو امتيازات مما تتمتع به الأقلية الماهرة . ولهذا الانقسام تأثيرات سلبية جدية على التنظيمات النقابية والسياسات العمالية . ولكن لا هذا الانقسام ولا غيره من الانقسامات في الطبقة العاملة تبطل حقيقة أن هذه الطبقة تشكل الغالبية الساحقة من السكان ، السؤال الذي يجب الاجابة عليه فيما بعد هو ، ما هي الشروط التي يمكن أن تصبح فيها هذه الطبقة ، على الرغم من انقساماتها ، أغلبية سياسية متماسكة بصورة معقولة ؟
أن قولنا ان الطبقة العاملة لا تزال تشكل الغلبية الساحقة من سكان الدول الرأسمالية يعاكس الرأي السائد اليوم ، الذي يرى أن فكرة "الطبقة العاملة" فكرة عفا عليها الزمن ، فيواجهنا أصحاب هذا الرأي بالسؤال ، ألسنا جميعا طبقة عاملة الآن ؟ أو حتى طبقة متوسطة ؟ أو حتى طبقة متوسطة عاملة ؟ لق تمّ تقريبا حذف عبارة الطبقة العاملة من المفردات السياسية المستخدمة في أمريكا حين يقال : هناك الأغنياء جدا في الذروة ،الفقراء جدا في الأسفل ، وكل من هم بين المستويين ينتمون الى "الطبقة المتوسطة" سواء كانوا محامين وأطباء ناجحين ، عمالا في المعامل أو بقالين. الفكرة المربكة الأخرى والتي تحظى برصيد كبير في السنوات الأخيرة هي أن المجتمعات الرأسمالية منقسمة على أساس "ثلث الى ثلثين " ، وهذا يعني أن ثلث السكان يعاني ظروفا معيشية سيئة أو سيئة جدا ، في حين نجد أن لدى الثلثين الآخرين ظروفا معيشية جيدة أو جيدة جدا . ويخفي هذا القول ايضا الانقسام الحقيقي بين الطبقة المتوسطة والعليا من جهة وطبقة العاملين بأجور وأفراد الطبقة المتوسطة الدنيا من جهة اخرى . ان الانقسامات التي يمكن العثور عليها ضمن السكان الخاضعين هامة جدا ، كما ذكرنا ، ولا يمكن اهمالها ولها نتائج سياسية عميقة الأثر . أما فيما يتعلق بالسلطة ، النفوذ ، الدخل ، الثروة ونمط الحياة ، فالانقاسامات المذكورة اقل عمقا منها بيه الذين يشغلون قمة الهرم الاجتماعي ، من جهة ، والذين يشكلون قاعدته من جهة أخرى . ويمكن لأسفل الطبقة المتوسطة أن تعتقد بأنها بعيدة عن ذوي العمل المأجور ، ويعد هذا الاعتقاد صحيحا من جوانب كثيرة . وخاصة بعدها عن الشغيلة غير المهرة ناهيك عن أناس على هامش المجتمع. ولكن حسب القياس المشار اليه سابقا ، وبصرف النظر عن رؤية الناس انفسهم لأوضاعهم الاجتماعية ، تبقى الهوة كبيرة بين الطبقة المتوسطة الدنيا من جهة وبين الطبقتين المتوسطة والعليا من جهة اخرى .
ان الطمس المتعمد للطبقة العاملة في اللغة السياسية يخالف الواقع . لا شك أن الطبقة العاملة الصناعية في الدول الرأسمالية المتقدمة أصبحت أقل عددا مما كانت عليه . ولكن المستخدمين في القطاعات الادارية والخدماتية الدنيا والكثير من الآخرين يعدّون جميعا عمالا مأجورين وجزءا من الطبقة العاملة ، سواء أدركوا هذا أو لم يدركوه . ومن ناحية أخرى نجد أن تعبير "طبقة عاملة" يؤخذ بشكل عام للدلالة على المفهوم "القديم" و " التقليدي " للطبقة العاملة الصناعية , لذلك قد يكون تعبير "كبقة المأجورين" ، رغم غرابته ، هو الأفضل للاستخدام . فكما يلاحظ Alex Callinicos : "رغم الطوابير الطويلة التي تنتظر استلام المعونات الحكومية في السبعينات والثمانينات ، لا يزال حوالي تسعة اعشار أفراد السكان الذين هم في سن العمل في الاقتصادات الغربية يزاولون نوعا أو آخر من العمل المأجور في أغلب الأحوال . وحقيقة أن العمال الذين يزاولون العمل اليدوي لم يعودوا يشكلون الأغلبية بين العمال المأجورين لا يعني بحد ذاته بداية النهاية ل "المجتمع القائم على العمل ". لقد أصبح العمل المأجور سمة أعم للواقع الاجتماعي في النصف الآخير من هذا القرن ، وذلك مع تراجع الزراعة البدائية وازدياد مشاركة النساء في سوق العمل " (15) .
لو جمعنا العاملين في الصناعة ، والوظائف الادارية الدنيا ، والخدمات معا بالاضافة الى من يقوم ثؤلاء باعالتهم ، فانهم يشكلون الأغلبية الساحقة من سكان البلدان الرأسمالية ، وهذه الأغلبية تزداد بحجم "الطبقة السفلى " المفقّرة المنحدرة من صفوف الطبقة العاملة .-4-
لا يقتصرالجدال على اللامساواة العميقة بين السكان المأجورين والطبقة المسيطرة . ولا على استمرار اعادة انتاج هذه اللامساواة ، فهاتان الطبقتان ليستا متعايشتين مجرد تعايش ، بل ان بينهما علاقة ، وهي في ظل النظام الرأسمالي علاقة تضارب مصالح متأصل . وتكمن اسباب ذلك في طبيعة تكوين النظام الرأسمالي وجوهره . مكان وقوع هذا التضارب في المصالح هو عملية الانتاج والعلاقة بين صاحب العمل من جهة والعمال المأجورين من جهة اخرى . تسير الطبقة المسيطرة مدفوعة بواسطة قوانين التنافس الصلبة ، هادفة الى الحصول على أكبر قدر ممكن من الفائض من عمالها ، وذلك ضمن القيود والشروط التي تفرضها الظروف التاريخية التي تؤثر على علاقات الانتاج ، بينما يطمح العمال الى تحسين أجورهم ، ساعات عملهم وشروط هذا العمل بقدر ما يستطيعون . يمكن تخفيف وروتنة النزاعات التي يخلقها هذا التضارب في المصالح، كما أن النزاع متساوق مع قدر كبير من التعاون من جانب العمال عند مرحلة الانتاج . ان هذا التعاون ، مهما ينطوي على التذمر ن هام جدا كي لا تصاب عملية الانتاج بضرر قاتل . ولكن ، على الرغم من هذا التعاون ومن امكانية تخفيف وروتنة النزاع ، يبقى هذا التضارب جزءا لا يتجزأ من النظام . وأكثر من ذلك ، لا يقتصر التناقض بين رأس المال والعمل على قضايا الأجور ، شروط العمل ، وساعات العمل ، بل يلاحظ أن القضايا الأكبر التي تؤثر على الطبقات المختلفة ، هي دائما موضع نزاع ، حقوق العمال المأجورين في عملية الانتاج ، الحقوق النقابية بما فيها الشروط المحيطة بالاضرابات ، الحقوق المدنية والسياسية بشكل عام ، مستوى وسعة الخدمات الاجتماعية والخدمات العامة، مسألة الضرائب ، أنظمة وقوانين العمل وما الى ذلك . فالقوى المحافظة تخوض صراعا دائما ، حول جميع القضايا ، مع الحركات العمالية ، احزاب اليسار ومجموعات اخرى تتحد في مواجهة البنى القائمة للسلطة والامتيازات . وتمتلف حدة هذه المواجهة حسب الأمكنة والظروف ، ولكن القضاء المبرم عليها يظل غير ممكن على الاطلاق ، وهجدها تنفجر بشكل عرضي في مواجهات كبيرة . ولا بد من الاشارة هنا الى ان "القوى المحافظة " المذكورة أعلاه تتضمن الدولة نفسها . فليست الدولة الراسمالية حيادية بين رأس المال والعمال في أي حال من الأحوال . انها تدعي دوما هذه الحيادية كما تدعي ان ما يحركها هو الحرص على "المصالح القومية" . ولكن أولئك الذين يديرون الدولة يميلون الى الاعتقاد أن المصالح القومية ومصالح راس المال تتفق بشكل تام ، ويتصرفون على هذا الأساس ، خصوصا عندما تنفجر المواجهات الجدية .
علّق الكثير من الأهمية ، في السنوات الأخيرة ، على حقيقة أن أكثر الصراعات الحادة في المجتمعات الرأسمالية لم تكن مرتبطة بشكل مباشر بالصراع بين راس المال والعمل ، وانما كانت مسبباتها مرتبطة بالاضطهاد والتفرقة الجنسية ن العنصرية ، الفوارق القومية والدينية ، بالاستياء العام لجيل الشباب وباهتمامات عدد لا نهائي من جماعات الضغط (اللوبيات) . فوق ذلك ،فقد حدث الكثير من تلك الصراعات داخل الطبقة الواحدة وشملت عمالا في مواجهة عمال آخرين ن انقسموا على أنفسهم على اساس الجنس ، العرق ، الدين ، القومية وما الى ذلك . ولكن ليس من قبيل الاختزال الخاطىء للأمر الى بعده الاقتصادي فقط أن نقول بأن واحدا من الأسباب الرئيسية للصراعات داخل الطبقة الواحدة بين العمال على اساس العرق أو الجنس أو القومية أو الدين هو الاحساس بعدم الأمان والخوف من المنافسة على فرص العمل بقبول أجور أقل من قبل النساء ، العمال المهاجرين وآخرين ، هذا الخوف الذي يحس به العمال الذكور البيض في مجتمعات من أهم صفاتها المميزة : عدم الاطمئنان على فرصة العمل والصراع الدائم للحفاظ على ظروف العمل أو تحسينها . من الصحيح : مع ذلك ، أن بعض الصراعات داخل الطبقة الواحدة لا تتعلق بشكل مباشر ، واحيانا لا تتعلق أبدا ، بالأسباب الاقتصادية هذه ، وتبدو وكأن لها طبيعة خاصة بها ، تغذيها التبريرات التي يجدونها لتكريس الاعتقاد بدونية المجموعات البشرية المحتقرة والتي تثير المخاوف . ان وجود مثل هذه المشاعر يولد الآراء السطحية القائلة بأن الكراهية الفاعلة "متأصلة" في ظروف حياة الانسان أو ، فيما يتعلق بالتفرقة الجنسية والعنصرية ،ن تكمن في ظروف حياة الذكور أو البيض على الأقل. لكن المعقول اكثر أن نرى هذه الكراهية كنتيجة للبحث عن كبش فداء يبرر مشاعر عدم الأمان والاغتراب المتجدّرين في المجتمعات التي لا تستطيع تامين حياة مرضية لسكانها : وللانتقام لهذه المشاعر .
عند نقاش هذه الصراعات يوجد ميل شديد نحو التركيز على الضغوط التي تنبثق من الأسفل ، ونحو الاعتقاد ان الصراع الطبقي هو عملية وحيدة الاتجاه وأنه شيء يشغل العمال فقط . وهذا خطأ فادح ، على الأقل ن لأن الضغوط التي تأتي من الأعلى تضاهي باهميتها ضغوط الطبقات الدنيا ، ان لم تفقها ، ويتجلى هذا الضغط بالاهتمام الدائم لأفراد النخبة الحاكمة والطبقة المسيطرة بشكل عام وكذلك حلفاء هذه الطبقة ، ضمن الطبقات الخاضعة ، بالحفاظ على الوضع الاجتماعي القائم والدفاع عنه وعن كل ما يرافقه . ان هذه الضغوط اكثر ثباتا وتصميما من الضغوط التي يمارسها العمال ، كما أنها تؤثر بشكل حاسم على جميع جوانب الحياة ، لأنها سارية في كل مجالات الحياة ، وتعتمد على الاعتقاد الشائع بأن النظام الاجتماعي القائم ، وان لم يبلغ درجة الكمال ، الا انه الخيار الأفضل الممكن في عالم بعيد جدا عن الكمال . ولهذا يجب الدفاع عنه ضد كل محاولات التغيير باتجاه المساواة والديمقراطية . ويختلف المهتمون بذلك حول الاستراتيجية الواجب استخدامها لبلوغ غايتهم ، فهم ينقسمون كما اشرنا سابقا ، بين الا تجاه المحافظ المتشدد بكل اشكاله ، والاتجاه المحافظ المعتدل الذي يهتم بتخفيف حدة الصراع الاجتماعي . ويمكن لكلا الاتجاهين تبديل موقفه حسب الظروف ، فيتخذ المعتدلون موقفا متشددا أو يتنازل المتشددون جدا عن موفقهم بما ينسب الظرف . ومع ذلك يبقى هذا الانقسام الى اتجاهين حقيقة واقعة ولكنه يجب الا يحجب عن اعيننا حقيقة وقوة الضغوط التي تاتي من الأعلى .
هذا الأمر يستحق المزيد من الاهتمام ، لأن السياسة والمواقف السياسية تتشكل الى حد كبير نتيجة للصراع الدائم بي الطبقات المسيطرة والخاضعة ، والتي تتفاوت درجة حدثه من وقت لآخر . ويتخذ هذا الصراع اشكالا كثيرة . كما انه كثيرا ما يتعرض للتشوش بفعل المد والجزر للحياة السياسية والخدع التي يمارسها رجال السياسة فيما بينهم من اجل المنصب والسلطة ز وبفعل تراكم وقائع وفائح وآثام بعض الذين يشغلون المراكز العليا وتتلقفها الصحافة بنهم فتبدو وكانها منفصلة بشكل كامل عن مسائل أهم بشان طبيعة النظام الاجتماعي القائم . وراء هذا المشهد المذهل بتلونه يكمن نموذج ثابت ، يتحدد ن من جهة ، بضغوط ونضالات الطبقة التحتية ضد اشكال متنوعة من التفرقة ، التسيد ، الحرمان والاستغلال من سماته الصميمة . قد لا تكون هذه رؤية الزعماء للسياسة وللحياة السياسية . انهم يلبسون افعالهم لغة تساعد على اخفاء حقيقة أن غاياتهم تذهب ابعد بكثير مما يظهرون . ولكن هذه النشاطات تتعلق جوهريا ، في آخر المطاف ، بطبيعة النظام الاجتماعي ، هل ندافع عنه وكيف ؟ ام هل نغيره والى اية درجة ؟ وليس من قبيل المبالغة القول بتعذر فهم الحياة السياسية ، بما في ذلك اهم جوانبها ن كما تتبدى في التيارات الفكرية والمؤسسات المختلفة ، ما لم نرجع الى هذه الغايات المتضاربة .
لا تستطيع المجتمعات الطبقية التغلب على هذا الصراع . وقد برهنت هذه المجتمعات ، كما اشرنا سابقا ، على امكانية روتنه الصراح ، مما يعني تسليم الطبقات الدنيا الخاضعة بموقعها ضمن النظام الاجتماعي القائم مقابل تنازلات معينة هامة احيانا . ولكن هذه الروتنة غير مستقرة ، وحتى عندما تستقر ويتم تفادي الصراع الحاد ، لا يمكن لهذه المجتمعات تحقيق الانسجام الحقيقي ، ولا يمكنها ان تصبح جماعة موحدّة في ظل قوانين واحدة في الواقع ، مثلها في الكلام .-5-
تتباهى الدول الرأسمالية المتقدمة بمفخرة الديمقراطية وتعتبرها من طبيعة الراسمالية . ويصر المدافعون عن هذا النظام على العلاقة الوطيدة بين الراسمالية والحرية والديمقراطية (16) . وقد قدمت الأنظمة الشيوعية ، هنا ايضا ، خدمة كبيرة للراسمالية عندما سوغت للادعاء بان "الاشتراكية " هي عدوة الحرية والديمقراطية . وان الليبرالية الاقتصادية هي الطريق الوحيد الذي يضمن الحرية .
بامعان النظر في هذا الادعاء يمكننا الملاحظة ، بداية ، أن الراسمالية خلال الجزء الأكبر من تاريخها ، لم تكن مرتبطة بالديمقراطية باي معنى من المعاني ، وان جميع المحافظين والليبراليين المدافعين عن النظام الرأسمالي كانوا دوما مصممين على مقاومة تقدم الشكل الديمقراطي ، وخاصة ما يتعلق منه بتوسيع حق الانتخاب والكثير من التحسينات الديمقراطية الأخرى ايضا . لقد احتاجت الرأسمالية في البداية حريات معينة من أجل أن تتطور ، وارتبط هذا تاريخيا بمطالبة البورجوازية بهذه الحريات من اجل كبح الاستبدادية وحماية الأفراد ، وخاصة الأفراد ذوي الملكيات ، حمايتهم من ابتزاز الدولة ورقابتها . ورغم اهمية هذه الحريات الا انها ابقت سواد الشعب تحت شروط قاسية من الكبت الاقتصادي ، الاجتماعي والسياسي . وكانت هذه الديمقراطية ، بالشكل الذي تحققت فيه ، ديمقراطية تقتصر على من يملك ثروة وبقيت الغالبية العظمى التي لا تملك" حصة من ثروة البلد " خارج نطاق هذه الديمقراطية . ثم جاء توسيع ممارسة الديمقراطية والحرية نتيجة لضغط عنيد من مصادر متنوعة ، اهمها الحركات العمالية واليسارية ضد قوى السيطرة والامتيازات ، وبمساعدة بعض افراد الطبقة المسيطرة الذين كانوا يخشون عواقب المقاومة المستمرة لتوسيع الممارسة الديمقراطية . ومع نمو الحركات العمالية واحزاب الطبقة العاملة في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر ، بات من الصعب الاستمرار في حرمان الأغلبية من حق المواطنة السياسية . وهكذا منح حق الاقتراع على مضض ، بداية ، للذكور ، ثم اخيرا ، ابّان القرن العشرين ، للنساء . ولكن من المفيد أن نتذكر حجم مقاومة اصحاب الامتيازات المتمترسة عبر أوروبا (وبطرق مختلفة في امريكا ايضا ) لهذه الدرجة المحدودة من توسيع الديمقراطية ، وكذلك ان نتذكر الآلية التي استخدمتها اجهزة الدولة تحسبا للمخاطر على تلك الامتيازات المتمترسة ( الأرستقراطية منها والبورجوازية ) من الخطر المتمثل في تطبيق الديمقراطية .
على ضوء هذه المقاومة الثابتة يجب ان ننظر الى اهم ادعاءات المحافظين ، تحديدا ، اصرار محافظي القرن العشرين على كونهم ، هم بالذات ، اكثر المدافعين عن الديمقراطية غيرة . وما مكّنهم من مواصلة هذا الادعاء هو المعنيى الضيق الذي اعطوه للديمقراطية ن فهم يعرّفونها على انها التنافس بين النّخب السياسية من اجل الوصول الى السلطة عن طريق الحصول على التاييد الشعبي في الانتخابات القائمة على التنافس .
في كتاب " الراسمالية ن الاشتراكية والديمقراطية " الذي نشر لأول مرة في الولايات المتحددة عام 1942 ، والذي قدّر له ان يؤثر تاثيرا هاما على النقاشات اللاحقة حول معنى الديمقراطية ، عرّف j. Schumpeter الديمقراطية بانها " ترتيبات مؤسساتية للتوصل الى قرارات سياسية يحصل الأفراد من خلالها على سلطة اتخاذ القرار عن طريق المشاركة في انتخابات قائمة على التنافس " (17). وقد اعتبر اي شيء ابعد من ذلك في سبيل صنع القرار الشعبي غير مرغوب فيه وخطيرا ، وايّد وجهة النظر هذه عدد كبير من منظري الديمقراطية في سنوات الخمسينيات وما بعدها (18) . ويمكن ان نضيف الى هذا عددا من الحقوق السياسية والمدنية والمعروفة تقليديا بارتباطها بالليبرالية وما اكتنف تلك الحقوق من تقييدات .
وعلى كل حال ، اذا اعتبرنا ان الديمقراطية تمنح ط الناس العاديين" سلطة حقيقية في جميع مجالات الحياة التي تهمهم . فان فكرة ان المجتمعات الراسمالية ديمقراطية تنتمي الى اساطير السياسة وليس الى واقع هذه المجتمعات . ان الديمقراطية الراسمالية تعني وتجود صيغ ديمقراطية تجعل الضغط النسبي على السلطة والدولة ممكنا ، كما تجعل اقالة الشخصيات المنتخبة
، بما فيها اقالة الحكومة نفسها ، ممكنة ايضا . وليس هدفنا الاقلال من أهمية ذلك . كا ان الديمقراطية الراسمالية تمكّن بالفعل من انتخاب حكومات تنشد الاصلاحات الجذرية .
في الكثير من بلدان العالم صيغ شكلية للديمقراطية ، ولكن الاجراءات والممارسات التي تقتضيها الممارسة الديمقراطية فيها تحولت الى خدعة ، حيث نجد تزوير الانتخابات وارهاب المعارضة . فانتخابات كهذه تنتمي الى حقل العلاقات العامة ، وتقام اصلا من أجل الحصول على مساندة الولايات المتحدة ، لاشتراط هذه الأخيرة على البلدان التي تطلب المساعدات أن تمارس الديمقراطية (19) . ومع ذلك ، يعدّ التحول من اليكتاتوريات الى أنظمة "ديمقراطية" تحسنا يستحق الترحيب . ولكن يبقى هذا التحسن محدودا حيث لا تؤثر التغيرات السياسية ، كأجراء الانتخابات ، كثيرا ، او مطلقا ، على النظام الاجتماعي الجائر ، وهي لا ترمي الى ذلك اصلا . اما في البلدان ذات التاريخ الطويل في تطبيق الديمقراطية ، حيث تتمتع الراسمالية بتأييد كبير من الناس ، فيمكن للأساليب الديمقراطية أن تكون أكثر أهمية . ولا بد من الاشارة الى انه ، رغم ان الانتخابات كثيرا ما تؤدي الى تغيير كبير في السياسة وتقود كذلك الى تغيير موظفي الادارة الحكومية . الا أن انعكاس كل ذلك على السياسة العامة هو عادة اضعف بكثير مما تدعيه الأحزاب السياسية في حملاتها الانتخابية . يلاحظ البروفسور ادموند مورغان ان المشاركة في الحياة السياسية التي تتيحها الانتخابات في امريكا قبل استقلالها كانت "صمام أمان ، فهي فسحة تتيح للمستضعفين الشعور ، بعض الوقت ، بان لديهم سلطة وهم عادة محرومون منها ، سلطة نصفها سراب . وكانت كذلك بمثابة طقس لاعطاء الشرعية ، اي حق قيام العامة بتجديد موافقتهم على بنية حكم الأقلية "(20) . ويمكن قول الشيء نفسه عن الانتخابات في الولايات المتحدة حاليا وفي ديمقراطيات راسمالية اخرى ايضا ، مع اضافة أن الانتخابات قد تتمكن أحيانا من احداث تغييرات فعلية .
ويجب الا تنسى حقيقة أخرى حول الراسمالية تقوض ادعاءها بالديمقراطية ، لأن "الحرية الاقتصادية " تمكّن المتحكمين بالنفوذ الاقتصادي للشركات من اتخاذ قرارات هامة جدا تخص الحياة المحلية ، الاقليمية والقومية ، ويكون لهذه القرارات تأثيرات عالمية كبيرة أيضا ، وذلك دون الرجوع الى الجماهير التي تنعكس عليها هذه القرارات (21) ، هذا قد يعنين مثلا ، أن يجد العمال أنفسهم يعملون عند رب عمل جديد نتيجة اندماج الشركة مع اخرى ، لم يكن لهم اي راي حوله . ويشمل هذا جميع المجالات التي تتحكم بها سلطة الشركات . ففيما يخص القرارات الهامة ، نرى ان استشارة العمال المأجورين تبقى في حدها الأدنى ، هذا اذا حدثت اصلا .
على ذوي النفوذ الاقتصادي ان يتصرفوا وفق الضوابط التي تحددها سلطة الدولة . كما أن عليهم الاهتمام الى حد ما بالآراء الخارجية ، ما يجعل العلاقات العامة صنعة مزدهرة . ولكن هذه الشروط التي تخضع اليها القوى الاقتصادية ، متساهلة جدا بحيث تترك متسعا للمناورة والاستقلالية لأناس عليهم ، بحكم موقعهم ، ان يهتموا بالدرجة الأولى بجني اعلى الأرباح لشركاتهم ، وأي همّْ آخر لا يشغل سوى مساحة ثانوية في قراراتهم . وما يجعل هذا الأمر اسوأ هو نمو الشركات المتعددة الجنسيات لأن اهتمامها محصور بالمدينة ، الاقليم أو البلد حيث تعمل .
لا تملك الديمقراطية حق الدخول الى قاعات اجتماع مجالس ادارات الشركات ، وليس لها حضور يذكر في عملية الانتاج بشكل عام . وتعد "مشاركة " العمال في عملية الانتاج اساسية ولكن هذا لا يغيّر الطبيعة التسلطية لعلاقات الانتاج في البلدان الرأسمالية ، فهي تقوم على حماية امتيازات الادارة واستخدامها لتلك الامتيازات ، بكلمة اخرى ، هناك اقلية صغيرة من الناس تسيطر على جانب حياتي واسع يهم الجميع ، هذه الأقلية لا تخضع الى المساءلة حين يسمح القانون بها ، وليست مسؤولة امام احد سوى اصحاب الأسهم . اما أصحاب الأسهم فسعداء في الغالب بترك المبادرة للادارة بشرط الحفاظ الكافي على الأرباح .
لا بد من الاشارة الى صفة أخرى من صفات الديمقراطية الرأسمالية ، وهي أن الحقوق التي تنادي بها مهددة دوما بالتآكل أن لم نقل بالالغاء الكلي . ويمكن لأصحاب النفوذ ، في المجتمعات الطبقية التي تستوطن فيها الصراعات ، ان تضايقهم هذه الحقوق لأنها معوقة لغاياتهم فيحاولون تقليص مضامينها ومداها ، خاصة عندما تزداد حدة الصراعات الطبقية . اكثر الأمثلة على ذلك وضوحا هي القيود الصارمة التي يخضع لها حق الاضراب في الديمقراطيات الرأسمالية . فلهذه الأنظمة جانب تسلطي قوي مواز للصيغ الديمقراطية ومتساوق معها تقريبا ، ولكنه في نزاع دائم معها . كما يجد هذا الجانب التسلطي انعكاساته العملية في الحياة اليومية ، الجمود البيروقراطي الذي يعامل به المتلقون للمعونات الحكومية ، طريقة التعامل مع العمال الأجانب ، ممارسات البوليس الفظة وانكار المسؤولين والقضاة لهذه الممارسات أو تبرئة اصحابها ، الظروف الرديئة لحياة السجون في غالبية هذه البلدان ، وما الى ذلك . يمكننا القول ان الديمقراطيات الراسمالية اقل قسوة من الأنظمة التسلطية ، ويجب تقدير هذا تقديرا كبيرا في عالم مليء بأكثر الأنظمة قسوة . ولكن حقيقة كون سجلات الديمقراطيات الرأسمالية فيما يخص الحقوق المدنية والسياسية افضل من سجلات الأنظمة التسلطية يجب الا تنسينا المظالم التي تشكل جزءا من الحياة اليومية لكثير من الناس الأشد فقرا في هذه المجتمعات . يمكن للمرء ان يهز كتفيه بلا مبالاة قائلا ان ما يعزّى الى النظام الاجتماعي الراسمالي من صفات يصح بالنسبة الى اي نظام اجتماعي آخر، وان اكثر ما يمكننا ان نطمح اليه هو تخفيف الشرور الفادحة الجلية . أما الاشتراكيون فلا يقبلون بهذا ويعتقدون أنه من الممكن ، في الظروف المناسبة ، تحقيق ما هو افضل من ذلك بكثير .-6-
يجب ربط كل ما ورد حتى الأن بسمة مركزية من سمات الرأسمالية باتت تعتبر من المسلمات بحيث لا تحظى باهتمام . انها حقيقة ان الرأسمالية نظام يقوم على العمل المأجور . العمل الماجور عمل ينجز مقابل تقاضي اجر في خدمة رب العمل الذي يحق له ن بفعل الامتياز الذي يتمتع به كمالك لوسائل الانتاج ومسيطر عليها ، أن يستولي على الفائض الذي ينتجه العاملون لديه ويتصرف به . وارباب العمل مقيدون بشتى الضغوط التي تحد من حرية التصرف مع عمالهم كما يشتهون ، والتصرف بالفائض المستخلص كما يريدون ولكن هذه القيود لا تتضمن قيودا على حقهم هذا في استخلاص الفائض والتصرف به بالطريقة التي يرونها مناسبة . لقد تشبعت جميع جوانب الحياة في المجتمعات الراسمالية بروح ومبادىء الرأسمالية حتى اصبح هذا الشكل من الاستيلاء على الفائض يعتبر "طبيعيا " ولا يكاد يثير اية تساؤلات . لقد كان عمل العبيد ، هو الآخر ، يعتبر "طبيعيا" في الأزمنة القديمة . وكما يلاحظ رنسيمان W.G.Runciman ، "لقد اجمع اخصائيو جميع الاتجاهات الفكرية على أن فكرة "شرعية " العبودية لم تكن ابدا موضع تساؤل جدّي في العالم القديم وان حلول المسيحية ، رغم انه ربما قد ساعد في اقناع بعض مالكي العبيد بأن يعتقوا عبيدهم بدافع الورع ، ولكنه لم يؤثر ، أو أثّر قليلا ، على النظرة الى مؤسسة الرق"(22) . واقتصر الانتقاد حينذاك على اسلوب معاملة العبيد . ان عمل العبيد لم يكن عملا ماجورا . المهم ان العمل المأجور هو علاقة اجتماعية مرفوضة اخلاقيا من وجهة النظر الاشتراكية ن لأنها قائمة على الاستغلال ولأنها ، بحد ذاتها ن عملية تقتضي الخضوع . كما أن التحسن الكبير الذي طرأ على ظروف حياة العمال المأجورين مع الوقت لا يجعل هذه العلاقة مقبولة . فالاصلاح ن مهما بلغت قيمته ن يخفف فقط من الاستغلال الذي يميّز نمط الانتاج الراسمالي ومن التسيّد الذي يتطلبه الاستغلال ن ولكنه لا يلغيهما . أما الاشتراكية فتفترض قيام نظام اقتصادي مختلف جذريا يحل في الوقت المناسب محل الراسمالية . وسوف يقوم هذا النظام الاقتصادي على اساس عدم اضطرار الفرد الى العمل ، تحت ظروف الخضوع القسري ، من اجل زيادة ثراء فرد آخر ، كما أن النظرة الى العمل المأجور ، بكله المعرّف هنا ، ستصبح بغيضة كما هي النظرة الحالية الى العبودية أو القنانة (23) وعندما يحدث ذلك سيبدو مستغربا ، كما في حالة العبودية في العالم القديم ، عدم الاهتمام بحقيقة العمل المأجور من قبل الليبراليين والمنظرين ذوي الميول اليسارية ، الذين يهتمون بالمساواة ، العدالة ، الانصاف ، الديمقراطية ، المواطنة ، وما شابه ذلك ، ناهيك عن اهمال المنظرين المحافظين لها .
وكمثال جيد عن اهمال هذه الحقيقة يأتي الاهتمام الذي حظي به كتاب جو رولز "نظرية العدالة" 1971 . لقد لامه نقاده الجماعاتيون communitarists على فصله الفرد عن نظامه الاجتماعي وكانوا على حق في هذا اللوم (24) . ولكن ما يكتبون ، هو أنفسهم ، لا يساهم كثيرا في توضيح الطبيعة الطبقية للنظام الاجتماعي ومدى اعتماده على الاستغلال والتسلط .
ربما اعترض أحد على أن تحقيق الملكية العامة لوسائل الانتاج لا يللغي لوحده وبالضرورة العمل المأجور ، اذ يمكن للمتحكمين بوسائل الانتاج العامة أن يحصلوا على الثروة من خلال هذا التحكم ، ويمكن حتى ان ينشأ استغلال وتسلط أقسى مما يرافق الملكية الخاصة . وقد اثبتت التجربة الشيوعية بوضوح كم هو حقيقي خطر ما يمكن تسميته بالاستغلال البيروقراطي ، تمييزا له عن الاستغلال القائم على الملكية الرأسمالية .
غير أن هذا الاعتراض يغفل فرقا أساسيا ين الملكية الخاصة والملكية العامة، وهو أن الاستغلال الذي ينشأ في حالة الملكية العامة لوسائل الانتاج يعتبر تشوها ، لأن الملكية العامة لا تعتمد على الاستغلال ولا تقتضيه ، كما أنها توفر على الأقل ، أساسا لتشارك تعاوني بين المنتجين في ظل ظروف ديمقراطية وبمكافآت تفاضلية ضمن حدود متفق عليها . أما في حالى الملكية الخاصة فان النشاط الاقتصادي برمته انما هو استغلال ، ولا جدوى من هذا النشاط ان لم يتمخض عنه الشراء الخاص لمالكي وسائل الانتاج والمتحكمين بهذا النشاط . فالاشتراكية توفر امكانية الغاء العمل المأجور ، أما الراسمالية فتحول بطبيعتها ، دون ذلك بصرامة .
هناك شكل ضروري واحد من اشكال اقتطاع جزء من فائض القيمة حتى في كيف افضل شكل من أشكال الملكية العامة ، انه اقتطاع يقوم به المجتمع فيأخذ من المنتجين لصالح غير المنتجين ، صغار السن ن المسنين ، المرضى ، المعاقين ، والعاطلين عن العمل وآخرين . لا يمكن تلافي هذا الاقتطاع في اي مجتمع من المجتمعات ومن الواضح ان المنتجين يستفيدون منه ايضا بشكل مباشر أو غير مباشر ، لأن المنتجين هؤلاء كانوا أطفالا يوما وتمتعوا بفائدة هذا الاقتطاع كما ان لديهم اطفالا ، ويمكن لهم أن يمرضوا أو يصبحوا عاطلين عن العمل . ثم أنهم يشيخون كغيرهم . اذا ، هم أيضا يفيدون من الخدمات التعاونية التي يغطي نفقاتها الاستيلاء على جزء من فائض عملهم . ولكن الكثير في هذا المجال يعتمد على مدى ديمقراطية القرارات التي يتم اتخاذها . تسبب هذه الجباية توترا بين المنتجين وغير المنتجين حتى في سياق ديمقراطي ومساواتي ، وذلك لما تفره من أعباء ضريبية . ويمكن أن يزيد هذا التوتر بالفعل كلما زاد عدد المسنين .-7-
تعتمد الطبقات المسيطرى على تحكمها ، جزئيا على الأقل ، بالوسائل الأساسية للاتصال والاقناع . ولا شك بوجود هذا التحكم في المجتمعات الراسمالية . وذلك من قبل اصحاب راس المال في القطاع الخاص أو موظفي القطاع العام الكبار . والسؤال الذي يطرح نفسه هو : ماذا يعني هنا التحكم في واقع المجتمع الرأسمالي . ففي حين كانت هذه الوسائل تخضع لسيطرة مباشرة في الأنظم الشيوعية وكان يراد منها الالتزام بوجهات النظر الرسمية حول اغلب العضايا ، وكانت المعارضة تعاقب بقسوة ، اظهرت الديمقراطيات الراسمالية تنوعا استثنائيا في انتاج ونشر افكار من كل نوع ممكن . في ظل هذا التنوع ، ماذا يعني التحكم في الواقع ؟
انه يعني في بعض المجالات ، التي تتعلق بشكل مباشر وواضح بالأيديولوجيا والسياسة ، أن الآراء التي تتضارب مع آراء المسيطرين على وسائل الاتصال ، عامة كانت هذه الوسائل أو خاصة ، أو بكلمات اخرى الآراء التي تناقض بحدة الآراء التقليدية السائدة . تواجه ، على الأقل ، بعض الصعوبات في الحصول على فرصة عادلة للقبول . هذا لا يعني بالتأكيد أن كل هذه الآراء سوف تتعرض للقمع ، لأن هناك ، في جميع الأحوال ، اقنية بديلة تستخدمها الأقلية للتعبير عن آرائها . ولكن النقطة الهامة هنا هي ان الآراء التي ينفر منها المسيطرون على وسائل الاتصال سوف تلاقي صعوبات ، بعضها سينجح في تخطي هذه الصعوبات ن ولكن بتشويه كبير أو صغير . في حين أن بعضها الآخر لن يتمكن من الاستمرار . لكن ، أليست وسائل الاتصال مليئة بالنقد الحاد ؟ ألا تتميز بنقد متطرف لا يسلم منه شيء مهما بلغت درجة رفعته وقدسيته ؟ للأجابة على هذا السؤال نقول أن حضور الآراء التي تقع الى يسار الاشتراكية - الديمقراطية ضعيف جدا في سوية وسائل الأعلام ، وهو غائب تقريبا في الولايات المتحدة ، بينما يتسع الطيف الى يمينها . أن وسائل الاعلام تتحاشى الآن الآراء التي تعكس مواقف فاشية صريحة أو عنصرية جلية ، ولكنها تقبل تماما المواقف الرجعية حول الكثير من القضايا ، ولا يدعو هذا القبول للعجب لأن هذه الآراء تتجاوب بشكل كبير مع آراء ورغبات الكثير من المسيطرين على وسائل الاعلام هذه . لكن ما نجد من نقد وثلم للمؤسسات التقليدية في وسائل الاعلام واسعة الانتشار يتخذان صيغة التهجم على بعض المقصرين من سياسيين وموظفين او شخصيات بارزة اخرى . كما لا يسل من هذا النقد الحكومات والأحزاب المحافظة . ينبع الكثير من هذا النقد من " شعبوية " ديماغوجية كاذبة تفضلها صحف الاثارة . ومع ذلك ، يجب ألا نقلل من أهمية دور الاعلام كصوت نقدي ، وفي الوقت نفسه يجب الا نغقل عن محدوديته . أحد هذه الاسباب الهامة لهذه المحدودية هو أن العاملين في انتاج وبث المواد الاعلامية انما يخضعون لواحد من اكثر اشكال الرقابة فاعلية وهي الرقابة الذاتية . فالعاملون في هذا المجال يدركون جيدا ما يمكن ان يخلق لهم المشاكل مع رؤسائهم وسوف يحاولون غالبا تفادي مثل هذه المشاكل . وقد يقاومون احيانا خيار الحياة الهادئة مما يعني خلق مشاكل جدية لأنفسهم .
لا يوجد شيء ملفت للنظر في كل هذا . فالطبقات المسيطرة تسعى دائما ، بالطبع ، الى الحد من انتشار الأفكار التي تتحدى سيطرتها وتهددها . وتساهم الضوابط في الحفاظ على التوازن ، ولكن من السذاجة ان تتوقع لهذه المحاولة ان تزيل الميول القوية الى الامتثال في وسائل الاعلام الجماهيرية . ما هو ملفت للنظر ، مع ذلك ، هو ان وجود قطاع خاص وضخم في هذا الحقل الاعلامي يعتبرونه بسهولة ظاهرة صحيحة ومناسبة ، وانه ينسجم مع الديمقراطية ، بل يعتبرونه فعلا ظاهرة ضرورية للديمقراطية . ويمارس المسيطرون على وسائل الاعلام الحكومية رقابة ايضا تجاه الأفكار التي لا يقبلونها اما بدافع ذاتي أو بسبب خضوعهم لضغك خارجي من قبل ذوي السلطة . ولكنهم ، مع ذلك ، عرضة للمحاسبة الى حد ما . اما الأفراد المسيطرون على القطاع الخاص فيتعرضون غالبا لمحاسبة كبار اصحاب الأسهم . وهؤلاء لا يتوقع منهم الحماس للآراء الجذرية .
انه بالتأكيد وضع يدعو للتساؤل أن يكون لعملاق الصحافة المقدرة على ممارسة سلطته ، اذا شاء ، على الآراء التي تعبر عنها جرائده . وذلك لا لشيء الا لكونه يملك النقود الكافية لشراء هذه الجرائد أو لأنه ورثها . ويصح القول نفسه على وسائل الاصال الأخرى ن مثل الراديو والتلفزيون ، حين تكون ملكيتها وادارتها بيد القطاع الخاص ، وكذلك الأمر مع السنما التي تبقى وسيلة اقناع قوية . وليست الحالة بأفضل من ذلك ابدا عندما تخضع وسائل الاعلام لسيطرة البنوك او شركات التأمين او المؤسسات المالية الأخرى . فهذه السيطرة تمنح درجة كبيرة من النفوذ والقدرة على المشاركة في تشكيل الثقافة الوطنية , وفي الحقيقة في تشكيل ثقافة عالمية آخذة في النمو . ان أغلب الجرائد البريطانية الشعبية ، لاتكف عن الذمّ الخبيث لليسار ، هذا الذم الذي يمسي أيام الانتخابات هستيريا . فهي مثال جيد على المدى الذي يمكن ان يصل اليه التلوث السياسي .
يقول أحد المؤلفين : " ان المواطن الأمريكي اذ يفتح أية جريدة ، مجلة ، راديو ، تلفزيون ، كتاب ، قلم ، محطة كابل ن شريط تسجيل او فيديو ، فانه في الغالب يتلقى معلومات ، افكارا مسلية تديرها الحفنة نفسها من الشركات ن سواء كانت اخبارا يومية ، برنامج تسلية على الكابل او كتابا (25) . وينطبق هذا على وسائل الاعلام التي يملكها القطاع الخاص في جميع البلدان الرأسمالية . ليس ثمة ما هو طفيمقراطي " في هذه الممارسة ، ولن يكون من قبيل المبالغة ان تتصور بان هذا النفوذ الذي تمنحه الملكية والادارة الخاصة ن سوف يصبح مع الوقت مرفوضا بنفس الدرجة التي ترفض بها الآن قيام عصابات صغيرة مدربة ومسلحة بالاعتداء على اهداف مختارة . ان "حرية الصحافة" تطرح اليوم بمعنى واحد وهو : حرية الصحافة من سيطرة الحكومة . لكنها ، في الظروف الحالية أيضا ، تعني بالدرجة الأساسية حرية عمالقة الاعلام ووسائل الاتصال الأخرى في ان يحقنوا وسائل الاتصال التي يسيطرون عليها بتحيزهم ونزعاتهم المحافظة .
كثيرا ما يدّعي المالكون لوسائل الاعلام الخاصة والمسيطرون عليها محتجين انهم " ليسوا مهتمين بالسياسة " وان غايتهم هي جمع المال ، تسلية الجمهور، نشر المعرفة ، تعليم العامة .....الخ . ولكن من السذاجة والنفاق الادعاء أن كل تلك الغابات تتعارض مع الانحياز الى آراء سياسية . على أية حال ، فان المسيطرين على وسائل الاعلام لا تهمهم السياسة . ما دامت السياسة المطروحة لا تنحرف كثيرا عن مواقفهم. وما ان يحدث هذا الانحراف ، حتى يكتشف المالكون والمسيطرون على وسائل الاعلام اهتماما شديدا بالسياسة ، دفينا لديهم .
القضية ، مع ذلك ، لا تكمن في قدرة المسيطرين على وسائل االاعلام العامة والخاصة على تهميش ما يعتبرونه افكارا هدامة . فلعل الأهم من ذلك هي الدرجة التي يمكن استخدام الاعلام فيها من اجل التعتيم ن التعمية ن والانكار للتناقض الدائم ، القائم في المجتمعات المنقسمة بشكل عميق ، بين واقع التفاوت الكبير في النفوذ والامتيازات من جهة ، وبين الخطاب الديمقراطي السائد من جهة اخرى . ومن اهم وظائف ا لاعلام ، في مجتمعات كهذه ، مساعدة ذوي النفوذ في الكفاح الذي يتحتم عليهم خوضه من اجل كسب عقول وقلوب الأغلبية . وفي خوض هذا الكفاح ، يشكل التلاعب بالمعلومات وتحريفها ، حجب الحقائق غير الملائمة ، فبكرة الخرافات المفيدة ، والأكاذيب السافرة التي تروجها الوكالات العامة والخاصة ، كل ذلك يشكل جزءا "بنيويا" من سيطرة وسائل الاتصال . لكن هذا الكفاح لا ينجح بشكل كامل ن فالجماهيرتقاوم احيانا كثيرة عملية غسل الدماغ التي تتعرض اليها ز وهذا الكفاح قائم ولا بد ان يستمر ، وكلما كانت المسافة كبيرة بين الخطاب والواقع كلما زاد الاصرار على انكار هذه المسافة . فالديمقراطية الراسمالية ، كما قد تبيّن ، هي تعبير ينطوي بحد ذاته على التناقض . واحدى نتائج هذا التناقض . واحدى نتائج هذا التناقض هو الاستخدام التضليلي والخداع لوسائل الاعلام كاداة للدفاع عن النظام الاجتماعي القائم .-8-
هناك سمة اخرى للراسمالية لم نناقشها بعد ، رغم اهميتها الجوهرية ، انها الانتشار الكوني للرأسمالية الكوني للراسمالية وانعكاساته . الى اي مدى ، وبمنظار هذا الفصل من الكتاب ، يمكن للسجل العالمي للرأسمالية أن يضاف الى جميع العناصر الأخرى لاتهامها وادانتها ؟
تعود “التجارة العالمية والسوق العالمية" . كما اشار ماركس في "راس المال" الى القرن السادس عشر ، ومنذئذ راح تاريخ الراسمالية الحديث يتفتح " (26) . فمع القرن السادس عشر يبدا النهب والابادة التي رافقت فتح شمال وجنوب امريكا ، يلي ذلك نهب واخضاع افريقيا والجزء الأكبر من آسيا ، كمتمم مناسب للمهمة العالمية للراسمالية . واصبح استغلال القوى الغريبة الذي لا يرحم لتبعية اجزاء العالم من اهم سمات التاريخ العالمي . منذ ذلك الحين . وقد قال P.Bairoch في نهاية القرن السابع ، "من المحتمل جدا أو متوسط مستوى المعيشة في اوروبا ككل كان مساويا ، أو اوطا بقليل ، منه في بقية انحاء العالم " (27) . ان الهوة التي تلت والتي اصبحت تعرف بانقسام "شمال – جنوب " لم تات من السماء ، بل كانت نتيجة مباشرة لاخضاع الجنوب من قبل الشمال . وارتباطا بهذا الاخضاع نشأ تنافس القوى الراسمالية الكبرى على مزايا الامبريالية . في عهد "الأممية الثانية" خلال ربع القرن الذي سبق اندلاع الحرب العالمية الأولى ، شاع الرأي بين الاشتراكيين ان الرأسمالية تغذ السير نحو الحرب . ان البحث عن مستعمرات ، اسواق ، مواد اولية ويد عاملة رخيصة ، كل ذلك اوجد تنافسا امبرياليا بين الأمم أعقبه توتر وازمة عالميان وأدى بالتالي الى الحرب .
وليس هذا الا تفسيرا بسيطا غير كاف لأسباب الحرب العالمية الأولى ، لأنه يتجاهل الأهداف السياسية التي حركت الملوك ، الرؤساء والوزراء . ولكن تبقى ، مع ذلك ، العلاقة قوية جدا بين التنافس الامبريالي والحرب ، وكذلك هي العلاقة بين المصالح الراسمالية واهداف الحكومات . لمعرفة اسباب ذلك يجب العودة الى العلاقة المعقدة بين اهتمامات اصحاب السلطة السياسية ونظراتهم في الاقتصاد . لقد بينا سابقا في هذا الفصل ان اهتمامات رجال السلطة يمكن ان تتمحور حول ما يعتبرونه المصالح القومية ، الأمن القومي وما الى ذلك ، ولكن خدمة المصالح القومية تعتمد الى حد كبير على عافية الاقتصاد . ففي السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى ، كانت حكومات بعض البلدان الأوروبية الرئيسية ، لا سيما بريطانيا ، فرنسا والمانيا ، منهمكة في تنافس امبريالي له اسباب كثيرة (28) . أحد هذه الأسباب وأهمها كان السعي من اجل المزايا الاقتصادية ، وقد تضمن هذا السعي ايضا خدمة المصالح الرأسمالية . وقد اقتضى التنافس من الحكومات أن تدعم وتحمي وتعزز هذه المصالح داخل البلاد وخارجها . وكان لجماعات الضغط (lobies) الراسمالية القوية ، التي لها مركز في السلطة السياسية ، دور كبير في رسم السياسة . وتوطد التوافق بين مصالح رجال السياسة ومصالح اصحاب رؤوس الأموال الكبيرة عن طريق العلاقات الشخصية التي ربطتهم بحيث بات من التضليل اعتبارهما مجالين متميزين عن بعضهما تماما . ففي حقل العلاقات العالمية هذه ، تعد فكرة الشراكة في محلها ، فالتاريخ لم يسجل اية معارضة رأسمالية ضد التحضير للحرب أو حتى للحرب نفسها ، بل يسجل العكس ، هذا ان سجل شيئا .
من الواضح ، في حالة الحرب العالمية الثانية ، ان مطامح هتلر التوسعية كانت تستند الى دوافع كثيرة مختلفة اقلها أهمية هو دافع المصالح الرأسمالية . ولكن ، هنا ايضا ، اقتضى تحقيق مطامح هتلر شراكة متينة بين النام النازي والشركات الألمانية التي دخلت هذه الشراكة عن طيب خاطر تماما ، مما أدى الى ازدهارها ، وقد استمرت هذه الشراكة حتى نهاية النازية . وخلال ذلك كانت الشركات متورطة بعمق مع النازية فلم تجد صعوبة في مساندة ما كان يفعله النازيون ن على الأقل في استغلا ل الأسىر الذين وفرهم النظام للعمل سخرة خلال الحرب . لكن هذا صار تاريخا . وقبل ان تتركه وراءنا ، يجدر بنا ان نتذكر عمق مشاركة المصالح الراسمالية في السياسة التي أودت بحياة ملايين وملايين من الأبرياء رجالا ونساء واطفالا .
ولسوء الحظ ، لا يصح القول ان غياب المصالح الرأسمالية يضن السلام . فقد نشبت حرب بين حكومتي الصين وفيتنام الشيوعيتين . وأوشكت الحرب أن تقع بين الاتحاد السوفيتي والصين في نهاية الستينات . كما نشبت حروب في العالم الثالث رغم ضآلة مصلح الرأسمالية المحلية فيها ، وحتى غيابها . هذا يعني أن الحرب هي الوسيلة الأخيرة التي يلجأ أصحاب السلطة اليها من أجل تحقيق أهدافهم حتى عندما لا يكون وراء هذه الأهداف أية مصالح رأسمالية . ولكن كل هذا لا يقلل من أهمية أن خدمة المصالح الراسمالية في البلدان الرأسمالية المتطورة في سياق التنافس الامبريالي ، قد لعبت دورا هاما وحتى اساسيا في تغذية السياسات والأفعال التي أدت الى الحرب .
يبقى السؤال ، مع ذلك ن هو : الى اي حد يسري ذلك عقب الحرب العالمية الثانية ؟ فاستمرار التنافس بين البلدان الراسمالية المتقدمة منذ ذلك الحين ، رافقه تطور التعاون بينها مما ادى الى الحيلولة دون تأزم العلاقات بينها . ولم ينشا خطر الحرب بين اي من هذه الدول في اي وقت منذ عام 1945 . من المحتمل جدا أن " النظام العالمي الجديد " عقب تفكك الاتحاد السوفياتي وتراجع الهيمنة الاقتصادية الامريكية وبروز ألمانيا كقوة مسيطرة في اوروبا وبروز اليابان في ىسيا سوف يولّد توترات عالمية جديدة ، ولمن احتمال نشوء مواجهة مسلحة بين اي من هذه القوى ، نتيجة لهذا التوتر ن يبدو امرا بعيد الاحتمال جدا .
ومع ذلك ، يبقى السؤال حول العلاقة بين الراسمالية والصراعات العالمية قائما . اتخذ التنافس بين القوى الرأسمالية شكلا سلميا منذ عام 1945 ، ولكن العالم كان حقلا لنزاع دولي من نوع آخر ، انه بالتحديد الصراع بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة ، و "الشيوعية " من جهة اخرى .
قبل الخوض في هذا ، جديربنا أن نذكر كم كانت مهلكة مواجهة القوى الاستعمارية وخاصة فرنسا ، لحركات التحرر الوطنيفي السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية . مرة ثانية ، لا تستطيع المصالح الرأسمالية وحدها ان تفسر شن حرب من قبل قوة استعمارية كلفت ، في حالة فرنسا في الجزائر ، حياة مليون من الجزائريين . ومع ذلك فقد كان للدفاع عن المالح الراسمالية . بالطبع باسم "المصالح القومية " والصراع ضد "الشيوعية" ، دور كبير في شن الحروب الاستعمارية . وينطبق الشيء نفسه على الحروب التي شنتها القوى الاستعمارية الأخرى بعد الحرب العالمية الثانية .
ان ما سمّي ب "الحرب الباردة" كان على الدوام يموّه مشروعا آخر مختلفا . تبنته الولايات المتحدة وحلفاؤها منذ عام 1945 (في الواقع خلال الحرب نفسها ) (29) لقد قامت الحرب الباردة بزعم الوقوف في وجه ما سمي بخطر المطامح التوسعية للاتحاد السوفيتي التي زعم انها هددت العالم باسره . واصبح الاعتقاد بوجود خطر كهذا ايضا هو، على الأقل ، ما سبب التوسع النازي من هلاك ، من الأفكار المحافظة التي هيمنت على الثقافة السياسية للعالم الراسمالي حتى نهاية الثمانينات .
فصار أي رفض لهذا الراي بمثابة تهاون خطر وتمام وتعاطف هدام او ولاء خياني . وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي ن بدأ بالانحسار الاعتقاد أن الاتحاد السوفيتي كان يريد توسيع حدوده . فبات الافتراض الذي كان سائدا بوجود نزعة توسعية في صميم السياسات السوفيتية جميعها على غرار النزعة النازية يثير الشك (30)
لقد تمّت تغذية الاعتقاد بذاك الخطر من مصادر مختلفة ، التفكير غير المنطقي القائل بأن الاتحاد السوفيتي ما دام ديكتاتوريا قمعيا ن فيجب ان يكون توسعيا ايضا ، السيطرة السوفيتية على أوروبا الشرقية والتدخل السوفيتي في هنغاريا عام 1956 ، في تشيكوسلوفكيا عام 1968 ، وفي افغانستان عام 1979 ، والاعتقاد بأن اية تحركات شيوعية في اي مكان ، وأية حركة تغيير ثورية انما تشكل جزءا من خطة سوفيتية موضوعة بعناية من اجل السيطرة على العالم ، وهكذا الى ما لا نهاية (31) . لم يكن للتدخل السوفيتي الحكمة في موقفه من الحربين اللتين خاضتهما الولايات المتحدة ضد النظامين الشيوعيين في كوريا وفيتنام ، فبقي بعيدا بشكل واضح عن مسرح الحرب . ولم تكن اية حركة تحرر في اي مكان مدينة بوجودها للاتحاد السوفيتي : ما قام به الاتحاد السوفيتي والدول الشيوعية الأخرى كان بالفعل تقديم المساعدات الاقتصادية ، التكنولوجية والعسكرية لعدة انظمة وحركات تحرر ، على أمل الحصول على حلفاء في الصراع مع الولايات المتحدة . اما الهدف الحقيقي للحرب الباردة ، كما خاضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها والدول التابعة لها ، فقد كان دوما الدفاع عن انظمة ذات "اقتصاد حر" ضد التحديات الثورية في بعض البلدان ، وفي اغلب الأحيان ، لمقاومة اية اصلاحات جذرية في اي بلد . ومما لا شك فيه ان عددا كبيرا من الناس ، بمن فيهم عدد كبير من المثقفين الغربيين ، كانوا فعلا يعتقدون ويعلنون ان الصراع انما كان ضد "الشمولية " السوفيتية ومن أجل الحرية والديمقراطية وما الى ذلك . ولكن الواقع اثبت العكس . ومما يجدر ذكره في هذا المجال ، أن المعلقين السياسيين ، والأكادميين وليبراليي الحرب الباردة قد اساءوا كثيرا في مساعدة الساسة على تعزيز أسطورة التوسع السوفييتي والستالينية ، وبالفعل ، كان لدى الكثير منهم رغبة في التصديق ساعدت على
طمس او تعتيم قدراتهم الانتقادية وجعلتهم يدافعون عما لا يمكن الدفاع عنه ، او جعلتهم على الأقل يغمضون اعينهم عنه . ولكن تقصيرهم هذا كان اقلّ من تقصير العدد الهائل من المثقفين والمعلقين الذين شاركوا بحميّة في نشر التشويش والأكاذيب التي شكلت جزءا لا غنى عنه من الحرب الباردة. لم يستطع احد توثيق تواطئهم الحماسي الشائن كما فعل نعوم تشومسكي ، هذا المفكر الأمريكي المعارض الذي يستحق كل الاعجاب (32)
رغم عدم وجود خطر توسع سوفيتي او ثورة شيوعية في اوروبا الغربية ، دع جانبا الولايات المتحدة ، كان هناك بالفعل تحد جدي لبنية السلطة وللامتيازات في كثير من البلدان ، واوضح ما كان هذا ملحوظا في "العالم الثالث" ، وارتبط ذلك بالتطلع الى التحرر من السيطرة الغربية . وقد جوبهت كل هذه الحركات بعداء الولايات المتحدة الحاقد ، وتعرضت الأنظمة التي تمخضت عن هذه الحركات الى زعزعة استقرارها الاقتصادي والسياسي ، وحيث لم ينفع ذلك ، تعرضت الى التدخل العسكري .
هناك بعد هام لهذه الحملة الصليبية يجب عدم اهماله ، وهو حقيقة ان التدخل الأمريكي استهدف دعم انظمة يمكن الاعتماد تماما على مطواعيتها الاقتصادية والسياسية ، وعندما استدعي ذلك دعم انظمة قمعية ذات سجلات سيئة جدا فيما يخص حقوق الانسان ، فكانت سجلاتها موضع ارتياح بحجة الكفاح ضد " الشيوعية " . وعندما جاءت الى الحكم انظمة تعترض عليها الولايات المتحدة، تحول العون الأمريكي الى القوى الرجعية المهزومة على امل اعادتها الى السلطة ن مهما كانت فظاعة العواقب على الجماهير . وهكذا حكم رؤساء متعاقبون للولايات المتحدة على بلدان "العالم الثالث " بلدا اثر آخر بالمعاناة الفظيعة على يد انظمة رجعية واستبدادية تمتعت بدعم الولايات المتحدة المالي والعسكري . الأمثلة على هذا التدخل كثيرة . ففي اليونان ، حيث كان لبريطانيا السبق على الولايات المتحدة في ضمان النصر ليمين رجعي جدا ضد تجمع القوى اليسارية يتصدره الحزب الشيوعي اليوناني : في ايران اطيح عام 1953 ، بنظام د . مصدق وهو اصلاحي معتدل لتحل محله دكتاتورية الشاه : في غواتيمالا اطيح بالحكومة الاصلاحية وسلمت البلا د الى سلسلة من الديكتاتوريات العسكرية المتعاقبة ، حيث كانت فصائل الموت والتعذيب والقتل تشكل الأسلوب الروتيني للحكم : في البرازيل اطيح عام 1964 بنظام حكم اصلاحي قومي "غير جدير بالثقة !" ، في الدومينيكان ، ساعدت القوات الأمريكية على الاطاحة عام 1965 بنظام معتدل مشابه ، في أندونيسيا ايضا (عام 1965 ) . تم تشجيع القادة العسكريين على ابادة الحزب الشيوعي فأبيد حوالي نصف الى مليون من الشيوعيين ومن زعم انهم شيوعيون ، في تشيلي (عام 1973) تعرضت حكومة سلفادور الليندي الجذرية لعداء الولايات المتحدة القاسي ، وادت زعزعة الاقتصاد الى الاطاحة بهذه الحكومة في انقلاب عسكري تمخض عن ديكتاتورية الجنرال بينوشيت ، في نيكاراغوا قامت الولايات المتحدة بتقديم الدعم لأعضاء الكونترا القتلة . في الثمانينات ، يجب أن نضيف الى هذه القائمة محاولة زعزعة النظام الكوبي ، والدعم القوي الموسع الذي قدمته الولايات المتحدة ، بمساعدة جنوب افريقيا واسرائيل ، للمقاومة المسلحة التي قام بها معارضو النظامين الثوريين في انغولا وموازمبيق . لقد دفع ملايين وملايين البشر ، رجالا ونساء واطفالا ، حيواتهم ثمنا لهذه السياسة الأمريكية . كل هذا ، وغيره الكثير من الأحداث التي شكلت جزءا هاما من تاريخ سنوات ما بعد الحرب ، كان مسعى ضخما على نطاق العالم في سبيل جعله كله مكانا آمنا للرأسمالية ، مهما كلف ذلك الشعوب التي تتعرض لذلك المسعى . بالطبع ، لم يكن دافع حكومة الولايات المتحدة او أية حكومة أخرى الى اتباع سياسة التدخل هو حماية المصالح الراسمالية فقط . كما لم يكن احتلال ريغان لغرينادا او احتلال بوش لباناما مجرد دفاع عن المصالح الرأسمالية . كان الدافع أكثر تعقيدا من هذا بكثير ،
ويتعلق ، في حالة غرينادا ، بالرغبة في التخلص من النظام الثوري هناك . مهما بلغت ضآلة الرقعة التي تشغلها هذه الجزيرة على الخارطة ، وفي حالة باناما ، بالرغبة في التخلص من الديكتاتور الذي تحول من عميل مأجور للولايات المتحدة الى مصدر ازعاج محرج لها وخارج عن سيطرتها . أما الضغط الشديد على كوبا فأمر آخر ، لأن هذا النظام ثوري لا يمكن السماح له بالنجاح ، فيغدو مثالا يحتذى لبلدان أمريكا الوسطى وامريكا اللاتينية . كما يصح القول نفسه على حالة نيكاراغوا . في جميع الحالات ، ومهما اختلفت الظروف ، تبقى الغاية الأساسية في الدفاع عن "الاقتصاد الحر " وهيمنة المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الغربية ، وخاصة الأمريكية .
في امريكا اللاتينية وآسيا وافريقيا ، كان الهم الأساسي للحكومات التي تحوز على رضا العرب ، هو ن بشكل عام ، احباط الضغوط الشعبية المطالبة برفع المظالم الفادحة ، والوقوف في وجه اي احتمال للاصلاح الذي يشكل شرطا اساسيا لتحسين حياة الجماهير ، والذي يشكل تهديدا للمصالح والامتيازات القائمة . ويمكن لهذه السلطات المحلية ان تضمن استمرار التأييد طالما انها تتبع السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة التي تدعمها حكومات البلدان الراسمالية المتقدمة ، الصندوق الدولي ، والبنك الدولي . ولكن هذا يعني ترسيخ الظروف المعيشية المروعة للغالبية الساحقة ، دون أفق حقيقي لتحسينها حقا . ولا تحمل المساعدات التي يدفعها الغرب لبلدان "العالم الثالث" اي وعد بهذا التحسين ، رغم ان قسما كبيرا من المساعدات لا بد أن يكون ذا فوائد عظيمة لرجال السلطات الفاسدة انفسهم ، وفي كل الأحوال تسدد هذه البلدان ما يفوق هذه البلدان ما يفوق هذه المساعدات من خلال ما يترتب عليها تجاهالبلدان الغنية من فوائد على الديون وشراء الأسلحة الكثيرة من الغرب من جانب انظمة ليست فقيرة لدرجة تحول دون تسديد اثمانها .
في السنوات الأخيرة ، تؤكد واشنطن وغيرها من العواصم الغربية على الحاجة الى "الديمقراطية" في كل مكان . فالدكتاتوريات كريهة . ولكن ليس عندما تكون حليفا نافعا ، كالعربية السعودية مثلا . وفي الدول الشيوعية السابقة ، استبدلت الأنظمة التسلطية بأنظمة تتيح تطبيق ممارسة مشوهة للأساليب الديمقراطية ، وفي أمريكا الوسطى وأمريكا اللاتينية حلت محل الديكتاتوريات مفرطة القمع أنظمة تسمح بالمعارضة والمنافسة السياسية .
يمكن للأساليب الديمقراطية ان تشجع النضال العلني ضد البنى السلطوية القائمة ، مما يعدّ أمرا جيدا ، ولكن يمكن احتواء هذا النضال عادة . ويمكن قمعه ضمن نطاق الدستور . بكلمة اخرى ، يمكن استبدال نظام ديكتاتوري ضمن بنية راسمالية ، بنظام "ديمقراطي " ضمن البنية نفسها . وهذا ما حدث في امريكا اللاتينية واماكن اخرى ن وهذا ما تريده الولايات المتحدة وحلفاؤها .
اما ما يريدونه من الأنظمة الشيوعية السابقة فهو عكس ذلك بالضبط . فالانتقال من الديكتاتورية الى "الديمقراطية " هو موضع ترحيبهم شريطة ان يقود الى تغيير جذري في النظام الاجتماعي ، ما يعني استبدال نظام اقتصادي قائم على الملكية العامة لوسائل الانتاج ، بنظام آخر يقوم بخصخصة وسائل الانتاج في طريق التحول الى نظام راسمالي جديد . فهمّ الغرب هو الحفاظ على الرأسمالية والدفاع عنها هناك ، وتشييدها هنا .
ستستمر هذه المساعي طويلا من اجل جعل هذا العالم مكانا آمنا للراسمالية ، بأساليب اقتصادية ، سياسية ، ثقافية ، وبالأسلوب العسكري ، اذا اقتضت الضرورة . كما سوف يستمر الصراع ضد الأنظمة التي يمكن ان تحاول ارباك الوضع الراهن ، الذي تهتم الولايات المتحدة والقوى الرأسمالية الأخرى بالمحافظة عليه . وتعد حرب الخليج ضد العراق احدث مثال على هذا ، وذلك بصرف النظر عن وجهتها الايديولوجية . كانت الديكتاتورية الاجرامية التي يراسها صدام حسين مقبولة تماما من قبل الحكومات الغربية ، طالما كانت تخدم أغراض هذه الحكومات ، كما كان الحال في حرب العراق ضد ايران . اما احتلال الكويت فأمر مختلف ، فقد ازاحت الولايات لمتحدة جانبا جميع الوسائل الممكنة لانهاء الاحتلال وتمسكت بالحرب كوسيلة وحيدة لذلك . وهكذا فقد اكدت بان قادة بلدان "العالم الثالث" الذين يحاولون المساس بما تعتبره الولايات المتحدة وحلفاؤها مصالح مشروعة لها في الاجزاء الهامة من العالم . يعرضون انفسهم الى عقاب مخيف . وليس متوقعا ان تكون حرب الخليج الحدث الأخير في هذا السياق .
رغم ان من بالغ البساطة قولنا ان الراسمالية تندفع نحو الحروب ، فان دفاع الولايات المتحدة وحلفائها عن المصالح الراسمالية وعن "الاقتصاد الحر" بشكل عام ، يولّد نزعة قوية نحو سياسة التدخل ضد الأنظمة والحركات المنحرفة عن هذا السياق ، ورغم ان لهذا التدخل اشكالا كثيرة ، فان هذه الأشكال تتضمن ، في نهاية المطاف ، التهديد بالقوة واستخدامها . ولن يولد نظام عالمي جديد حقيقي حتى تكف الحكومات الغربية عن اعتبار الدفاع عالميا عن الرأسمالية همها الأساسي ، ولن يتحقق ذلك حتى يتم كبت المصالح الراسمالية بما فيه الكفاية ، فلا ترسم سياسات الحكومات الغربية . وهذا لن يعني انتهاء جميع الصراعات في مجال العلاقات الدولية . ولكن على الأقل سوف يؤدي الى نضوب أحد المصادر الأساسية لهذه الصراعات .
تلك هي اذن الاتهامات التي يمكن أن نوجهها للرأسمالية في عصرنا . بهذا المنظور يكون من التجني على الانسانية القول أن الرأسمالية قد تحولت بشكل كامل وأنها تمثل أفضل ما يمكن للجنس البشري أن يحلم بتحقيقه ابدا . ومع ذلك كله ، فان ادانتنا هذه للراسمالية لا تؤشر بدقة كيفية قيام البديل الاشتراكي بتغيير رئيسي نحو الأفضل في اسلوب حياة الأغلبية الساحقة من الناس . وسوف نتناول هذه المسألة وما يرتبط بها من مسائل اخرى . في الفصول القادمة .
1- G. Therborn. ‘the prospects of labour and the transformation of advanced capitalism, New left review, 145 ( May – June 1984 ), PP. 25,26,27. وفي السياق نفسه ، يلاحظ مؤلف امريكي حول الولايات المتحدة أنه " في 1980 كان حوالي 36 مليون امريكي يتلقون معونات اجتماعية شهرية ، و 22 مليون امريكي يتلقون معونات طبية ، و 28 مليون يتلقون معونات العناية الطبية ، 18 مليون يتلقون معونات غذائية ، و 15 مليون يتلقون معونات من برنامج اعانة المحاربين القدماء ، و 11 مليون يتلقون معونات من " برنامج مساعدة الأسرة والأطفال القاصرين " . ويضيف الكاتب ، انه وحسب التقديرات ، " يعتمد نصف المواطنين الأمريكيين كليا أو جزئيا على المعونات الحكومية على اختلاف اشكالها " : C. Wolf Jr. Market or governments; choosing between imperfect alternatives (MIT) Press, Cambridge, Mass., 1988) . p. 44
2- W.E. Patterson and A. N. Thomas> The future of social democracy (Clarendon Press. Oxford,1986) p.v.
3- هذه النغمة ليست جديدة على كل حال ، ففي عام 1952 ، كتب كروستلاند : " لم تعد بريطانيا منذ عام 1951 ، وبجميع المعايير ، دولة راسمالية " ؛ The transition from capitalism . وفي مقات في الفابية الجديدة ، وفي مقات في الفابية الجديدة ، ed. R.H.S Crossman (J.M.Dent, London, 1970 edition) p. 42 . تم التوسع في الأفكار المطروحة في تلك المقالات في كتاب The future of socialism (Jonathan Cope, London., 1956 ) ، والذي اصبح انجيل ( المعتدلين ) في الحركات العالمية .
4- A. Gramsci. Selections from the Prison Notebooks. Ed. Qintin Hoare and Geofrey Nowell Smith (Lawrence and Wishart. London, 1971). P. 238. )5- راجع حول هذا الموضوع ، كتاب - J. S.Migdal. Strong Societies and Weak States (Princeton University press, Princeton. N.J.,1988).
6- لا تستطيع البورجوازية البقاء دون التثوير الدائم لدوات الانتاج ، وبالتالي دون تغيير علاقات الانتاج ، وبالتالي العلاقات الاجتماعية بشكل عام . استمرار التثوير للانتاج ، واضطراب دائم لجميع الظروف الاجتماعية ، قلق وإثارة دائمين ، ذلكم ما يميز عصر البورجوازية منذ بدايته " . K. Marx and F. Engels. Manifesto of the communist Party. In collected works 9Lawrence and Wishart. London, 1980). Vol. 16 . p. 460 وهناك الكثير حول الموضوع نفسه في " البيان " .
7- preface to a contrution to the critique of political economy( 1859), in selected works ( foreign languages publishing house , Moscow,1950 ), Vol. 1. p
8- المصدر نفسه ، ص . 329 .9- لقد اوحى بهذا Quiltermo O’Donnell الذي يصف الدولة في كتابه Bureaucratic Authoritarianism على أنها المؤسسة التي " تستطيع تخطي العقلية المحدودة للشركات الاقتصادية وتجاوزها على الأسس نفسها التي تعمل بموجبها حتى الشركات الكبيرة بحيث تستطيع اعادة ترتيب الشروط العامة اللازمة للمجتمع من اجل القيام بوظائفه كمجتمع رأسمالي " ؛ G. O’Donnell. Bureaucratic Authoritarianism ( Univedrsity of California Press, Berkeley, Los Angeles, London, 1988), p. 22.
10- على سبيل المثال ، يلاحظ Douglas hay حسب الاحصائيات البريطانية عام 1985 ، " ان حوالي ثلث الشبان ، وخاصة الأكثرهم فقرا ، في سجلهم احكام جرمية " ؛ - D.Hay, ‘Time , inequality and law’s violence. Eds. A. Sarat and T. R. kearns (University of Michigan Press, Ann Arbor, 1992), p. 160 .ويلاحظ ايضا انه في الولايات المتحدة عام 1990 ، ( حوالي ربع الشبان السود الذين في سن العشرينات اما في السجن ، أو مطلق سراحهم بكفالات ، او انهم تحت الاختبار" المرجع السابق ، ص 160 .
11- F. W. Scharp. Crisis and Choice in European Social Democracy ( Sage, London, 1991), p. 92.
12- يعتمد هذا المقطع بشكل كبير على التحليل الأكثر تفصيلا للبنية الطبقية للبلدان الرأسمالية الموجودة في كتاب R. Miliband , Divided Societies: class struggle in contemporary capitalism ( Clarendon press, oxford, 1989 ).13- احصائيات عام 1993 للدخل ، في كتاب The justice Gap (institute for public policy research, for the commission on social justice, London, 1993 ), p. 47 لا تتضمن الأرقام حقوق المهنة او حقوق التقاعد .
14- في حين تنطبق هذه الحالة على الانظمة الراسمالية الديمقراطية ن فان الحالة معكوسة في بعض الانظمة التسلطية ، حيث يمكن ل " دولة التنمية " كما في كوريا الجنوبية وتايوان ، ان تمارس تاثيرا حاسما على التجارة ؛ ان الشراكة تستمر ، ولكن على اساس شروط الدولة . انظر الفصل 6 من اجل المزيد الملاحظات حول هذا الموضوع .
15- A. Callinicos, Against Postmodernism: a Marxist critique ( policy press, Cambridge, 1989 ) . p. 127.16- انظر ، مثلا ، ضمن عدة مؤلفات أخرى P. Bergeer. The Capitalist Revolution : fifty propositions, about prosperity , equality and librty ( Gower, Aldershot, 1987), and M. Friedman. Capitalismand freedom (Univedrsity of Chicago and London, 1962 ) .
17-J. A. Schumpeter. Capitalism , socialism and democracy. (George allen and Unwin London , 1943 ) . p 269
18- هناك عرض مفيد للأدبيات المنشورة حتى أوائل الستينات ، في كتاب L. Dais. The cost of realism: contemporary restatements of democracy. The Western political Quarterly. XVII. 1 (March C. Pateman. Participation and democratic theory ( Cambridge university,
1964).
E.S. Herman and F. Brodhead. Demornstration elections U.S -19
Singned elections in the Dominican Republic, Vietnam and El Salvador ( South End Press, Boston, 1984)
E. Morgan. Inventing the people: the rise of popular sovereignty in - 20
England and America (W. W. Norton, London and New york, 1988). P. 206 .
21- I. Katznelson and M. Kesselman. The Politics of power: a critical (21) introduction to American government ( Harcourt Brace Jovanovic) New York, 1987), p.7.
كما كتب آي . كاتزنيلسون و ام . كيسلمان : " ان العديد من المواضيع التي تستقطب اهتماما شعبية ، مثل المكان الذي سيتم فيه بناء معمل للسيارات او للكمبيوتر ، يتم اتخاذ القرار بشأنها دون اعلان ، لذا ، فان مبدأ الغالبية ، وهو صلب النظام الديمقراطي البرلماني ، يطبق فقط ضمن اطار محدود التساؤلات والقرارات " . ان المرجع هو حول الولايات المتحدة الأمريكية ، ولكن النقطة المثارة تنطبق بدرجة او اخرى على العالم الراسمالي ككل .
22- W. G. Runciman . A Treatise on Social Theory ( Cambridge University Press , Cambridge, 1989). V. II. P. 133.
23- يكتب ماركس في مؤلفه Price and profit ( 1865 ) . : بأنه بدلا من الشعار المحافظ " اجر يوم عادل من اجل يوم عمل عادل " يتوجب عليهم " الطبقة العاملة ) أن يكتبوا على رايتهم الشعار الثوري التالي " الغاء نظام الأجراء " ., in Marx and Engels, collected works. Vol 20. p. 149
24- انظر مثلا Michael J. Sandel. Liberatism and the limits of justice. (Cambridge University press, Cambridge, 1982), and Michael Walzer, Spheres of justice ( Robertson, Oxford, 1983 ) . لا تقوم مراجعة Rawl الحديثة ل " نظرية العدالة " في دراسته التي تحمل عنوان Political Liberalism ( Columia University Press. New York, 1993 ) باي جهد اضافي لتلا في الإهمال الحاصل للجانب الاجتماعي الذي افسد الكتاب السابق ، وكمؤشر على هذا فان الدليل في آخر الكتاب لا يحتوي على اي فقرة عن " الراسمالية " او " الطبقة " .
25- B. h. Bagdikian. The media monopoly ( Beacon press, Boston, 1990. 3rd. ed.) p.ix.
K. Marx. Capital. (Penguin, London, 1967). Vol. I. pa. 247 - 26
27- P. Bairoch. ‘Historical roots of economic under development: myths and realities ‘ in imperialism and after : continuities and discontinuities. Ed. W. j. Mommsen and J.Osterhammel (German historical institute,London, 1986), p.194 .28- حول هذا ، انظر مثلا A. J. Mayer. The persistence of the old regime: Europe to The Great War I Pantheon Books, new York, 1981) .
29- انظر مثلا G. Kolko.The politics of War ( Pantheon Books, new York, 1968 ,1990)30- يكتب دينيز هيلي في مذكراته The Time of my life ) Penguin, London, 1990),وهو الآن يحمل لقب لورد ) في فصل بعنوان : مقاتلي الحرب الباردة " انني مثل معظم المراقبين الغربيين في ذلك الوقت ( اي سنوات ما بعد الحرب ) اعتقدت بأن سلوك ستالين يدل على انه كان مصمما على غزو أوروبا الغربية . انا الآن اعتقد بأننا كنا جميعا مخطئين ( ص.101 ) . ولكن كان هناك العديد من الناس ضمن حزب العمال ، وهم غيرشيوعيين ، لم يكونوا مخطئين . وبعض هؤلاء الذين لم يكونوا مخطئين ، مثلا عضو البرلمان كوني زيلياكيس ، جرى طردهم من حزب العمال بسبب عدم التزامهم بموقف الحزب حول هذه النقطة " .
31- من أجل تحليل للفوائد التي تم جنيها من "الخطر السوفييتيط في الولايات المتحدة انظر مثلا
A. Wolfe. The Rise and fall of the ‘Soviet threat’ ( Institute for policy Studies, Washington. D.C. 1979 ) .
32- أنظر مثلا كتبه : American Power and the New Mandarins ( Penguin, London ,1969 )
Towards a new cold War (Sinclair Browne, London, 1982).
Dererring Democracy ( Verso, London, 1991).