| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

 

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

 

 

رالف ميليباند


الاشتراكية لعصر شكاك

ترجمة : نوال لايقة
مراجعة : د. غانم حمدون

الفصل الخامس
جمهور الناخبين ، المنظمات ، الاستراتيجيات

-1-

رغم خلافاتهم العميقة حول جملة من القضايا الأخرى ، يجمع أغلب الاشتراكيين على ضرورة التأييد الشعبي الكبير من أجل وصولهم الى السلطة واستخدامها لتحقيق الأهداف الاشتراكية . يعتبر الاشتراكيون المتحمسون للطرق الانتخابية ، أن التعبير عن التأييد الشعبي يتجلى ، في الاقتراعات بصورة رئيسية ، ضمن سيرورة انتخابية ستقود مع الوقت الى فوزهم بأغلبية الأصوات والهيمنة على البرلمان ، ويعتقد الاشتراكيون الذين لديهم ، على الأقل ، الاستعداد لاتباع هذا الطريق ، في ظل الديمقراطية الرأسمالية ، أن التأييد الشعبي سوف ينعكس بقوة كذلك خارج البرلمان . أما الاشتراكيون الثوريون ، فيعتقدون أن التأييد الشعبي ، أثناء الأزمات الحادة ، يعبّر عن نفسه في الشوارع والريف فيؤدي الى الطاحة بالنظام السياسي السائد واستبداله بنظام حكم قائم على سلطة شعبية . وحتى اللينيين المتحمسين و "الطلائعيين" اعتبروا أن استيلاء أقلية على السلطة، عن طريق انقلاب يفتقر الى تأييد شعبي وتخطط له مجموعة من المتآمرين (من الذين وصفهم ماركس بازدراء ب "مشعوذي الثورة") ، هو مجرد عصيان مسلح . لقد استطاع البلاشفة خلال الأشهر التي تلت ثورة شباط في روسيا عام 1917 ، الادعاء بوجود تأييد شعبي كبير لهم ، وقد أخمدوا الشكوك التي ربما ساورتهم حول حجم هذا التأييد ، وخاصة بعد استيلائهم على السلطة في أكتوبر عام 1917 وحلّهم للمجلس التأسيسي في مطلع عام 1918 ، اعتقادا منهم بأنهم كانوا، على أية حال ، يمثلون افضل مصالح الجماهير .

ان مفهوم التأييد الشعبي بالمعيار المعاصر ، يطرح أسئلة ثلاثة أوجزناها في ختام الفصل السابق : ما سعة التأييد الشعبي الحالي أو الممكن توفره للتغيير بالاتجاه الاشتراكي ؟ ما هي الهيئات التي يمكو أن نتوقع تعضيدها لهذا المشروع ؟ وما هي الاستراتيجيات المناسبة لهذه الغاية ؟ نحاول في ما يلي الاجابة على هذه الأسئلة بالنسبة للبلدان الرأسمالية المتقدمة .

ان "التأييد الشعبي" يعني أساسا تأييد جزء كبير من العاملين بأجور ، وهم مدنيون بغالبيتهم العظمى ، لسبب بسيط هو أن العاملين بأجور ، وكما أشرنا في الفصل الأول ، يشكلون الغالبية العظمي من السكان . ان التركيز على القوى العاملة ، وبعكس ما يزعم في كثير من الأحيان ، لا يهدف الى اسناد دور ينطوي عل "امتيازات" اليهم ، أو اسناد "مهمة تاريخية" اليهم ، أو الادعاء بأنهم جزء من "طبقة عالمية" تحريرها يقتضي تحرير جميع المضطهدين . فلا داع لكل هذا . فالتركيز على القوى العاملة نابع من الملاحظة البديهية التالية : اذا كان التأييد الشعبي أساسيا بالفعل لنجاح وتقدم المشروع الاشتراكي ، فمن الواضح أن تأييد العاملين بأجور له الأهمية الأولى . وهذا بالطبع لا يعني أن تأييد الطبقات الأخرى – أفراد من الطبقة الوسطى الدنيا وحتى أفراد من الطبقة المسيطرة – ليس ضروريا ، وسنعود الى هذه النقطة بعد قليل .

لاحظنا ، في الفصل الأول أيضا ، أن العاملين بأجور ، رغم أنهم ، موضوعيا ، يشكلون أغلبية ، لكنها تختلف كثيرا عن الأغلبية السياسية الصلبة ، خاصة عن أغلبية ملتزمة بالتغيير الجذري . لقد درج القول في السنوات الأخيرة أن تحقيق مثل هذه الأغلبية غير ممكن في ايامنا ، فأولا ، كما يدعون ، أن أي مفهوم موضوعي عن الأغلبية يتجاهل الطبيعة المتباينة للعناصر المكونة لها . ويفترض ان الانقسامات العميقة داخل صفوف هذه الأكثرية تجعل أية تسمية شاملة لها مثل "كبقة عاملة" أو "العاملين بأجور" هي تسمية مضلّلة تماما ، لأنها توحي بدرجة من التماسك غير موجودة ، كما أنها تتجاهل تفرد وخصوصية كل شخص . كأن هذا لا يكفي ، فنراهم يمضون في الادعاء بأن التغيرات العميقة التي طرأت على سيرورة الانتاج ، مع تآكل الطبقة العاملة الصناعية ، وانحسار المهن "التقليدية" ، وتفرق الجماعات المستقرة ، وانتشار النزعة الاستهلاكية ، مل ذلك أدى الى ايجاد "كبقة عاملة"، (يؤكدون جدا على وضع التعبير بين قويسات )، تجد هويتها الحقيقية في السوبرماركت والأسواق أكثر مما تجدها في قاعات الاجتماعات الحزبية الكئيبة ، وفي النشاطات السياسية بشكل عام . فالطبقة العاملة ، كما يدّعون ، هي الآن جمهرة أكثر فوضى وتفتتا من أي وقت مضى ، جماعة من البشر مشظاة ضمن مجتمعات حولت الواقع الى مشهد لملهاة لا مكان فيها للايديولوجيا أو الالتزام السياسي اللّذين يلهيان العاملين بأجور عن اهتماماتهم الحقيقية .

لا شيء جديد في النظرة الى الطبقة العاملة على أنها ملوّثة تلوثا قاتلا بقيم ال" الفردانية المهووسة" . ففي كل جيل ، ثمة من يعلن مبتهجا أو مكتئبا أن الطبقة العاملة قد "تبرجزت" ، وانسجمت أخيرا مع النظام الرأسمالي واندمجت بالنظام السياس ، ولم تعد "طبقة خطرة" ، وباتت اهتماماتها تتمحور حول النشاطات الخاصة ، وليس القضايا العامة ن الا في المظهر . حتى في المظهر ، لا يمكن للقضايا العامة أن تشرع في منافسة الرياضة أو أي شكل آخر من أشكال التسلية .

الى أي مدى تصح هذه الرؤية اليوم ؟ كي نجيب على هذا السؤال قد يكون من المفيد أن نعود الى مفهوم ماركس عن "الوضع الاجتماعي" . كتب ماركس في مقدمة كتابه "مساهمات في نقد الاقتصاد السياسي" (1859) أن "شكل انتاج الحياة المادية هو الذي يحدد ، بوجه عام ، سيرورة الحياة الاجتماعية ، السياسية والثقافية" وأن "ما يحدد وجود الناس الاجتماعي ليس هو وعيهم ، بل أن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم " (1). فعند ماركس ، وعند الماركسيين اللاحقين ، تلعب الطبقة الدور الرئيس في تشكيل الوضع الاجتماعي ، وأن الطبقة ذاتها تتحدد بموقعها ضمن سيرورة الانتاج ، فموقع الطبقة العاملة في هذه السيرورة هو الذي يعرّضها للسيطرة والاستغلال ، ولا بد أن يؤدي هذا بدوره الى تشكّل "وعي طبقي" متشرب بالارادة لتحقيق نظام اجتماعي مختلف تماما . ان هذه النظرة الى الوجود الاجتماعي وتأثيراته على الوعي قد ثبت قصورها الكبير .

لكن الخطأ الأساسي لا يكمن هنا في التأكيد على أهمية الطبقة كحقيقة موضوعية بل في اعتبارها المنبع لتشكّل الوعي الثوري . فثمة هنا "دمغ" ب "وعي ثوري" للبروليتاريا ، يشبه بعض الشبه "الارادة العام’" عند جان جاك روسو، وهي ما سوف يريده الشعب اذا علم ما يجب عليه أن يريد . ومن التطورات التي طرأت على مفهوم الوعي الطبقي فيما بعد ، أن أصبح الحزب هو الذي يجسّد هذا الوعي بصفته الهيئة التي تريد ما يجب على البروليتاريا ان تريد . ولا بد من التأكيد أن هذا ليس مفهوم ماركس عن الوعي ، ومع ذلك ، تبقى العلاقة بين الطبقة والوعي الطبقي أكثر تعقيدا بكثير مما توحي به صيغة ماركس حولها ، لأن الوجود الاجتماعي يشمل ، بالاضافة الى الهوية الطبقية ، عددا من الهويات التي تهم الأفراد الى حد كبير ، الجنس ، العرق ، القومية ، الدين ، الشباب ، الشيخوخة ، الاعاقة ، الميول الجنسية ، أو مجموعة من هذه الهوايات معا .

لا تغير هذه الهوايات الأخرى الهوية الطبقية للفرد ، كما أن التعبير عن هذه الهويات يتأثر الى حد كبير بالهوية الطبقية هذه . فيمكن لامرأة تنتمي الى الطبقة المسيطرة وامرأة عاملة أن تجدا هويتهما الأساسية في انتمائهما الى جنس النساء ، وأن تجدا أن هذه الهوية هي التي تحدد وجودهما – كما تريانه _ ولكن تأثر كل منهما بهذه الهوية سيكون مختلفا . كلا المرأتين يعاني من السيطرة الذكورية والتمييز في مجتمعات ما زالت خاضعة جوهريا لسيطرة الذكور . ولكنهما لا تعانيان بالشكل نفسه . ويمكن قول الشيء نفسه عن شخص من السود ينتمي الى الطبقة المتوسطة مقابل أحد العمال السود ، وهكذا دواليك .

كما أن الهويات المتعايشة في الوجود الاجتماعي للمرء تكتسب درجات مختلفة من الأهمية حسب الظروف . ونكذا يمكن لعاملة من السود ، في صراع مع رب العمل يشاركها فيه زملاؤها من العمال ، بيضا وسودا . رجالا ونساء ، ان تشعر أن انتماءها الطبقي هو الانتماء الأساسي بالنسبة لها . وان تشعر بتضامن قوي مع زملائها العمال بغض النظر عن لونهم ، أما حين تكون ضحية للتمييز العنصري من قبل زملائها البيض ، فسوف تشعر أن هويتها الأهم هي أنها سوداء .

ويمكن للهويات غير الطبقية غي سيرورة الانتاج ، ان تشل الشعور بالتضامن الطبقي تماما ، فالقومية والعرق والدين ، على سبيل المثال ، تتخذ في كثير من الأحيان اهمية اكبر وأشمل في أذهان الرجال والنساء ، ما يقودهم الى رفض أي نوع من أنواع التضامن مع الرجال والنساء من قوميات أو أعراق أو أديان مختلفة عنهم ، رغم هويتهم الطبقية ، الواحدة موضوعيا . ما كتب مؤخرا في هذا الموضوع يؤكد ان المشاعر العرقية او القومية ليست مشاعر "فطرية" ، بل ينبغي النظر اليها كمشاعر تنشأ من مصادر عديدة شتّى . وكثيرا ما يتم التلاعب بها عمدا لأغراض الدمج العنصري (2) . هذا صحيح وهام ، ورغم ذلك ، فان المشاعر العرقية والقومية تخلق ، في الواقع ، ولاءات أدّت المرة تلو المرة الى وقوع مذابح متبادلة بين العمال الذين ينتمون الى قوميات واعراق مختلفة . ويوغوسلافيا السابقة تشكل مثالا حديثا وكارثيا عن هذه الظاهرة . ان اممية "البروليتاريا" وتصورها بمثابة العقبة في وجه الحروب بين الشعوب تبين انها من الأوهام التي وأدت" الأممية الثانية " ، وما زالت ضئيلة الدور في العلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الأولى الدامية.

اعتقد ماركس ايضا أن سيرورة الانتاج سوف توجد طبقة عاملة متماثلة توحّدها الظروف المتشابهة لأعضائها . هذا الاعتقاد يقلل كثيرا من الطبيعة الدائمة للانقسامات التي تميّز الطبقة العاملة ، هذه الانقسامات التي تنمو بدل أن تضعف .

وتترتب على هذا الرأي أمور كثيرة . فالوعي الطبقي البروليتاري يعني عند ماركس أن الطبقة العاملة . الموحّدة بفقل طبيعة الرأسمالية . سوف تتجاوز مع الوقت انقساماتها المتعددة ( التي كان ماركس يدركها تماما ) ، وسوف تتوصل الى رؤية واضحة لموقعها في المجتمع ، لمصالحها الطبقية ، لأعدائها الحقيقيين ، ولما هو ضروري لتحقيق انعتاقها . انطلاقا من هذا ، من السهل أن نفهم لماذا أيقن ماركس وانجلز ، طوال حياتهما ، يقينا راسخا أن " تحرر الطبقة العاملة لا بد أن ينجزه نضال الطبقة العاملة نفسها " ، حسب تعبير ماركس في مسودّة " نظام الأممية الأولى عام 1864 " ؛ لأن هذه الطبقة العاملة ، بعد أن تصقلها نضالاتها الكثيرة ، سوف تكتسب ، مع الوقت ، الرؤية الواضحة والارادة الضرورية لتحقيق التحرر . وقد حاد لينين عن وجهة النظر هذه في كتابه "ما العمل" (1902) في تأكيده على أن الطبقة العاملة ، بجهودها هي وحدها ، لا يمكنها أن تكتسب سوى وعي نقابي " (3) ، وقد عنى ب "الوعي النقابي" بالطبع شيئا مختلفا تماما عن الوعي الطبقي الثوري ، عنى النضال من أجل تحقيق مكاسب محدودة ضمن النظام الاجتماعي القائم . ويجب عدم الاستخفاف بهذا النضال . على العكس ، يجب دعمه بكل الطرق الممكنة ، ولكنه مختلف جوهريا عن النضال من أجل التغيير الثوري .

كان ابتعاد لينين في وجهة النظر هذه عن ماركس بارزا لكنه أقل مغزى مما يبدو للوهلة الأولى . فلينين اعتقد فعلا أن الطبقة العاملة يمكنها ، بارشاد الحزب وقيادته ، أن تكسب الوعي الطبقي الثوري اللازم وتصنع الثورة .

ويمكن القول ان لما حدث في روسيا عام 1917 علاقة ولو بعيدة بهذا النموذج للثورة ، وشهد القرن العشرون أحداثا لها بعض الشبه بهذا النموذج أيضا . ومع ذلك لم تبرر التجربة التاريخية هذا النموذج .

لكن ، رغم أن الموقع الطبقي للطبقة العاملة لم يؤدّ في الغالب الى تشكّل وعي طبقي ثوري ، فهذا لا يعني أننا نستطيع انكار قوة العلاقة بين الطبقة والتوجهات السياسية لجميع الطبقات المسيطرة : فالأغلبية الساحقة من أفراد هذه الطبقات لا تميل نحو تأييد الأحزاب التي تدعو الى الاصلاح ، ناهيك عن تأييد الأحزاب الثورية على العكس ن نجد أن الموقع الطبقي لأفراد الطبقات المسيطرة هو الذي يقودهم ، بشكل طبيعي تماما ، نحو تأييد الأحزاب التي تلتزم الحفاظ على النظام الاجتماعي الذي يمنحهم الامتيازات وتقويته. ولكن هذه "النظرة الى العالم " المألوفة تتسع لتنوعات كثيرة داخل نطاقها –خاصة بشأن الحفاظ على النظام الاجتماعي القائم وتقويته . غاية ما نقصد بذلك أن العلاقة بين الطبقة والتوجهات الأيديولوجية هي علاقة معقدة وشديدة التنوع.

ويصح هذا اكثر ما يصح على العاملين بأجور . لأن عددا كبيرا منهم ، لا سيما الأشد حرمانا ، كثيرا ما أيّدوا أحزابا بورجوازية . كما أن بعض العاملين بأجور ، جراء سخطهم من ظروفهم ، قد انساقوا أحيانا الى تأييد احزاب وحركات يمينية متطرفة تهاجم المهاجرين ، السود ، اليهود والأقليات الأخرى ، ولكنها في الوقت نفسه تعد بالتجديد الاجتماعي والسياسي . وليس صدفة ان يسمي الحزب النازي نفسه حزبا اشتراكيا – قوميا ، كما أن أحزابا ومجموعات أخرى في كل مكان ادّعت الرغبة في تحقيق تغييرات جذرية واستخدمت خطابا "شعبويا" ضد النظام القائم . هذا التأييد الذي منحه أفراد من العاملين بأجور لمجموعات عنصرية ، معادية للغرباء ومعادية للسامية يبيّن بوضوح كاف أن العلاقة بين الانتماء الطبقي للعاملين بأجور وبين توجهاتهم السياسية يمكن أن تتخذ اشكالا تقدمية وكذلك رجعية .

مع ذلك لا بد من القول ايضا أن الغالبية العظمى من العمال المنظّمين قد اظهرت معارضة جلية للأحزاب والحركات اليمينية المتطرفة . يجب الا ننسى ، مثلا ، أنه في انتخابات تشرين الثاني لعام 1932 في ألمانيا ، وهي الانتخابات الأخيرة قبل تبؤّء النازيين السلطة في مطلع العام 1933 ، في ظل الصراع الحاد بين الحزب الاشتراكي – الديمقراطي والحزب الشيوعي ، حصل الحزب الاشتراكي – الديمقراطي على 20,4 % من الأصوات مقابل 21,6 % في انتخابات تموز 1932 ، و 24 ,5 % في انتخابات أيلول 1930 ، أما الحزب الشيوعي ، فقد حصل على 16,9 % من الأصوات ، مقابل 14,3 % في تموز 1932 و 13,1 % في أيلول 1930 (4) . كانت أكثرية المصوتين لهذين الحزبين من العمال ، ولم تصب حملات النازيين الانتخابية العنيدة ومحاولتهم جذب اصوات العمال نجاحا كبيرا (5) . وكانت القوة الحقيقية للنازيين ناجمة عن تأييد مصادر أخرى لهم – البورجوازية الصغيرة في المدن والريف ، بالاضافة الى البورجوازية , ومما له دلالة أيضا أن منأوصل هتلر الى سدة الحكم لم يكن العمال بل دعم عليّة القوم له ، هذا الدعم الذي توّج بدعوة الرئيس هيندنبرغ له لتولي رئاسة الحكومة .

ويبيّن التاريخ القريب أيضا احجام الغالبية العظمى من الطبقة العاملة عن السير وراء المجموعات النازية الجديدة . ان قسما صغيرا من العاملين بأجور في البلدان الرأسمالية المتقدمة ، التي لديها حركات عمالية واشتراكية مكينة ، يمنح الأصوات للحركات اليمينية ، المتطرفة والفاشية الجديدة ، التي تبني دعايتها على "شعبوية قومانية " قوامها الأساسي ؛ الهاب الشعور القومي ، كراهية الأجانب ، القومانية ن التمييز العنصري ، والتنديد الكاذب بالحكام البورجوازيين . ولكن هذه الأحزاب لم تحصل على التأييد الأساسي من الطبقة العاملة ، وقد تجنب العاملون بأجور بشكل عام هذه الحركات وكانوا اما مخلصين ، انتخابيا ، للأحزاب اليسارية او الأحزاب الدستورية المحافظة ، أو ابتعدوا عن طالسياسة " تماما .

كما أن التجربة الطويلة تثبت أن الانقاسامات الموجودة فعلا داخل الطبقة القاملة ليست عصية على العلاج : فهناك أمثلة لا تعد ولا تحصى على نضالات الطبقة العاملة ، استطاع خلالها العمال تجاوز اختلاف الجنس والقومية والدين .... الخ ، ليناضلوا في سبيل هدف مشترك ضد أرباب العمل والسلطات . وسوف ابين بعد قليل أن الشيء نفسه قد حدث في الحقل السياسي ايضا .
لكن هذا النضال هو في الغالب ، غير ثوري بالتأكيد ، ذو طابع "اصلاحي" محدد . ويرجع ذلك الى مجموعة عوامل اقتصادية ، سياسية ، اجتماعية وثقافية ؛ مرونة وتوسع الرأسمالية ، والتحسينات والمتوقعة والفعلية ضمن نطاق النظام الرأسمالي القائم ؛ الحراك الاجتماعي ان لم يكن للفرد فلأبنائه ؛ مخاطر التورط في نشاط سياسي "متطرف" , خشية ألا يكون هناك أي بديل للنظام الراهي أو , ان وجد , أن يزيد الأمور سوءا وارتباطا بالخصائص المنفّرة والاخفاق الذي ميّز الأنظمة الشيوعية ؛ الدعاية المحافظة التي لا تلين ضد اليسار , بالاضافة الى مهاجمة القادة الاشتراكيين – الديمقراطيينلكل من هو على يسارهم , وأهم من هذا كله , وجود الأشكال الديمقراطية والآليات التي توفرها للاصلاح. من الواضح أن "الحالات الثورية" لا تحدث في البلدان الرأسمالية الديمقراطية الا في ظروف بالغة الاستثنائية , وأن الغالبية العظمى من سكان هذه البلدان تسلّ بالمخاطر التي تنطوي هذه الحالات الثورية .

لكن هذا ليس كل شيء ، ففي حين أن الغالبية العظمى من الطبقة العاملة قد رفضت فعلا أن تلعب دورا "ثوريا" ، قام القسم الأكبر منها بتأييد أحزاب يسارية تعد بتغييرات واسعة النطاق في النظام الاجتماعي ، وهي ، كما جاء في كلمات البيان الانتخابي لحزب العمال ( البريطاني ) في شباط عام 1974 ، لا تقل عن " تحول جوهري ودائم في التوزيع الحالي للسلطة وللثروة لصالح العمال وأسرهم " . لقد استخدمت في كثير من الأحيان أحزاب اشتراكية – ديمقراطية وغيرها مثل هذه اللغة اليسارية في عدة بلدان ، فحصلت على نتائج انتخابية جيدة (6) .

صحيح أن الكثير من العاملين بأجور (وغيرهم) قد اقترعوالصالح الأحزاب اليسارية لا لأنهم ملتزمون ببرنامج راديكالي للتجديد والاصلاح ، وأن بعض التأييد الذي حصلت عليه هذه الأحزاب كان هشا ومشروطا . ولكن الحقيقة تبقى أن جزءا كبيرا من السكان العاملين بأجور في بلدان كثيرة تكاتف في أوقات الانتخابات لدعم برامج التغيير الجذري ، وتجاوزوا انقساماتهم الكثيرة ، على الأقل من أجل غايات انتخابية ، وقد فعلواالشيء نفسه مرة بعد أخرى . ان احتمال وجود مثل هذه البرامج الانتخابية يقلق القوى المحافظة ، ويجعلها تشنّ هجوما يوميا على وعي المنتخبين من الطبقة العاملة عن طريق أحزاب هذه القوى ووسائل الاعلام التي تدعم هذه الأحزاب بالاضافة الى وسائل أخرى تساعد في شن هذا الهجوم بأمل أن يفطموا هؤلاء المنتخبين عن الأفكار والميول الخطرة . وخلافا لكل المتنبئين بتحول بتحول الطبقة العاملة الى جمهور هلامي مفتون بالاستهلاك ، يدرك المحافظون في كل مكان ان الطبقة العاملة تبقى ، في نظرهم ، مصدرا محتملا للخطر الدائم ، وان المعركة في سبيل كسب هذه الطبقة ، عقلا وقلبا ، معركة شاقة وضرورية دائما.

ان هذه النظرة أكثر واقعية بكثير من حديث J.K.Galbraith (جالبريث) عن سيادة "ثقافة الرضا "حاليا ، وحسب رأيه فان "الرضا السائد والقناعة المترتبة عليه قائمان لدى الأكثرية وليس الأقلية فقط " (7) . ويلاحظ جالبرييةتخاب ، من هؤلاث (وهو يركّز في كتابه على حالة الولايات المتحدة ) ان "المحظوظين اقتصاديا واجتماعيا يمثلون أكثرية ليس بالنسبة لجميع المواطنين بل بالنسبة للمصوتين فعلا" (8) . ولكن اكثرية من هؤلاء الذين يحق لهم الانتخاب ، ربما يعني ذلك أكثر من 25 % من الأمريكيين ، ولعل هؤلاء يشكلون بالفعل اقلية "راضية" ، فهي لا تبرر فكرته عن سيادة " ثقافة الرضا " . ويرى جالبريث ايضا أن "أغلبية راضية قد ضمنت استمرار حكومة مارغريت تاتشر لمدة 11 سنة (9) . ولكن تاتشر لم تحصل على أغلبية الأصوات في اي من انتخاباتها . وليس هناك اي سبب يدعونا للاعتقاد بأن كل من صوّتوا للمحافظين كانو " راضين " .

لقد بالغ ماركس في تقديره لقوة العلاقة بين الموقع الطبقي والاتجاهات السياسية التي يولدها بين العاملين بأجور . ولكن نقاد ماركس ، من جهتهم ، يبخسون تقدير قوة هذه العلاقة . والسبب الرئيسي لهذا الموقف هو عدم تقديرهم الصحيح للمكانة التي يحتلها العمل في حياة العاملين باجور . لقد كان أندريه غروز A. Groz أحد الدعاة الأساسيين لهذه النظرة لمدة طويلة . وقد كتب مؤخرا في صيغة نموذجية لهذا النمط من التفكير " نحن ازاء تحوّل اجتماعي يؤدي الى حالة يكون للعمل فيها مكانة متواضعة في حياة الناس " (10) . ويسترسل قائلا ط ان الأفراد يوجهون سعيهم لتحقيق الذات نحو مجالات اخرى " (11) . يمكن الاعتقاد ان العاملين بأجور الذين قد يحققون ذاتهم من خلال عملهم لا يزيدون عن أقلية . على كل حال لا يمكن فهم الرأي القائل ان العمل لا يحتل الا "مكانا متواضعا في حياة الناس " الا على اساس ان العمل الذي يقومون به لا يثير الاهتمام وأنهم لا يجدون فيه سوى مصدر للدخل . قد يكون ذلك صحيحا ، لكن ، كما يقول روبرت دالRobert Dall "يحتل العمل مكانة أساسية في حياة أغلب الناس . لأن الغلبية العظمى منهم يقضون وقتا في العمل أطول من الوقت الذي يقضونه في اي نشاط آخر . فالعمل يؤثر ، تاثيرا حاسما في أحيان كثيرة ، على دخلهم ، استهلاكهم ، ادخارهم ، مكانتهم ، صداقاتهم ، اوقات راحتهم ، صحتهم ، أمانهم ، حياة اسرهم , شيخوختهم ، ثقتهم بانفسهم ، احساسهم بتحقيق الذات والسعادة ، حريتهم الشخصية ، ارادتهم ، ارتقائهم بذاتهم ، وعدد آخر لا يحصى من المصالح والقيم الأساسية " (12) .

ان هذا القول لبليغ . ولكن ما يحتاج التاكيد أيضا هو أن العمل الذي يزاوله المرء وثيق العلاقة بانتمائه الطبقي ولا يمكن للانتماء الطبقي أو العمل الذي يزاوله المرء ان يخلقا وعيا يساريا بصورة تلقائية ، ولكن الحاجة الى التغيير ن مع ذلك ، مرتبطة "عضويا" بالطبقة العاملة نظرا لموقعها في سيرورة الانتاج في المجتمع ككل ؛ فهذا الموقع بطبيعته يدفع العاملين بأجور نحو طلب أجور اعلى ، ظروف عمل افضل ، ساعات عمل أقل ، حقوق وخدمات اوسع بالا ضافة الى اصلاحات اخرى من هذا القبيل . ان شدة الرغبة في التغيير تتوقف على ظروف كثيرة متباينة ، ولكنها ليست قط رغبة دفينة تماما . وهذا يساعدنا على فهم التأييد الواسع في صفوف العاملين بأجور لجميع المنظمات التي تتبنى الاصلاح في المجتمعات الراسمالية ز كما أن مفهوم لينين عن طالوعي النقابي" يقلل جدا من أهمية هذا الضغط من حيث جوهره ومداه ، فهو ضغط يتفاوت بين مطالب معتادة ، لكنها اساسية مثل الأجور الأعلى وساعات العمل الأقصر وشروط العمل الأفضل ، وبين المطالبة بمزيد من الحقوق المدنية والسياسية ، واشياء اخرى كثيرة تهدد النظام القائم وتؤثر فيه فعلا . ان هذا الضغط هو الذي ادى الى "مقرطة المجتمع" الجارية في المجتمعات الراسمالية . ان الطبقة العاملة هي المسؤولة عن قصور ما حققه هذا الضغط ؛ لقد كان القادة اليساريون ، سواء في المعارضة أو في الحكومة ، هم الذين قرروا ، مرات ومرات ، انه من الحكمة الاكتفاء بالمطالب المحدودة بدلا من السعي للمضي شوطا أبعد منها.

للأحزاب اليسارية ايضا دور هام في صياغة المطالب "الحيوية" صياغة متماسكة . كما انها (أو يجب أن تكون) مصدر أساسي لصياغة منظومة قيمية تتحدى المنظومة السائدة وتطرح "رؤية مختلفة جذريا للعالم " . ان فشل الأحزاب الاشتراكية –الديمقراطية في انجاز هذه المهمة ، وهو ما نلاحظه بجلاء اكبر في العقود الأخيرة ، يشكل تفسيرا هاما لتراجع الراديكالية بين صفوف العاملين باجور في البلدان الرأسمالية المتقدمة . يقول
 
Przeworsk &  Sprague في مؤلفهما الذي اشرنا اليه سابقا ان "تغلب الدوافع الأخرى على دافع الانتماء الطبقي هو نتيجة لاستراتيجيات الأحزاب السياسية : فعندما لا تسعى الأحزاب الى انظيم العمال كطبقة ، تختفي الايديولوجيا الطبقية تماما من الحياة السياسية ، وتحتل المبادئ الأخرى لتنظيم الهوية مكان الصدارة" (13). ان قولهما هذا مبالغ فيه . فغلبة الدوافع الأخرى على دافع الانتماء الطبقي تنجم ن في الواقع ، عن عوامل كثيرة شتى ، وغياب الطبقية عن الخطاب السياسي ومفاهيمه ينجم ، الى حد كبير ، عن اصرار الاشتراكيين – الديمقراطيين على تفادي التهمة المفزعة بأنهم "أحزاب طبقية" مما يؤدي الى التعتيم على خطابهم الوطني غير الطبقي . ولا بد من القول ايضا ان الاصرار على أهمية الطبقة لا ينطوي على تضييق في الرؤية عاقبته الاخفاق ، اذا اعتبرنا ان الطبقة العاملة تشمل ، كما اسلفنا ، الأغلبية الكبيرة من السكان المتكونة من العاملين بأجور واسرهم . وهذا التوكيد لا يعيق الاهتمام بالفئات الأخرى من السكان ، خاصة البورجوازية الغيرة في قطاع الأعمال وصغار المعنيين ، ويعدّ اهمال البعد الطبقي مجرد تعتيم على أهم سمات واقع المجتمعات الراسمالية .

لا يقتصر الضغط من أجل الاصلاح على العمال . اذ يأتي ايضا من صفوف الطبقة المتوسطة الدنيا ، كما اجتذبت حركات اصلاحية عددا لا باس به من أفراد البورجوازية ايضا .

لقد أشرت في الفصل الأول الى أن الطبقة المتوسطة الدنيا تشمل عنصرين بارزين ؛ هناك أولا أصحاب الشركات الصغيرة ، أصحاب الدكاكين ، المزارعون الصغار ، الحرفيون المستقلون _ فهؤلاء هم الأعضاء الصغار في عالم الرأسمالية . وهناك ثانيا ؛ المعلمون ، الصحفيون ، الفنيون ، المرشدون الاجتماعيون والموظفون المشرفون في القطاعين العام والخاص .

ان الطبقة المتوسطة الدنيا في قطاع الأعمال تعتبر تقليديا ، بالمفهوم السياسي للكلمة ، محافظة ، قوة رجعية في كثير من الأحيان ، تنزع الى تأييد منقذين مزعومين يعدون تحماية الأعمال الصغيرة من خطر الشركات الكبيرة وخطر التنظيمات العمالية معا . ولكن النزعة المحافظة لدى أصحاب المؤسسات الصغيرة ليست مستعصية على الحل ، وقد أفلحت بعض الأحزاب اليسارية ، مثل الحزب الشيوعي الايطالي السابق ، في جذب تأييد بعض أرباب العمل الصغار ، أصحاب الدكاكين والحرفيين (14) . وحدث شيء مشابه في أماكن أخرى ايضا . وللحصول على هذا التأييد اهمية بالغة . يلاحظ أليس نوف ِ Alec Nove ؛ كان في تشيلي "طبقة واسعة جدا مكونة من أصحاب الدكاكين ، أصحاب الورشات ، الحرفيين ، مالكي السيارات الشاحنة الذين يقودونها بأنفسهم ، الفلاحين الصغار ، وأفراد آخرين ينتمون الى ما يجب تسميته البورجوازية الصغيرة " (15) . وكان لابعاد هذه الطبقة عن نظام الليندي Allende وخاصة اضراب أصحاب الشاحنات الكبيرة وسائقيها بتدبير من وكالة المخابرات الأمريكية C.I.A ، دور كبير في زعزعة ذاك النظام .

لكن الجزء من البورجوازية الصغيرة المكوّن من صغار المهنيين هو الذي يكوّن المصدر الانتخابي الواعد أكثر بالنسبة للأحزاب والحركات اليسارية ، لأن عددا كبيرا منهم يعمل في القطاع العام ولديه بالتالي تجربة شخصية مع قصور الخدمات العامة والضمانات الاجتماعية التي توفرها الدولة ، كما أنهم يعانون من التقتير الذي تمارسه الدولة ، أما ان كانوا يعملون في القطاع الخاص ، فلديهم خبرة شخصية مع الطبيعة الهرمية اللاديمقراطية لسيرورة العمل في هذا القطاع ، ولا يستبعد أن يكون لديهم شعور بأن هذا القطاع لا يقدّر كفاءاتهم حق قدرها . لقد انجذب عدد كبير من هؤلاء نحو الأحزاب اليسارية ، ولعبو دورا هاما في النشاط القاعدي . كما أن ازدياد عدد هؤلاء يوحي بأن تأثيرهم سوف يتعاظم في السنوات المقبلة ، وذلك في سياق ما يمكن تسميته "برجزة صغيرة" لليسار ما زالت مستمرة .

أما البورجوازية فكانت دائما تضم بعض الأفراد الذين تجتذبهم حركات الاصلاح والتجديد ، وكذلك حتى الأحزاب الثورية التي تدعو الى الكفاح المسلح ، ولعب هؤلاء الأفراد ، مثل أفراد البورجوازية الصغيرة ، دورا هاما ، بل قياديا ، في حياة الأحزاب اليسارية تقليديا . فهذه الأحزاب كانت قناة هامة لصعود أفراد من البورجوازية الصغيرة والبورجوازية ، سياسيا واجتماعيا ، ومن بين صفوف هؤلاء انحدرت الشريحة العليا في الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية .

تلك هي اذن ، القواعد المعوّل عليها ، سابقا ومستقبلا ، لتأييد الأهداف الاصلاحية ، أما مدى جذرية هذه الغايات الاصلاحية فيبقى مسألة جوهرية يتوقف حسمها ، الى حد كبير ، على الهيئات التي تسعى الى تنظيم هذه القواعد وتوحيدها .

-2-

خلال المئة عام الأخيرة ، كانت هيئات التغيير ، في نظر اليسار ، تعني الأحزاب السياسية أساسا . اما المنظمات الأخرى – لا سيما النقابات والجمعيات التعاونية ، والروابط والحركات التي لا تهتم الا بقضية واحدة – فتلعب دورها في التعبير عن مطالب مرتبطة باليسار ، ولكن الأحزاب بالدرجة الرئيسية هي التي ينتظر منها أن تعبر عن أهداف اليسار وتجعل حضوره قويا وفعالا في المشهد السياسي .
هيمن نمزذجان من هذه الأحزاب على حياة اليسار وسياسته في القرن العشرين ؛ الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية من ناحية ، والأحزاب الشيوعية (بعد عام 1917 ) من ناحية أخرى . وكانت هذه الأحزاب ( الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية أكثر من الأحزاب الشيوعية ) هي التي توسعت لتصبح جماهيرية في بلدان عدة ، وحصلت على التأييد الواسع ، وأحيانا تأييد الأكثرية ، في الانتخابات . وتمتعت هذه الأحزاب ، لا سيما الشيوعية ، بدرجة استثنائية من اخلاص وولاء أعضائها – يمكن تسميته التقديس الأعمى للحزب (16) . ويمثل هذا أحد الظواهر اللافتة للنظر في هذه الحقبة – أن تثير مؤسسات علمانية مثل الأحزاب الشيوعية تعلقا من النوع المرتبط بالأديان – فالعواطف التي أبديت ازاء الأحزاب الشيوعية تحت سيطرة الستالينية كان لها طابع شبه ديني .

لقد انتهت غالبية الأحزاب الشيوعية الآن ، أو تغيرت بشكل كبير ، وأصبح الولاء الذي كانت تتمتع به جزءا من التاريخ لا يتوقع أن يعيد نفسه أبدا ، كما أن أغلب الولاء الذي تحصل عليه الآن مشروط ويعتبر من الوسائل . في الواقع ، اصبح الكثيرون في صفوف اليسار ينظرون الى الأحزاب بكثير من الارتياب ويعتبرونها استبدادية ، بيروقراطية ، مناورة ، غير مبدئية ، وكثيرا ما يقال انها مصابة بمرض الانحياز القاتل الى الطبقة العاملة التي ما فتئت تتقلص ، وما عادت ، على اية حال ، تشكل قاعدة تأييد يمكن التعويل عليها . في السياق نفسه ، تعرضت الأحزاب اليسارية للاتهام بالانتهازية الانتخابية ، التفرقة بين الجنسين ، العنصرية ، تميّزها النزعة "الدولتية" والعداء العميق لأية نشاطات في القاعدة ، لا تستطيع هذه الأحزاب فرض سيطرتها الصارمة عليها .

قبل المضي قدما في بحث هذه النقطة ، لا بد من ملاحظة الاستنتاج الذي توصل اليه العديد من اليساريين انطلاقا من هذا الاتهام ، ومفاد هذا الاستنتاج ان أي امل في المضي قدما بالقضايا التقدمية داخل المجتمعات الرأسمالية منوط بالحركات الاجتماعية بدلا من الأحزاب . فهم يدّعون ان الحركات التي تشغلها قضايا مثل : النسوية ، العنصرية ، البيئة ، السلام ، الميول الجنسية ، الدفاع عن الحقوق المدنية والاجتماعية ، الاصلاح الدستوري ، مسائل المشاركة السياسية ، وقضايا أخرى ، والتي صارت مصدرا للأفكار الجديدة ولأشكال تنظيمية جديدة ، ولأساليب سياسية جديدة ، هي التي أظهرت حيوية وفاعلية تفوق حيوية وفاعلية أي حزب يساري ، كما يدّعون . ان هذه الحركات هي التي تدفع قضايا أساسية الى صدارة جداول الأعمال السياسية ، وتفرض على الأحزاب والحكومات ان تاخذ هذه القضايا مآخذ الجدّ ، على الأقل . وحسب تعبير محرري مجموعة من المقالات حول الحركات الاجتماعية الجديدة ، ان هذه الحركات "هي جانب جديد نوعيا من جوانب السياسة الديمقراطية المعاصرة " (17) . دعما لهذا الادعاء ن تشير المقالات الى اي مدى اصبح الدفاع عن حقوق المرأة جزءا من الثقافة السياسية ، والى تمكن حركات السود في الولايات المتحدة واماكن اخرى من وضع التفرقة العنصرية في موقف الدفاع عن النفس ، والى فاعلية حركات الدفاع عن البيئة في زيادة الوعي بالمخاطر التي يسببها اهمال الاحتياجات البيئية للبشر .

لا يزعم دعاة الحركات الاجتماعية الجديدة انهم قد حققوا اهدافهم ، ولكنهم يدعون فرض القضايا التي تهمهم على الثقافة السياسية لبلدانهم ، واستطاعوا الحصول على تنازلات هامة من حكوماتهم .

رغم ان لهذه الادعات ما يبررها ، يجب الا تحجب عنا قصور الحركات الاجتماعية الجديدة ن بالمقياس الاشتراكي , فقد طرحت حركة النسوية تحديا هائلا لأحد الجوانب الأساسية للنظام الاجتماعي السائد ، الا وهو سيطرة الرجال التامة والتمييز ضد النساء . ان للنضال ضد سيطرة الرجال والتمييز ضد النساء مضامين تغييرية للنظام الاجتماعي . ولكن هذا التغيير يظل ، كما أشرنا ، قاصرا عن تغيير البنى القائمة للسلطة الرأسمالية ، حتى ولو أمكن أن يتحقق تماما في السياق الرأسمالي . انه سيساعد على بعض النسونة لهذه البنى . لكن القلة فقط في الحركة النسوية تطمح الى المضي شوطا ابعد , او ترى ضرورة تحالف هذه الحركة الوثيق ، دون التنازل عن استقلالها ، مع الأحزاب التي تناضل من أجل تحقيق الاشتراكية .

ينطبق القول هذا على جميع الحركات الاجتماعية الأخرى . ففي حركات السود ، مثلا ، أغلبية تسعى الى القضاء على التفرقة العنصرية التي يمارسها المجتمع الأبيض ضد السود ، لكن انتقاداتهم الموجهة لهذا المجتمع تميل الى التركيز الضيق على هذا الجانب فقط من جوانبه . هنا ايضا ، فان الأعضاء الذين لديهم الاستعداد لوضع التفرقة العنصرية ضمن السياق الأوسع للتعاون مع الأحزاب أو الجماعات اليسارية لا يشكلون الا اقلية صغيرة . فالحركات الاجتماعية الجديدة ترتكز بالطبع على القضايا المفردة الخاصة التي تهمها اكثر من غيرها . ولهذا تروق هذه الحركات للكثير من اليساريين الذين لم يعودوا يؤمنون بإمكانية او فاعلية التحدي الشامل ، والذين يريدون بالتالي التركيز على القضايا العملية التي يمكن ان تعطي نتائج اكثر مباشرة .

ويتوافق هذا الابتعاد عن برامج التجديد الاجتماعي الشامل مع الانتقادات الشديدة التي يوجهها انصار الحداثة الى الشمولية ومع تأكيدهم على الاختلاف والخصوصية . وابتعادهم عن الطرح الطبقي زاعمين انه "تعميمي " و " شمولي " خطر . تميل الحركات الاجتماعية الجديدة الى التأكيد ، بشكل صريح أو غير مباشر ، على طبيعتها غير الطبقية ، كما أنها كثيرا ما تؤكد على "عدم انحيازها " . رغم ذلك ، كثيرا ما تعاطف نشطاء من الحركات الاجتماعية الجديدة مع القضايا التي تشكل تحديا واختبارا لتفكير وممارسة أحزاب اليسار ، وبالتالي ساهموا مساهمة حقيقية في السياسة اليسارية ، عن طريق فرضهم على الأحزاب اليسارية مسائل كانت هذه الأحزاب في حقبة سابقة تبعدها الى هامش اهتماماتها ، أو تتجاهلها بشكل تام . وهكذا ، يجب ان تشكل هذه الحركات عنصرا هاما في الائتلاف الذي يجب أن ينشأ في صفوف اليسار . تقول Kate Soper " مثلما لا يمكن للإشتراكية أن تامل بأن تبقى قوة راديكالية ونافعة تطمح الى التغيير الاجتماعي الا اذا تبنت بعدا بيئيا ، كذلك لن يكون للأهتمامات البيئية فاعلية هامة ... اذا هي لم تتكامل مع المطالب الاشتراكية التقليدية ، من مثل مهاجمة القبضة الحديدية التي يحكمها الرأسمال العالمي على هذا الكوكب " ؛ وهي تضيف ان ذلك يتطلب "اتخاذ اللونين الأخضر والأحمر معا " (18) . ينطبق الشيء نفسه على حركات اجتماعية اخرى ايضا . ولفكرة الائتلاف اهمية كبيرة هنا ، لأنها تسلّم بالحقيقة الكبرى التي مفادها انه لا يمكن لأية منظمة يسارية منفردة ان تدّعي أنها تمثل جميع حركات الاحتجاج والضغط ، كما فعلت في السابق احزاب شيوعية (وكذلك احزاب اشتراكية –ديمقراطية ولكن بتاكيد اقل) . الائتلاف يعني التحالف بين قوى مختلفة تعتبر التفاوض والحل الوسط فيما بينها شرطا اساسيا للتقدم والنجاح .

نعود الى احزاب اليسار . من الواضح ان للكثير من الاتهامات التي وجّهت اليها ما يبررها جدا . لقد اتسمت ، قبل كل شيء ن بالافتقار الى الديمقراطية الحقيقية ، حماية للقادة من التحديات التي يمكن ان تواجههم من بين صفوف الحزب نفسه . وقد ضمنت الأحزاب الشيوعية ذلك بمبدأ "المركزية الديمقراطية " والإصرار على " الوحدة " ، مهما كانت زائفة . أما في الأحزاب الاشتراكية –الديمقراطية ن فكانت الغابة من الممارسات غير الديمقراطية هي حماية قادة هذه الأحزاب من أتباعهم الراديكاليين . ويبقى السؤال مفتوحا حول مدى مقدرة الأحزاب اليسارية على تجاوز النزعة الأوليغاركية . لكن ، مهما كان الأمر ، يبقى للأحزاب اليسارية اهمية اساسية كوسيلة ممكنة او فعلية من وسائل التقدم الاشتراكي . ان هذا التحديد ضرري لكي تؤخذ جميع عيوب هذه الأحزاب بعين الاعتبار . ولكن التحديد لا يلغي حقيقة ان اليسار يحتاج فعلا الى أحزاب اذا اراد ان يكون قوة لها حضورها الناجح الفعال في مسرح الأحداث السياسية ، وقادرة على تحدّي البنى القائمة للسلطة بشكل جدّي .

تبيّن تجربة الولايات المتحدة بوضوح مدى الضرر الذي يصيب الحركة العمالية ، واليسار بشكل عام ، جراء غياب حزب يساري كبير عن الساحة السياسية . لقد برزت في الولايات المتحدة حركات اصلاحية كثيرة استطاعت ان تجبر النظام على بعض التنازلات . وتتباهى إدارات " الحزب الديمقراطي " ؛ منذ اعتماد "العهد الجديد " في الثلاثينات ، بما حققته على صعيد الإصلاح ، وكثيرا ما ينظر الى الحزب الديمقراطي على أنه فعلا اشتراكي – ديمقراطي ، رغم انه لا يتمسك بذلك ، لكنه ، في الواقع ، حزب بورجوازي تماما وعلى الدوام ، حزب ملتزم بخدمة "الاقتصاد الحرّ " ، وله ميول متواضعة جدا نحو التدخل الحكومي في الاقتصاد ونحو الإصلاح الاجتماعي ، ألأمر الذي مكّنه من ضمان تأييد عدد كبير من الناخبين من بين صفوف الطبقة العاملة . من الجدير بالذكر ايضا أن الحزب الشيوعي الأمريكي تمكّن ، في الثلاثينات وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، من القيام بدور معاررض فعّال جدا قياسا لحجمه الصغير نسبيا . يعود هذا بلا شك الى الكساد العظيم ، والى جاذبية الاتحاد السوفيتي الذي كان الحزب يعتز بالارتباط معه ، والى انتصارات الفاشية التي بدأ الاتحاد السوفيتي خصمها الحقيقي . ثم بدأ نفوذ الحزب بالتضاؤل الحثيث مع بداية الحرب الباردة .

ومنذ ذلك الحين ، ترك غياب حزب قوي غير شديد الالتزام ب "الاقتصاد الحر" ، بالإضافة (حتى الآن ) الى الحرب الباردة ، ثغرة هائلة في الثقافة السياسية الأمريكية ، كما أدى الى ضيق في أفق السياسة الأمريكية ، كما أدى الى ضيق في افق السياسة الأمريكية التي تسبب ضررا للغالبية الساحقة من الشعب الأمريكي . رغم أن الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية لم تكن متحمسة ، خاصة في السنوات الأخيرة ، لأهداف اشتراكية ، الا أن صفة "الاشتراكية " لم تحذف من المفردات اسياسية الا في الولايات المتحدة الأمريكية (وبعض الأنظمة الديكتاتورية القمعية المتخلفة ) فبقيت تستخدم فقط للذمّ . في الواقع ، واجهت صفة " الليبرالي " في السنوات الأخيرة المصير نفسه داخل الولايات المتحدة وحدها . ويعكس ذلك الهيمنة السياسية الهائلة التي مارستها القوى المحافظة ، ونجاح هذه القوى في صدّ أي تحدّ حقيقي لها ، سواء في الخطاب السياسي أو في ممارسة السياسة .

في الأنظمة الديكتاتورية تقتصر الحياة الحزبية على الحزب الحاكم ، وتعاني الأحزاب الأخرى من عدم الاستقرار او تحرّم تماما ، ويمكن أن تمارس مجموعة صغيرة ، خارج أي تنظيم حزبي ، كفاحا مسلحا ثم تستولي على السلطة اذا واتتها الظروف . يجسّد فيدل كاسترو والذين دشّنوا ثورة كوبا معه مثالا جيدا عن هذه المبادرات غير الحزبية . وحتى في البلدان الراسمالية المتقدمة ، يمكن لحركات بدأتها جماعات صغيرة العدد نسبيا ان تحقق ( في الظروف الملائمة ) نتائج هامة وتؤدي الى عدم استقرار هائل ، ظهر هذا بوضوح في الولايات المتحدة في حركة الحقوق المدنية وفي معارضة الحرب في فيتنام ، وظهر بشكل اكثر حدة واثارة في فرنسا في ايار 1968 ، حين فجّر الطلبة انتفاضة كادت ان تطيح بالنظتام . لكن " أحداث ايار " لم تكن ثورة ، ولو انهار النظام الديغولي ، لانتقلت السلطة الى شخصيات سياسية تنتمي الى الأحزاب التقليدية ، التي لم يكن في نية اي منها ( بما في ذلك الحزب الشيوعي بالتاكيد ) القيام بثورة . لا نهدف هنا الى التقليل من شأن مثل هذه الأحداث ، بل نريد فقط ان نشير الى أن في البلدان حيث توطدت احزاب سياسية قوية ، تميل الجماعات الأخرى الى الاضمحلال عندما تختفي القضية التي دفعت بها الى الصدارة او عندما تفقد هذه القضية قوتها المحرّكة . ومن ناحية اخرى فإن وجود حتى اصغر الأحزاب اليسارية لا يعتمد هذا الإعتماد على الظروف الملائمة ، وانها تستطيع المساهمة في نشر الأفكار الاشتراكية وشنّ نضال مستمر اذا تمكنت من تداوز انعزاليتها .

-3-

الحديث عن احزاب يسارية هذه الأيام هو الحديث عن الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية . فهذه الأحزاب هي التي هيمنت تقريبا على المشهد السياسي اليساري طوال هذا القرن . تمكنت الأحزاب الشيوعية الجماهيرية في فرنسا وايطاليا من وضع الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية في الظل خلال العقود التي تلت الحرب ، ولكن الأزمات التي عاشتها الأحزاب الشيوعية في كل مكان حرمتها من الاستفادة من المتاعب العميقة التي حاقت بالأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية في السنوات الأخيرة . على أية حال ، فإن الأحزاب الشيوعية تعيش منذ فترة طويلة سيرورة من التحول نحو "الاشتراكية – الديمقراطية " . وسنبحث هذه النقطة بعد قليل .

لا شك أن الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية ستبقى ، في المستقبل المنظور ن القوة السياسية الأساسية في اليسار ، أو ستكون على الأقل عاملا ذا اهمية بالغة . في بعض الحالات . وايطاليا مثال واضح على ذلك ، قد لا تتمكن هذه الأحزاب من استعادة نفوذها الفعّال بسبب فقدانها ثقة الجماهير الناتج عن تورطها في الفساد . ولكن لم تتمكن ازماتها ، مهما كانت حقيقية ، من شلّ حركتها . يقول Perry Anderson ؛ " في سنوات 1974 – 1975 كان رؤساء الحكومات اشتراكيين – ديمقراطيين في بون ، فيينا ، لندن ، بروكسل ، كوبنهاجن ، اوسلو ن ستوكهولم وهيلسنكي " (19) . ثم يقول ؛ " في أوائل الثمانينات ، عندما حكم المحافظون في لندن ، بروكسل ، امستردام ، روما وكوبنهاجن ، كان رؤساء الحكومات اشتراكيين – ديمقراطيين في باريس ، مدريد ، روما ، لشبونة وأثينا " (20) . في السياق نفسه يلاحظ برزيورسكي وسبراغ أن : " الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية حصلت بالمعدّل على 40 – 50 % من الأصوات : في النمسا ، النرويج ، المملكة المتحدة والسويد .... تجاوز معدل الأصوات التي حصل عليها اليسار بمجموعة ( الأحزاب الاشتراكية الشيوعية ، والجماعات اليسارية الأخرى ) نسبة ال 50 % في السويد والنرويج . وفي اغلب البلدان الأخرى تراوح نصيب اليسار بمجموعه بين 40 – 50 % من الأصوات " (21) .

ثم تراجع النجاح الاشتراكي – الديمقراطي بشكل ملحوظ في الثمانينات ومطلع التسعينات . ولكن ، حيثما استطاعت الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية ان ترسخ نفوذها ، من المستبعد جدا الا تظل طرفا سياسيا اساسيا في الدول الرأسمالية المتقدمة ، أحيانا في الحكم ، لوحدها او ضمن ائتلاف ، وأحيانا في صفوف المعارضة .

كانت سيرورة اندماج الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية في النظام السياسي سيرورة طويلة الأمد ن استمدت زخما قويا عام 1914 من تاييد الاشتراكيين – الديمقراطيين للحكومات البورجوازية في شنها الحرب . ومع حلول الحرب العالمية الثانية ، اصبحت هذه الأحزاب ن كما كان الحزب الاشتراكي – الديمقراطي السويدي قبل ذلك ، "احزاب حكم " فعلا . من هذا الموقع ، استطاعت هذه الأحزاب تحقيق الكثير عن طريق الاصلاحات ، وساعدها على ذلك الازدهار الاقتصادي الذي ساد العقود التي تلت الحرب . لكن مع نهاية ذاك الازدهار ، أصبحت الحكومات الاشتراكية – الديمقراطية ، وإن على مضض ن مديرة لسياسة تراجعية ، تخفيض النفقات العامة وتقليص الخدمات الاجتماعية ، مما أضرّ بناخبيها من بين العاملين بأجور ، دون ان تحصل على تاييد اوساط اخرى . لقد وضعت ظروف الأزمة قادة الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية امام تحديات لم يستطيعوا مواجهتها ؛ لأن اعتماد سياسة مختلفة كان سيقودهم الى طريق محفوف بالمخاطر يؤدي الى نتائج غير مضمونة ، ويلاقي معارضة قوية داخل البلد وخارجه . على اية حال لم تكن السياسات البديلة المعقولة والواقعية متوفرة امامهم . فكان من الأسهل اختيار سياسة تخفيض النفقات . ولكن مشلكة هذا الاختيار انه جعل ادعاء الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية انها بديل فعلي للأحزاب المحافظة يبدو ادعاء يفتقر الى المصداقية جدا .

رغم ذلك ، يتوقف الكثير من مستقبل اليسار على السؤال حول وجود اية امكانية لتحرك هذه الأحزاب باتجاه مواقع اكثر راديكالية . فالكثير من الدلائل الملموسة تغرينا بالإجابة على هذا السؤال بالنفي الحازم ، والقول إن هذه الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية لا تستطيع في أحسن الأحوال ان تكون اكثر من احزاب إصلا حية معتدلة عندما تسمح لها الظروف بذلك ، واي اختلاف عن هذا هو مجرد وهم خطر . ومن اهم مبررات هذا الحكم حقيقة ان الديمقراطية الراسمالية تعطي القادة الاشتراكيين – الديمقراطيين ، ضمن الأحزاب والنقابات ، مصلحة قوية في إدارة النظام القائم ن وفرصة في إظهار انفسهم على انهم معتدلون ، يتسمون بالمسؤولية و " الواقعية " . ولا بد أن يحوّلهم هذا الى أعداء لمن هم على يسارهم وأن يقودهم الى محاربتهم.


مقابل هذا ، هناك مجموعة من العوامل لا بد من أخذها بعين الاعتبار . اهم هذه العوامل هو انتهاء الحرب الباردة ، مما رفع عن كاهل اليسار العبء الثقيل الذي حمله منذ سنة 1945 . فقد لعب القادة الاشتراكيون – الديمقراطيون دورا رئيسيا في احتواء جهادية اليسار بين الحربين العالميتين ، وخاصة عندما كانت نضالاته بتحريض أو بقيادة الشيوعيين . أصبح هذا الدور أكثر صراحة بعد الحرب العالمية الثانية . مما حوّل الأحزاب الاشتراكية - الديمقراطية الى حليف للأحزاب المحافظة لا يقدّر بثمن ، فساد الوفاق بين العادة الاشتراكيين – الديمقراطيين وخصومهم المحافظين حول المسائل الأساسية ، وخاصة السياسة الخارجية والدفاع (22) . وكان البعبع الشيوعي من أهم الأسلحة في يد قادة الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية . ولكن زوال هذا البعبع لا يعني الآن أنهم توقفوا عن كفاحهم ضد من ينتقدونهم في صفوف اليسار ، لكنه يزيل من الحساب ذريعة ضد النقاد اليساريين كانت تستخدم بأقصى فاعلية . فتهمة "التروتسكية" وغيرها من القاب الازدراء لا تحمل الآن الشحنة التي كان يحملها لقب "الشيوعي" أو "العناصر للشيوعية" فيما مضى .

إن أهمية زوال بعبع الشيوعية لا يمكن الاستهانة به من نواح أخرى ايضا . فمنذ انبثاق الأحزاب الشيوعية بعد الثورة البلشفية ، نشأت هوة سحيقة بين الاشتراكية – الديمقراطية والشيوعية . الأمر الذي ادّى ، من بين امور اخرى ، الى ابعاد نشطاء الحركة العمالية الذين اختاروا الانضمام الى الأحزاب الشيوعية ، عن أغلبية الحركة العمالية كلما أمكن . وقد تفاقم ذلك مع بدء الحرب الباردة واضطهاد الأحزاب الشيوعية . اضطهاد مارسه قادة العمال الاشتراكيون –الديمقراطيون مثل غيرهم . فهذا الاضطهاد كان من سمات تلك الحرب . إن التناحر بين الاشتراكيين – الديمقراطيين والشيوعيين كان له عواقب كارثية خلال الفترة بين الحربين العالميتين , لا سيما في المانيا ، حيث لعب العداء بين الطرفين دورا رئيسيا في تسهيل صعود النازيين الى السلطة . وما زالت الانقاسامات بين اليمين واليسار قائمة في الحركة العمالية ، لكنها لم تعد بالحدّة المؤسساتية التي شهدتها الحركة سابقا .

من ناحية ثانية ، يعدّ فشل "اقتصاد السوق" في المعالجة الفعّالة لمجموعة من المشاكل الهامة بدءا بالبطالة الواسعة وانتهاء بتدهور الخدمات العامة والتعاونية اهم العوامل المؤثرة على الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية . إن استخدام فكرة "الأزمة " في هذا السياق مضلل نوما ما ، لأنه يستحضر الى الأذهان بعض الأحداث الدراماتيكية والمباشرة سواء في الحقل الاقتصاد او السياسي . ف "ازمات " كهذه شائعة الحدوث جدا في البلدان الرأسمالية ، ولكنها نادرا ما تهدد النظام نفسه . إننا هنا بصدد نوع مختلف من "الأزمات " ، هو تدهور ."نوعية الحياة " بالنسبة للغالبية العظمى من الناس ، وليس فقط الأفراد الأشد فقرا ، يوازي هذا التدهور اضمحلال تماسك الأحزاب السياسية ، مما يؤدي الى تدهور في عمل النظام السياسي برمته . ذلك هو الأفق أمام الديمقراطيات الراسمالية ، وهو يطرح تحديا واضحا للمواقف " المعتدلة " التي تبناها القادة الاشتراكيون – الديمقراطيون .

وقد يجابهون هذا التحدّي بمزيد من "الاعتدال " ، ولكن يمكن عند ذلك ان تواجههم مقاومة هامة من اليسار . لقد كانت الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية على الدوام ميدانا للصراع بين القادة "المعتدلين " ونقادهم اليساريين . وكثيرا ما تمخض عن هذا الصراع انتصار القادة يعزى الى سيطرتهم على الجهاز الحزبي ، الى الدعم الذي يلقونه من غالبية القادة النقابيين الذين لا يقلون عنهم " اعتدالا " ، الى الانقسامات والتردد في صفوف خصومهم ، وكما اشرنا سابقا ، الى إرهاب النقاد باتهامهم ب " بمناصرة الشيوعية " ، وخوف هؤلاء النقاد من هذا اللقب ، إلى تاييد اغلبية أتباعهم في القاعدة ، الذين يعتزون بالولاء للقادة ، واخيرا وليس آخرا الى إدانة خصومهم اليساريين من قبل الجرائد المعادية بشدة لليسار .

سوف تبقى الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية ميدانا للصراع . ولكن في ظروف اقتصادية ، اجتماعية وسياسية سيئة ، وفي ظل نظام سياسي عاجز عن معالجة أمراض جلية مثل البطالة وتدهور الخدمات الاجتماعية والتعاونية ، وعدم الاستقرار بشكل عام ، يمكن لليسار ، داخل هذه الأحزاب وخارجها ، أن يكون اكثر تاثيرا في المستقبل مما كان عليه في الماضي . ولكن ، حتى في أشد الاحتمالات تفاؤلا ، لا يمكننا أن نتوقع من هذه الأحزاب ان تتحول بسهولى الى قوة ملتزمة بالتحول الاشتراكي ، وإنما قد تصبح اكثر انفتاحا على السياسات الراديكالية مما هي عليه تقليديا . إن العامل الأساسي في تقرير ذلك هو فشل النظام الرأسمالي في العديد من المجالات ، والمضاعفات الاجتماعية والسياسية لهذا الفشل . فلا ريب أن ذلك سيؤدي الى تفجّر نضال جماعات مستقلة حول مظالم محددة ، دون لجوء هذه الجماعات الى الاستعانة بالأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية ، ويمكن لهذا النضال أن ينتزع تنازلات من الحومات ، ويعدّ الضغط الذي تمارسه هذه الجماعات جزءا حاسما من السيرورة الديمقراطية . ولكن التقدم الحقيقي المستمر نحو الاشتراكية – الديمقراطية يتطلب أكثر من هذا بكثير . في النهاية ، واكثر ما يمكن لليسار ان يأمل بلوغه في المستقبل القريب في البلدان الرأسمالية المتقدمة ( وفي اماكن اخرى أيضا ) هو تقوية النزعة الاصلاحية اليسارية كتيار فكري وسياسي في الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية . فآفاق النزعة الإصلاحية اليسارية تبدو كئيبة الآن ، ولكن هذا لا ينتقص من حقيقة انها سوف تبقى ، لأمد طويل ، أفضل الآمال لتقدم السياسات الراديكالية الى الأمام .

تترتب على ذلك عواقب كبيرة كذلك . فهذا يعني ن هنا ايضا ، أن الحكومة التي قد تعتبر أهداف الإصلاح اليسارية من أولوياتها سوف تتميز بالاستمرارية والانقطاع في الوقت نفسه ، بكلمات أخرى ، لن تمثل سياسة هذه الحكومة قطيعة تامة عن تجربة الماضي ، ولكنها ستنطوي على تجاوز تلك التجربة . هذا يعني ايضا أن حكومة كهذه سوف تتمكن من العمل المشترك مع ، وربما حتى أن يشارك فيها ، اناس على يمين التيار الاشتراكي – الديمقراطي وكذلك اناس على يساره . فالاشتراكية – الديمقراطية اليسارية ، بهذا المعنى ، تمثل موقعا يمكن لبعض التيارات الأخرى في طيف اليسار أن تتجمع حوله دون التنازل عن مواقفها المستقلة بالطبع ، سوف يوجد على الدوام اناس على يمين أو يسار النزعة الإصلاحية اليسارية ممن سيختارون التعبير عن التزاماتهم بطرقهم الخاصة ضمن جماعاتهم المستقلة ، وما يحدث للأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية سيتوقف الى حد كبير على حالة اليسار خارج هذه الأحزاب .

-4-

لعل من المفيد ، في هذا السياق ، أن نلقي نظرة سريعة على الدور السابق للأحزاب الشيوعية . فبعد الثورة البلشفية في أكتوبر 1917 وانعقاد مؤتمر الأممية الثالثة عام 1919 ، ظهرت الأحزاب الشيوعية التي رعتها الأممية في البلدان الرأسمالية المتقدمة لتكون المعارضة الرئيسية الواقعة الى يسار الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية . واستندت هويتها الثورية على عضويتها في الأممية الثالثة والتزامها ب " شروطها الواحد والعشرين " (23) . وقد ميزت هذه الأحزاب نفسها عن جميع الحركات الأخرى ، ( لا سيما الإصلاح ) ، عن طريق عدائها الشديد لهذه الحركات ، هذا العداء الذي قابلته الحركات بما هو أكثر ، كما تميزت هويتها الثورية ، بصورة ما ، بالاضطهاد الذي تعرضت له على يد الحكومات البورجوازية .

لكن منذ اواسط الثلاثينات ، وبعد تبنيها استراتيجية " الجبهة الشعبية " ، أصبت الأحزاب الشيوعية عمليا الممثل الرئيسي للتيار الذي على يسار الإصلاحيين اليساريين . وبقي هذا التطور محجوبا باستمرار التزامها اللفظي بالماركسية اللينينية والخطاب الثوري ، ودفاعها الثابت عن سياسة الاتحاد السوفيتي الخارجية و (الداخلية ) بكل تفاصيلها ، وبسبب العزلة الداخلية جراء هذا الدفاع في مرات كثيرة – على سبيل المثال ، قبول هذه الأحزاب ل " خط " عام 1939 واستمرارها في اعتبار الحرب حربا إمبريالية حتى عام 1941 عند غزو المانيا للاتحاد السوفيتي ، وكذلك تأييدها للاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة ، بالإضافة الى تعرضها للمضايقات والاضطهادات التي أشرت اليها سابقا . إثر الغزو الألماني تغيّر ذلك "الخط" فلعب الشيوعيون دورا رئيسيا في مقاومة الاحتلال النازي ، وخرجوا من هذه الحرب أقوى بكثير .

استخدمت قوة هذه الأحزاب في السنوات التي تلت الحرب مباشرة في المشاركة بعملية اعادة بناء ما كان في الواقع النظام القديم . وقد انسجم ذلك انسجاما جيدا مع رغبات ستالين وميول القادة الشيوعيين داخل البلدان الرأسمالية المتقدمة . غبعد الحرب مباشرة ، شارك وزراء شيوعيون في ائتلافية بورجوازية في فرنسا ، ايطاليا ، بلجيكا ، النمسا ، الدانمر: ، النرويج ، لوكسمبورغ ، فنلندة وآيسلندة . ومن حيث الجوهر ، بقيت هذه الأحزاب إصلاحية التوجهات بعد إقصائها عن الحكومات مع بداية الحرب الباردة . ولكنها تميزت عن الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية ببرامجها الإصلاحية الأكثر راديكالية ووضوحا ، وباستعدادها للجوء الى النشاط التحريضي والعمل خارج البرلمانات ، وبمعارضة السياسة الاستعمارية لحكوماتها (24) ، بالإضافة الى دوام تبعيتها للاتحاد السوفيتي حتى أواخر الخمسينات . ولكن اختلاف الأحزاب الشيوعية عن غيرها لم يحل دون دمجها ، بمقدار ما أتيح لها ، في النظام السياسي ، أو من مشاركتها التامة في المنافسة الانتخابية .

وأدى التزام هذه الأحزاب بما سمي الشيوعية الأوروبية في السبعينات الى تعزيز تحولها نحو الاشتراكية – الديمقراطية الذي تمثل في القبول التام للنظام البرلماني ، للتعددية السياسية ، بالإضافة الى الاعتقاد بإمكانية التقدم نحو الاشتراكية بالأساليب الدستورية . رغم ذلك ، كانت هذه الأحزاب من ضحايا تراجع اليسار ، وتفاقم تراجعها بسبب أزمة الشيوعية عموما في الثمانينات . في ذلك الوقت ، كان الحزب الشيوعي الفرنسي يعاني من تراجع حاد بعد أن صار أقلية ومشاركته هامشية جدا في الحكومة (1981 – 1985 ) ، كما كان الحزب الشيوعي الإيطالي يبحث لنفسه عن هوية أكثر عصرية عن طريق تسمية نفسه بالاسم المتواضع : " حزب اليسار الديمقراطي " . وكانت الأحزاب الشيوعية الأخرى تسلك طرقا مشابهة أو تحل نفسها عمليا .

ان هذا التراجع يغري بتقليل الأهمية التي كانت يوما للأحزاب الشيوعية في حياة اليسار . لكن هذه الأحزاب كانت المصدر الرئيس للنضال خارج البرلمانات من أجل القضايا التقدمية ، وكان نضالها يتجاوز كثيرا حجم عضويتها ، وقد كانت هذه الأحزاب ايضا المصدر الرئيس للدعاية للاشتراكية والتثقيف بها . لكن هذه الدعاية وهذا التثقيف تسوّها بالستالينية والدوغمائية في التعامل مع الماركسية . ومع ذلك ، ساعد التحليل الطبقي الذي اكتسبه الكثيرون من أعضاء الحزب الشيوعي ، وكثيرون غيرهم أيضا ، على تسليحهم ب " منهج " بديل واصيل في " النظرة الى العالم " ، مما حصّنهم بقوة "للوقوف " ضد الدعاية التي تشنّها القوى المحافظة لاحتوائهم .

من هذه الناحية ، يشكل تراجع الأحزاب الشيوعية ، رغم كل سلبياتها وقصورها ، إفقارا حقيقيا لليسار . فمهما كان الحكم على تلك التجربة ، فإنها تنتمي الى لحظة تاريخية ذهبت بلا رجعة . سوف تستمر الأحزاب الشيوعية أو الأحزاب الشيوعية السابقة ، في بلدان مثل فرنسا وإيطاليا ، وأماكن أخرى أيضا ، في القيام بدور في اليسار ، ببرامج للإصلاح على قدر وآخر من الراديكالية . أما أن تصبح قطبا قويا يجذب الباحثين عن منظمات يسارية الالتزام مقنعة ( كما كانت هذه الأحزاب يوما ) فأمر بعيد الاحتمال .

حيثما انحلّت بعض الأحزاب الشيوعية ، أو قامت بتغيير اسمها وابتعدت عن التزاماتها السابقة ، التمس البعض ، على الأقل ، من أعضائها السابقين مواقع سياسية جديدة في منظمات سياسية قائمة أو في اخرى جديدة . لقد حدث هذا في عدد من البلدان ، خاصة في ايطاليا ، وسوف يحدث في أماكن أخرى بلا شك .

إن نشوء أحزاب إشتراكية جديدة في كثير من البلدان هو إحدى السمات البارزة لوقتنا الحاضر . ورغم أن غالبيتها صغير لكنه يملك مكانا لليسار ، ويمكن لعدد الأعضاء ولنفوذهم ان ينمو في السنوات المقبلة . والحق عن هذا النمو يمثل شرطا أساسيا لازدهار اليسار ، لأن قوتها كمنظمات يسارية مستقلة تعدّ شرطا لازما لإثبات ( أو إعادة إثبات ) حضور إشتراكي واضح ، في الثقافة الوطنية ، على الصعيد الفكري ، الأخلاقي والسياسي . إن هذه الأحزاب اليسارية الجديدة لا تشاطر أحزاب " اليسار الثوري " في الرأي ، وسنتحدث عن هذه الأحزاب الثورية بعد قليل . إنها أحزاب " إصلاحية " ، ولكن لنزعتها الإصلاحية صبغة راديكالية تفتقر اليها الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية في الوقت الحاضر . ومن المستبعد في أغلب الحالات أن تحل محل الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية ن بل يمكن ان تحفزها للعمل وتشكل تحديا جديا لها .
بالإضافة الى هذه الأحزاب ، هناك أحزاب الخضر والتشكيلات السياسية الأخرى التي تمثل جزءا من " اليسار الجديد " بصيغته الجديدة . ولعل ذلك يبشر بنشوء تحالف جديد بين مجموعات لا تشكل الاختلافات بينها جدارا صلدا يفصلها عن بعضها ، رغم حقيقية هذه الاختلافات ، وذلك لأن كل هذه المجموعات تلتقي حول نفورها من القيم الرأسمالية وكل ما يترافق معها .

قد يبدو تساؤلنا غريبا حول سريان ما قلنا على الولايات المتحدة . إنه في الواقع ليس غريبا ، فالاعتبارات التي تثير ، في بريطانيا مثلا ، جدلا لا نهاية له حول مدى الصواب في عمل الاشتراكيين ضمن حزب العمال أو عدم عملهم ضمنه ، أو حول ضرورة ان يبحثوا عن بديل له ، هذه التساؤلات تشغل اليسار الأمريكي ايضا منذ وقت طويل حول علاقتهم بالحزب الديمقراطي . ففي شأن الانتخابات البرلمانية تحديدا ، يمكن القول إن الحزب الديمقراطي قد احتكر عمليا الجانب الإصلاحي من المسرح السياسي الأمريكي منذ الحرب العاليمة الثانية ؛ ومهما بلغت الشكوكية المبررة لدى اليسار حول الميول والوعود الإصلاحية لرئيس ديمقراطي ، يبقى صحيحا أن احتمال تولّي الرئاسة من قبل رئيس ديمقراطي يخفف الميل نحو بناء أي شيء يتجاوز الحزب الديمقراطي .

لقد تم تدمير " اليسار القديم " في الأربعينات وأوائل الخمسينات بالفعل . لكن منذ ذلك الحين ، نجد ان حركات مثل جماعات الدفاع عن الحقوق المدنية ، المعارضة لحرب فيتنام ، الحركة النسوية ، حركة الخضر و " إئتلاف قوس قزح " تثبت بوضوح كاف ان هناك حياة في قوى اليسار خارج إطار الحزب الديمقراطي . كما يجب الا نتجاهل الأهمية الدائمة للحركة النقابية كمجموعة ضغط ، رغم جميع نقاط ضعفها وخيباتها الجلية (25) .

من المتعذر طبعا القول كيف للحركات المتباينة الكثيرة التي تشكل الآن جزءا من طيف اليسار في الولايات المتحدة أن تختار طريقة للتعبير عن مطامحها ، ومدى إمكانية قيام اية حركة متماسكة الى يسار الحزب الديمقراطي . هناك محاولات تبذل في هذا الاتجاه .، وسواء نجحت أو فشلت ، من المهم على الأقل أن نلاحظ أن حيوية هذا الجانب اليساري من الطيف تكشف مدى زيف الفكرة القائلة إن تلك البلاد غارقة في وئام عميق . وكما قلنا سابقا ، الهيمنة الرأسمالية واقع هائل الثقل . لكن القوة الواضحة للقوى مفرطة الرجعية يجب ألا تحجب عن أنظارنا وجود قوى معارضة هامة تعمل في المجتمع الأمريكي ؛ وأن هذه القوى تستمد قوتها من انتهاء الحرب الباردة ، ومن الشعور القوي على نطاق واسع أن الولايات المتحدة لم تعد تحقق التوقعات النابعة من الإيمان ب " الحلم الأمريكي " . فلقد تحول الحلم الأمريكي في الواقع الى كابوس بالنسبة لعدد هائل من المواطنين في مراكز المدن ن لأن ظروف الحياة فيها تمثل سخرية مريرة من فكرة " رأسمالية دولة الرفاه " . أما ما يتمخض عن ذلك من الناحية السياسية ، فهو اهم الأسئلة التي تنتظر الإجابة في حياة امريكا السياسية .

إن الإشتراكية الثورية ، بالمعنى القوي لمفردة " ثوري " ؛ كانت تمثلها ؛ منذ العشرينات ، شتى التجمعات والفرق التي تستلهم أهدافها من اللينينية ، ومن حياة ليون تروتسكي وأفكاره على وجه الخصوص ( 26) .

من أجل التوضيح ، يمكننا أن نقسم السمات الرئيسية للماركسية الثورية لى أربعة أجزاء مترابطة .

أولا التوقع أن تناقضات الرأسمالية ستتفاقم ؛ عاجلا أو آجلا ، تفاقما يخلق حالة ثورية تقود الى الإطاحة بالنظام القائم على يد الطبقة العاملة بقيادة حزب ثوري قادر على انتهاز الفرصة .
ثانيا : هناك الإصرار على " أن الطبقة العاملة لا يمكن أن تسيطر على جهاز الدولة القائم وتجيّره لمصالحها ليس الا ؛ بل يجب على هذه الطبقة أن "تحكم " هذا الجهاز وتستبدله بدولة من نمط جديد كليا ، خاضعة فعليا لسلطة الشعب ؛ فيما تسير نحو التلاشي الفعلي " (27) وهذه هي كلمات ماركس نفسه في كتابه " الحرب الأهلية في فرنسا 1871 " .
ثالثا ، وهي نقطة تكمل النقطة الثانية ، هناك الإصرار على أن النضال من اجل الإصلاحات لا يكفي رغم ضرورته ، فالتغيير الراديكالي للنظام الاجتماعي لا يمكن أن ياتي عن طريق الإجراءات الإصلاحية فقط ؛ وأن الطبقة الحاكمة لن تتخلى عن مواقعها بدون مقاومة متواصلة ، وعنيفة اذا اقتضى الأمر ، وبالتالي فإن مجابهة كبيرة بين القوى الثورية و القوى الرجعية لا يمكن تجنبها .
رابعا ، إن سمة هامة من سمات التروتسكية تتمثل في فكرة أن " الاشتراكية في بلد واحد " هراء لا معنى له وأن الثورة يجب ان تكون عالمية ، ومن شأن ثورة في أحد البلدان أو إحدى القارات ان تفجّر تحركات ثورية في أماكن اخرى .

لقد خابت التروتسكية كحركة في كل مكان تقريبا . فبقيت الأحزاب والجماعات التروتسكية الصغيرة جدا من حيث عدد الأعضاء ، ومفرطة التعرض للانشقاقات ، مع تبادل الفرق المنشقة المتحاربة الاتهامات بالخيانة وبالانحراف فانطبق عليها ما دعاه فرويد ن في سياق آخر ، " نرجسية الفوارق الصغيرة " .

منذ اوائل العشرينات حتى وقت قريب ، كانت " التروتسكية " صفة ذميمة في قاموس اليسار الشيوعي ، وخارجه ايضا ، وتستخدم الآن ايضا كتعبير للذم من قبل الكثير من اليساريين ، كما ينظر الى أنصار التروتسكية لغالبية اليسار مجرد تكديس للشعارات التي لا اساس لها في الواقع .

إن لجميع هذه التهم ما يبررها . اما القضايا الأساسية في التروتسكية ، التي اشرنا اليها منذ قليل ، فلا تستحق النفي المباشر الذي كثيرا ما تجابه به ؛ فالواقع ، إن هذه القضايا تمثل تحديا هاما لأي شخص مهتم بالسير نحو الاشتراكية .

بداية ، يعتبر كل إشتراكي " طوباويا " جدا إن لم يأخذ على محمل الجد الإصرار على أن الانتقال التدريجي الدستوري والسلمي إلى الاشتراكية هو مشروع صعب للغاية ؛ وذلك لأن الطبقات المسيطرة لا بد ان تحاول إحباط أية محاولة لإزاحتها من المواقع التي يوفرها لها ذاك النظام الاجتماعي . ولن تفتقر الطبقات المسيطرة إلى دعم هام من الطبقات الأخرى . كان هذا بيت القصيد لكتابات هارولد لاسكي Harold Laski في الثلاثينات ، رغم أنه لم يكن تروتسكيا بل عضوا مرموقا في حزب العمال (28) . وقد تناول هذا الموضوع العديد ن الاشتراكيين غير التروتسكيين في بلدان مختلفة . لم يعد لهذا الموضوع أي معنى لدى من يعتقدون ان الاشتراكية قد ماتت . أما بالنسبة لمن لديهم رأي اكثر موضوعية , وما زالوا مهتمين بحقيق الاشتراكية ، فيجب أن يكون هذا الموضوع في بؤرة تفكيرهم ، أو هو كذلك فعلا .

لا يدور السؤال الحقيقي ، على كل حال ، حول احتمال مقاومة الطبقات المسيطرة وحلفائها في الطبقات الأخرى لمحاولة التغيير الاشتراكي ، فيمكن أن نقبل هذا كبديهية . السؤال الحقيقي هو ؛ الى أي مدى ستتمكن من ذلك ؟و يعتمد ذلك ، الى حد بعيد ، على ما ستفعله الحركة الإشتراكية أو الحكومة الإشتراكية حيال ذلك . سنتوسع في بحث ذلك في الفصل السادس .

ثانيا ، يدور السؤال الهام حول الدولة ، كما لا حظنا سابقا ، كان ماركس هو من صاغ فكرة ضرورة تدمير جهاز الدولة ؛ وقد تناولها لينين وتبنتها التروتسكية . كانت فكرة ماركس ولينين أنه سيتم استبدال الدولة البورجوازية المحطمة بأخرى من نوع مختلف تماما ، ولن تكون ، هذه الأخيرة ، دولة بكل معنى الكلمة ، اذ ان وظائف تلك الدولة سيتولاها الشعب الى حد كبير .

ان وجود دولة حقيقية هو في الواقع امر اساسي من اجل تقدم الاشتراكية / وهدف الاشتراكية بالطبع أن تحوّل اتجاه الدولة نحو الديمقراطية ؛ ولكن ما أن يرفض الإشتراكيون فكرة إمكانية " تحطيم " الدولة ، أو إمكانية "اضمحلالها " عما قريب ، حتى تطالعهم مجموعة من المشكلات . فالحكومة الاشتراكية عندئذ تقع فريسة دوامة الدولة السابقة ، ولن يكون من السهل عليها تحرير نفسها من هذه الدوامة . وسنبحث في ذلك حالا . يجب إيجاد الوسائل الضرورية للجمع بين سلطة الدولة والسلطة الشعبية . وهذه مهمة اكثر تعقيدا بكثير مما يريد الاشتراكيون ان يعترفوا به .

تكمن مشاكل أخرى في الموقف " الثوري " او " الانتفاضي " . إحدى هذه المشاكل هي ان " السيناريو " الذي تصورته المجموعات التروتسكية عن القيام بانتفاضة مظفرة مسلحة بقيادة "حزب طليعي " يبقى أمرا بعيد المنال في أي مكان . لقد أشرنا سابقا الى أن الأزمات التي تنتجها الرأسمالية تولّد انفجارات عنيفة ، ولكن يجب عدم الخلط بين هذه وبين " الحالة الثورة "، التي تقتضي ( في الدول الرأسمالية الديمقراطية ) ان تقوم الأغلبية الساحقة من الجماهير ، أو جزء منها كبير العدد على الأقل ، بتاييد الإطاحة بالنظام تحت قيادة حزب ثوري . من السهل القول إن ما يبدو مستحيلا اليوم قد يصبح واقعا غدا ، أو بعد غد ، او اليوم الذي يليه . ولكن ، حيثما تبدو الطرق الأخرى نحو التغيير الراديكالي غير مسدودة ، فسيتم اختيار هذه الطرق من أجل تحقيق التغيير الثوري بدلا عن اختيار الكفاح المسلح . وبالطبع ، سوف تاخذ الأمور مجرى مختلفا تماما حيثما تتخلى الطبقة الحاكمة تماما عن الأساليب الديمقراطية . وحتىفي هذه الحالة ، فإن الكفاح المسلح ضد نظام تسلطي سوف يؤدي في أغلب الاحتمالات الى إقامة دولة بكل معنى الكلمة .

هناك ايضا الحقيقة الخطرة التي مفادها انه حيثما تحدث الثورة ، فالنتيجة لا تكون إقامة نظام لسلطة الشعب . وأفضل ما يمكن أن نأمل بحدوثة هو إقامة نظام يتمتع ببعض جوانب الديمقراطية الدستورية ؛ ويعدّ هذا تقدما حقيقيا بالمقارنة مع الأنظمة الديكتاتورية . من جهة أخرى ، كلما كانت الانتفاضة اعنف وكلما طالت فترة الحرب الأهلية يزداد احتمال أن تكون النتيجة ديكتاتورية . وهذا لا يلغي ضرورة الثورة عندما تنعدم الإمكانات الأخرى . ولكن حين توجد إمكانات اخرى ؛ ليس لدى الثوريين أي خيار إلا أن يجرّبوها .

أما عن إقامة " الإشتراكية في بلد واحد " ، فمن الصحيح جدا ان ذلك لا يمكن " إنجازه " . ولكن ما إن تتخلى عن دولة الاشتراكية كدولة ناجزة ، وينظر الى الإشتراكية كهدف يتطلب سعيا دائما ، حتى تفقد تلك الحجة قوتها . فبوسع حكومة إشتراكية أن تدشن السيرورة دون انتظار ثورة عالمية . من ناحية أخرى ، من الواضح أنه كلما ازداد عدد الحكومات الاشتراكية وتحركت في الاتجاه نفسه ، ازدادت فرص التعاون ، المساعدة المتبادلة ، وتسهيل هذه السيرورة .

رغم جميع نقاط ضعفها النظرية والعملية ، ستبقى الدعوة للانتفاضة الاشتراكية جزءا مرئيا ومسموعا من خطاب اليسار ، مهما بلغ نفور بقية اليساريين منها . وسيبقى مصيرها الهامشي بالذات عاملا من العوامل التي ستجذب بعبض الناس الذين يعتبرون أي شيء أقل هامشية من تلك الدعوة موضعا لارتيابهم العميق .

- 6 –

يستدعي هذا العرض المختصر لحالة اليسار استنتاجا ثنائي الجانب ؛ من جهة ، هناك حياة اكثر نشاطا وحيوية لدى اليسار ، بمعناه الواسع ، مما يمكن تخمينه من خلال ما يقال عنه ، إن فكرة انغماس السكان في لامبالاة حول أي شيء ، ما عدا الاستهلاك ، تمثل تصويرا فيه الكثير من التشويه . على العكس من ذلك ، هناك . وفي جميع جوانب المجتمعات الرأسمالية ، تأكيد حي ، نضالي في كثير من الأحيان ؛ على المطالب والحقوق ، حتى من قبل أناس لم يكن لهم ، منذ فترة ليست طويلة ، أي حضور على المسرح بالسياسي ، النساء ، السود المثليين ، الخضر ، المعوقين ، الشباب والمسنين . كما لم يتوقف العاملون بأجور ونقاباتهم عن المطالبة والاصرار على حقوقهم . حتى وإن كان مستوى النشاط الإضرابي قد انخفض في الثمانينات وما بعدها .

يجب أن لا يؤخذ هذا على أنه يمثل اهتماما عظيما من قبل جموع الشعب في الديمقراطيات الرأسمالية بأي بديل اشتراكي محدد . على العكس من ذلك ، هناك الكثير من الارتياب بأي بديل كهذا ، وهذا نابع جزئيا من تجربة الأنظمة الشيوعية السابقة ، التي كثيرا ما يظن بأنها تمثل ما تعنيه الإشتراكية . هناك أيضا فشل الحكومات الإشتراكية – الديمقراطية في أن تقدم بديل واضح عن المحافظين ، اضف الى ذلك الفساد الذي ارتبط في العديد من الدول بأحزاب اليسار وأحزاب اليمين على حد سواء . إن اي تفسير لعدم الاكتراث الشعبي ، أو العداء ، لفكرة الإشتراكية ، في أية صيفة ، يجب أن يتضمن قصور منظمات اليسار الجماهيرية ، خاصة الأحزاب الإشتراكية – الديمقراطية ؛ في الدعوة الى الاشتراكية . ومنذ السبعينات ، وما بعدها ، أخليت الساحة الأيديولوجية لهيمنة اليمين عمليا ، مع بقاء معظم اليسار غير قادر ، أو غير مستعد ، لنضال المناهض لهذه الهيمنة .

إن هذا آخذ بالتغيّر، في ظل الأخفاقات الوضحة لليبرالية الجديدة . وفي حين يوجد الكثير من الارتياب العالق بالإشتراكية ، كمفردة وكتعاليم ، هناك الكثير من الدعم لمطالب تستهدفها الإشتراكية ، وتشكل تحديا لأيديولوجيا المحافظين وممارستهم – مطالب ذات علاقة بالضمان الاجتماعي ، الخدمات العامة ، الحقوق ، الديمقراطية ، المساواة ، العدل ، والسلوك الانساني . هناك حاليا جدار قوي يفصل مثل هذه المطالب عن الاشتراكية . ومهمة الإشتراكيين هي الإظهار المقنع للصلة بين هذه المطالب والاشتراكية ، وتوضيح أن المطالب الجذرية بالديمقراطية ، بالمساواة في الحقوق وبتكوين مجتمعات للمواطنين لا يمكن تحقيقها إلا جزئيا ، هذا اذا كان بالإمكان تحقيقها أساسا ، ضمن إطار البنى القائمة للسلطة والامتيازات ، وإن تحقيق هذه المطالب يتطلب نوعا من التغيير الشامل الذي تمثله الإشتراكية – ومع ذلك يجب القيام بهذا دون التقليل من أهمية ومن قيمة النضالات الجارية في سبيل تحقيق إصلاحات آنية ومحدّدة .

إن النضال المضاد للهيمنة يمثل مسعى جماعيا ، يمكن للمثقفين خلاله أ يقدّموا مساهمة هامة ، هناك فكرة خاطئة في بعض قطاعات اليسار تعتبر قولنا هذا محاولة " نخبوية " لإضفاء دور امتيازي للمثقفين ، اليمينيين واليساريين على حد سواء ، يستطيعون التاثير من خلال إيصال افكار يمكن ان تؤثر بشكل كبير على الواقع السياسي . إن هذا ليس مسألة مثقفين ، "يوصلون الإشتراكية إلى البروليتاريا من خارجها " حسب قول لكاوتسكي أثار إعجاب لينين ، بل مساهمة في كشف المسار خلال الغابة التي تمثل واقعنا الحاضر . ثمة حاجة دائمة لذلك ، ولكن الحاجة إليه تكتسب أهمية خاصة ونحن نواجه العديد من مشاكل جديدة ، في عالم متغيّر بسرعة خارقة ، مشاكل تحتاج إيضاحا وحلا إذا ما رغبنا في تحقيق اي تقدم .

الموضة الدارجة تقول إن الماركسية لديها القليل ، أو ليس لديها اي شيء ، تقدمه ، لهذا المشروع - بل إنها تشكل حاجزا امام التفكير الواضح . هذا خطل كبير . يجب التمييز بوضوح بين جانبين من افكار ماركس . الأول هو رؤياه للإشتراكية والشيوعية ، وهي رؤيا لم يتمكن أحد أن يبزها ، لكنها تصور المستقبل البعيد جدا أما الثاني فهو تحليل طبقي يكمن في قلب الماركسية . فلهذه الماركسية قيمة لا تضاهى في فهم المجتمعات الطبقية وصراعاتها ، على الرغم من التعديلات التي يجب إدخالها عليها في ضوء التطورات التي طرات على العالم منذ رحيل ماركس . فالإشتراكيون الذين يحرمون انفسهم من عون الماركسية يقعون في فقر شديد.

إن تولي السلطة من قبل حكومة يسارية ، مسلحة ببرامج إصلاح راديكالية ، ومصممة على تنفيذ هذه البرامج ، يبدو بعيد الإحتمال في الوقت الحاضر ، وخاصة داخل البلدان الراسمالية الديمقراطية المتقدمة . ولكن كنا قد اشرنا سابقا أن الديمقراطيات الرأسمالية تواجه الآن ضغوطا من الأسفل لتحقيق مجموعة متنوعة من المطالب والتوقعات دون أن تستطيع تحقيقها ، او انها تحققها بشكل غير واف . فهذه المجتمعات تؤدي وظائفها ، بصورة سيئة ، او سيئة جدا ، في حقول بالغة الأهمية ، مثل الصحة ، التعليم ، تأمين فرص العمل ، ظروف العمل ، التعامل مع السنين والشباب ، مكافحة الجريمة ، وكثير من الأمور الأخرى التي لها تأثير كبير على " نوعية الحياة " التي يعيشها " المواطنون العاديّون " . يصحّ ذلك كله ، وعلى نطاق اوسع ، وبالنسبة لجميع البلدان الأخرى ايضا .

إن تراكم المظالم المترتبة على الممارسات اعلاه سوف يؤدي ، مع الوقت على اساس التأييد الشعبي القوي في الانتخابات وما بعدها ، إلى تولي السلطة حكومات يسارية ملتزمة بتحقيق تجديد وإصحات راديكالية في النظام الاجتماعي برمّته . ومن قصر النظر بمكان أن نعتبر هذا التوقع مجرد خيال .

ما هي المهام والمشاكل التي سوف تواجه عندئذ حكومة كهذه ؟ ليس سؤالنا هذا مجرد تكهن لا طائل وراءه . فقيمة هذا السؤال تكمن في حقيقة ان سبر ماهية هذه المهام والمشاكل هو وحده الذي يمكّننا من تحديد ما يعنيه التقدم نحو الاشتراكية بالفعل ، وكيفية تحقيقه. فأي شيء غيره ليس سوى امنيات ، لا تأخذ الظروف القائمة والملموسة بعين الاعتبار . ليس من الصعب جدا أن نرسم الصورة المجردة التي سيبدو عليها مجتمع اشتراكي مثالي . ولكن يبدو من الأكثر جدوى ان نناقش الأهداف الاشتراكية على ضوء الظروف الفعلية التي سوف تواجه هذه الأهداف في الغالب . وهذا ما احاول أن اقوم به في الفصل التالي .


1- K. Marx, preface to A Contribution to the Critique of Political Economy (1859), in K. Marx and F. Engels, collected works ( Lawrence and Wishart, London, 1980). Vol. 16, p. 469.
2- E. Gellner, Nations and Nationalism ( Blackwell, Oxford and انظر مثلا
Cambidge, Mass., 1983); E. J. Hobsbawn, Nation and Nationalism since 1870 (Cambridge University Press, Cambridge, 1990); B. Anderson, Imagined Communities( Verso, London and N. York, 1991, rev. ed.).
3- V. I. Lenin , What is to be done? ( Lwrence and Wishart, London, 1937),p. 32.
4- T. Childers, The nazi boter: the social foundations of fascism in Germany, 1919-1933 ( University of North Carolina Press, Chapel Hill and London, 1983 ), pp. 141, 209, 211.
حصل الحزب النازي على 37،3 بالمئة في تموز 1932 وعلى 33،1 بالمئة في تشرين الثاني 1932 في انتخابات ايلول 1930 ، حصل الحزب نفسه على 18،9 بالمئة ( المصدر نفسه ) .
5- T. Mason. ‘ National Socialism and the المصدر نفسه ، الصفحات243 , انظر كذلك ،
working class 1925-1933’, New German Critique, 11 ( Spring 1977).
6- بالحملة التالية: A. Przeworski and J. Sprague تفتتح دراسة عن " الاشتراكية الانتخابية " للمؤلفين " لم يتمكن أي حزب سياسي من الحصول على أغلبية انتخابية اعتمادا على برنامج انتخابي يقترح تغييرات اشتراكية على المجتمع " :
A Przeworsky and J Sprague, Paper Stones: a history of electoral socialism ( University of Chicago Press, Chicago and London, 1986). P. 1. هذا مضلل بشكل واضح ، ما لم يكن استخدام الجملة السابقة " تغييرات الشتراكية على المجتمع " يعني التزاما واضحا بالثورة ، بكل ما لهذه الكلمة من معنى .
7- j. K. Galbraith. The Culture of Contenment ( Sinclair – Stevenson, London, 1992), p. 10.
8- المصدر نفسه ، ص . 15 .
9- المصدر نفسه ، ص . 153 .
10- A. Gorz, ‘ The new agenda’ , in After the Fall: the failure of communism ( Verso, London and N. York, 1992). P. 293.
11- المصدر نفسه .
12- R. A. Dahl, Democracy and its Critics ( Yale university Press, New Have and London, 1989) , p. 327.
13- Przeworsky and Sprague, Paper Stones, P. 59.
14- .S. Hellman, ‘ The PCI’s alliance strategy and the case of انظر مثلا ،
the Middle classes’, in Communism in France and Italy, ed. D. L. M. Blackmer and S. Tarrow. (Princeton University Press, Princeton, N. J., and London, 1975 ).
15- A. Nove, Socialism, Economics and Development ( Unwin Hyman, London, 1986). P. 4.
16- ان تروتسكي ، اثر تعرضه لهجوم حاد بعد موت لينين من قبل ما كان يعرف بثلاثي ستالين زينوفييف وبوخارين ، انقاد الى الانغماس في مثل هذا التقديس للحزب مطلقا " قوله المشؤوم" : " ايها الرفاق ليس منا من يريد ، او يمكن أن يكون محقا ضد الحزب ، فالحزب دائما على حق ، في نهاية المطاف ، وذلك لان الحزب هو الأداة التاريخية الوحيدة التي تمتلكها الطبقة العاملة من أجل تنفيذ مهامها الأساسية " . خطابه في المؤتمر التاسع عشر ، 26 أيار 1924 . في كتاب تروتسكي بعنوان The Challenge of the left opposition ( 1923 – 1925 ) ( Pathfinder Press, New York, 1975 ) , P. 161. ومع ذلك ، فقد كان تروتسكي ايضا هو من قال في فترة سابقة : لنخلص الحزب من الطاعة العمياء ، من التسوية الميكانيكية للسلطات . من قمع شخصية الفرد ، من الخنوع ، من السعي وراء المنصب ! البلشفي ليس مجرد شخص منضبط ، أنه شخص يصوغ رأيه الثابت في كل حالة حول كل مسألة . ويدافع عن رأيه هذا بشجاعة واستقلالية تامة ليس فقط ضد اعدائه ، بل داخل حزبه
في المصدر نفسه ، ص . 127 . The New Course.
طبعا لقد سيطر الشكل السابق على حياة الحزب البلشفي في ظل الستالينية .
17- R. J. Dalton and M. Kuechler (ed.) , Challenging the political Order ( Polity Press, Cambridge, 1990) p. 10.
18- K. Soper, ‘ Greening Prometheus: Marxism and ecology’ k in Socialism and the limits of liberalism, ed. P. Osborne ( Verso, London and New York, 1991 ), P. 271.
19- P. Anderson, ‘ The Light of Europe’ , in English Questions ( Verso, London and New York, 1992), P. 309.
20- المصدر نفسه . ص . 314 .
21- Przeworski and Sprague, Paper Stones, p. 29>
22- سرى الوفاق ايضا على النضال الدموي والمرير ضد حركات التحرر من الاستعمار في الدول المستعمرة سابقا ك كما شن هذا النضال ايضا ضد " الشيوعية " . فالحزب الاشتراكي الفرنسي كان بشكل خاص متورطا بعد الحرب العالمية الثانية في الحروب الوحشية التي شنت من قبل الجمهورية الرابعة في الجزائر والهند الصينية . ولكن أحزابا اشتراكية – ديمقراطية أخرى في الدول المستعمرة ، مثلا حزب لعمال في بريطانيا . كانت مشاركة في مثل هذه الحروب .
23- بما فيها نقاط مثل ديكتاتورية البروليتاريا . النضال الذي لا يلين ضد كل أشكال " الاصلاحية " ، الجمع بين النشاطات الشرعية واللاشرعية ، قبول لا يتزحزح بكل القرارات التي تتخذها اللجنة التنفيذية للأممية .
24- صوت الحزب الشيوعي الفرنسي ، الذي كان لديه وزراء في الحكومة ، بعد الحرب العالمية الثانية .
مع طلب الحكومة اعطاءها سلطات خاصة لشن حرب ضد حركات التحرر ، ولكن كانت هذه انحرافات بشعة ، بغض النظر عن مواقف الحزب التي لا تندرج في المعارضة للسياسات الاستعمارية والخارجية لحكومات فرنسية متعاقبة .
25- انظر مثلا ، T. B. Edsall, The new Politics of inequality (W. W. Norton, New York and London, 1984 ) . تبقى الحركة العمالية المنظمة المؤسسة الاساسية الأكثر قدرة من الناحية النظرية على دفع مصالح الطبقات العمالية الفئة الدنيا من الطلقة الوسطى . يمتد الاطار المحتمل لهذا التمثيل الى اكثر بكثير من مجرد المطالبة بأجور اعلى ، ويتجاوزها ليطال المشاركة في صياغة سياسات الحكومة المتعلقة بالضرائب ، توزيع الثروة والدخل ، الرعاية الصحية ، تعويضات العجز ، السلامة والأمان في مكان العمل ، التعليم ، التدريب المهني – القائمة تشمل كامل الاطار المحتمل لنشاط الحكومة ( ص . 142 ) . لقد تعرضت الحركة النقابية الى مزيد من الإضعاف منذ ان كتب هذا ، ولكن ليس الى الحد الذي يفقد النقطة المطروحة معناها .
26- من أجل عرض ملائم لوجهات نظر أكثر هذه التيارات لفتا للنظر ، وهو الأممية الرابعة ، انظر ،
E. Mandel, Revolutionary Marxism Today ( New Left Books, London, 1979).
27- K. Marx, The Civil War in France , in marx and Engels, Collected Works, vol. 22, p. 328 .
المحتوى موصوف بشكل مطول في النشرة ، وبتفصيل اكبر في كراس
V. I. Lenin. The State and Revolution ( 1917) , in Selected Works ( Lawrence and Wishart, London, 1969 )
28- من أجل مناقشة حديثة لكتابت لاسكي حول هذا الموضوع في الثلاثينيات . انظر :
M. Newman, Harold Laski: a political biography ( Macmillan, Basingstoke and London, 1993 ) , and I. Kramnick and B. Sheerman, Harold Laski: a life on the left ( Hamish Hamilton, London, 1993 ).