| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

 

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

 

 

رالف ميليباند


الاشتراكية لعصر شكاك

ترجمة : نوال لايقة
مراجعة : د. غانم حمدون


الفصل السادس
سياسة الحفاظ على البقاء
-1-

في ختام الفصل السابقة افترضنا ان لا بد ، ذات يوم ، من مجيء حكومة ملتزمة ببرنامج للإصلاح الراديكالي " البنيوي " وتصرّ على تنفيذ إلتزاماتها ؛ وأن هذه الحكومة ستتولى السلطة ضمن شروط ونطاق النظام الدستوري القائم ، اي عن طريق إنتخابات عامة يحصل فيها ، حزب يساري ، او ائتلاف بين أحزاب يسارية ، على اغلبية الأصوات واغلبية المقاعد في المجلس التشريعي .

كما بيّنت ان ذلك غير متوقع في الوقت الحاضر ، لكن هناك اسباب وجيهة للاعتقاد أن الظروف الملموسة القائمة تبرر افتراضي أن الأغلبية ستطالبن في نهاية المطاف ، بتغيير هذه الظروف . هذا ينطوي على سيرورة تطور سياسي لأمد غير محدد ، يكون لأحزاب المعارضة فيها دور اساسي . وكما قال غرامشي منذ وقت طويل ، إن فرز اصوات الناخبين يمثل " المراسيم النهائية لمسيرة طويلة الأمد " (1) .

لقد ساد اعتقاد راسخ ، في وقت من الأوقات ، بين الاشتراكيين الثوريين ان اي فرز كهذا لأصوات الناخبين سوف يمنعه اليمين قسرا عن طريق انقلاب اذا كان من المحتمل لهذا الفرز ان يحمل الى السلطة حكومة ملتزمة إلتزاما جادا بإحداث تغيير راديكالي . وما حصل في اليونان عام 1967 عندما احبط انقلاب العقداء الانتخابات التي كان من المحتمل ان تتمخض عن حكومة ليست اشتركية بل ملتزمة فقط بإصلاحات معتدلة ، مثال على ذلك . ولكن اليونان لم تكن بلدا ذا نظام راسمالي ديمقراطي وطيد . مع ذلك ، يرى ثوريون ، أن القوى الرجعية عندما تكون مهددة بفقدان السلطة ، في ظروف التوتر والاستقطاب الشديدين ، وبعد فترة طويلة من التحلل السياسي ، يمكن ان تلجأ الى جميع السبل الممكنة لتفادي نتيجة انتخابية وخيمة الضرر ل " المصلحة القومية " .

لا يمكن إهمال هذا الاحتمال . ولكن حدوث انقلاب" وقائي " في البلدان الديمقراطية ، التي تتمتع بتقاليد دستورية وطيدة ، يعدّ امرا بعيد الاحتمال ، أولا ، لصعوبة تنظيم انقلاب كهذا بنجاح ، وثانيا ، لأن فشل هذا الانقلاب قد يؤدي إلى تقوية القوى التي يحاول المتآمرون هزيمتها . وسيكون اليسار قد حصل على تأييد شعبي كبير قبل محاولة اليمين الانقلاب . ويمكن لردة فعل هذا اليسار تجاه انقلاب كهذا ان تتخذ شكلا انفجاريا .

إن تجربة سلفادور الليندي في تشيلي عام 1970 وفرانسوا ميتران في فرنسا عام 1981 تبين ان مشكلة اليسار الحقيقية ، ضمن النظام الدستوري للبلدان الراسمالية الديمقراطية ، لا تكمن في تسلم السلطة بالطرق الدستورية ن بل في ما يحدث بعد ان يتسلم تلك السلطة . لقد حصل سلفادور الليندي في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 4 ايلول 1970 على 36،3 % من الأصوات ، مستفيدا من الانشقاق الذي حصل في صفوف اليمين ، وتضمن برنامجه مشروعا لتوسيع الملكية العالم وتوسيع هام للديمقراطية في أجهزة السلطة . وكان هناك مؤامرة قام بها رجال الجيش ، بتشجيع من الولايات المتحدة ، لمنع الليندي من الوصول الى الرئاسة عند تصويت البرلمان التشيلي في 24 تشرين الأول ، ولكن هذه المؤامرة باءت بالفشل فتسلّم الليندي الرئاسة ، إنما ليس قبل اغتيال رينيه شنايدر ، القائد العام للقوات المسلّحة الموالي للدستور .ولكن حكومة الوحدة الشعبية لم تملك اغلبية في مجلس النواب او في مجلس الشيوخ . وكان لهذا الإفتقار إلى تأييد السلطة التشريعية أهية كبرى ، كما بيّن تاريخ حكومة الليندي فيما بعد ، ومع ذلك كان لتلك الحكومة اهمية كبرى من ناحية اخرى ، فقد حظيت بتاييد شعبي كبير في البلاد . إن حجم التأييد الشعبي الذي تحتاجه حكومة مصممة على القيام بإصلاح راديكالي في بداية تولّيها من أجل ضمان فرصة فعلية للنجاح ليس مجرد أرقام دقيقة ؛ فيمكن القول إنها تحتاج إلى درجة كبيرة وصلبة من هذا التاييد الشعبي ، وكلما كان هذا التأييد كبيرا وصلبا ، كانت احتمالات النجاح أكبر . ويتطلب الحصول على هذا التأييد من الحزب او الأحزاب الاشتراكية أن تقوم بالإقناع المسبق لعدد كبير من الناخبين غير المنتمين بأن انتخاب حكومة اشتراكية سيكون لصالحهم .

أما ميتران ، فتم انتخابه للرئاسة عام 1981 كمرشّح عن يسار منتعش يضم الحزب الشيوعي ، ولديه " برنامج مشترك " للتغيير الراديكالي ، يتضمن توسيعا هاما للملكية العامة (2) . ولم يقتصر نجاح اليسار على كسب انتخابات الرئاسة ؛ بل حصل على أغلبية مريحة في انتخابات مجلس النواب . ولم يكن هناك أي خطر لحصول انقلاب وقائي . فبدت فكرة الانقلاب في ذاك السياق فكرة مضحكة .

إن اية حملة انتخابية يلوح فيها أمل بالفوز لحزب او ائتلاف حزبي على اساس برنامج للتغيير الراديكالي ستكون بلا شك بالغة الحدة وستتضمن إفراطا في تشويه السمعة وإثارة للذعر من قبل القوى المحافظة قياسا بما هو مألوف عادة (3) ، وستتضمن شيئا من العنف ايضا . ولكن الفرصة متوفرة لحكومة يسارية ، بعد فوزها بالانتخابات ، أن تتمكن من تولي مهامها . وتواجه معارضة تشنّ عليها حرب استنزاف ، على أمل ان تسقطها في وقت قصير دون الخروج عن الحدود الدستورية .

من جهة اخرى ، إذا بدأت الحكومة بإنجاز التزاماتها ، واستمر التأييد الشعبي لها ، سيفكر بعض افراد المعارضة بضرورة زعزعة استقرار هذه الحكومة وإسقاطها باية طريقة ممكنة . وقد اصبحت المؤامرة للإطاحة بحكومة تشيلي خطيرة حقا بعد أن حصلت حكومة الوحدة الشعبية فيها على 44 % من الأصوات في انتخابات محلية في آذار عام 1973 ، ووصلت هذه المؤامرة الى ذروتها بالانقلاب العسكري في تشرين الأول الذي دشن ديكتاتورية بينوشيت .

وجدير بالإشارة أيضا ان الانقلاب لا يعني بالضرورة إلغاء جميع الأشكال الدستورية . فقد تولى الجنزال ديغول الرئاسة في فرنسا عام 1958 ، نتيجة لانقلاب عسكري في الجزائر ( التي كانت من مستعمرات فرنسا ) ضد الجمهورية الرابعة ، وحدث هذا الانقلاب ضمن نطاق الدستور الفرنسي تقريبا (4) . وبعد الإطاحة بحكومة الئيس جولارت الشرعية في البرازيل عام 1964 فإن النظام العسكري ابقى على البرلمان ، ولكنه قلص سلطاته التشريعية . وكما يلاحظ ٌ R.A. Pakenham؛ " لقد استطاع البرلمان ، بمجرد عقد الاجتماعات النظامية بلا انقطاع ، أن يولّد ، لدى الجماهير ولدى النخبة ايضا ، شعورا عميقا وواسعا بمشروعية هذه الحكومة وحقها الأخلاقي بأن تحكم لم تكن لتستطيع الحصول عليه لو انها حلّت البرلمان " (5) . بكلمات اخرى ، هناك كرق كثيرة تختلف من بلد الى آخر ، تستطيع المعارضة من خلالها ان تسعى الى اسقاط حكومة راديكالية بوسائل غير دستورية ، وتموه حقيقة ما تفعلعن طريق حفاظها على بعض الأشكال الدستورية الظاهرية ؛ ويوجد دائما سياسيون محافظون وشخصيات بارزة اخرى على استعداد دائم للمساعدة في الحفاظ على وهم الدستورية .

هنا أيضا ، قد يبدو سؤالنا عن مدى انطباق هذه الأمور على حالة الولايات المتحدة سؤالا لا معنى له ، اذ من غير المحتمل انتخاب رئيس دولة وكونغرس ملتزمين حقا بسياسة راديكالية تشمل الحدّ من نفوذ الشركات الكبيرة واتخاذ إ جراءات لإعادة توزيع الدخل . ولكن ، يمكن للمظاهر ان تكون خادعة ، لأن الولايات المتحدة هي ايضا دولة رأسمالية وتعاني ، كغيرها من الدول الرأسمالية الأخرى ، سلسلة من المشاكل الكبيرة . ورغم أن هذا يعطي فرصا لليمين ، إلا أنه يقوّْي المطالبة بالتغيير . فلعل انتخاب الرئيس كلينتون عام 1992 تحت شعار " التغيير " لا يبشر بالتغيير الراديكالي الكبير ، ولكنه يوحي فعلا بأن المسائل البارزة المعلقة ، وما ينتج عنها من قلق ، عنف وسخط ، يمكن له مع الوقت ان يحمل الى السلطة إدارة وكونغرسا عازمين على تحقيق سياسة راديكالية أكثر بكثير مما يبدو ممكنا الآن . إذا ما حدث هذا ، فإن الاعتبارات التي تنطبق على مهام الحكومات الإصلاحية في البلدان الأخرى سوف تنطبق ايضا على حالة الولايات المتحدة ، حتى مع تأكيد اكبر على أن محاولة تغيير راديكالية جادة سوف تلاقي معارضة ضارية ومتواصلة في بلد تمتعت فيه الثروات الخاصة وسلطة الشركات طويلا بمناعة تجاه اي تحد .

كقاعدة عامة ، لا بد لأية حكومة يسارية في بلد رأسمالي ديمقراطي ان تحتاج ، منذ البداية ، إلى خوض صراع مع مجموعة من القوى المحافظة حول أية إشارة إلى هذا الصراع وتأثيره الحتمي على أساليب عمل هذه الحكومة ، وذلك في جميع ما كتب اليساريون حول الاشتراكية . وهكذا ، نجد أن أحد أكثر المؤلفات إمتاعا حول بناء الاشتراكية في السنوات الأ خيرة ، وهو كتاب "اقتصاديات الاشتراكية الممكنة " (6) عام 1983 للمؤلف أليك نوف ، يعرض تصورا لتحويل جزء كبير من الاقتصاد إلى النمط الاشتراكي ولكن دون الإشارة إلى المقاومة التي سيولدها ذلك والمشاكل الإضافية التي ستخلقها هذه خلال التطبيق . وعلى غرار هذا ، نجد ان محرر كتاب يتكون من مقالات حول " اشتراكية السوق " (1989) يقول : في ظل حكومة اشتراكية " لا بد من تحويل جميع المشاريع الانتاجية إلى شركات يديرها العاملون وإقامة نظام الشركات القابضة لإدارة رأس المال الاجتماعي " (7) . ولكنه أيضا يغفل أي نقاش حول العقبات التي سيكون على هذا المسعى أن يتخطاها في مونظمة الرأسمالية الديمقراطية من بنية سلطوية جبارة ، وللمدى الذي سيذهب إليه البعض في سبيل الحفاظ على هذه البنية . إن تجاهل هذا يسمح ببناء النماذج ، ولكن هذا البناء سيفتقر إلى أي أساس واقعي مهما بدا جذابا . ربما استخف الثوريون بما هو ممكن ضمن نطاق الديمقراطية الرأسمالية ؛ أما الاشتراكيون – الديمقراطيون فيميلون إلى تجاهل حدة الصراع المترتب على اي تقدم هام على طريق تحويل المجتمع بالاتجاه التقدمي . يمكن بالطبع الاستخفاف بهذا التحذير ، على أنه مجرد عصاب يساري . لكن هذا الاستخفاف يتجاهل الواقع المعاش على نطاق واسع .

ولا تقتصر المقاومة على ا لإصلاحات الاقتصادية . بل تشمل أيضا التغييرات التي سوف تسعى أية حكومة اشتراكية إلى إحداثها في بنية السلطة في الدولة وفي المجتمع ، بما يتوافق مع أهدافها النهائية ؛ فلا بد لمعارضي هذه العكومة من أن يروا في هذه التغييرات إجراءات هدامة وأن يعتبروها تهديدا كبيرا لما يعتبرونه مجتمعا فاضلا . ولا بد من ذكر نقطة أساسية فيما يتعلق بالإصلاح ، وهي تحديدا ، كما لاحظ القائد الاشتراكي النمساوي أوتّو باور Otto Bauer منذ زمن بعيد ، أن ما تخشاه الطبقة المسيطرة ليس الثورة تحديدا ، وإنما تراكم التغييرات التي تقلص هيمنة هذه الطبقة ، حتى إن لم يشكل ذلك تحديا جوهريا لهذه الهيمنة . وقد كتب باور عام 1939 بعد سحق حركة فيينا الحمراء Red Vienna قائلا : " في الواقع ، لم تنتصر الفاشية لحظة كانت البورجوازية مهددة بالثورة البروليتارية : بل انتصرت بعد إضعاف البروليتاريا ودفعها الى مواقع دفاعية بوقت طويل ، اي بعد خمود المد الثوري . فلم يعهد مالكو الأراضي واصحاب رؤوس الأموال بالسلطة إلى الجماعات الفاشية كي يحموا أنفسهم من خطر الثورة البروليتارية ، بل كي يخفّضوا الأجور ، وقضوا على جميع المكاسب الاجتماعية للطبقة العاملة ، ويمحوا النقابات العمالية ومواقع التأثير التي كسبتها الطبقة العاملة ، ليس من أجل إخماد الاشتراكية الثورية ، بل من أجل تدمير مكاسب الاشتراكية الإصلاحية " (8) .

وعلى غراره يقول بول بريستون Paul Preston حول الحرب الأهلية الإسبانية : " يجب البحث عن أصل النزاع ليس في محاولات المتطرفين لقلب المجتمع بل في محاولات الاصلاحيين تحسين ظروف الحياة اليومية لأكثر الأفراد بؤسا في المجتمع .... ويمكن لإنجازات الاشتراكية الإصلاحية في وقت الأزمات الاقتصادية أن تستثير المحاولات لفرض دولة فاشية او مركزية نقابية بعدر ما يمكن للثورية المطلقة أن تفعل ذلك " (9) .

ليس من الضروري الاستشهاد باللجوء الى الفاشية كي نرى مدى استياء الطبقات المسيطرة من تراكم الإصلاحات الذي يمكن أن يؤدي الى ترجيح ميزان السلطة والامتيازات ضدها بعض الشيء . لم تكن " الثورة المضادة " التي قامت بها تاتشر في بريطانيا في الثمانينات فاشية باي معنى من المعاني . ومع ذلك فقد ساد شعور قوي منذ 1979 ، خاصة بين الطبقات المتوسطة والعليا ، بضرورة قيام شيء مثل ثورة – مضادة معتدلة ( لكن هذه التسمية لم تستخدم ابدا ) في سبيل تحجيم إن لم نقل تدمير تدمير ، جميع المكاسب التي حصلت عليها الطبقة العاملة في العقود السابقة ، وفي سبيل الحد من قوة النقابات العمالية ومواقع النفوذ التي حققها زعماء هذه النقابات إن لم يكن محوها تماما (10) ، وبالتالي جعل بريطانيا " سهلة القيادة " من جديد . إن " شتاء السخط " عام 1978 – 1979 ، بما تخلله من إضرابات عمال القطاع العام ، قد زاد من حدة الاستياء المتراكم عند الطبقات السائدة ، فأدينت الإضرابات بشدة ليس فقط من قبل الصحافة الرخيصة الهستيرية ، بل أيضا من قبل بعض قادة الحركة العمالية ، وهكذا خلق شعور عام بأن النقابات العمالية " قد أفلت زمامها " فأدينت بتهمة اللامبالاة الفظيعة تجاه المعاناة " العامة " . ولم تزل أية أهمية حقيقة أن الإضرابات قد أثارها تحديد حكومة حزب العمال لسقف زيادة أجور مستخدمي القطاع العام بما لا يتجاوز 5% ، وقد تم الاعتراف فيما بعد بخطأ ذلك الإجراء .

مع عام 1979 ، كانت حكومة حزب العمال قد فقدت الأكثرية في البرلمان ، فصارت في حالة شلل تام ومنذ وقت طويل ، وكانت الحركة العمالية بصورة عامة منقسمة جدا . فهزمت الحكومة في الانتخابات العامة لسنة 1979 واستطاعت "الثورة المضادة " أن تنطلق ضمن نطاق الدستور البريطاني المتساهل ( على الأقل بالنسبة لحكومة محافظة ) ؛ فلم تكن بحاجة الى تغيير مثير من الناحية الدستورية . قد تختلف طرق تحقيق هذه الأمور في المكان والظروف ؛ ولكن جميع الطبقات المسيطرة والمناصرين لها تشترك في الغاية ذاتها .

ان المعارضة التي سوف تلاقيها حكومة راديكالية ملتزمة ، والمشاكل التي سوف تواجهها أثناء تنفيذ سياساتها ، لا بد أن تضعها آجلا أو عاجلا امام خيار جوهري ؛ إما التراجع ، وإما المضي قدما ، واذا اختارت الثاني ، عليها أن تقرر كيف تتصرف .

ان تاريخ الحكومات الاشتراكية – الديمقراطية حافل بمثل هذه الخيارات الحاسمة . فبعد انقضاء السنة الأولى أو الثانية من حكمها نتيجة لفوزها في الانتخابات العامة تزداد الأمور صعوبة ، بعد أن تتغلب المعارضة على تدهور المعنويات الذي لحق بها بعد هزيمتها في الانتخابات . فتعمل بحيوية جديدة على عرقلة مسار الحكومة . أما الحكومة الراديكالية فتتقدم في السنوات الأولى لانتخابها مدفوعة بنصرها الانتخابي ، وتؤكد السجلات أن بإمكان الحكومة الراديكالية تحقيق الكثير في الأيام الأولى ، كما حصل في حالة الحكومة العمالية في بريطانيا بين عامي 1945 و 1947 ، وحالة الحكومة الاشتراكية في فرنسا في عام 1981 – 1982 . وبعد هذه المرحلة الأولى يتحتم على الحكومة أن تختار بن الاستمرار او التوقف والذي يعني عمليا التراجع . في بريطانيا عام 1948 ، مثلا ، كان على الحكومة العمالية التي تم انتخابها عام 1945 أن تقرر الاستمرار في الطريق الذي رسمته لنفسها في البداية ، أو "تعزيز" ما أنجزت . وفي ضوء ميولها الأيديولوجية ، والصعوبات التي واجهتها ، لم يكن هناك من شك في انها سوف تلجأ الى "التعزيز" (11) . ولكن هذا كان خيارا اتخذته بكامل وعيها .

وعلى غرار ذلك ، واجه الرئيس ميتران ، بعد سنة كاملة من الإصلاح الحقيقي (12) ، تدهورا في ميزان المدفوعات ، وكان عليه أن يختار بين "التقشف" و "إعادة النظر" من جهة ، وبين اجراءات دعا اليها بعض أعضاء الحكومة ، مثل الخروج من نظام النقد الأوروبي ، فرض قيود مؤقتة على الاستيراد ، وتشجيع الاستثمار والتحديث ، من ناحية أخرى . ففضل ميتران الخيار الأول ، فعلق اتفاقات زيادة الأجور ، وجمد الأجور على ما هي عليه لمدة 4 أشهر (13) .

من المستحيل بالطبع التكهن بنجاح سياسات أحرى , ولكن هذا لا يلغي زيف الفكرة القائلة بأن الظروف تفرض على حكومات سياسات وإجراءات تقبلها على مضض لعدم وجود بديل عن هذا أمام هذه الحكومات . هناك دائما خيار يجب على الحكومة ممارسته ، ولا يمكن الجزم باحتمال نجاح حلول لم تخترها الحكومة بل يمكن تخمين ذلك فقط ؛ صحيح أن خيار التراجع اسهل جدا من خيار المضي قدما . لأن التراجع يخفف من الضغوط الواقعة على الحكومة ، بينما يتطلب المضي قدما مزيدا من المواجهة مع قوى قوية . والتراجع يعني عمليا تبني السياسات التي تحظى بموافقة هذه القوى ، ويتبع هذا التراجع عادة الهزيمة في الانتخابات العامة بسبب استياء الطبقة العاملة الناتج عن تبني مثل هذه السياسات .

-2-

قبل المناقشة المفصلة لنوع المعارضة التي ستواجهها حكومة ملتزمة بإجراء إصلاح جوهري , يجب ملاحظة عاملين اثنين لهما صلة وثيقة بالموضوع .

أحدهما ورد في الفصل السابق ويتعلق بمدى الاستعداد العام لقبول الإصلاحات التي تطرحها حكومة راديكالية قبل مجيء هكذا حكومة الى السلطة ، بكلمات أخرى ، الى أي يدى اصبحت فلسفة هذه الحكومة وسياساتها من بديهيات المرحلة المعنية ، حسب مفهوم غرامشي ، وبالتالي الى أي حد يشكل التصويت لصالح هذه الحكومة قبولا لما تطرحه من سياست وليس فقط تصويتا ضد الأحزاب التي حكمت قبل هذه الحكومة .
ثانيا ، هناك أيضا المسألة الجوهرية الخاصة باسلوب تناول الحكومة لمهامها . ولهذا الموضوع أهمية كبرى لأنه يتعلق بمدى قدرة الحكومة ، أو استعدادها ، للجمع بين التصميم من جهة والمرونة من جهة أخرى – العزم على عدم الانحراف عن التزاماتها الأساسية ، وفي الوقت نفسه الاستعداد للسعي في سبيل الحصول على تأييد من هم خارج أنصارها أثناء تطبيق سياساتها الحالية . من الواضح أن هناك خطرا في أن يؤدي أي استعداد كهذا الى مشاكل بين أنصار الحكومة نفسها ، ويمكن أن تعتبرها المعارضة علامة من علامات ضعف الحكومة . ومن هنا تنبع ضرورة التمسك الواضح بالأهداف الاساسية حتى عندما تكون الحكومة مرنة في ما يتعلق بطرق تطبيق هذه الأهداف . ومن فوائد هذه المرونة النسبية أنها يمكن ان تضعف المعارضة ، وعلى الأقل ميل بعض عناصرها للتعاون مع الحكومة . على أية حال ، لا يمكن لحكومة جاءت الى السلطة عن طريق النظام الدستوري السائد الا أن تتبنى سياسة كهذه . أما الانتفاضة الثورية وما ينجم عنها من " تحطيم جهاز الدولة " فلا تتسع الى أي نهج تصالحي : أما الحصول على السلطة عن طريق الانتخابات فيقتضي هذا النهج بالضرورة . والسبب في ذلك هو ان الجمع بين التصميم والمرونة في الوقت نفسه قد يجتذب للحكومة للإصغاء والاهتمام بالشكاوى والشكوك المشروعة . ولتأييد هؤلاء المناصرين الجدد أهمية كبيرة ، سواء في المرحلة الراهنة أم في المستقبل عند إجراء الانتخابات .

مهما كان استعداد حكومة اشتراكية جديدة للمصالحة ، فانها سوف تواجه معارضة شديدة من قبل اليمين طالما بقيت ملتزمة بالإصلاح الراديكالي الذي تعهدت به : معارضة من داخل الدولة ، من القوى المحافظة في المجتمع ، ومن مصادر خارجية . إن المصادر الثلاثة على صلة وطيدة فيما بينها ، ومع ذلك من الأفضل أن نناقش كل واحد على حدة .

تحصل الحكومة الاشتراكية المنتخبة حديثا على جزء محدد من نظام الدولة ، وهو الجزء التنفيذي ، ومن الممكن أيضا أن تتمتع بتأييد الأغلبية ضمن السلطة التشريعية . بدون توفر هذا الدعم تصبح مهمة الحكومة مستحيلة ؛ كما أسلفنا ، فالحكومة التي لا تستطيع الاعتماد على تأييد صلب داخل السلطة التشريعية ( وعلى تأييد شعبي قوي أيضا ) ، سوف تواجه المتاعب مهذ البداية . ولكن ، حتى في حال حصول الحكومة على تأييد الأغلبية في الهيئة التشريعية ، سوف يكون عليها التعامل مع جهاز دولة قسم كبير منه لا يشاركها الميول والأهداف كما هو متوقع ، خاصة في مستوياته العليا ، ولا بد لها أن تتوقع من بعض عناصر هذا الجهاز أن تكون معادية لميول واهداف الحكومة . لا شك أن انتخاب حكومة اشتراكية انطلاقا من التأييد الشعبي الواسع يعني أن آراء وسياسات اليسار قد حصلت على تأييد الكثيرين من المهنيين ، بمن فيهم الأفراد في المستويات العليا لأجهزة الدولة . ولكن ، تدخل الدولة الواسع في الحياة الاقتصادية كان على الدوام أمرا مسوغا ومقبولا في فرنسا ، ويحبذه التكنوقراط لميلهم الدائم الى دور الدولة . حتى في البلدان التي ليس لديها تقليدا قويا بتدخل الحكومة في الاقتصاد ، يمكن أن نتوقع من عدد لا بأس به من الذين يشغلون مراكز هامة في أجهزة الدولة أن "يحترموا نتائج الانتخابات" فيخدمون الحكومة مهما كانت تحفظاتهم على سياساتها .

مع انتشار افكار اليسار في النظام الاجتماعي ، في الفترة التي تسبق انتخاب حكومة اشتراكية ، تبدو صورة جهاز الدولة الذي همه الثابت هو تخريب هذه الحكومة ، صورة زائفة . إن بعض الذين في مواقع عليا في أجهزة إدارة الدولة لا بد أن يعتبروا الحكومة وسياساتها في ضلال كارثي ، بل اسوأ من ذلك . والبعض الآخر سيكون مؤيدا متحمسا الى هذا الحد او ذاك ، وسيكون لدى الأغلبية شكوكها الكبيرة او الصغيرة حول برامج الحكومة ، ولكنها ستبدي استعدادا لاتباع هذا البرنامج ، بل حتى المساعدة في تحقيقه .

هذا التوزيع للمؤيدين والمعارضين سيختلف كثيرا من قسم الى قسم من اقسام جهاز الدولة . يمكن ، على سبيل المثال ، أن يكون عدد المؤيدين لحكومة اشتراكية في السلك القضائي صغيرا نسبيا ؛ ويمكن الافتراض أن يكون عدد المؤيدين أقل من ذلك في المستويات العليا لقوى الأمن ، الجيش والمخابرات . ورغم ذلك سيكون من الخطأ ان نعتبر هذه الأقسام استثنائية ؛ ففي جميع الأقسام ، سيوجد عدد من المعارضين للحكومة كاف لخلق المشاكل .

وفي السياق نفسه ، يجب على الحكومة أن تحسب حساب المعارضة المريرة من قبل الأحزاب البورجوازية في السلطة التشريعية ، رغم أن هذه المعارضة ستكون ، في حال حصول الحكومة على الأغلبية ، اقل تأثيرا من القوى المعارضة في المواقع الأخرى . ستواجه الحكومة ايضا معارضة من الإدارات المحلية والإقليمية الخاضعة لأحزاب المعارضة .

بمرور الزمن ، وكلما ظهر مدى تصميم الحكومة على تحقيق سياساتها ، يمكن لبعض أطراف المعارضة أن تنشد المساومة وتقبل ، وإن على مضض ، الكثير من التغييرات التي تقوم بها الحكومة . بعض اطراف المعارضة الأخرى ن من ناحية ثانية ، سوف تزداد تعنتا . وسوف يزداد اهتمام بعض الموظفين الكبار ب "الحد من الضرر" الذي ، حسب زعمهم ، يسببه للأمة زعماؤهم السياسيون ؛ وسوف يشعرون أن من واجبهم المطالبة بسياسة أكثر " تعقلا " ، مما يعني في الواقع تحجيم جوانب اساسية من برنامج الحكومة أو التخلي عنها بشكل كلي . وسيقوم بعض القضاة ، وربما الكثير منهم ، باستخدام سلطتهم القوية من أجل إصدار احكام مناوئة للسلطة فيما يخص القضايا الخلافية التي يبتون بها ، اعتقادا بانهم يفعلون ذلك باسم القانون والحكمة. فلا بد لحكومة إصلاحية من التدخل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بطرق تمس حقوق الملكية والامتيازات الراسخة . وسوف تفعل هذا بطرق مشروعة قانونيا ولكن سيعتبر الكثيرون من القضاة ان من واجبهم مقاومة هذا التحدي بأية طريقة ممكنة ، يحدوهم الاعتقاد بأنهم يدافعون عن حقوق اساسية .

من المؤكد تقريبا أن بعض افراد مؤسستي الجيش والمخابرات سيرون الحكومة على انها تشكل بسياساتها تهديدا ل " المصلحة القومية " ، وخاصة عندما تؤثر هذه السياسات على قطاع عملهم؛ وهكذا سوف يعتبرون من واجبهم طبعا إحباط هذه السياسات بشتى الوسائل . هناك ادلة وافرة على أن اجهزة المخابرات في البلدان الرأسمالية المتقدمة تشكل عالما قائما بذاته ، ولا تخضع إلا لرقابة في حدها الأدنى تجعلها مستقلة عمليا في نشاطاتها اليومية . وحول الولايات المتحدة ن يتحدث ف . ج . دونر F.J.Donner عن " مدى وكثافة الحرب السرية التي شنتها اجهزة المخابرات الداخلية ضد كل ألوان السياسات المعارضة طيلة ما يزيد على خمسين سنة " (14) .

يصح هذا القول على جميع أجهزة المخابرات في كل مكان ، ولكن هذه "الحرب السرية" لم تقع فقط على المواطنين العاديين ؛ فقد استهدفت وزراء وحكومات . والكثير من اعضاء أجهزة المخابرات ينظرون الى العالم بمنظار يلوّنه هوس الوطنية . ومن خلال هذا المنظار اعتبر هارولد ويلسون حينها عميلا لجهاز المخابرات السوفيتية من قبل أعضاء من اجهزة الأمن ؛ وتعرض أثناء رئاسته للوزارة البريطانية الى حملة مطولة لتشويه سمعته (15) . وكان ج . إدغار هوفر ، الذي تراس " مكتب التحقيقات الفدرالية " في امريكا لمدة 48 سنة ، استحدث سجلا سريا ضخما للمعلومات ، الكثير منها فضائح جنسية تحطم سمعة شخصيات عامة بدءا من الرؤساء فما دون ، وقد تم استخدام هذا السجل بشكل واسع بإ سم الأمن والمصلحة القوميين . بعد انتهاء الحرب الباردة وزوال " الخطر السوفيتي " ، لم يعد ممكنا اتهام الحكومات الاشتراكية بأنها ادوات واعية أو غير واعية في يد الكرملين ، ولكن مع ذلك يمكن اتهامها بمحاولة إعادة بناء النظام الذي فشل في الدول الشيوعية السابقة ، وبالتالي اتهامها بأنها تشكل خطرا قاتلا على المصلحة العامة .

ليس من الصعب ان نتخيل حمية أعضاء أجهزة المخابرات لإضعاف حكومة لا يحبونها وإحساسهم بأن ذلك واجب عليهم ، وسوف تقوم هذه الأجهزة بتفسير أية محاولة تقوم بها هذه الحكومة لإصلاح تلك الإجهزة كدليل إضافي على فساد هذه الحكومة ونواياها غير الوطنية (16) . فلأعضاء أجهزة المخابرات علاقات وثيقة مع أعضاء من أحزاب المحافظين ومع مالكي الجرائد والمحررين والصحفيين وجميع الأفراد الذين يتمتعون بمواقع متنفذة في المجتمع ؛ وعلى الحكومة أن تكون مستعدة لمواجهة جهود منظمة غايتها إضعافها بواسطة الدعاية الشريرة والوثائق المزورة وغيرها من الوسائل . كما أن أجهزة المخابرات المحلية تشكل جزءا من شبكة عالمية مستعدة لمساعدتها ، فبوسعها الاستعانة بأجهزة المخابرات الأجنبية وغيرها .

أن محاولة أية حكومة اشتراكية السيكرة تماما على أجهزة المخابات تشكل اختبارا مبكرا – وحسما – لمدى تصميمها . وستكون هذه المحاولة ، من ناحية أخرى ، جزءا من مشروع أوسع ، وهو تحديدا التغيير واسع النطاق لكبار موظفي الدولة . ولا يمكن لهذه الحكومة أن تمضي قدما نحو تحقيق أهدافها إذا هي لم تستطع الاعتماد على الدعم القوي من كبار موظفي أجهزة الدولة . ليس المطلوب من هؤلاء الولاء لفلسفة ضيقة الحدود ، بل عليهم الموافقة التقريبية على اساسيات النظام الاشتراكي القائم . ولا يتنافى هذا مع اعتراضهم على الكثير من اوجه السياسة القائمة . فلن تتمكن أية حكومة من العمل بكفاءة إذا كان موظفو أجهزة الدولة الكبار يعارضون بشكل فعّال جوهر سياسة الحكومة . فسوف يصيب الحكومة الفشل والشلل ما لم يتم استبدال هؤلاء . وليس السؤال المطروح هو " هل هذا الشخص واحد منا ؟ " ، بل ، وبشكل أكثر شمولية، " هل هو واحد منهم ؟ " ، مما يعني هل يحمل آراء محافظة ورجعية ؟ بكلمات أخرى ، يجب ألا يكون المبدأ الذي يقودنا : " كل من لا يؤيدنا لا بد أن يكون ضدنا " بل " كل من ليس ضدنا هو مؤيد لنا " .

سيكون تحقيق التغيير المطلوب أسهل في بعض فروع الدولة منه في بعضها الآخر . يمكن استبدال موظفي الدولة الكبار أو نقلهم . المشكلة اعظم عندما يتعلق الأمربكبار موظفي أجهزة البوليس ، الجيش والمخابرات . ولكنها مشكلة لا بد من تذليلها . ويشكل كبار القضاة مشكلة ايضا . فكما اشرنا في فصل سابق ، سيكون على أية حكومة اشتراكية ان تعين في المراتب القضائية أشخاصا ذوي ميول تقدمية . وستكون صرخات الغضب التي سيولّّدها هذا التعيين مصطنعة ، لأن المعايير السياسة الضمنية تتحكم بعملية تعيين كبار القضاة ، بل حتى الأدنى منهم مرتبة ، في بلدان الديمقراطية الرأسمالية ، فليس ندرة القضاة اليساريين في هذه الأنظمة السياسية مجرد صدفة . فطيف القضاة ينحصر بين الرجعي الصرف الى الليبرالي المعتدل ، ونادرا ما يتجاوز ذلك ؛ إن قاضيا يحمل ميولا اشتراكية ضمن هذه الأنظمة يمثل تناقضا بحد ذاته . سيكون على الحك وان تؤكد على ان يكون هذا الطيف معبرا عن المناخ الفكري الذي تغيّر في البلاد .

- 3 -

إن الحكومة التي تهدف الى تحقيق تغييرات راديكالية ستواجه معارضة من داخل أجهزة الدولة مع معارضة أخرى من خارج هذه الأجهزة ، أي من المجتمع بشكل عام . وستأتي المعارضة أهمية هي من خارج هذه الهيئات . وكما لاحظنا سابقا فيما يخص اجهزة المخابرات ، فإن جميع القادة السياسيين المحافظين يشكلون جزءا من شبكة علاقات تجمع ذوي النفوذ في كثير من مجالات الحياة المختلفة ، ليس فقط داخل البلاد بل خارجها ايضا ؛ وسيرغب الكثيرون منهم باستخدام علاقاتهم ضد الحكومة . وهنا يمكن لمهارة الحكومة في إدارة الأمور والعلاقات ان توقع الشقاق بين صفوف المعارضة وتثني بعض قادتها عن المشاركة في نشاطات مريبة .

وثمة دور هام من نوع مختلف ستلعبه الأحزاب المحافظة في البلد ، فتكون مراكز للدعاية على طول البلاد وعرضها ، وستكون في الوقت نفسه محور نشاط المحافظين ، عن طريق الاجتماعات ، المظاهرات .... الخ ؛ وينطبق ذلك أيضا على عدد من الروابط ، النوادي والمنظمات الأخرى ، اي جميع اقسام "متراس" المجتمع المدني ، التي تهمها ، بطريقة اوأخرى ، وبدرجات مختلفة من الخبث ، أن تستنكر وتشجب وتعارض ما تفعله الحكومة ، وتقنع أكبر عدد ممكن من الناس أن سياسات الحكومة مؤذية . وقد تمكنت منظمات كثيرة من الاعتماد على المساعدات المالية الكبيرة التي قدمتها المؤسسات المحافظة ، ومنظمات أخرى في الولايات المتحدة وبلدان أخرى في الماضؤ وستكون هذه المساعدات أكثر سخاء في المستقبل من أجل الاستمرار في الكفاح ضد حكومات تحركها بوضوح أهداف " شريرة " . ومن المفيد في هذا السياق أن نتذكر تشكيل الحلف الأطلسي لمنظمة سرية في ايطاليا في ذروة الحرب الباردة ؛ اسمها Gladio ، لها مجسّات في بلدان اخرى ، وكانت مهمتها محاربة " الشيوعية " ومؤسساتها في ايطاليا وفرنسا ، بجميع الطرق لتي تراها ضرورية ، بما فيها الإرهاب . وعلى الرغم من إنتهاء الحرب الباردة ، يمكن توقع ولادة مثل هذه المنظمات السرية ، تحت رعاية مختلفة ، حيثما تشرع حكومة اشتراكية بإنجاز برنامجها .

لا ريب أن الكنائس ستنقسم في مواقفها ، ولكن يمكننا ان نتوقع معارضة عدد كبير من رجال الدين لسياسات الحكومةالتي " تسبب الشقاق " ، وتشجيعهم لها على مسار " أكثر اعتدالا " ، مما يعني عمليا التراجع عن أهداف الحكومة . ويجدر التاكيد ، من ناحية أخرى ، على أن تغيرا كبيرا قد طرأ على المؤسسات الدينية في العقود الأخيرة ، فيمكن لحكومة اشتراكية ان تتوقع قدرا لا بأس به من تأييد رجال الدين ، وخاصة على المستويات الدنيا للكنيسة (17).

وأشد يمينية بكثير من جميع مصادر المعارضة ستكون الزمر الفاشية الجديدة التي سيقوم قادتها بتشجيع أعضائها ( والآخرين ايضا ) على اعتبار الحكومة متآمرة ضد سيادة الأمة وسلامتها . ستفعلالحكومة الاشتراكية كل ما بوسعها لحماية الأقليات القومية وغيرها من التمييز والاعتداء . وسيكون هذا كافيا لقادة مجموعات النازية الجديدة لاتهامها بأنها خاضعة للأجانب ، لسود ، ولليهود . وسيبدو اللجوء الى العنف ردا مشرعا ، بما فيه الاعتداء على اليساريين ، الموظفين الرسميين والوزراء ، وإلقاء القنابل الحارقة على مقرات الأحزاب اليسارية ، أو مباني الحكومة ؛ أو مساكن المهاجرين من حين الى آخر . ولن تفتقر الزمر الفاشية الجديدة والزمر الإرهابية الأخرى الى الأعضاء الجدد. فمنذ الآن ، يمكننا ملاحظة نمو الفاشية الجديدة في اوروبا الغربية ، وهي بالإضافة الى آخرين تمارس العنف ضد السود ، العرب ، اليهود ، العمال الوافدين ، اللاجئين والأقليات الأخرى ؛ وسوف يزيد مجيء حكومة راديكالية نزوح هذه الحركات الى العنف .

وكما أشرنا في الفصل الثالث ، لا يمكننا الافتراض أن السا سة المحافظين سيعارضون بحزم هذه الحركات ؛ فأثناء تطبيق حكومة يسارية برنامجها ، سنجد أن الكثير من هؤلاء الذين يبدون الاستياء ، شكليا ، من لغة وممارسة العنف سيعثرون على فضائل في الكثير من آراء الزمر الفاشية الجديدة ، ويعزون افعالها التي لا يمكن الدفاع عنها الى الاستفزاز المزعوم بأن الحكومة مصممة على خراب الأمة . هنا ايضا يمكن توقع الكثير , فتجارب بلدان عديدة تبين كيف يمكن لشخصيات سياسية يمينية محتمة ان تتعاطف أو حتى تتعاون مع أناس ترفضهم وتتجنبهم في الظروف " الاعتيادية " .
ويمكن أن نتوقع من غالبية الصحف أيضا أن تكون مصدرا للانتقادات الشديدة الموجهة الى الحكومة ، مع عرض يومي لفشل وتقصير الحكومة المزعومين ، والتحذير الملّح من الكارثة التي تقود الحكومة البلد إليها بسبب إجراءاتها "الدوغماتية " . وعلى مستوى اقل "رفعة" ، سيتلقى قراء الصحف الرخيصة جرعة يومية من الإشاعات القذرة ضد الوزراء ، الموظفين وكل من له علاقة بالحكومة . ولن تترفع " الصحف الرزينة" عن هذا الهجوم ؛ كما أن الآراء والمشاعر والاتهامات التي تطلقها الأوساط المحافظة سوف تتردد أصداؤها في بقية وسائل الإعلام إن أمكن . ولن يكون كل هذا جديدا ؛ فالدعاية المغرضة هي الأسلوب الطبيعي الذي تمارسه المنظمات المحافظة ضد اليسار ، وضد القادة والأحزاب الاشتراكيين – الديمقراطيين " المعتدلين " جدا عندما تتطلب الظروف ذلك ، كما يحدث في أوقات الانتخابات العامة ، أو عندما تتولى السلطة حكومة يسارية من أي نوع كان . والفرق الوحيد سيكون في حدة الهجوم القذر ضد أية حكومة راديكالية حقا وإلى جميع ما تقوم به .

باختصار ، لا بد لمجيء حكومة كهذه إلى السلطة أن يخلق حالة تدفع جميع أطراف المجتمع إلى أحد الجانبين ، وتصبح المصانع ، المكاتب ، المدارس ، الجامعات والكنائس جميعها ميادين للصراع بين اليمين واليسار . سيكون من واجب حكومة راديكالية ، بحكم طبيعتها ، أن تطبق سياسات تثير مشاعر العداء والغضب ، بدرجات متفاوتة ، لدى اصحاب الامتيازات في المجتمع من حيث السلطة ، الثروة ، مستوى الدخل ، الفرص ... إلخ ، وخاصة أن هؤلاء يعتقدون أن اي تحدّ لامتيازاتهم سيقود الى الخراب الشامل على مستوى البلد ككل ؛ ولا بد أن هؤلاء سيحصلون على دعم عدد كبير من الناس الذين لا يتمتعون بأية امتيازات ولكن تم إقناعهم بأن الحكومة تنفذ سياسات خطرة وشريرة .

وكما في حالة موظفي أجهزة الدولة ، سيكون من الخطأ اعتبار جميع رجال الأعمال معارضين للحكومة بشكل قاطع وبلا استثناء . سيكون هناك ، في البداية على الأقل ، عدد من هؤلاء في قطاعات الصناعة ، التجارة والمال لديهم الاستعدادللانتظار ومراقبة ما ستفعله الحكومة ، وسيكون لدى بعضهم الاستعداد حتى للتعاون مع هذه الحكومة . وهنا تأتي أهمية النقطة التي أثرناها سابقا حول الأسلوب الذي تتبعه الحكومة في تطبيق سياساتها . فستكون الحكومة هنا واقعة تحت تأثير رغبتين متناقضتين . فمن الناحية الأولى ، سترغب الحكومة في وقت مبكر جدا باتخاذ بعض الإجراءات التي التزمت بتحقيقها والتي سينظر إليها رجال الأعمال ، داخل البلد وخارجه ، على أنها ضارة . ومن الناحية الثانية ، سترغب الحكومة بكل تعاون مع هؤلاء .

لا خيار أمام الحكومة إلا أن تحاول تحقيق التعاون مع هؤلاء لأنها أتت الى السلطة في عالم تسيطر عليه الشركات . فالبديل المباشر لهذه المحاولة ، بلغة الاقتصاد ، يشبه "تحطيم جهاز الدولة " ، أي تحديدا ، التأميم الفوري لجميع وسائل النشاط الاقتصادي ، وطرد جميع من كانوا حتى الآن يديرون القطاع الخاص ، أو على الأقل طرد من لا يؤيّد بشكل علني ما تفعله الحكومة . إن هذه النقلة المباشرة غير ممكنة ضمن الشروط المفترضة هنا . كما أنها ليست مستحسنة حتى ولو كانت ممكنة ، لأنها ستؤدي إلى اضطراب اقتصادي شامل كل هذا يعني أنه سيكون على الحكومة ، لفترة معينة ، أن تعمل ضمن سياق
اقتصادي تقوم فيه الشركات الرأسمالية بدور أساسي . كما أنه يعني ، وبالإضافة إلى أشياء أخرى ، السماح للشركات بتحقيق نسبة كافية من الأرباح ، ومساعدة الحكومة لهذه الشركات والمشاريع لتحقيق ذلك .

إن هذا مناف لكل ما ترغب به حكومة راديكالية ، ولكنه نابع من الواقع الذي ستواجهه هذه الحكومة ، ولا يمكن تغييره بالخطابات . ومما يسوّغ هذا أنه لا يقوم بالضرورة بحرف حكومة اشتراكية عن التغييرات التي التزمت بتحقيقها . ثم إن للرأسمالية أشكالا مختلفة كما أشنا في فصل سابق : ففي بعض البلدان نجد ان حريتها خاضعة لضوابط أشد من بلدان أخرى . سيكون على الحكومة الاشتراكية أن تضع مزيدا من الضوابط في كثير من المجالات الأساسية . كما سيكون على الحكومة أن تؤكد بأنها يجب أن تكون الشريك الأكبر ضمن اية شراكة بينها وبين القطاع الخاص . وسيكون حزم الحكومة احد العوامل الهامة المحددة للمدى الذي ستبلغه المعارضة .

لكن الحقيقة أن الغالبية من رجال الأعمال لن تكون سعيدة ، إن لم نقل اكثر ، بمجيء حكومة راديكالية إلى السلطة ، وسيزداد استياء وعداء هذه الغالبية مع الوقت . فمع تقدم الحكومة في إنجاز مشروعها ، سيتخذ هذا العداء أشكالا مختلفة ؛ المعارضة الصريحة ، التي تعبّر عنها وسائل الإعلام ، لما تفعله الحكومة أو تعد بتحقيقه ؛ محاولة الالتفاف حول الضوابط والقوانين والتهرب منها ؛ الإضراب عن الاستثمار بحجة "غياب ثقة الشركات بالحكومة " ؛ إغلاق الشركات والمشاريع التابعة للشركات المتعددة الجنسيات ؛ والمضاربة على العملة .

وأهم من كل هذه المعارضة الداخلية ستكون العقبات الناجمة عن عولمة رأس المال وتأثير الحكومات الأجنبية القوية والمؤسسات العالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي . ونتناول فيما يلي كيف ستواجه الحكومة الاشتراكية كل هذا .

-4-

يرى الكثيرون في السنوات الأخيرة أن حكومة اشتراكية ستواجه مهمة مستحيلة ، إذا أخذنا بعين الاعتبار الاندماج المتزايد للاقتصادات الوطنية في الاقتصاد العالمي . ودّعون أن هذا الاندماج وكل ما ينتج عنه من ضغوطات على الاقتصادات الوطنية ن يجعل "الاشتراكية في بلد واحد " مطلبا طوباويا أكثر من أي وقت مضى . تقول سوزان سترينج في هذا السياق " إن هذا الاندماج قد قطع شوطا كبيرا ، مما يجعل إقامة دولة اشتراكية "نقية " امرا غير ممكن عمليا " (18) .

هذا أحد الأسباب التي جعلت كثيرا من اليساريين يسلمون بإجراء إصلاحات حذرة ضمن النظام الاجتماعي الرأسمالي ويعتبرون أن أي تفكير بشيء ابعد من هذا غير واقعي تماما . ويعني هذا الموقف عمليا قبول فكرة أن هذا النظام الاجتماعي ، يمثل ، على كل حال ، "نهاية التاريخ " فعلا . أما تغيير هذا النظام ، وتجاوز الرأسمالية ، فيحتاج إلى اندلاع عدد من الثورات المتزامنة في عدد من البلدان الكبيرة ، ونتيجة لذلك ، ولادة " نظام عالمي جديد " حقيقي يختلف تماما عن النظام العالمي السائد حاليا .

إن هذا وهم . ولكن ، من وجهة نظر اشتراكية ، يمكن ايضا أن تكون هذه الروح الانهزامية الكامنة وراء قبول هذه النظرية ، اي النظرية القائلة بأن الرأسمالية الليبرالية في عالم تعتمد اقتصاداته على بعضها البعض هي افضل ما يمكننا أن نحلم به ، قائمة على نظرة متشائمة بإفراط حول الحيّز الذي سوف يتركه الاندماج الاقتصادي لحكومة اشتراكية مصممة على تحقيق برنامجها الراديكالي . قمنا بمناقشة هذا في الفصل الرابع ، وسنناقشه ايضا في سياق هذا الفصل . ولكن من الهام أيضا أن نفهم بوضوح ما ستحاول الحكومة الاشتراكية الجديدة تحقيقه في ا لمرحلة المبكرة لتسلمها السلطة ، وحتى بعد ذلك بوقت طويل . فالقضية ليست حول تحقيق الاشتراكية في بلد واحد ، دع جانبا إقامة دولة اشتراكية "نقية" . وإنما القضية هي حول الخطوات الأولى في سيرورة على طريق طويل جدا ، متجه نحو الأهداف الاشتراكية . فمن الواضح ان هذا يتطلب السعي المتواصل ضد اللامساواة واللاديمقراطية وغيرها من الصفات التي يتصف بها النظام الاجتماعي القائم ، وبالتالي إعادة توزيع الثروات والسلطة بما يخدم الأغلبية الساحقة التي كانت تشكل ، حتى الآن ، الجزء الخاضع والمحروم من المجتمع . ومن قصر النظر بمكان ان نسلم بأن الهيمنة الحالية لقيم الليبرالية الجديدة سوف تستمر حتى مستقبل غير محدود ، وأن الحركات العمالية والاشتراكية وغيرها من الحركات اليسارية لن تتمكن من اكتساب ( أو استعادة ) قوة أكبر مما لها حاليا في البلدان الرأسمالية . ومن المحتمل ايضا ولادة منظمة عالمية لليسار الاشتراكي تحقق حضورا حقيقيا على الساحة العالمية ، حضورا تعجز عنه الأممية الاشتراكية الحالية . هناك حاجة ماسّة لمنظمة عالمية لليسار الاشتراكي ، ولمنظمات عالمية لفصال اليسار كلّ على حدة ، بما في ذلك منظمة لرجال فكر ملتزمين بالأهداف الاشتراكية .

حين تأتي حكومة اشتراكية ملتزمة جديا بالتغيير الراديكالي إلى السلطة في بلد رأسمالي متقدم ، أو أي بلد آخر ، سيكون المناخ العالمي اكثر تقبلا لسياسات التدخل في الاقتصاد التي سوف تعتمدها هذه الحكومة ، ولن تتمكن الحكومات والمنظمات المعادية لهذا التدخل من فعل الكثير ، وإن مجيء حكومة اشتراكية إلى السلطة في بلد واحد يشكل بحد ذاته مؤشرا على تغير عام في الآراء في البلدان الرأسمالية المتقدمة . كما أن التوازن الحالي للقوى داخل البلدان التي تلعب دورا هاما في السياسة الدولية سيكون قد تغيّر أيضا ، وتكون معارضة قوية قد ولدت من الحركات العمالية واليسارية داخل هذه البلدان فتقف بحزم ضد جميع السياسات المعادية للحكومة الراديكالية .
وسيمثل هذا تغيرا جذريا في طابع العلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية . لقد كانت الولايات المتحدة تقوم بتوديه الاقتصاد العالمي في السنوات التي تلت الحرب ، وكان ميلها واضحا لصالح تشجيع الاقتصاد الحر ، باستثناء الحالات التي لا يخدم هذا الاقتصاد الحر مصالحها (19) . لكن القوة الاقتصادية الأمريكية تتراجع ، وسوف يؤدي هذا التراجع . بالإضافة الى المساوئ الكثيرة التي يعاني منها النظام الأمريكي ، وزوال " الخطر السوفيتي " ، الى مطالبة المزيد من المواطنين الأمريكيين حكومتهم بتركيز اهتمامها على القضايا الداخلية بدلا من تدخلاتها الخارجية . وهذا يعني أن الولايات المتحدة ستجد صعوبة متزايدة في لعب دور " الشرطي العالمي " الذي لعبته في العقود التي تلت الحرب ، كما أشرنا في الفصل الأول ؛ وسينطبق هذا أكثر ما ينطبق على علاقتها مع الحكومات التي نالت الشرعية من خلال انتخابات عامة في البلدان الرأسمالية الديمقراطية . كما يمكن توقّع تراجع نفوذ المنظمات العالمية التي لها علاقة وثيقة بالولايات المتحدة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي . ولن تتمكن القوى الرأسمالية الأخرى ، مثل ألمانيا واليابان ، من الحلول محلّ الولايات المتحدة والقيام بدورها الذي قامت به منذ عام 1945 . فهذا الدور استمد في ذلك الحين القوة والقبول من الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ، بسبب التزامها تاريخيا بالديمقراطية ، هي حاملة لواء القوى الديمقراطية ضد الشمولية . ومن الصعب على بلدان أخرى الظهور بهذه الصورة .

هذا لا يعني الاستخفاف بالأهمية البالغة للهيمنة الرأسمالية على نظاق العالم ، كما أنه لا يعني تجاهل استمرار ما هو ، عمليا ، صراع طبقي على مستوى عالمي ، بل يعني فقط القول إن هذه السيطرة ستكون أقل ثباتا على مستوى عالمي ، بل يعني فقط القول إن هذه السيطرة ستكون اقل ثباتا في المستقبل مما هي عليه الآن ، وبالتالي أقل قدرة على منع حدوث الإصلاح الراديكالي . لا شك أن بعض البلدان ، خاصة في " العالم الثالث " ، سيكون أكثر تأثرا بالضغوط والابتزاز من غيرها ؛ لهذا يجب فهم الأممية اليسارية على أنها تعني تقديم الدعم للحكومات الراديكالية في أي مكان من العالم ، والوقوف في وجه المحاولات التي تبذلها الدول الرأسمالية والوكالات الرأسمالية من أجل منعها من تحقيق مساعيها او زعزعة استقرارها .

وتشير حقيقة الصراع الطبقي على المستوى العالمي بعناد الى حاجة الحكومة الاشتراكية لأن تحافظ على أكبر قدر ممكن من الاستقلالية . ورغم عولمة رأس المال ، رغم اعتماد الدول على بعضها اقتصاديا بشكل متزايد ، يجب أن تبقى الدولة القومية ، للأمد المنظور ، أهم ما يركّز عليه اليسار . والمسألة ليست مسألة التشبث بمفهوم " بال " حول السيادة ، بل هي مجرد تأكيد على حق الحكومة التي تحاول تحقيق برنامج تجديد اجتماعي راديكالي ، في المضي قدما في عملها دون أن تقوم قوى خارجية بإيقافها . وستحتاج حكومة كهذه الى فرض إجراءات متعددة ، بما فيها فرض ضوابط مدروسة بعناية على البورصة وعلى الاستيراد ، من أجل حماية اقتصادها ، كما سيكون عليها رفض الشروط التي تفرضها " الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية " GATT على الحكومات .

وستوجه البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مشاكل خاصة بها مرتبطة بعضويتها في منظمة ملتزمة بالسياسات الليبرالية الجديدة ، مقيدة جزئيا فقط بفقرات " الفصل الاجتماعي " . ويمكن لهذا ايضا أن يتغير مع الوقت ولكن لا يمكننا الاعتماد على ذلك . ومن الأدوات المختارة لتقوية هذه السياسات ودعمها هو اقتراح إنشاء البنك الأوربي المركزي وتوحيد عملات أعضاء الاتحاد . ويعبّر هذا عن رغبة قادة الاتحاد بتحرير النظام المصرفي من " تدخل " رجال السياسة . وكما لاحظ برنارد كاستن بذكاء فإن " البنك المركزي يمثل حكومة حقيقية تحكم أوروبا اقتصاديا وماليا ، وهي حكومة غير منتخبة ، تقوم بمداولاتها وراء الأبواب المغلقة ، (باستقلالية تامة ) عن الحكومات الوطنية والبرلمانات ، وعن البرلمان الأوروبي والرأي العام ، وسوف تتمتع بسلطة ونفوذ غير متوفرين لأي من البنوك الوطنية المركزية في اوروبا (20) ( بما فيها البنك المركزي الألماني
Bundesbank ) " .

يعترف اليساريون المؤيدون لسياسة الاندماج ان الاتحاد الأوروبي موسوم ب " عجز ديمقراطي " كبير ، ولهذا فهم يعتقدون أنه على اليسار أن يحاول زيادة سلطات البرلمان الأوروبي . كل هذا صحيح ، ولكن من المشكوك فيه جدا أن يتمكن البرلمان الأوروبي من فرض رقابة قوية على " المفوضية الأوروبية " European Commission أو على المجلس الوزاري الأوروبي ، ومن المشكوك فيه اكثر ، أن يوظف هذه الرقابة لصالح الأهداف اليسارية .

ليس بوسع الأحزاب اليسارية أن تنعزل في زاوية وطنية ، كما لا يمكن لحكومة اشتراكية أن تنسحب من الاتحاد الأوروبي باختيارها ، بل سوف تبحث عن حلفاء لها يشاركونها محاولة تجاوز التقييدات غير المقبولة وسيكون هدفها العام أن ترخي الاندماج لصالح إجراءات تضمن للحكومة الاشتراكية أكبر درجة ممكنة من الاستقلالية في اتخاذ القرارات في المجال الاقتصادي وغيره من المجالات . ويؤيد بعض المحافظين أيضا الإجراءات التي تحد من صرامة وعمق الاندماج ، وهم يفعلون ذلك من منطلق قومي ضيّق . على الاشتراكيين تأييد هذه الاجراءات من منطلق مختلف تماما ، وعليهم ايضا الالتزام بتدويل قائم على التضامن مع جميع قوى اليسار في العالم . وسيكون هناك متسع من الوقت للتفكير بعلاقات أمتن عندما توجد حكومات اشتراكية في بلدان كثيرة : والى أن يحدث ذلك ، لا يمكن لليسار قبول الاندماج في "اتحاد" يعارض أعضاؤه بنشاط التحولات الأساسية التي من واجب الحكومة اليسارية أن تحققها . هذا لا يعني ابدا الاستخفاف بأهمية عولمة راس المال وتدويل الحياة الاقتصادية ، بل يعني ببساطة القول إنه لا يمكن للاشتراكيين قبول تدويل سياسي بموازاة التدويل الاقتصادي ، تدويل سياسي لا بد أن يفرض ، في الحاضر والمستقبل القريب ، قيودا أمام الأهداف التي يسعون لتحقيقها .

- 5 -

لا بد من تحقيق شروط معينة إذا أرادت الحكومة الاشتراكية أن تستمر وتزدهر . أهم هذه الشروط على الإطلاق هو بقاء الحكومة نفسها موحدة . فسواء كانت حكومة ائتلاف أم لا ، لا بد أن تكون مؤلفة من رجال ونساء يمثلون مواقف مختلفة من استراتيجية الحكومة العامة . ومن قوانين الحياة السياسية القليلة التي تتصف بالصرامة هو أن لا بد أن يوجد في أية حكومة يسارية ( أو حزب أو حركة يسارية ) ثلاث مجموعات من الأفراد : هناك أولامن يضغطون بشدة من أجل تحقيق تقدم سريع والوقوف موقفا حزما لا يقبل المساومة تجاه المعارضة ؛ وهناك أيضا افراد يميلون الى تقديم التنازلات الخطرة ؛ وهناك مجموعة براغماتية تميل إلى اتخاذ الموقف المناسب للظرف الراهن . وبكلمات أخرى ، يوجد دائما انقسام بين اليسار ، اليمين والوسط ، ويتفاقم هذا الانقسام ويزداد حدة في اوقات الأزمات الشديدة . ويبقى السؤال الحاسم ؛ هل تستطيع الحكومة أن تحقق الدرجة أن تحقق الدرجة اللازمة من الوحدة والتماسك من أجل المضي قدما بمهامها ؟

وسيكون من أكبر اهتمامات الحكومة الحفاظ على التأييد الشعبي وتوسيعه . وما من شيء يفوق بأهميته هذا الهدف . ومن الصفات الهامة التي تسم تاريخ اليسار منذ تعميم حق الانتخاب هي أن جزءا هاما من قاعدتهم انتخابية " الطبيعية " التي تتألف من العاملين بأجور بالإضافة الى الطبقة المتوسطة الدنيا ، قد اختار دائما ، ولأسباب متعددة ، أن لا يؤيد الأحزاب اليسارية . إن لدينا هنا احتياطيا كبيرا من التأييد الشعبي الممكن الذي يتوجب على هذه الأحزاب كسبه الى جانبها . وشكل هؤلاء المنتخبون غير المؤيدين جزءا من الغلبية الساحقة التي ستحاول الحكومة تحسين موقعها في المجتمع . وسيتوجب على الحكومة ، هنا أيضا ، أن تتذكرحقيقة أن العاملين بأجور ، والطبقة المتوسطة الدنيا ، ليس كتلة متراصة ؛ وأن تحقيق توازن بين المطالب التي ستنشأ عند هاتين الطبقتين سيكون من أصعب مهامها أثناء ممارسة فنون الحكم .

لقد أبدت الحكومات الاشتراكية – الديمقراطية دوما استعدادا تقليديا للتضحية بمصالح جميع قطاعات العاملين بأجور عن طريق سياسة " التقشف " و " إعادة النظر " . وعلى الرغم من حديثها المنمق عن " التساوي في التضحية " ، فقد كان " التقشف " دائما يعني تقشيف الطبقة العاملة ، بالبطالة ، تخفيض النفقات الحكومية على الخدمات العامة والخدمات المشتركة ، تجميد الأجور ، تقليص المعونات الاجتماعية ، وجميع الإجراءات المعهودة التي تشكل جزءا من تلك السياسة . على العكس من ذلك ، ستكون الحكومة الاشتراكية مصممة تماما منذ البداية على تحسين حقيقي في الظروف المعيشية بالنسبة للأكثرية من السكان بتطوير ملموس للخدمات العامة ومعالجة أشد آفات المجتمع كالبطالة والحرمان والتشرد وغيرها كمهمة ملحة . ومن أجل تحقيق هذه المهمة ، ستقوم الحكومة بتوظيف نفس الحماس الذي يحرك الحكومات عادة في ازمنة الحرب . فحتى الحروب الصغيرة ، فضلا عن الكبيرة ، من شأنها تعبئة موارد استثنائية زعموا أنها لا تتوفر لأغراض سلمية . فقد استطاعت الحكومة البريطانية العثور ، فجأة ، على مليارات الجنيهات من أجل حملة جزر الفوكلاند والمالوين عام 1981 ، في حين تزعم أن مثل هذه الموارد غير متاحة لحل مشاكل الصحة ، التعليم ، الإسكان والنقل العام . كما أن حكومة الويات المتحدة ، التي لم تمتلك الموارد من أجل تخليص مراكز المدن من الانحطاط المستمر ، استطاعت ارسال نصف مليون جندي عبر العالم كي تخرج العراق من الكويت ، وكي تواصل برنامجها المدعو " مبادرة الدفاع الاستراتيجي " ، والمعروف ايضا باسم " حرب النجوم " ، الذي حلم به الرئيس ريغان ويكلف المليارات العديدة من الدولارات ، ثم تبين انه مشروع غير قابل للتحقيق . إن التصميم نفسه الذي يدفع الحكومات البورجوازية لإيجاد الموارد من أجل أهداف عسكرية ، سيقوم بدفع الحكومة الاشتراكية الى شن حرب داخلية ضد مساوئ المعيشة التي لا تحتمل .

تنطوي مثل هذه الحرب على اعباء مالية ، سوف تعمل الحكومة الاشتراكية على تحميل الجزء الأكبر من هذا العبء على من يستطيعون تحمله ليس بدافع الانتقام من أصحاب الشركات وأصحاب الدخول المالية ، بل بدافع العدالة و " المساواة في التضحية " .

ركز هذا الفصل حتى الآن على ما سوف تحتاج حكومة اشتراكية أن تفعله كي تتمكن من الاستمرار . ولم ينتج هذا التركيز عن نزعة " دولتيه " أو " مركزية " ، بل عن حقيقة أن الخطوات التي تتخذها الحكومة هي التي ستقرر الى حد كبير إمكانية نجاحها . ومن المؤكد من ناحية أخرى أن العامل الأساسي في تحديد سياسات الحكومة الاشتراكية وافعالها سيكون مدى التأييد الذي تتمتع به والضغط الذي تتعرض له من قبل المجموعات المعنية بتنفيذ برنامجها . ويشكل هذا الضغط عنصرا حاسما في المشهد ككل . ومع ذلك ، فإن مسؤولية اتخاذ القرار حول ما يجب فعله وكيفية تنفيذ ذلك في كل مرحلة من المراحل ، تقع على عاتق الحكومة في نهاية المطاف . ولا بد أنها تتصرف على اساس تفويض اكيد من الحزب أو الأحزاب التي تمثلها ويشكل هذا جزءا أساسيا من السيرورة الديمقراطية التي تعهدت الحكومة باتباعها ، والتي ستحاول إغناءها الى أقصى ما يمكن عن طريق توفير فرصة المشاركة لكل من يريد المساعدة . ولكن ، مهما كان عمق السيرورة الديمقراطية وشمولها ، مهما كانت قوة الضغوط من الأسفل التي فرضت رسم سياسة الحكومة ، فلا بد في النهاية ، من تخويل السلطة التنفيذية باتخاذ القرارات الكبرى .
إن النقابات العمالية أحد التنظيمات التي ستعتمد الحكومة على تعاونها معها . فرغم الحملة ضد سلطة النقابات من قبل رجال السياسة والصحافة ، تبقى هذه السلطة صغيرة الدور في صناعة القرار الحكومي ، وخاصة بالمقارنة مع سلطة رأس المال – باستثناء السويد في ظل نظامها الاشتراكي – الديمقراطي الاجتماعي . لقد شاع الاعتقاد بأن حكومة العمال في بريطانيا كانت في الستينات والسبعينات خاضعة تماما لنفوذ النقابات العمالية . إن ابرز ما يلفت النظر حول تلك السنوات هو ، في الوقع ، شدة استعداد النقابات العمالية للتعاون مع الحكومة . وبشروط الحكومة نفسها . إن التأكيد على أن النقابات العمالية للتعاون مع الحكومة ، وبشروط الحكومة نفسها . إن التأكيد على أن النقابات العمالية كانت تتمتع ب "سلطة مفرطة " في تلك السنوات ، أو أي وقت آخر ، ما هو إلا تشويه للحقيقة ، إحدى غاياته هي التعتيم على سلطة رأس المال ، وأوضح تجليات هذه الصورة نراه في الولايات المتحدة ، حيث يزعمون أن النقابات العمالية لا تمثل سوى " مصالح خاصة " ، وهو تعبير ينم عن الخبث ، كما أنه يوحي بالأنانية ، الجشع ، وعدم الاهتمام بالمصلحة العامة ، أما الشركات وسلطة رأس المال فتبرأ من جميع هذه العيوب زعما أنها لا تمثل "مصالح خاصة" . فللولايات المتحدة دور قيادي في هذا التشويه ، ونجد أن دولاأخرى ، كبريطانيا وغيرها ، تقوم بدور هام في هذا التشويه .

ليس المقصود القول هنا ان النقابات العمالية خالية من العيوب . فهي تشترك مع جميع المنظمات الكبيرة بالنزعة الأوليغاركية ، وبنى السلطة التي تعيق وتثبط المشاركة الديمقراطية . إن مقرطة المجتمع ككل سوف تعني بشكل واضح تطبيق المبادئ الديمقراطية ضمن النقابات العمالية بشكل أوسع مما هو عليه . فتغيير طريقة تنظيم هذه النقابات وأسلوب عملها هو أمر ضروري جدا في ضوء ما طرأ من تغير خلال العقود الأخيرة على طبيعة العمل وعلى بنية القوى العاملة ، حيث أن العمل الجزئي ( أي عدد ساعات اقل من اليوم النظافي – المترجمة ) بالإضافة الى العمل غير الثابت يجعل تنظيم النقابات العمالية أصعب بكثير مما كان عليه الحال في عصر " الفوردية " . ستعترف الحكومة الاشتراكية أن الاتحادات النقابية هي وسيلة أساسية لحماية وإنصاف العاملين باجور وغيرهم . وينطبق هذا على عصرنا الحالي أكثر من اي وقت مضى ، إذا أخذنا بعين الاعتبار نزوع أصحاب الشركات والمشاريع الى استخدام أوضاع العمل الجديدة في سبيل حرمان مستخدميهم من المكاسب التي حققوها سابقا في مجال الطبابة ، والأمان وظروف العمل . سوف تسعى الحكومة الاشتراكية الى تقوية النقابات ، ومساعدتها على توسيع قواعدها وزيادة عضويتها ، وجعلها شريكا فعالا ، وإن مستقلا ، في تحقيق البرنامج الذي تعمل الحكومة من أجل تحقيقه .

وسيكون على الحكومة الاشتراكية الاعتماد على دعم وتأييد الأحزاب اليسارية والمنظمات الأخرى . ان الأحزاب اليسارية ينبغي أن تؤدي عددا من المهام . أولها أن تقوم بشرح سياسات الحكومة . وهذه الأحزاب ينبغي أن تكون مراكز النشاطات والإقناع على المستوى المحلي . وستكون الأحزاب ونشاطاتها ، من ناحية ثانية ، قنوات لمعلومات هامة حول تيارات التفكير والمشاعر بين القواعد ، كما أنها واسطة أساسية لتذكير الحكومة بما ينتظر منها أكثر مؤيديها إخلاصا .

سيكون من الضروري خلق شراكة حميمة بين الحكومة والنشطاء ، شراكة من النوع الذي يشبه الشراكة ، التي اشرنا اليها سابقا ، بين الحكومة ورجال الأعمال ، وسوف تشكل هذه الشراكة ، في ظروف مختلفة ، مواصلة للشراكة القائمة بين نشطاء أحزاب المعارضة وقادتها . كان " ازدواج السلطة " في الفكر الماركسي يعني دوما علاقة خصومة بين حركة ثورية تعمل خلال وضع ثوري ، وبين حكومة بورجوازية تقوم هذه الحركة الثورية بمعارضتها . ولكن يمكننا أن نفكر بازدواج السلطة على نحو مختلف ، شراكة بين حكومة اشتراكية من ناحية ومجموعة متنوعة من الهيئات القاعدية من الناحية الأخرى.

لن يكون النشطاء بأي حال من الأحوال مجرد خدم للحكومة ، على العكس ، سيمارسون حياة منظمة خاصة بمنظمتهم ، ويؤكدون حضورهم في المشهد السياسي بالطريقة التي يرونها مناسبة . لا شك أنهم سيتعاونون مع المركز ، ولكنه سيكون تعاونا موسوما بدرجة عالية من الاستقلالية للأطراف . وستكون هذه الاستقلالية أحد الأمثلة على ممارسة الديمقراطية على مستوى القواعد ، على أساس المبادرة الذاتية والتنظيم الذاتي . مثل هذه الديمقراطية القاعدية لا بد أن تثير نوعا من التوتر جراء مطالبة عدد كبير من النشطاء ، في العالب ، بخطوات راديكالية تتجاوز ما تريده الحكومة . ولا يمكن تفادي هذا الخلاف في وجهات النظر ، حيث الحكومة مثقلة بمعرفتها لضخامة المهمة التي اختارتها لنفسها ، وإدراكها العميق لمشقة السبيل الذي تنتهجه ؛ وحيث النشطاء واعون تماما بكل ما يجب تحقيقه ولم يتم تحقيقه بعد ، ولا يستطيعون الصبر إزاء بطء تطبيق برنامج التغيير . اشرت سابقا إلى أن هذا التوتر بين القادة من جهة ( سواء كانوا في الحكومة أو في المعارضة ) ، وبين النشطاء ، أو عدد كبير منهم على الأقل من جهة ثانية ، لم يكن تقليديا نتيجة الفارق في مواقع الطرفين ضمن سيرورة التغيير . بل نتيجة خلاف عميق في الأيديولوجيا ، والهوة العميقة التي تفصل بن القادة والأعضاء في هذا الشأن . ويمكننا الافتراض أن الشراكة بين الطرفين ، على أساس سيرورة ديمقراطية حقة ، ووحدة في الهدف تفوق الوحدة التي قامت بينهما حتى الآن ، ستتمكن من تخفيف التوتر بين القادة وقواعدهم .

إن إحدى مهام النشطاء هي ، كما أشرنا ، توضيح سياسات الحكومة وأعمالها . والدفاع عن هذه السياسات والأعمال ، بالإضافة إلى الرد على دعاية المعارضة . ولكن سيكون على المركز أيضا عمل الكثير ن ستحتاج الحكومة نفسها الى استخدام جميع الوسائل التي في متناولها من أجل تحقيق المهمة . سيكون عليها في هذا المجال ان تحذو حذو الحكومات المحافظة ويكون لها حملتها الواسعة والمستمرة من أجل الإقناع ، ولكن يجب ان تكون مختلفة عن خصومها بالتزامها الدائم بالصدق . وسيكون أحد اهتماماتها ان تساعد ازدهار صحافة يسارية تكون ، رغم انتقاديتها واستقلاليتها ، منحازة الى الحكومة بوضوح .

- 6 -

يعتمد كل ما قيل هنا عن عوامل استمرار ونجاح حكومة اشتراكية على افتراض لن يرحّب به الاشتراكيون كثيرا : وهو الافتراض الذي ذكرناه في الفصل الثالث وفحواه أن السلطة التنفيذية في الدولة يجب أن تكون قوية جدا في المرحلة الأولى ، وأمدها غير معلوم . ويتناقض هذا مع الميول المضادة للدولتين لدى غالبية اليسار في العقود الأخيرة . وهذا رد فعل مفهوم ناتج عن تجربة الأنظمة الشيوعية السابقة ، حيث كانت الدولة ، أو دولة الحزب الواحد ، سيطرت على المجتمع سيطرة شديدة ؛ كما يستند رد الفعل هذا على اعتقاد قوي وصحيح بأن الدولة تشكل في جميع الحالات مصدرا محتملا لتشوهات العسف والبيروقراطية وانعدام الديمقراطية ، وأن الاشتراكية تعني بالدرجة الأولى استعادة المجتمع لسلطاته التي صارت بيد الدولة ، وذلك بتقليص شديد مستمر لسلطات الدولة ز ويمثل هذا بالطبع أحد المواضيع الأساسية في الماركسية الكلاسيكية ، ويشكل جزءا من الجانب " الفوضوي " للفكر الماركسي .

المشكلة – وهي حقا مشكلة _ أن السلطة التنفيذية القوية هي شرط لازم تماما ، ولو أنه غير كاف كي تتمكن الحكومة من البقاء أصلا ، وكي تقوم بإنجاز ما التزمت به . إن تصور السلطة الشعبية كبديل عن السلطة التنفيذية القوية هو ببساطة غير ملائم للمهام التي ستواجه الحكومة الراديكالية . فمن غير الدولة قادر على معالجة آفات الرأسمالية المتعددة ؛ استغلال العامل والمستهلك ، تخريب البيئة ، بؤس الخدمات الاجتماعية ، انحطاط مراكز المدن ، التفرقة العنصرية والجنسية والإثنية ، التمايز الشديد في جميع حقول الحياة ، والكثير من الآفات الأخرى التي تشكل جزءا من النظام الاجتماعي الرأسمالي ؟ وفي السياق نفسه ، أي هيئة ، عدا الدولة ، باستطاعتها أن تقود المسار نحو مجتمع مساواتي ونجيمقراطي ومختلف نوعيا ؟

الواقع إن السلطة التنفيذية يمكن استخدامها من أجل تحقيق الأهداف التقددمية . ويؤكد تاريخ الرأسمالية نفسه ذلك ؛ سنحتاج إلى حكومة راديكالية وإخضاع الدولة للرقابة الراديكالية من أجل تحقيق نتائج أفضل بما لا يقاس مما حققته الدولة الراسمالية ؛ على مضض وجرعات ، عبر السنين .

إن السلطة التنفيذية القوية شرط أساسي إذا أردنا لحكومة اشتراكية ان تبقى وتتقدم . بدون ذلك لن تتمكن الحكومة من التغلب على الطوارئ التي بد لها أن تواجهها . ففي حالات الأزمات الحادة ، ستحتاج الحكومة الراديكالية أن تكون مسلحة بالسلطات التي تمتعت بها الحكومات البورجوازية دائما أثناء الأزمات ، تلك السلطات التي قليلا ما حظيت باهتمام في التوصيف التقليدي للديمقراطية الليبرالية (21) . إن هذه السلطات واسعة النطاق حتى في أوقات السلم ، في ظروف تعتبرها الحكومة البورجوازية ظروفا استثنائية ، اما في أوقات الحرب ، فتكون هذه السطات حقا استثنائية وتتضمن سلطات غير محدودة على الأشخاص والملكية . وسيكون منظق اليسار غريبا إذا هو أنكر على الحكومة اليسارية ، على الأقل ، بعض السلطات التي تستخدمها الحكومات البورجوازية في حالة الطوارئ . لقد دأبت هذه الحكومات على استخدام هذه السلطات من أجل هزيمة الإضرابات ومن أجل مضايقة وإخضاع بعض قوى اليسار . اما الحكومة الراديكالية فسوف تستخدم هذه السلطات من أجل ما يجب عمله أثناء الطوارئ ، وكذلك من أجل مقاومة الأعمال غير القانونية ، التي كثيرا ما تكون عنيفة ، التي تقوم بها بعض جماعات من المعارضة .

من الغريب الادعاء أن الحكومة الاشتراكية قد تضطر إلى افتعال سلطات خاصة ، رغم مشروعيتها ز يمكن لاستخدام سلطات خاصة أن يصبح عادة ، فهو إذا تمادى ، يقود إلى نمط من الحكم ينطوي على تآكل جدي للديمقراطية او حتى إلغائها تماما .

وكما لاحظنا سابقا ، فإن هذا ليس امر حتميا . فلا يمكننا القول مثلا إن الحكومات البورجوازية قد تغيرت من ديمقراطيات راسمالية إلى انظمة تسلطية ، رغم السلطات الواسعة التي استخدمتها استخداما كيفيا في أوقات الطوارئ ( أو الحالات التي اعتبرتها طارئة ) . لقد بقيت الأشكال الديمقراطية ، رغم التقليص الشديد لوظائفها . لقد خضعت الحريات المدنية إلى بعض القيود المحددة ، ولكن رغم ذلك لم تلغ الحقوق كليا . يمكن تحمل هذه القيود عندما توافق أكثرية السكان على ما تفعله الحكومة ، أو على الأقل لا تعارضه بشدة . لقد كان الأمر كذلك عموما حين أعلنت الحكومات البورجوازية حالات الطوارئ ، وخاصة في أوقات الحروب أما عند غيا تاييد الأغلبية لما تفعله الحكومة ، وعند وجود معارضة قوية ، فمن الممكن لفرض قانون الطوارئ أن يفاقم الأزمة ويولّد ظروفا تشبه الحرب الأهلية . هذا يعني أن الحكومة الاشتراكية تحتاج إلى نيل تأييد جزء كبير من السكان لما تقوم به ، وخاصة عندما تضطر إلى اعتماد سلطات الطوارئ . على أية حال ، يجب الحد من هذه السلطات مع الوقت ، ويجب أن تخضع إلى رقابة السلطة الشرعية ، ويجب عدم تجديدها إلا في حالات الضرورة القصوى .

إن جميع الحكومات تنزع إلى التصرف اعتباطيا عندما تخضع إلى ضغط شديد ؛ وستكون الحكومة الاشتراكية التي تواجه مشاكل متشابكة وخطيرة ، عرضة لهذا الإغراء . ولهذا فإن فرض القيود الفعالة على ممارسة السلطة امر في غاية الأهمية . ولكن يجب أن يكون من الواضح أن تحقيق برنامج يستهدف تغيير النظام الاجتماعي باتجاه ديمقراطي ومساواتي يقتضي أن تكون الحكومة مزودة بالسلطة الكافية ، فذلك شرط اساسي ، فلن تتمكن الحكومة الاشتراكية من متابعة صلاحياتها التي التزمت بها ما لم يتوفر هذا الشرط .


1- A. Gramsci. Prison Notebooks ( International Publishers, New York, 1971). p. 193.
2- "كل تصريحات اليسار المتعلقة ببرنامجه بدءا من البرنامج الاشتراكي – الشيوعي المشترك للعام 1972 وما بعد ، وعدت بإجراء تغييرات جذرية من النوع التي لم تطرح ، ناهيك عن ممارستها ، طيلة عقود في اي مجتمع متقدم " :
G. Ross, S. Hoffman and M. Malzacher, The Mitterand Experiment: Continuity and change in modern France ( Polity Press, Oxford) p. 5.
كان البيان الانتخابي للحزب الاشتراكي في كانون ثاني 1981 ، واحدا من اكثر النصوص جذرية يطرحه مناضل جاد في سبيل السلطة في السياسة الغربية ( المصدر نفسه ) .
3- ما ينتظر الأحزاب اليسارية بهذا الخصوص يتضح بشكل جيد من خلال الوجبة اليومية من هستيريا العداء لحزب العمال ، وهو الحزب الأكثر اعتدالا ، من صحف الإثارة الرجعية خلال الانتخابات البريطانية العامة التي جرت في نيسان من عام 1992.
4- Look in , J. Lacouture, De Gaulle : the ruler, 1945-1970 ( Harvill, London, 1991).
5- R. A. Pakenham. ‘ legislature and political development’, in Legislatures, ed. P. Norton ( Oxford University Press, Oxford, 1990) P. 87.
6- A. Nove, The economics of Feasible Socialism ( George Allen and Unwin, London,1983).
7- S. Estrin, ‘ Workers’ cooperatives: their merits and limitations’ , in Market Socialism, eds. J. le Grand and S. Estrin ( Clarendon Press, Oxford, 1989 ) . p. 191.
8- F. L. Carsten in’ interpretations of مقتبسة ، فيما عدا جزء من الجملة في النهاية ، عن fascism’ , in fascism : a readers’ guide , ed. W. Laquer ( Wildwood House , London , 1976 ) p. 420.
O. Bauer, ‘ Der Fashismus’, in Otto Baur, Herbert Marcuse, Arthur Rosenberg et al – Faschismus and Kapitalismus, ed. W. Abendroth (Europaisch Verlaganstalt, Frankfurt, and Europe Verlag, Vienna, 1968), pp. 153 -4.
9- P. Preston, The coming of the Spanish Civil War ( Methuen, London, 1983), P. XIII.
10- فيما عدا الخصخصة ، فان جهد الحكومة الأكثر الحاحا كان موجها لاضعاف نقابات العمل ؛ ليس اقل من خمسة قوانين سنّت لهذا الهدف . وتم سن تشريعات اخرى لنفس الهدف من قبل حكومة جون ميجر .
11- About this , look in the book, R. Miliband , Parliamentary Socialism ( Merlin Press, London, 1973, 2nd. Ed.) ch. IX, section 3.
12- بالإضافة الى تشريعات اجتماعية ، مثل اضافة اسبوع خامس الى الاجازة مدفوعة الاجر ، زيادة حقوق النقابات ، الغاء عقوبة الموت . باشرت الحكومة برنامجا واسعا من التأميم : " اممت خمسة مجمعات صناعية رئيسية في مجال الكهرباء والهندسة الكهربائية والالكترونيات والكيماويات ، بالإضافة الى أكبر مجموعتين لانتاج الفولاذ ( مسيطر عليهما فعليا من قبل الحكومة منذ العام 1978) ، 39 بنكا ( حيث ازدادت حصة الحكومة في البنوك من 60 الى 90 بالمئة ) . شركتان ماليتانهامتان ومؤسسة كبيرة في كل من الطيران ، الكمبيوترات ، الاتصالات السلكية واللاسلكية والصناعة الصيدلانية " .
P. Armstrong, A. Glyn and J. Harrison, Capitalism since 1945( Blackwell, Oxford, 1991, 2nd. Ed.). pp. 331 – 2.
13- المصدر نفسه . ص . 327 . يشير المؤلفان الى أن هذا كان الايقاف الأول للإتفاقات الجماعية مع النقابات في فرنسا منذ عام 1950 .
14- F. J. Donner, The Age of Surveillance (Knopf, New york, 1980). P. XII.
15- Look for example, D. Leigh, The Wilson Plot ( Heinemann, London, 1988), and S. Dorril and R. Ramsey. Smear: Wilson and the secret skite ( Fourth Estate, London, 1991).
16- بعد انتخاب الرئيس كنيدي عام 1960 ، " كل شيء تقريبا في برنامج كندي اعتبر من قبل هووفر خطرا ؛ ليس فقط للأمة ، كما في حالة الادعاء بليونة الرئيس إزاء الشيوعية الداخلية ن بل ايضا على هووفر نفسه وعلى مكتب التحقيقات الفيدرالي نفسه "
A. G. Theoharis and J. S. Cox, The Boss (Harrap,P London, 1989), p. 327.
17- لاحظ فيمايتعلق بذلك المساعدة المادية والمساعدات الأخرى التي تلقتها ط الجبهة القومية " الفاشية الجديدة في فرنسا من قبل كنيسة الكاهن موون التوحيدية ( لي موند ، 8 شباط ، 1991) والمساعدة التي تلقتها منظمات الدعاية اليمينية في بريطانيا من قبل المنظمة المعروفة بميولها المحافظة والتي تعرف باسم
American Heritage Foundation.
18- S. Strange, Casino Capitalism ( Blackwell, oxford, 1986), P. 92.
19- اشار احد الكتاب الى أن الولايات المتحدة الامريكية " علقت مبادئ التجارة الحرة كلما كانت هذه المبادئ في مصلحتها الاقتصادية " M. Hudson. Global Fracture ; the new international economic order ( Harper and Row, New York and London, 1977) p. 135. وقد بقي متبعا التقليد منذ ان كتب هذا . هناك دول أخرى تقوم بذلك عندما يكون باستطاعتها ذلك .
20- B. Cassen. ‘ Au nom de l’orthodoxie monetaire’, Le Monde Diplomatique ( June, 1992), p. 6.
21- نجد استثناء ملحوظا لذلك في كتاب
C. L. Rossiter. Constitutional Dictatorship; crisis government in modern democracies ( Princeton University press, Princeton, N.J., 1967).