| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

 

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

 



الوثيقة الفكرية المقدمة الى المؤتمر الوطني
الثامن للحزب الشيوعي العراقي

خيارنا الاشتراكي:
دروس من بعض التجارب الاشتراكية
 

المقدمة 

منذ بدايات التاريخ ونشوء الاستغلال وتسلط الإنسان على الانسان، ظهر الحلم بمجتمع تسوده العدالة والمساواة بين البشر.

وشهدت القرون المتعاقبة محاولات وتجارب مختلفة لترجمة هذا الحلم إلى واقع، تمثلت في ثورات وتمردات العبيد والفقراء المظلومين وسعيهم لاقامة مجتمعات "اشتراكية" بأشكالها البدائية في رقاع مختلفة من الأرض، وبضمنها مناطق ما بين النهرين وأرض السواد التي اندلعت فيها ثورات الزنج والقرامطة.

ولم تكن التجربة الاشتراكية السوفيتية التي افتتحتها ثورة اكتوبر  1917 في روسيا، ولاحقاً تجارب البناء الاشتراكي في العديد من بلدان أوروبا وآسيا وأمريكا الوسطى، إلا امتداداً لذلك المسعى الانساني النبيل وللتجارب "الاشتراكية" السابقة. على ان الفارق الجوهري بين هذه التجارب الأخيرة وسابقاتها، يكمن في تعبيرها عن تناقضات مجتمع حديث ومعقد، واستنادها على فكر حديث ناضج ونظرية علمية تقوم على أحدث وأرقى معارف الإنسان في شتى الميادين.

لكن التجربة السوفيتية والتجارب الاشتراكية في بلدان وسط وجنوب اوروبا، انتهت هي الأخرى إلى الفشل، الامر الذي يحتم علينا نحن الشيوعيين العراقيين، وعلى كل المعنيين بإقامة مجتمع العدل والاشتراكية، دراسة تلك التجارب وطرق بنائها وما واجهت عملية البناء الاشتراكي، وتواجهه حاضراً ومستقبلاً من إشكاليات نظرية وعملية.

أثر تفكك وانهيار ما سمي بانظمة " الاشتراكية الفعلية" خلال عقد التسعينات من القرن الماضي، بات من الصعب تفادي طائفة واسعة من الاسئلة المتعلقة بمعرفة اسباب وعوامل السقوط السريع لهذه الانظمة، وكذلك الافرازات المتفاعلة والمتداخلة المترتبة على ذلك. فما هي مصادر الخلل في تلك التجارب؟ ومن المسؤول عنه؟ هل يعود انهيارها إلى الأفكار التي كانت وراءها أم إلى التطبيق، أم إلى كليهما معاً ؟

لاشك أن تجربة بهذه الأهمية والدلالة تطرح، في بنائها كما في انهيارها، أسئلة كثيرة وكبيرة ومفتوحة. وبسبب ذلك فإن أجوبتها لا زالت في طور التشكل وتحتاج إلى المزيد من البحث والتأصيل والتدقيق.

وقد كان التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر الوطني السادس لحزبنا (1997) مصيباً في تشخيصه حين قال :  " تبقى عملية البحث قائمة للوصول الى قراءة صحيحة لما انتهت إليه التجارب السابقة لبناء الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان أوربا الشرقية، لاستخلاص نتائج سليمة ومعللة لما أدى إليه غياب الديمقراطية السياسية، واعتماد آليات بعيدة عن أفكارنا ومثلنا من قبيل عبادة الفرد والبيروقراطية، إضافة إلى القفز على المراحل والتنكر للفعل الموضوعي للقوانين الاقتصادية والاجتماعية، وغيرها من الممارسات المدمرة لبناء الاشتراكية، كي تتمكن أحزابنا من النهوض ومعاودة المسير نحو بناء الاشتراكية كبديل موضوعي للرأسمالية وشرورها ".

يرى حزبنا أن التجارب المشار إليها ملك البشرية. وتقع على عاتقنا مهمة تقييمها وادراك ابعاد التفاعلات الناجمة عن انهيارها، سيما وانها تنطوي على انعكاسات متعددة على واقع بلادنا وحزبنا. ومن هذا المنطلق نسعى لتحليل تلك التجارب بصورة تتوخى المنهجية العلمية بعيداًعن الانفعال والتعميم. ويتطلب ذلك، أولا وقبل كل شيء، تجاوز التحليلات التبسيطية التي ترجع ما حدث الى " ردة داخلية " أو الى " مؤامرة خارجية " أو الى " دور رجل خارق استطاع أن يغير مجرى الاحداث "!

لقد كانت هناك جملة من المشكلات والعوامل الاساسية وراء الانهيار الذي حصل. والمقاربة الصحيحة لهذه القضية تفترض الانطلاق من واقع أن المشكلات نشأت بفعل عوامل اقتصادية وغير اقتصادية، داخلية وخارجية، ذاتية وموضوعية، في اطار عملية تاريخية معقدة ومتناقضة وطويلة المدى. ويفترض التحليل السليم لهذه المشكلات رؤية العوامل المسببة للأزمة، ثم لانهيار هذه البلدان، بوصفها جزءاً من سيرورة ديالكتيكية بالغة التعقيد، يمكن فهمها واستيعابها عند استخدام المنهج الماركسي في النظر. ويعني ذلك، باختصار شديد، تلمس أسباب الانهيار وعوامله، قبل كل شيء،  في البنية المنهارة ذاتها. وكل تضخيم لدور العوامل الخارجية في وقوع الانهيار، وكل تقليل لدور العوامل الداخلية، يؤدي الى استنتاجات لا تخدم مسعى قوى اليسار والشيوعيين للوصول الى الحقيقة، ومن ثم إلى بدائل أكثر قابلية للحياة من النموذج المنهار.

ستركز هذه الورقة على ثلاثة  محاور، يتناول الاول  الحدث وتجلياته المختلفة في ضوء التجربة السوفيتية   1917 – 1991، والثاني يبحث في  آفاق تطور الأوضاع والرؤية المستقبلية وتعدّد المنظورات والمفاهيم في  ضوء مسببات الانهيار. وخصص المحور الثالث  لتعامل الحزب مع ذلك الحدث.

المحور الاول: التجربة السوفيتية 1917 – 1991
الانهيار: كحدث وتجليات

صاغ حزبنا في مؤتمره الخامس (1993) تصورات أولية حول الأحداث وتفاعلاتها وتوقف عند بعض أسبابها. وطرحت لجنة العمل الفكري في عام (1997) عشية المؤتمر السادس، ورقة بعنوان (مفهوم الاشتراكية). كما تمّ عقد موسع فكري للجنة المركزية في عام 2000.

         لسنا هنا بصدد تعداد الانجازات التي تم تحقيقها في بلدان " الإشتراكية الفعلية " على اكثر من صعيد، تلك الانجازات التي تبرز قيمتها في المرحلة الراهنة، وبعد غيابها في ظل أنظمة الحكم الرأسمالية المستندة إلى الليبرالية واقتصاد السوق. لكن ثمة ضرورة لبعض الاشارات، هنا، بهدف التمييز بين نقد التجربة بهدف استخلاص الدروس المناسبة، وبين عدم اهمال المنجزات التي تحققت في هذه البلدان. فاذا كان التحليل النظري المنضبط يبتعد عن الهجاء فالحاجة ملحة الى تقييم متوازن يجمع بين الثغرات والتجاوزات التي ادت الى المآل المأساوي للتجربة، وبين ما حققته من منجزات.

-   فهذا البديل استطاع ان ينقل مجتمعات عديدة من حالة التخلف والعوز والاستقطاب الاجتماعي الفاقع، متجاوزا مراحل تاريخية بكاملها، وصولا الى بناء مجتمعات جديدة قائمة على مبادئ العدالة والمساواة.

-   تم تحقيق مكاسب مهمة على صعيد الاقتصاد والمجتمع لشعوب هذه البلدان (التعليم، الصحة، النقل المجاني السكن ...). كماهناك مكاسب وانجازات على الصعيد الاجتماعي.

-   كما تحققت على صعيد حركات التحرر الوطني نتائج تمثلت في تفكيك النظام الكولونيالي وتحقيق الاستقلال السياسي، كل ذلك لم يكن ممكنا الا بفضل وجود الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية وافضى ذلك الى نشوء نظام القطبية الثنائية الذي شل ايدي الضواري الاستعمارية ومنعها من مواصلة تنفيذ مشاريعها ومخططاتها لتدمير كفاح شعوب البلدان النامية وتطلعاتها من اجل السلم والحرية والتقدم الاجتماعي.

-   ثمة انجاز كبير تدين به البشريةللاتحاد السوفيتي (السابق)، هو الحاق قوات الجيش الاحمر السوفياتي هزيمة مذلة بالنازية والفاشية. ورغم التحالف الدولي الذي نشأ اثناء الحرب ضد المحور النازي – الفاشي الا ان دور الجيش الاحمر كان حاسما في الحرب العالمية الثانية بتخليصة البشرية من كل اثام النازية والفاشية وشرورهما.

-   طبقت البلدان الراسمالية المتطورة، بعد الاربعينات من القرن العشرين نظم متطورة للرعاية الاجتماعية من قوانين للعمل وتأمينات اجتماعية وغيرها مما أدى الى نشوء " دولة الرفاه ". وهذه المنجزات لم تكن بمعزل عن تناسب القوى العالمي الجديد ودور المنظومة الاشتراكية وما قدمته من منجزات على هذه الصعد.

-   على مدى خمسين عاما استطاعت هذه المنظومة، بما حققته من انجازات على الصعيد العسكري، ان تمنع الامبريالية من تنفيذ الكثير من مشاريعها ومخططاتها. لكن، بعد الانهيار وبالتالي نشوء نظام القطب الواحد تغيرت الامور.

وبالمقابل، تكفي المقارنة بين الوضع الراهن، حيث تهيمن رأسمالية منفلتة، وبين الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة قبل ذلك، ليستنتج حتى الانسان العادي الفروقات الكبيرة. فقد ارتبطت عمليات التحول نحو الرأسمالية في هذه البلدان بالتكاليف الاجتماعية الهائلة وما أرتبط بذلك من نتائج سلبية.  على سبيل المثال، عند تطبيق سياسة " العلاج بالصدمة " في روسيا في أوائل التسعينات، صرح أناتولي تشوبايس أحد منظري الخصخصة في روسيا بأن هدف عملية الخصخصة هو خلق " ملايين المالكين ". غير أن الذي حدث في الواقع هو أن " الإصلاحات " المزعومة أسفرت عن فوضى اقتصادية شاملة. فبدلاً من ظهور " ملايين المالكين " ، كما زعم تشوبايس، ظهر عشرات الملايين من الجياع وانخفض الناتج الوطني الإجمالي من عام 1991 الى سنة 1998 بنسبة 50%، وبلغ الانخفاض في الصناعة 50% وفي الزراعة 60%.

              كما أدت الخصخصة إلى عملية " ابتلاع " هائلة للثروة الوطنية، ولم تفضِِ إلى ولادة طبيعية لطبقة رأسمالية، كما روج ويروج منظرو المؤسسات المالية والنقدية الدولية، بل إلى " تعيين " رأسماليين جدد، أي نشوء رأسمالية طفيلية ونهابة في آن واحد. وأدى كل ذلك إلى خلق شريحة ضئيلة من الأثرياء وطبقات وفئات واسعة من المدقعين، الأمر الذي  قاد، في النهاية، إلى ازدياد التوترات الاجتماعية وارتفاع أعداد الفئات الهامشية والرثة، حتى شكلت نسبة الفئات التي تحيا دون حد الفقر أكثر من ثلث السكان.

              كما أدى تحرير حركة الرساميل ( طبقاً لإستراتيجية العلاج بالصدمة)، ومن ثم السماح بحرية تحويل الروبل الروسي إلى عملات أجنبية رئيسة من أهمها الدولار، أدى إلى  نزوح الرساميل الروسية وإلى تفاقم هذا النزوح. ولقد قدر حجم الرساميل الروسية النازحة ما بين 1992 و 1994 فقط بحوالي مائة مليار دولار، بينما بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في روسيا وحجم المساعدات الرسمية الغربية في الفترة ذاتها  19,4 مليار دولار لا غير ! وهناك تقديرات تشير إلى تهريب 450 مليار دولار بصورة غير شرعية خلال سنوات حكم يلتسين. وفي مقابل ذلك ازداد عبء الديون الخارجية، التي تستهلك خدمتها فقط حالياً أكثر من 30% من ميزانية الدولة، وكان من المتوقع أن ترتفع إلى 70% في عام 2003.

    و كان للآثار الاجتماعية " بريقها " الواضح، حيث تنامى وتوطد العديد من أشكال الباثولوجيا الاجتماعية (الامراض الاجتماعية)، مثل نمو الجريمة المنظمة، الدعارة، الرشوة، المافيا المنظمة... الخ.

ولعبت المافيا دوراً مركزياً في تكوين الرأسمالية الروسية. وبحسب تقديرات الشرطة الروسية هناك حوالي 9000 عصابة منظمة للمافيا تشرف على نشاط 400000 مؤسسة، من بينها 450 بنكاً، وهي تمثل الجزء الأكبر في هذا القطاع.  

أسباب الانهيار

 إن انهيار الانظمة الاشتراكية في اوربا، ابتداء من خريف 1989، يشكل منعطفا حقيقياً في التاريخ. وبالرغم من السرعة المفاجئة التي تم بها، فإنه، كما بينت دراسات عديدة نشرت لاحقاً، كان كامناً منذ سنوات طويلة، البعض يحدد بدايتها بالعام 1956.

 من المؤكد أن وجهات النظر في هذه القضية تتعدد وتتضارب ويبقى السؤال الأساسي قائماً : ما أسباب ذلك الانهيار؟

     قد تكون المقاربة الأنسب لفهم ما جرى، تلك التي لا تكتفي بالبحث في العوامل الظرفية التي رافقت محاولات التجديد وأدت إلى الانهيار، بل تقوم بدراسة اشمل واعمق للتجربة، من منظور ماركسي يكشف عن العوامل البنيوية والتناقضات الداخلية التي قادت، في النهاية، عبر تطورها وتفاعلها مع الضغوط الخارجية في ظل سياقات  تاريخية محددة، إلى إخفاق أول تجربة تاريخية في العصر الحديث لبناء الاشتراكية. لابد بالتالي من دراسة وتحليل طبيعة ثورة أكتوبر الاشتراكية ومسارها اللاحق، الذي امتد لأكثر من سبعة عقود، بالارتباط مع الظروف التاريخية التي مهدت لها ورافقت قيامها عام 1917 ، والمراحل المختلفة التي اجتازتها، والتناقضات والتعقيدات التي اكتنفت تطورها، والتوقف أمام المحطات التاريخية البارزة التي مرت بها.

رغم التباين في تقييم المآل الذي آل إليه النظام المنبثق من ثورة أكتوبر، فإن قلة تختلف في أن تلك الثورة كانت احد اهم احداث القرن العشرين. لقد طبعت ثورة أكتوبر بصماتها على الاتجاهات الأساسية لتطور عالمنا خلال القرن العشرين الذي انقضى معظمه في ظل القطبية الثنائية للاشتراكية والرأسمالية، إذ انها قدمت للشعوب ولجماهير الشغيلة والكادحين، البديل الذي كانت تتطلع إليه للنظام السياسي والاقتصادي - الاجتماعي الذي حمل للبشرية فواجع الحرب العالمية الأولى. كما كانت أصداؤها وانعكاساتها المباشرة على عصرها ذات شأن كبير حقاً، حتى اصبح ثلث البشرية يعيش، أواخر العقد الخامس من القرن الماضي، في ظل أنظمة تستوحي مبادئها ومثلها.

جاءت ثورة أكتوبر تعبيراً عن تفجّر تناقضات الرأسمالية في إحدى اضعف حلقاتها، وهي، خلافاً لما يدعيه بعض المؤرخين البرجوازيين، ثورة حقيقة انطلقت من أعماق المجتمع الروسي بمشاركة واسعة من جماهير الفلاحين المسحوقة في الريف، والطبقة العاملة النشيطة في المدن، وأقسام واسعة من الفئات الوسطى الحضرية. وقد سبقت الانتصار الحاسم للثورة بقيادة حزب البلاشفة، مجابهات وانتفاضات، عنفية ولاعنفية، ضد السلطة القيصرية الاستبدادية وضد طغيان الاقطاعيين وكبارالملاكين. وشملت تلك النشاطات الثورية الريف والمدن الكبرى حيث المحتشدات العمالية، وانبثقت من رحمها مجالس العمال والفلاحين والجنود (السوفييتات) التي كانت تعبيراً مؤسسياً مبتكراً جسّد الديمقراطية المباشرة. واعتبرها لينين  شكل ديكتاتورية البروليتاريا الخاص بروسيا. واستطاع حزب البلاشفة، بسياسته الثورية الحازمة ونشاطه التنظيمي الواسع والفاعل، أن يتصدر الحركة الثورية ويجمع روافدها في تيار واحد، وان يقودها إلى الانتصار في السابع من تشرين الثاني 1917. 

لم يكن خافياً على لينين ورفاقه ان روسيا، لحظة الاستيلاء على السلطة، لم تكن تمتلك الشروط المادية لقيام الاشتراكية. فقد تحدث لينين في اكثر من مناسبة عن تخلف قوى الانتاج في روسيا والطابع البرجوازي الصغير لرأسماليتها وعدم بلوغ العلاقات الرأسمالية فيها درجة النضج الكافي لإنجاز البناء الاشتراكي. لكن البلاشفة لم يجدوا في التعارض القائم بين نضج الشرط السياسي المتمثل باستيلاء الطبقة العاملة وحلفائها على السلطة، وعدم توفر بعض عناصر الشرط الموضوعي لإقامة الاشتراكية، سبباً كافياً في عزوف الطبقة العاملة عن الاستيلاء على السلطة والمضي قدماً على طريق بناء الاشتراكية. لعلّ السند الفكري الرئيسي لموقفهم يكمن في التعويل الواضح، خلال المراحل المبكرة التي أعقبت انتصار الثورة، على قيام ثورات عمالية ظافرة في البلدان الأوروبية التي بلغت فيها الرأسمالية مرحلة متطورة، وبشكل خاص في ألمانيا. لذلك دافع لينين عن فكرة إمكانية قيام الاشتراكية في بلد واحد والانتقال السريع بالثورة من مرحلتها البرجوازية الديمقراطية إلى المرحلة الاشتراكية، أي تطبيق مفهوم الثورة المستمرة لماركس، في حين دعا المناشفة وماركسيون آخرون إلى حصر الثورة ضمن افقها البرجوازي الديمقراطي. وربط قادة آخرون للثورة، منهم تروتسكي، الانتقال إلى الاشتراكية بقيام ثورات عمالية في البلدان الرأسمالية المتطورة.

وتطبيقاً لهذه الوجهة الثورية وفي إطار الصراع المحتدم حول اتجاهات تطور الثورة، ونشوب الحرب الأهلية اثر تمرد بعض الجنرالات المعادين للثورة واشتداد مقاومة قوى الثورة المضادة المدعومة من الخارج، أقدمت السلطة البلشفية، في سياق النضال الضاري من اجل الدفاع عن وجودها واستمرارها، بعد اشهر قليلة من استيلائها على السلطة في5  كانون الثاني1918، على حلّ الجمعية التأسيسية وتحويل السلطة كاملة إلى السوفييتات. ويكتسب هذا الإجراء أهمية كبرى في تحديد الملامح اللاحقة للنظام السياسي والحقوقي السوفييتي، وفي غرس جذر الاشكالية " الديمقراطية " للنظام الاشتراكي السوفييتي.

ورغم تأكيد لينين على خصوصية الظرف واستثنائيته التي دفعت البلاشفة إلى حلّ الجمعية التأسيسية وحرمان الطبقات المستثمِرة من حقوقها الانتخابية، فان هذا الموقف تحول لاحقاً إلى قاعدة عامة وشاملة لشكل الدولة في الاتحاد السوفياتي وفي بلدان " الاشتراكية الفعلية " الأخرى، كما إن سمات الديمقراطية المباشرة التي طبعت مجالس السوفييتات أثناء الثورة و جعلتها فعلياً صيغة متطوّرة للمشاركة والممارسة الديمقراطية من قِبلِ جماهير المنتجين والكادحين الذين يمثلون أغلبية الشعب، ما لبثت أن انحسرت وأفرغت من محتواها بعد اندماج السوفييتات بالدولة وخضوعها لها بدلاً من توجيهها.

     ولأجل بناء القاعدة المادية، الاقتصادية – الاجتماعية للمجتمع الجديد، قامت السلطة الاشتراكية بتأميم الأرض وإلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. وعمدت إلى سياسة التصنيع الثقيل بالتركيز على خلق صناعة وسائل الإنتاج وتوجيه الفائض الاقتصادي المتولد في الريف لتمويل عملية التصنيع. لكن مركزة القدرة الاقتصادية بيد الدولة التي تعززت في ظل نظام " شيوعية الحرب "، وتراجع الدور المستقل للسوفييتات والنقابات والمنظمات الاجتماعية، أدى كل ذلك، الى تنامي قوة البيروقراطية التي أخذت، تدريجياً، تزيد من تحكّمها  بالثروات المادية والروحية للمجتمع.

ولم تخرج روسيا من الحرب الأهلية منهكة اقتصادياً يفتك بها الفقر والمجاعة وحسب، وإنما أحدثت حالة الحرب المستمرة  تغييرات عميقة في الاصطفافات الاجتماعية ومواقع الطبقات، كان أهمها الدمار البشري والاقتصادي الذي لحق بالطبقة العاملة. وكان الخراب من الجسامة بحيث  " كفت البروليتاريا الصناعية .. عن الوجود كبروليتاريا "،  و "اختفت" كطبقة اجتماعية موحدة اقتصادياً، كما وصف لينين الأوضاع أواخر عام 1921. واستنادا الى هذه الوقائع يمكن الاستنتاج بأن الاجراءات التي اقدمت عليها السلطة السوفيتية الجديدة أبان حقبة " شيوعية الحرب " كانت تجد مبرراتها في الظروف الاستثنائية المتولدة عن الحرب الاهلية والحصار والتدخل الاجنبي، أكثر مما تعود الى أي تصور نظري مسبق. إنها بإختصار شديد كانت تدابير اضطرارية أملتها الظروف الموضوعية القاهرة، ولهذا يتعين البحث عن أسبابها في تحليل تلك الظروف التي أملتها. 

ولأجل إعادة بناء الاقتصاد الوطني اعتماداً على القوى الذاتية، وتوسيع قاعدة التأييد للثورة الفتية في الريف، حيث أبعدت سياسة " شيوعية الحرب " عنها أوساطاً واسعة من الفلاحين الصغار والمتوسطين، صاغ المؤتمر العاشر للحزب (أذار/نيسان 1921) بإقتراح من لينين، إشارة الانطلاق لبلورة " السياسة الاقتصادية الجديدة " (النيب) إدراكاً منه لأهمية الحوافز المادية في رفع مستوى الإنتاج الزراعي والتوقف عن مصادرة الفائض الاقتصادي في الريف كما كانت تفعل السلطة السوفيتية في ظل نظام شيوعية الحرب. كانت (النيب) في الواقع تراجعا استراتيجيا لصالح الفلاحين ورأس المال الصغير والمتوسط، ولاحقا ايضا لصالح رأسمالية الدولة. ولكن ينبغي التأكيد هنا على أن هذا التراجع أملته الحاجة، إجتماعيا وسياسيا، الى رأب الصدع الخطير في العلاقة مع الفلاحين وصغار " الملاك المنتجين " هذا من جهة. ومن جهة اخرى أملته الحاجة اقتصاديا الى انهاض الاقتصاد الفلاحي، وتنشيط  التبادل السلعي العادي بين الريف والمدينة.

قامت (النيب) على أساس اعتماد العلاقات السلعية – النقدية والحساب الاقتصادي وربط الأجر بالمنتوج وإحياء التجارة الداخلية، وحققت النتائج المرجوة منها فعلاً بتطوير القوى المنتجة ورفع الإنتاج الزراعي وإنعاش الاقتصاد الروسي، كما إنها شجعت، في الوقت نفسه، على إعادة تأسيس الرأسمالية بحدود معينة، وعززت قوة الفلاحين الأغنياء والكولاك في الريف وصغار الصناعيين والتجار والسماسرة في المدن.

وقد اعتبر لينين تنظيم الإنتاج الكبير على أسس رأسمالية الدولة، بمثابة مرحلة انتقالية لمواجهة متطلبات بناء الأساس المادي  للاشتراكية، مرحلة يحتّمها ضعف تطور الرأسمالية في روسيا آنذاك. وكان يدرك أنّ عملية الانتقال إلى الاشتراكية تتضمن سلسلة طويلة من المحطات والانتقالات تغطي حقبة تاريخية طويلة نسبياً.

ترتبت على (النيب) طائفة من النتائج المتناقضة من بينها :

·   أدت وظيفتها في إعادة إنهاض القوى المنتجة والتغلب على الدمار الذي احدثته سنوات الحرب السبعة. غير أن نتائج ذلك كانت متفاوتة بالنسبة للقطاعات والقوى الاجتماعية، الامر الذي انعكس مجددا في صيغة تأزم في العلاقة بين الطبقة العاملة والفلاحين، سيترك آثاره على التجربة لاحقا.

·   شكلت الظروف الجديدة حافزا لتحول البيروقراطية الجديدة من سلوك فردي مبعثر، الى شريحة اجتماعية متميزة بفعل امساكها بالجانب التنفيذي للسلطة. ونظرا إلى أن  نمو القوى المنتجة ادى الى نمو ملحوظ في حجم الفائض الاقتصادي، فقد طرح هذا الواقع الجديد مسألة من هي القوة (أو القوى) الاجتماعية التي ستتحكم بعملية توزيع الفائض بين القوى الاجتماعية المختلفة. وهنا بدأت هذه الشريحة تلعب دورا متناميا سيؤثر على اتجاهات التطور اللاحق.

·    وفي سياق هذا التحول في البنية الاجتماعية- الطبقية شهد الحزب تحولات مناظرة في تكوينه الايديولوجي ونمط علاقاته الداخلية. وسيلقي هذا الواقع بثقله على افاق الوضع لاحقا، حيث شقت هذه التحولات طريقها عبر الصراع بين مراكز القوى المتنافسة، وهو الصراع الذي بدا فور وفاة لينين، وتولي ستالين قيادة الحزب والدولة.

خلافاً للينين، عمد ستالين إلى سياسة حرق المراحل التاريخية، فقرر التعجيل بعملية تركّز وتمركز الإنتاج  في الصناعة والزراعة، وذلك برفع وتائر التصنيع والإسراع بتكوين المزارع الجماعية ومزارع الدولة الانتاجية (السوفخوزات) باستخدام الوسائل القسرية  لنزع ملكية الفلاحين المتوسطين وإرغامهم على الانضمام إلى التعاونيات الزراعية ومصادرة فائض الإنتاج الزراعي في الريف. ولم تؤد هذه السياسة، التي تشكل ارتداداً على السياسة اللينينة المتمثلة بـ (النيب)، إلى انتهاكات واسعة لحقوق ملايين من الفلاحين وحسب، وإنما ألحقت أضراراً هيكلية بالغة في الزراعة السوفيتية لم يتم تجاوزها حتى فترات متأخرة، كما إنها أثارت عداء فئات واسعة من الفلاحين الأغنياء والمتوسطين كان يمكن لدورها الاقتصادي أن يستمر لآماد طويلة ضمن مرحلة الانتقال إلى الاشتراكية. واقترنت عملية تعجيل التصنيع بنشوء نظام التخطيط المركزي ذي الطبيعة الإدارية والأوامرية وتوطد دوره في حياة البلاد الاقتصادية- الاجتماعية وتحوله إلى عامل معرقل للتطور الديمقراطي في النظام الاشتراكي.

أدى التأثير المشترك لعمليات التجميع القسري للأرض والفلاحين والتصنيع المعجَّل والتخطيط الشامل المفرط في مركزيته إلى توفير شروط حصر سلطة القرار بيد قيادة الحزب الشيوعي الذي كان قد اصبح منذ عام 1922 الحزب الوحيد في السلطة. وارتبطت هذه العناصر مع  تلاشي دور المؤسسات والبنى التي تتمتع باستقلالية عن الحزب وتحول الأخير بشكل سريع إلى نواة للدولة، واضطرار البلاشفة، في مواجهة متطلبات الحرب الأهلية والحفاظ على السلطة الاشتراكية الفتية، للجوء إلى العنف لقمع قوى الثورة المضادة المدعومة خارجياً. وقد ترتب على ذلك تنامي دور المؤسسة العسكرية وظهور أجهزة متخصّصة بالدفاع عن أمن الثورة، كاللجنة الاستثنائية، قبضت بين يديها صلاحيات استثنائية . ونتج عنه أيضاً اضمحلال الدور السياسي المقرر للسوفييتات، وبروز الميول الفردية لشخصية ستالين. كلّ تلك العوامل تضافرت لخلق ملامح طريق البناء الاشتراكي الذي اعتمده الحزب الشيوعي السوفيتي تحت قيادة ستالين منذ أواخر العشرينات وحتى المؤتمر العشرين للحزب عام 1956.

ولا يجوز إغفال البيئة التاريخية لسياسات ستالين وخياراته. ففي أواخر العشرينات من القرن الماضي كان الاتحاد السوفيتي يواجه أزمة اقتصادية عامة، لا سيما في مجال إنتاج الحبوب، وكان على الدولة السوفيتية  إيجاد مصادر داخلية لتمويل تطورها الصناعي الضروري لبناء القاعدة المادية للانتقال للاشتراكية في وقت لم تتوفر فيه أية إمكانية للحصول على مساعدات أو قروض خارجية. وهكذا كان التصنيع المعجَّل والتجميع الزراعي ومصادرة الفائض الزراعي جواباً  لحلّ ما سمّي بمشكلة "التراكم الاشتراكي الأولي".

نشوء وتطور البيروقراطية

 شدّدّ الميل نحو المركزية المفرطة، على صعيد القرار السياسي والاقتصادي، من  نمو البيروقراطية في مختلف مفاصل البناء المؤسسي للدولة ونظام الادارة الاقتصادية في الاتحاد السوفييتي، ولاحقا في بلدان " الاشتراكية الفعلية " الأخرى.

         يكمن جوهر عملية البقرطة في الانتزاع التدريجي من خلال آليات متنوعة، طوعية أو قسرية، لسلطة اتخاذ القرار من  الجماعة وحصرها بيد أشخاص  يستمدون شرعيتهم من جهة عليا تعيّنهم وليس من الثقة التي تمنحها لهم  جمهرة أعضاء المؤسسة أو التنظيم من خلال الانتخاب. ففي إطار الحزب ومجالس السوفيتات والمنظمات النقابية والاجتماعية، تتجسد آليات البقرطة في حصر سلطة القرار بالهيئات القيادية وتعطل آليات التداول والمشاركة، أما على صعيد المجتمع فتتمثل البقرطة في اتساع نطاق السلطة البيروقراطية لتشمل مختلف ميادين النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي على حساب الهيئات التمثيلية وآليات التداول واتخاذ القرار بطريقة ديمقراطية. وبذلك تسُدّ الاساليب الادارية منافذ التعبير الحر للمجتمع وتكبح روح المبادرة وتشيع روح التحلل من المسؤولية. 

 لقد انتبه لينين في وقت مبكر إلى نمو سيطرة البيروقراطية على الدولة الاشتراكية، وشدّد، في مناسبات عديدة، على ضرورة محاربة هذا "الانحراف البيروقراطي" في الدولة. ولكن الانحراف اتسع في الفترات اللاحقة بالترابط مع ضعف التطور الديمقراطي على صعيد الحزب والدولة، وتضاؤل دور السوفييتات، والاعتماد المتزايد على الاساليب الادارية في حل المشاكل السياسية والاقتصادية – الاجتماعية. وفي ظل  سيطرة الدولة الشاملة على الاقتصاد، وسيادة النظام الاقتصادي الاوامري، وباسم الحزب، تحكمت تلك البيروقراطية بالانتاج المادي والروحي للمجتمع، وبتقدير حاجاته، وطرق تلبية تلك الحاجات. ونشأت للشرائح البيرقراطية المختلفة امتيازات مادية وسياسية بالمقارنة مع الناس الآخرين، واصبحت لديها مصالح خاصة تتعارض واشاعة الديمقراطية وتوسيع  المشاركة في  القرار السياسي وفي ادارة الاقتصاد والمجتمع، مصالح جعلت منها قوة محافظة وكابحة لأيّة محاولة إصلاح جدي للنظام الاشتراكي على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

كما عمل الجمود العقائدي وعبادة الفرد على قتل روح الابداع والبحث العلمي وكبح التطور الفكري، فتخلف الوعي وتراجعت القدرة على التنظير بما يواكب الحياة ويستوعب حركة الواقع ومتغيراته.

كل هذه القضايا انتجت صعوبات وعراقيل وتناقضات متزايدة، وأدت، أخيرا، إلى حدوث أزمة قادت إلى طريق مسدود في التطور “الاشتراكي” في الاتحاد السوفياتي ثم، لاحقا، في البلدان الاشتراكية الاخرى.  

محاولات الإصلاح

      جاء اول كشف صريح  للانتهاكات والتجاوزات التي ارتكبت في عهد ستالين ومحاولة معالجة نهج عبادة الفرد في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي (1956) على يد نيكيتا خروتشوف. وفي السنة التي عقد فيها هذا المؤتمر لم يتسن اعطاء تحليل ماركسي عميق لما جرى. فقرار اللجنة المركزية للحزب الصادر بعد المؤتمر العشرين لم يرتق الى مستوى الاحداث، بل اكتفى بوصفها، ولم يتضمن ذلك القرار أي تحليل تاريخي مقارن. لكن المؤتمر دعا إلى تحرير الاشتراكية، كفكر وكأحزاب وكسلطات، عبر تعدد طرق الانتقال إلى الاشتراكية.

سوى أن ذلك التوجه كان هو الآخر ذا طابع إرادوي، وانطوى على تقديرات وتقييمات خاطئة لعدد من القضايا الهامة، كما وقع في تصورات وهمية تجسدت في مواقف خروتشوف السلبية بحق المثقفين، وفي معالجات خاطئة في الزراعة، وسوء تقدير جسيم لواقع وامكانات تطور النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي، ولحجم الهوة الاقتصادية والتكنولوجية التي تفصله عن البلدان الرأسمالية المتطورة، ولعامل الزمن، هو  ما انعكس  في طرح خروتشوف امام المؤتمر الحادي والعشرين للحزب عام 1959 برنامجا لتحقيق الشيوعية في الإتحاد السوفياتي في مطلع عام 1980 !

وامتدت ممارسات خروتشوف السلبية الى الخارج وتجلت  في مواقفه من احداث المجر وبولونيا والمانيا الديمقراطية. وأسفر ذلك النهج عن حدوث اكبر انقسام في الحركة الشيوعية العالمية بخروج الصين والبانيا عن التحالف مع الاتحاد السوفياتي بسبب إختلافهما مع التقييمات التي جاء بها المؤتمر العشرون حول فترة ستالين ونهج  " عبادة الفرد " وستراتيجية  الانتقال السلمي... الخ. وكان للنزاع السوفيتي – الصيني الذي، اندلع خلال هذه الفترة وتطور لاحقا، اثره السلبي على هذه التجربة. 

 وبعد عام 1960، دلّت الوقائع على ان الكثير من جوانب التجربة الاشتراكية السوفيتية كانت غير مقبولة، وقد ازداد هذا الرأي وضوحاً وصراحة بمرور السنين. ومع ذلك بقي الرأي القائل بأن عيوب الانظمة الاشتراكية كيفما كانت، يمكن التخلص منها على المدى الطويل، واسع الانتشار في صفوف اليسار  ولم تساور أحد شكوك في قدرة هذه الانظمة على الاستمرار والتطور.

ومثلت فترة الركود (1964 - 1983) في عهد بريجنيف مرحلة سلبية ليس فقط في تطور الاتحاد السوفيتي، بل وفي تأثيراتها على المستوى الدولي. اضافة الى مظاهر الركود في العديد من المجالات الاقتصادية والسياسية والفكرية.

وعبرت المفاهيم النظرية المعتمدة في هذه المرحلة عن مأزق التنظير، حيث اعتمدت صيغة "الاشتراكية الواقعية" وجرى تفسيرها كمرحلة تقترب من الشيوعية تدريجيا .

ومن جهة اخرى كان تحليل الاوضاع على الصعيد الدولي قاصرا ولا ينم عن قراءة دقيقة، تستند الى  تحليل مادي وجدلي وتاريخي في آن، خصوصا في ما يتعلق بالاستنتاج الذي توصلت اليه الاحزاب الحاكمة في البلدان موضع الدراسة ولم تزكّه الحياة، والقائل بقرب انهيار الامبريالية تحت وطأة تناقضاتها الداخلية المتفاقمة، وعجزها عن مواجهة مصاعبها، وعدم قدرتها على التكيف مع منجزات الثورة العلمية – التقنية. وكان هذا التحليل سطحياً، ولا يعبر عن قراءة  تدخل في عمق المشكلات بما يتيح رؤية الحقائق الموضوعية، وتتلمس جوهر عمليات التطور الاجتماعي وتناقضاتها الفعلية وقواها المحركة.

  ومن دون المبالغة في حجم ما تحقق، فقد عبّرت الفترة القصيرة من تاريخ الاتحاد السوفياتي وحزبه الشيوعي برئاسة يوري اندروبوف عن محاولة اخرى، مجرد محاولة لم يكتب لها النجاح، لمعالجة المشكلات التي كانت تطاول ميادين عدة من بينها:

 1- الاصلاح في النظام السياسي، وفي عملية البناء الاقتصادي - الاجتماعي. 

2- ملاحقة مظاهر البيروقراطية والانتفاع والفساد في الدولة والحزب. 

3- محاولة استعادة هيبة الاتحاد السوفيتي التي أضعفتها مرحلة الركود. 

ولكن اندروبوف، وقد أدركه الموت مبكراً، لم يوفق في قطف ثمار استراتيجيته لإصلاح النظام.

وجاء سعي غورباتشوف منذ توليه قيادة الحزب عام 1985 واطلاق البريسترويكا (اعادة البناء) والغلاسنوست (العلانية) التي أقرها المؤتمر السابع والعشرون للحزب الشيوعي السوفيتي المنعقد في مطلع عام 1986، تواصلاًً مع النهج الذي بدأه اندروبوف وان اختلفت المداخل.

انطوى برنامج البيريسترويكا الذي اقره المؤتمر المذكور، على تشخيص نقدي، صحيح، اجمالا، لمظاهر الخلل التي كانت تعترض نمو الاقتصاد وتطور المجتمع. لكن هذا التشخيص بدا وحيد الجانب، حيث أنصب الجهد على ابراز مظاهر الخلل من دون تحليل جذره الاجتماعي واسبابه الكامنة، وتهيئة البدائل. ومن المفيد الاشارة الى أن الاجماع الظاهري على البيريسترويكا، في البداية، كان يخفي في طياته صراعا بين مصالح اجتماعية متنافرة، ومن هنا الجدل المتناقض والمركب حولها. وطبيعي أن هذه العملية كانت تجري في سياق ظرف دولي بدأت معالم الاختلال فيه تميل لصالح القوى الامبريالية، وكان هذا يملي اعادة نظر جذرية في اولويات السياسة الخارجية. ولم يكن الصراع بين القوى الاجتماعية الداخلية بعيدا عن السياق الخارجي في ما يتعلق ببلورة السياسة الخارجية.

 هكذا رافق ولادة البيرسترويكا ظهور ما سمي في حينها بـ " التفكير السياسي الجديد " ، الذي كان جرى تحويله  في الواقع إلى غلاف ايديولوجي لخيار جديد قوامه التراجع على الصعيد الدولي.

لقد تم تدشين البيرسترويكا تحت زعامة غورباتشوف من خلال التصادم مع المؤسسات القائمة : الحزب، الدولة، النظام الاجتماعي القائم، وواجه نهج البريسترويكا عدم قبول من عدة اتجاهات، في حين هلّلت القوى المسيطرة في الغرب له، خاصة بعد حالة الارباك التي نجمت عنه.

لم يستطع غورباتشوف توفير بدائل معقولة وبناءة لعملية الهدم التي قام بها. وأسفر ذلك التوجه القائم على تحريض المجتمع ضد الحزب واجهزة السلطة الى خلق حالة من الفوضى، كما افضى الى استجداء الغرب لدعم ذلك النهج، وبالتالي أدى ذلك النهج، في ظل غياب تقاليد ديمقراطية والقفز فوق مراحل انتقالية ضرورية، الى تدمير الحزب والسلطة والمجتمع، والى تفكيك الدولة، واغراق البلاد في الصراعات والتمزق، وهيمنة نزعات فوضوية باسم التحديث.

ولم يفض مشروع " تجديد الاشتراكية " الذي تزعمه غورباتشوف سوى الى انهيار الاشتراكية وفقدان مكاسبها وتفكك الاتحاد السوفيتي. وانتهت البيروسترويكا بطبعتها الغورباتشوفية التي حاولت أن تبلور، في الظاهر، بديلا يجسد الاستحقاق التاريخي الذي كان يتطلبه تطور الاقتصاد والمجتمع، إنتهت الى فشل ذريع على الصعيد الاقتصادي وعلى جميع الصُعد، وكانت العامل المباشر لإنهيار النظام وتفكك الاتحاد.

إن محاولة غورباتشوف لتحويل الهياكل والبنى البيروقراطية المحافظة، كانت، الى حد بعيد، محاولة للاصلاح من فوق. وعندما طبق غورباتشوف الاصلاحات السياسية للبريسترويكا في الاعوام  1985 – 1989 بذريعة تدعيم التغيير الاقتصادي، وتعزيز الشرعية، كان الامر قد حسم من نواح عديدة في اتجاه تقويض الحزب الشيوعي، وفي النهاية تقويض الدولة السوفياتية وما تركه ذلك من تداعيات على البلدان الاشتراكية الاخرى، حيث توجت تلك السيرورة المتناقضة بإنهيار الاشتراكية كنظام.

 لقد جاءت هذه النتائج الكارثية كحصيلة لغياب الدراسة المعمقة للواقع، لغلبة السطحية والارتجال على التخطيط المدروس والمنفذ بعناية وبروح المبادرة ولغياب التهيئة، متعددة الجوانب والمستويات. يضاف إلى ذلك عدم جدارة من تصدى لعملية الإصلاح، حيث إتضح من الإعترافات الشخصية لغورباتشوف  بأنه كان فاقداً القناعة بالإشتراكية. وتشير دلائل كثيرة على أن النزعة التبسيطية والارادوية، والرغبات الذاتية في فهم وتحليل عمليات التطور الاجتماعي المعقد، كانت قد تغلبت على التحليل العلمي الموضوعي. وبسبب سيادة الجمود الفكري والممارسات الارادوية في تحليل الواقع الموضوعي، نشأت فجوة راحت تتسع  تدريجيا لتشكل، بعد فترة وجيزة، هوة بين الواقع الموضوعي وقوانينه الفاعلة وبين " قوانين واقع اخر " لم يكن موجودا الا في أذهان بعض القادة وصناع القرار والمنظرين الجالسين في غرف مغلقة بعيداً عن حرارة الواقع وتناقضاته الفعلية. وكان ذلك تجليا ملموسا لدور الجمود العقائدي والركود الفكري في تخلف العمل النظري عن مواكبة وتفسير ما هو جديد في مختلف حقول الواقع الاقتصادي-الاجتماعي والسياسي، وبالتالي انتاج معرفة صادقة عنه، والتقدم بمقترحات ملموسة لحل المشكلات الفعلية الناشئة، وبلورة القوى والموارد الكفيلة بالتغلب على تلك المشكلات. 

ثمة سؤال يطرح نفسه هنا : هل كان اصلاح البنى والهياكل البيروقراطية المحافظة الى حد بعيد امراً ممكنا ، أم ان الاصلاح كان مستحيلا ، وكان من اللازم مواجهة الاحتمال بان النموذج السوفيتي قد تجاوز نقطة اللاعودة؟

أخيرا تجدر الاشارة الى أنه حين يجري الحديث عن الانهيار واسبابه وجذوره الفعلية، لا ينبغي إهمال الجوانب الايجابية والانجازات الاجتماعية الكبيرة التي تم تحقيقها طيلة هذه الفترة، وهي التي حولت روسيا القيصرية من سجن كبير للشعوب المتخلفة اقتصاديا واجتماعيا الى بلد متقدم ذي صناعة متطورة وحياة ثقافية نابضة، ونصير للشعوب في تحررها من النير الاستعماري.

 حول الإصلاحات الاقتصادية في بلدان "الاشتراكية الفعلية"

 لقد جرت عدة محاولات للإصلاح الإقتصادي في بلدان " الإشتراكية الفعلية " بدءاً من تلك التي أطلقها في أواسط الستينات الاقتصادي الروسي ليبرمان، المعروف آنذاك في الاتحاد السوفييتي. وشهدت بلدان اشتراكية أخرى، مثل يوغوسلافيا والمجر وبولندا، محاولات جريئة للإصلاح لم يكتب لها النجاح  لأسباب عديدة.

وتنبغي الاشارة إلى إننا نقصد بإصلاح النظام تلك المحاولات التي سعت لإجراء تغييرات عميقة في نظام التخطيط والتسيير الذي كان سائداً في هذه البلدان، وتطاول مختلف أجزائه المكونة، والتوظيف الصحيح لمقولات الاقتصاد السياسي الماركسي : القيمة، السوق والربح، الحساب الاقتصادي .... الخ، تجنباً لمنع إنفجار من الداخل، وبما يساعد في إعطاء دور اكبر للمنتجين المباشرين في العملية الانتاجية وفي القرارات المتخذة بشأنها، وإضفاء المزيد من الديمقراطية الجماعية .

           وبإختصار شديد يمكن بلورة العناصر المشتركة للإصلاح المؤسسي في التجارب الثلاث ( اليوغسلافية، المجرية، البولندية) بما يلي :

1.  إعطاء دور محوري للمؤسسات، أي الإنتقال من المركزية المفرطة ذات الطابع الإداري – الإوامري إلى اللامركزية، وإن تفاوتت حدود تلك اللامركزية من تجربة لأخرى.

2.     ردّ الإعتبار للمنتجين المباشرين في تسيير المؤسسات.

3.  حل الإشكال بين التخطيط والعتلات السوقية بما يكفل الإستفادة من الإخيرة بشكل أمثل في التسيير الإقتصادي وتوزيع الموارد.

      لقد سعت تلك المحاولات إلى خلق ظروف مناسبة لإصلاح النظام الإشتراكي من داخله، وتكوين الآليات اللازمة للتغلب على البيروقراطية وعوائق النمو وإلى تسيير الإقتصاد ، لكنها أخفقت لأسباب عديدة منها أن تلك الاصلاحات لم تكن مرتبطة بإستراتيجية محددة، بل  كانت نتاج الضغوط الاجتماعية والصراعات بين مختلف شرائح البيروقراطية أو داخل الأحزاب الحاكمة. ولم يكن مضمون تلك الاصلاحات وحدودها ناجم عن الحاجات الفعلية للتطور الاقتصادي – الاجتماعي في هذه البلدان (حيث تأخرت كثيراً في العديد منها) وانما   كانت نتاج " التسويات التاريخية " التي كان يتم التوصل اليها، في فترات مختلفة، بين الشرائح المتصارعة وكوسيلة لحل التناقضات بينها. وهكذا فشلت محاولات الإصلاح الاقتصادي والمؤسسي المتكررة، التي لم تأت في وقتها المطلوب بفعل مقاومة القوى المحافظة في الحزب والدولة والبيروقراطية.  

الإصلاحات في الصين

 أما في الصين، فقد جرت محاولات إصلاح عديدة، أهمها تلك التي طُرحتْ في أواسط السبعينات ضمن مشروع التحديثات الأربعة الكبرى : في الزراعة والصناعة والدفاع الوطني والعلوم والتقنيات. وانطلقت الإصلاحات من إستراتيجية تحديث الإقتصاد عبر بناء " اشتراكية سوق "، وقامت هذه الإستراتيجية على فرضية إستمرار النمو المعجَّل. وهو ما يعني العودة إلى نظرية " إعطاء الأولوية لإنماء قوى الإنتاج " و " حياد التكنولوجيا " أي إلى الإشكالية التي أثارت نقاشات نظرية وسياسية لفترات طويلة.

وانطلاقا من ذلك تبنت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، في عام 1978، إستراتيجية جديدة تقوم على ركيزتين أساسيتين هما " السوق " و " الإنفتاح"، سعياً لتنشيط الإقتصاد الوطني والانفتاح على العالم الخارجي.  ومن أجل إطلاق العنان لفعل آليات " السوق الاشتراكي " فقد تحولت إدارة الإقتصاد عن آليات التخطيط المركزي – الأوامري نحو آليات تسعى للدمج  بين عتلات التخطيط وعتلات السوق. ونتيجة لذلك توسّع نطاق السوق توسعاً واضحاً، وجرى تخفيف القيود على الأسعار. كما استعيض عن المركزة الشديدة في صنع القرارات بنمط متدرج يشمل الحكومة المركزية والإدارات المحلية، إضافة إلى المنشآت الاقتصادية.

ولا يتسع المجال هنا للدخول في تفاصيل جوهر " اشتراكية السوق " أو " إشتراكية السوق الموجهة " كما يسميها البعض، وحسبنا أن نشير هنا إلى أنها تقوم على فكرة تعددية أشكال الملكية مع تغليب دور القطاع العام، والاعتماد المتزايد على آليات السوق في تحديد منظومة الأسعار، دون التخلي عن التدخل عبر آليات التخطيط من أجل ضمان توزيع " عادل" بين الطبقات والأقاليم. فالمشروع هذا يقبل، إذن، درجة معينة من اللامساواة وربط الأجور والمداخيل بالإنتاجية.

 وارتباطا بتلك الإستراتيجية قامت السلطات بإعادة تنظيم القطاع العام. فأخذت بمبدأ نقل الملكية من الدولة ( أي الوزارات) إلى مؤسسات عامة، تمهيداً لإخضاعها لقوانين سوق أكثر فعالية، ثم إلحاق هذه المؤسسات بسلطات محلية من خلال نقل الملكية إليها. وبهذا الأسلوب صار القطاع العام بالتدريج ملك المقاطعات والبلديات والجمعيات التعاونية. فالمبدأ المعمول به أقرب إلى اللامركزية منه إلى الخصخصة.

وفي مجال ملكية الأراضي الزراعية لم تقبل السلطات الصينية مبدأ إلغاء ملكية الدولة لصالح تكريس الملكية الخاصة، بل اكتفت بتصفية الجمعيات التعاونية المسؤولة عن إدارة الإنتاج وإحلال نظام توزيع يقوم على حق استغلال الأرض بين العائلات الريفية والتعاقد معها على شروط وأسعار بيع كميات معينة من المحصول.

ومن جانب أخر رفضت السلطات الصينية منح حرية مطلقة وشاملة لتحديد الأسعار من خلال " عمليات السوق ". وظلت الإدارات المسؤولة عن شؤون التخطيط تقوم بتحديد أسعار المنتجات الأساسية، أو على الأقل، بترشيد السوق.

ولا شك أن تلك الإجراءات ساهمت، بحدود معينة، في الحدّ من الضغوط التضخمية. كما أسهمت في تقليص ( وليس الحد من ) الضغوط التي تدفع باتجاه التوزيع المتفاوت للدخول ارتباطاً بالنمو السريع طبقياً وإقليمياً.

        وكانت السلطات الصينية المسؤولة ترى في هذه الإستراتيجية سبيلاً لتحقيق سياسات تضمن العديد من المزايا، من بينها :

 1.  إمكانية التوفيق بين الاعتماد على السوق وتحقيق العدالة الإجتماعية من خلال إجراءات وسياسات إعادة توزيع الدخول.

2.  إمكانية التوفيق بين تعجيل النمو اعتماداً على المزايا التي تتمتع بها بعض المقاطعات البحرية وبين تصحيح التفاوت الإقليمي من خلال إنماء خطة تكامل بين مختلف المقاطعات البحرية والداخلية.

3.  إمكانية التوفيق بين توسيع مجالات الإنفتاح على الخارج وبين استمرار الرقابة على العلاقات التجارية وغير التجارية مع المنظومة الرأسمالية العالمية.

ومن جانب آخر، اعتقدت السلطات الصينية أن بالإمكان ضمان فعالية هذه السياسات من دون إدخال إصلاحات جوهرية في تنظيم الحكم. وبعبارة أخرى كانت الإستراتيجية الصينية للإصلاح تراهن على تعددية إقتصادية تحدد أطرها من فوق، ومن دون أن  يشترط ذلك  إجراء تغيرات في البنية السياسية، حيث تتم تلك الإصلاحات في إطار نظام حكم يهيمن عليه الحزب الواحد. ويمكن القول، من ثم، أن الخاصية المميزة لعمليات الإصلاح في الصين، مقارنة بدول " اشتراكية " أخرى، هي عدم اشتراط اقتران الإصلاحات الإقتصادية بإصلاحات تطاول البنية السياسية. وبعبارة أكثر تدقيقا إن تعددية النظام الإقتصادي التي كانت وماتزال تهدف إليها إستراتيجية الإصلاحات تجري في إطار واحدية النظام السياسي.

في المؤتمر السادس عشر للحزب الذي انعقد في عام (2002) جرت المصادقة على " نظرية التمثيل الثلاثي " التي طرحها الرئيس الصيني انذاك زيمين والتي تدور حول فكرة رئيسية قوامها أن يتحول الحزب الشيوعي الصيني إلى " ممثل للقوى الرئيسية في البلاد وهي القوى الإنتاجية، والقوى الثقافية القومية، وقوى المصالح الجوهرية للغالبية العظمى من أبناء الشعب الصيني ". وتفتح هذه النظرية الطريق، لأول مرة، لانضمام رجال الاعمال وممثلي الفئات الرأسمالية الجديدة للحزب باعتبارهم من القوى الإنتاجية.  

وقد اعتمدت إستراتيجية التنمية الإقتصادية وسياسات الإصلاح المعتمدة في الصين نهجاً يتسم بقدر كبير مما يسمى بـ " الوطنية "، أي  سعي الدولة للتدخل في عمليات الإصلاح بهدف حماية الإقتصاد الوطني من التأثيرات السلبية الناتجة عن فعاليات المنظومة الرأسمالية العالمية.

وبعد ضم هونغ كونغ الرأسمالية تحت السيادة الصينية بدأت تتشكل لوحة جديدة للنظام الإقتصادي الإجتماعي، قائمة على علاقات اجتماعية فريدة حيث يتعايش نظامان اقتصاديان، أحدهما تضبطه العتلات الرأسمالية  تضبط الآخر آليات " السوق  الإشتراكية".

إن وجود " نظامين اجتماعيين في دولة واحدة " كالذي طرحه الحزب الشيوعي الصيني، يمثّل تحدياً غير مسبوق أمام الفكر الاشتراكي العلمي، ويتطلب المزيد من الدراسة والتحليل.

 استنتاجات 

تتضح، في ضوء ما ذكرناه ، صعوبة الاسئلة حول بناء الاشتراكية ومستقبلها، ومستوى التطور الاجتماعي ودوره، والرأسمالية وقدرتها على البقاء وادارة الازمات.

ولا شك أن في ذلك دروساً مهمة لنضال الاحزاب الشيوعية والثورية من اجل التغيير المشروط، من جهة، بقوانين عامة، ومن جهة أخرى، بخصائص محلية (وطنية وقومية).

 وبالمقابل نحتاج الى العقلانية في تقييم هذه التجارب، وتجنب الخطاب السياسي المباشر في معالجة قضايا نظرية بالغة التعقيد، لا تحتمل الهجاء أو المديح بل تستلزم التحليل العميق والمقاربات المركبة بهدف استخلاص الاستنتاجات المطلوبة للاستفادة منها في عملنا اللاحق.

 وأهمّ الاستنتاجات التي يمكن بلورتها من إستعراضنا للتجارب الاشتراكية السابقة هو: 

1.  شاءت الظروف التاريخية ان تقوم اول تجربة لبناء الاشتراكية في بلد نضجت فيه الشروط السياسية من دون ان يمتلك، بسبب ضعف تطور الرأسمالية فيه، القاعدة المادية المتقدمة التي اعتبرها ماركس شرطاً لانتصار الاشتراكية في بلد من البلدان. ومن خلال استخدام ادوات السلطة السياسية ، عمدت الدولة  في الاتحاد السوفييتي وفي غيره من البلدان ضعيفة التطور، التي انتهجت لاحقاً طريق التحولات الاشتراكية او ذات الافق الاشتراكي، الى محاولة تعجيل عمليات التطور الاقتصادي والاجتماعي التي تستغرق في العادة آماداً تاريخية طويلة نسبياً. وقد اقتضى ذلك بالضرورة اللجوء الى اساليب ادارية وعنفية قادت بدورها الى اختلالات وتشوهات في البناء السياسي والاجتماعي، ودخلت في تعارض، بل تناقض، مع اهداف البناء الاشتراكي ذاته. وقد خلق ذلك عجزاً بنيوياً على صعيد الحريات والديمقراطية والبناء الحقوقي والشرعي للدولة "الاشتراكية".

 2.  انطوت التجربة السوفيتية للانتقال الى الاشتراكية بخصائصها الفريدة الناجمة عن مستوى التطور الذي انطلقت منه والسياق التاريخي الذي جرت فيه، على طائفة من الاشكاليات والخصوصيات، التي تفرض محاكمتها ليس بإعتبارها نموذجا يحتذى بحذافيره بل بإعتبارها، كما وصفها لينين " محاولة وحيدة الجانب تنطوي على العديد من الثغرات والتناقضات، ولكنها محاولة لا مناص من انطلاقها، ولا خيار امامها سوى متابعة شق طريقها عبر التناقضات حتى تتضافر مع محاولات اخرى لتبلغ الاشتراكية الكاملة وبالتعاون الثوري بين بروليتاريي جميع البلدان ".

3.  اتسمت جميع التجارب الاشتراكية التي اعتمدت "النموذج السوفييتي للاشتراكية" بضعف المكوِّن الديمقراطي، وبتكريس هيمنة الحزب التي وفرت الأسس والمسوغات لتكريس هيمنة الفرد. وقد يرجع جذر هذه ،الظاهرة، في جانب منه، إلى أن التجربة التاريخية التي احاطت بانتصار وتوطيد الثورة في روسيا  فرضت التأكيد على الجوانب القسرية، في شكل دكتاتورية البروليتاريا، لمواجهة القوى المعادية للثورة التي شنت حرباً أهلية  لا رحمة فيه ضدها. وإذا كانت تلك الاجراءات مفهومة ومقبولة من قبل الجماهير الشعبية الواسعة في بداية الثورات التي قامت في هذه البلدان، فإنها لم تكن مفهومة ولا مقبولة بعد النجاحات التي أحرزتها هذه البلدان وساهمت في توطيد النظم الجديدة.

 4.  إنعكس اعتماد التنظيرات الخاطئة وفرضها في برامج وتوجهات وقرارات أضعفت من دور الحزب وتأثيره في الحياة السياسية والاجتماعية. فقد تمّ في كل العهود دمج الحزب بالدولة وأضيفت إليهما، في أحايين كثيرة، أجهزة المخابرات والأمن. وأدى ذلك إلى تحوّل الحزب عن دوره الثوري ليصبح أعلى جهاز في مؤسسة السلطة.

5.  أخضع الاقتصاد الاداري الأوامري الممركز بافراط، ونزعة القفز على التطور الطبيعي وحرق المراحل، العملية الاقتصادية لنظام تخطيط مفصّل وإلزامي يشمل جميع المفاصل الاستراتيجية للنشاط الاقتصادي، ولا تلعب فيه آلية السوق والاسعار سوى دور هامشيّ جداً. واتخذت الملكية العامة لوسائل الانتاج، بصورة أساسية، شكل ملكية وإدارة الدولة التي تتحكم فيها البيروقراطية والصراعات بين شرائحها المختلفة، مفضية إلى قيام علاقة مشوهة أساسها الاغتراب بين العامل والمزارع والمستخدَم في التعاونية، وبين العملية الاقتصادية. ووفر حدوث انفصام بين المواطن والملكية أساساً لظهور تناقضات داخلية في النظام لم يجر الالتفات لها وتقصيها من قبل الاحزاب الحاكمة، الأمر الذي أدى إلى استفحالها وتفجرها لاحقاً. وجرت محاولات كثيرة في العقود التي تلت موت ستالين عام 1953 للحد من صرامة هذا " النموذج " ، ولكن مع ذلك ظلت الملامح الاساسية للنظام عصية على التغيير.

6.  بالتلازم مع ظواهر المركزية المفرطة على صعيدي الاقتصاد وإدارة الدولة، وتماهي الحزب مع الدولة وضعف المكونات الديمقراطية للأخيرة، تفاقمت البيروقراطية وتنامت سيطرة الاجهزة الادارية القائمة على الفساد والافساد المنظم. ولئن لم تستوف البيروقراطية شروط اعتبارها طبقة، فإنها اكتسبت العديد من مواصفات طبقة ذات امتيازات تستند على نظام الاقتصاد الاوامري وملكية الدولة غير الخاضعة للرقابة الديمقراطية.

7.  إهمال وتجاهل دور العوامل غير الاقتصادية في حركة التطور في المجتمع وعلى هامشه، والتي اصطلح ماركس على تسميتها بالعوامل الروحية. وهي عوامل معقدة في شكل تجليها، وفي شكل ممارستها لدورها في الحياة العامة. وتشكل  ظاهرة الدين أو الوعي الديني المعلن أو المقنع أو التدين الشعبي، جزءا من هذه العوامل، فضلاً عن عوامل أخرى عديدة. ليست واضحة المعالم، ولا تعلن، دائما، عن وجودها بشكل محدّد، منها ما يرتبط بالتقاليد الراسخة في الوعي والمشاعر والأمزجة والسلوك، ومنها ما يتمثل بالتراث وأشكال الانتماء العائلية والقبلية والاثنية والقومية.

8.  ضرورة البحث في أسباب انهيار النماذج المطبقة داخل أزمة النظم التي كانت عامة شاملة. ويكمن أحد الأسباب الأساسية في فشل محاولات الإصلاح الاقتصادي والمؤسسي المتكررة أو في تأجيلها المستمر، بفعل مقاومة القوى المحافظة في الحزب والدولة والبيروقراطية، والصراعات التي كانت تدور بين مختلف شرائحها، مما أدى إلى تراكم، واستفحال، التناقضات الداخلية في ظل عدم وجود آليات وأطر لإدارتها وحلها. ان اللجوء الى تأجيل الحلول والعلاجات لمظاهر الخلل في الحزب والدولة والمجتمع لا بد  ان يقود الى تراكم الاخطاء وتعقيد القضية ومضاعفة كلفة معالجتها، وليس من المستبعد ان تدخل الامور في مرحلة اللاعودة  ويكون الثمن  ضياع القضية برمتها، كما حصل في الاتحاد السوفيتي السابق ومنظومة الدول الاشتراكية.

9.  أهمية وضرورة الربط بين النظرية والواقع وفهمهما في إطار العلاقة الجدلية، وأهمية النظرة الاستراتيجية عند إعادة بناء التجارب. وهذا يتطلب، بدوره، العودة الى المنهج الماركسي، للبحث الملموس في مشاكل الواقع الملموس من دون إغماض العين عن المشاكل القائمة بترداد الجمل العامة. فالمهم هو التطبيق الخلاق للنظرية والمنهج على واقع يتحرك باستمرار.

10.أن الضغوط التي واجهت التجربة السوفيتية، منذ ولادتها، والحصار الذي فرضته الدول الرأسمالية (تدخّل 14 دولة في السنوات الأولى من عمر الثورة ثم الحرب العالمية الثانية وما تعرضت له من خسائر هائلة وما تلاها في مرحلة الحرب الباردة)، تلك الضغوط السياسية والإعلامية والاقتصادية، استنزفت الكثير من الطاقات وحدّت من قدرة الاتحاد السوفيتي على البناء.

11.وبالطبع لا ينبغي تجاهل دور سباق التسلح وأثره في استنزاف القدرات المالية للاتحاد السوفييتي وباقي البلدان  "الاشتراكية "، السابقة. وقدرت الأموال المخصصة لذلك السباق بحوالي ثلث ميزانية البلاد مما انعكس سلباً على الحياة الاقتصادية والاجتماعية. علاوة على ذلك، لم يقم  الاتحاد السوفيتي، على عكس الولايات المتحدة الامريكية، سياسته مع البلدان النامية على النهب والهيمنة بل على الدعم والمساندة. فالمساعدات الأممية التي كان الاتحاد السوفيتي يقدمها إلى البلدان الاشتراكية الأخرى والبلدان النامية، كانت هي الأخرى تثقل كاهله وتزيد من أعبائه مما انعكس سلبا على حياة مواطنيه.

12. شدة الهجوم الأيديولوجي للرأسمالية، التي ركّزت تنظيراتها المختلفة وحملاتها الإعلامية على نواقص وثغرات التجربة، هذا اضافة الى ما تركته الحرب الباردة وعقيدة معاداة الشيوعية وما استخدمته من أدوات ووسائل لتخريب هذه التجارب من الداخل. إلا انه رغم ضخامة هذا الهجوم وتعدد اشكاله، فإن من الطبيعي عدم  اعطائه الدور المقرر في الانهيار لأن ذلك يعني التخلي عن الاطروحة الصحيحة التي ترى أن العوامل الداخلية هي المقررة،  نهاية المطاف، في نشوء وتطور وانهيار، أي ظاهرة أو عملية. وطبيعي أنه لا يجوز، ايضا، عدم اعطاء العوامل الخارجية الاهمية التي تستحقها أو تقزيم دورها الفعلي عند تحليل هذه التجربة.

المحور الثاني:  مصائر الاشتراكية في ضوء الانهيار
- تعدد المنظورات والمفاهيم - 

جسّدت الهزّة الكبيرة الناجمة عن الطريقة التي حدث بها الانهيار، وعن سرعته، جملة من القضايا المتعلقة بطابع الاشتراكية وأفقها. واقترن الحدث بهجوم أيديولوجي شرس سعى لتشويه الحقائق وتضليل الرأي العام من جهة، ولتوظيف الحدث، من جهة أخرى، بما يخدم ديمومة الرأسمالية، وهذا ما عبرت عنه شعارات ومفاهيم مثل نهاية التاريخ، موت الشيوعية، وانتهاء عصر الأيديولوجيات، وصراع الحضارات..الخ. إن موضوعة مصير الاشتراكية كفكر وكمشروع سياسي، والشيوعية كأفق تاريخي بديل للرأسمالية تخضع اليوم لجدل متزايد تترتب عليه نتائج حاسمة بالنسبة لشكل ومحتوى النضال السياسي اللاحق ضد الرأسمالية.

على خلفية تفكّك الاتحاد السوفيتي وانهيار "الأنظمة الاشتراكية" في أوربا الشرقية، من حيث كون الحدثين  مؤشرين واضحين على انتهاء بديل محدّد للرأسمالية دشّنته ثورة أكتوبر عام 1917، يمكن تمييز مقاربتين أساسيتين. الأولى تساوي بين انهيار تجارب البناء الاشتراكي وبين فشل الشيوعية كفكر وكمشروع تاريخي بديل للرأسمالية معتبرة الأخيرة الأفق الوحيد للبشرية وداعية إلى العمل على إصلاحها وتطويرها من الداخل. ويجسّد مفهوم نهاية التاريخ هذه المقاربة التي تعني، في الجوهر، تكريس نظام الاستغلال والقهر الاجتماعي. وفي المقابل، تنطلق المقاربة الثانية من عجز الرأسمالية عن القضاء على تناقضاتها الداخلية، وعن أن تشكل مستقبل البشرية. وتستند هذه المقاربة في دعم  أحكامها وتحليلاتها على تجليّات  التناقضات المذكورة في المسار الراهن للرأسمالية المتعولمة، حيث يقترن النمو في إنتاج الثروة الاجتماعية وارتفاع الإنتاجية والتطور المتسارع لتقنيات الاتصال والمعلومات، باشتداد وتائر تركّز وتمركّز سلطة رأس المال على صعيد البلد الواحد وعلى الصعيد العالمي، وتعمّق التفاوتات الاجتماعية داخل الدولة الواحدة وما بين الدول؛ وتعمق الهوّة ما بين بلدان المركز والأطراف، وإضعاف آليات إعادة توزيع الثروة التي وضعتها "دولة الرفاه" بعد الحرب العالمية الثانية في البلدان الرأسمالية، وتعاظم الآثار المدمرة لتعميم قانون السوق وكسر الضوابط التي تحدّ من فعله، وتصاعد الهجوم من قبل الليبرالية الجديدة  للانقضاض على المكاسب والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي أحرزتها الشغيلة خلال عقود عديدة من النضال.

ثمة اتجاهان فكريان أساسيان في أحزاب شيوعية واشتراكية  يتنازعان هذه المقاربة:

الأول، لا يجد في انهيار الاتحاد السوفييتي وأنظمة  بلدان أوروبا الشرقية إخفاقاًً ونهاية للشيوعية وإنما يراها تجربة تاريخية أولى لبناء الاشتراكية وصولاً إلى الشيوعية. وإن  التداعي جاء نتيجة لتراكم أخطاء وتجاوزات وتشويه للمُثل والممارسات والأفكار الشيوعية، كما جسدتها فكرياً وتنظيمياً الأحزاب الشيوعية التي تأسّست في أعقاب انتصار ثورة أكتوبر في روسيا.  ويدعو هذا الاتجاه  لاستخلاص الدروس من الانهيار ومن تجارب القرن العشرين انطلاقاً من ذات المرجعية الفكرية والسياسية التي تمثلها الماركسية – اللينينية.

        أما الاتجاه الثاني فيتخذ موقفاً نقدياً جذرياً من الأنظمة الاشتراكية السابقة وينزع عنها صفة الشيوعية ويقدم فهماً وتصوراً مختلفين، كلياً، للشيوعية ولطريق  بلوغها، من خلال مفهوم تجاوز الرأسمالية. وخلاصة هذا المفهوم أن الشيوعية تنبثق من أحشاء الرأسمالية عن طريق تجاوز جميع أشكال الاستغلال والهيمنة والاستلاب المفروضة على الفرد والمجتمع  في ظل العلاقات الرأسمالية. فالنضال، في هذه الحالة، لا يتركز على هدف الظفر بالسلطة السياسية والشروع ببناء الاشتراكية على أساس القضاء على العلاقات الرأسمالية، وإنما على العمل المتواصل ضد منطق الرأسمال والربح في جميع ميادين النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي لإزاحته وإحلال منطق بديل يضع مصلحة الإنسان في المقدمة بدلاً من الربح. ويتحقق ذلك عبر صراع مثابر من اجل تحقيق مكاسب وإنجازات اجتماعية واقتصادية تقدمية متزايدة للشغيلة، وتوسيع مديات الديمقراطية وتطبيقات حقوق الإنسان. وتستثنى من ذلك إمكانية تخطي الرأسمالية في بلد لم تتطور فيه الرأسمالية كتشكيلة اجتماعية– اقتصادية سائدة.

        إلى جانب هذين الاتجاهين، ثمة طيف من الآراء والاجتهادات تتكوّن من توليفات وتنويعات لعناصر من الاتجاهين ذاتهما.

        يعتمد التصنيف السابق للآراء والاجتهادات في أوساط اليسار المعادي للرأسمالية، وبين الماركسيين والشيوعيين تحديداً، على الإجابات التي تُقدًّم لطائفة من الأسئلة الجوهرية التي أثارها الانهيار، منها ما يتعلق بالمرجعية الفكرية والنظرية لهذه التجربة ومدى كونها (التجربة) تجسيداً حتمياً ونتاجاً أميناً  للفكر الماركسي ولمفهومه للاشتراكية، ومنها ما ينصبّ على ما تداعى أو شاخ في منظومة الأفكار والمبادئ التي تأسست عليها تجارب البناء الاشتراكي السابقة وحددت معالم رؤيتنا للاشتراكية، وملامح وسمات المجتمع البديل للرأسمالية وإمكانات وكيفيات تحققه.

ثمة إذن، تحديان نظريان، متمايزان ومترابطان في آن واحد، ينهضان أمام القوى والأحزاب التي تناضل ضد الرأسمالية ومن أجل التحرر الإنساني وفي سبيل مجتمع خال من جميع أشكال الاستغلال والتسيّد والاستلاب. هذان التحديان هما:

أولاً، إعادة قراءة وفحص  الأطروحات الماركسية الكلاسيكية حول الاشتراكية في ضوء الدروس والاستنتاجات المستخلصة من تجارب البناء الاشتراكي السابقة وتحريرها من الجمود والتقنين التقديسي اللذين فرضا عليها إبان " الفترة الستالينية" وما تلاها، وتجديد حيويتها العلمية وفاعليتها كأدوات نظرية لدراسة وتحليل حركة الواقع وتغييره؛

وثانياً، الكشف عن الجديد في فعل القوانين الداخلية المحرِّكة للرأسمالية المعاصرة وسيرورة  تناقضاتها، في وقت لم تعد تواجه فيه منافسة وتهديد نظام بديل يفرض عليها إجراء تكييفات لنظامها السياسي والاقتصادي الاجتماعي.

 العناصر النظرية للمشروع الاشتراكي

 إلى حين انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المنظومة الاشتراكية، بقي الجزء الأعظم من الحركة الشيوعية معتمدا، إلى حد كبير، في فهمه للمشروع الاشتراكي الماركسي بوصفه طوراً انتقالياً من الرأسمالية إلى الشيوعية، على المباديء التي  صاغتها المرجعية الفكرية  للحركة، التي اعتبرت قوانين عامة للبناء الاشتراكي تصلح لجميع الأحزاب ولكل البلدان.  وتحدّد هذه القوانين شروط الانتقال إلى الأشتراكية باستيلاء الطبقة العاملة، منفردة أو بتحالف طبقي تحت قيادتها، على جهاز الدولة وإقامة سلطتها التي تمثل دكتاتورية البروليتاريا، ثم الشروع بالتحولات الضرورية للقضاء على العلاقات الرأسمالية وبناء الاشتراكية، انطلاقاً من تحقيق الملكية العامة لوسائل الإنتاج بإنشاء قطاع الدولة ، وإحلال التخطيط المركزي محلّ آلية السوق كإطار منظِّم للحياة الاقتصادية. وكانت الأنظمة القائمة في الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية السابقة التجسيد الملموس لهذا المشروع.

        ولم يعد من الواقعية، والعلمية، في شيء غض النظر عن الشروخ  التي أصابت البناء النظري لهذا المشروع  إثر انهيار تجارب البناء الاشتراكي،  وارتباطاً بالمتغيرات البنيوية الاجتماعية والاقتصادية التي استحدثتها التطورات العلمية والتكنولوجية العاصفة، وبروز الحركات الاجتماعية والجماعات المدنية والأهلية  وتنامي دورها، إلى جانب الطبقة العاملة، في النضال ضد السياسات الليبرالية الجديدة والآثار المدمرة للعولمة الرأسمالية.

        وبالنظر إلى سعة طيف المسائل النظرية والمعرفية التي أثارتها التطورات العاصفة في نهاية القرن المنصرم وتعقدها، لا يزال الجدل والصراع  دائراً بشأنها ولم تتوفر بعد إجابات حاسمة للعديد من قضايا الفكر والممارسة المتعلقة بالمشروع الاشتراكي. ولكن دروس التجارب الماضية والجهد النظري الماركسي المتراكم، بكل غناه وتنوّعه، حول موضوعات أساسية من الفكر الماركسي وقضايا التغيير الاجتماعي، تسمح بتقديم بعض المعالجات والاستنتاجات بشأن عدد من العناصر الرئيسية المكّونة للمشروع الاشتراكي البديل للرأسمالية.

 1 – الموقف من الدولة

 تُعتبر الدولة المسألة الأساسية في السياسة،  ويحتل الموقف منها موقعاً مركزياً في نضال أي حزب. وقد حدّد مؤسسو الفكر الماركسي  طبيعة الدولة بأنها جهاز خاص للقسر والعنف ظهر إلى الوجود مع انقسام المجتمع إلى طبقات، وهي آلة تستخدمها الطبقة الأقوى لصيانة سيادتها على الطبقة أو الطبقات الأخرى في المجتمع. ولئن اختلف شكل الدولة من مجتمع طبقي لآخر، فإن جوهرها يبقى واحداً، وينطبق ذلك أيضاً على الدولة الديمقراطية في النظم الرأسمالية المتقدمة رغم ما تمثله من تقدّم تاريخي، إذ تبقى الدولة فيها آلة سيطرة طبقية للبرجوازية تديم من خلالها نظام التملّك الخاص. ومن اجل القضاء على سلطة البرجوازية وحكم الرأسمال، يتوجب على الطبقة العاملة وحزبها النضال من اجل انتزاع هذه الآلة من أيدي الرأسماليين واستخدامها للقضاء على الاستغلال الرأسمالي وإرساء العلاقات الاشتراكية. وقد طرحت  تجربة وأحداث القرن المنصرم أمام الفكر الماركسي إشكالية العلاقة بين الدولة الاشتراكية والديمقراطية.

ثمة حاجة  أكيدة إلى مراجعة الفهم الأحادي للدولة كجهاز وآلة للعنف بيد الطبقة المسيطرة، تأخذ بعين الاعتبار وظيفتها السياسية الشاملة التي تسعى إلى تحقيق ترابط مستويات التشكيل الاجتماعي وإعادة إنتاج الأوضاع القائمة لمصلحة الطبقة المسيطرة أو الائتلاف الطبقي الحاكم، وهي بذلك تلعب دور المنظّم للهيمنة وتمتلك تماسكاً داخلياً خاصاً بها يعطيهاً استقلالاً نسبياً عن البنى الاقتصادية والطبقات والفئات الاجتماعية المسيطرة. و يتيح هذا الاستقلال النسبي للدولة ضبط التناقضات الثانوية بين الفئات الطبقية المسيطرة. لكن  دور الدولة يتنامى ويصبح مستقلاً عن الطبقات في الفترات التاريخية التي لا يسمح فيها ميزان القوى القائم لأي طبقة أن تفرض سلطتها بصورة مستديمة. ويحتمل شكل الدولة تغيرات هي من نتاج وأثر الصراع الطبقي السياسي، وقد أفلحت النضالات السياسية والطبقية للطبقة العاملة وجماهير الشغيلة  والفئات التقدمية في البلدان الرأسمالية فى انتزاع مكاسب واسعة علي صعيد الحريات والديمقراطية  وتكريسها حقوقياً ودستورياً. وتعدّ هذه المكتسبات  تقدماً هائلاً من وجهة نظر النضال ضد الرأسمالية تتيح  إمكانيات جديدة لتطويره. غير إن ممارسة الحقوق الديمقراطية تبقى مقيَّدة بالامتيازات والمصالح الطبقية لرأس المال. وفي الظروف القائمة لا يطرح المشروع  الاشتراكي التفريط بهذه الحريات والحقوق وفق مفهوم "تحطيم" جهاز الدولة البرجوازي، وإنما يهدف، بالنضال الذي يستحثه، إلى تطويرها وإغناء مضامينها بتحريرها من قيود المنطق الرأسمالي ومصالح وامتيازات الطبقات المسيطرة. ويمكن، على المدى البعيد، أن يتلازم اضمحلال دور الدولة مع التسيير الذاتي للمجتمع.

        ولعل  النقص الجوهري في دولة دكتاتورية البروليتاريا التي أقيمت في الاتحاد السوفييتي السابق يكمن في فشلها في التخلص تماماً من طبيعتها الاستثنائية، وفي إنشاء دولة القانون الاشتراكية التي  تعطي مضموناً حقوقياً ومدنياً ملموساً للديمقراطية الاشتراكية. أمّا في البلدان النامية التي تحتل إقتصاداتها موقعاً طرفياً تابعاً في النظام الرأسمالي العالمي، فتتميز الدولة، غالبا، بطابع تسلطي بسبب الضعف البنيوي للطبقات الاجتماعية، واستحواذ الدولة على جزء كبير من الفائض الاقتصادي، والاستقطابات الداخلية الحادّة التي يولدها الارتباط بالسوق الرأسمالية العالمية، والتطور المنفلت لقوانين السوق في الاقتصاد المحلي. وخلافاً للمسار التاريخي للبرجوازية الأوروبية التي اقترن صعودها بقيام الثورات البرجوازية الديمقراطية، فإن طبيعة مصالح الفئات المسيطرة في البلدان النامية تقتضي تحطيم الممكنات الديمقراطية واعتماد سياسة تهميش وإقصاء لطبقات وفئات اجتماعية واسعة من السكان عن حقل المشاركة السياسية. ويؤدي ذلك إلى ترجيح وزن  الدولة في التشكيلة الاجتماعية والى تفتيت مجموعات كاملة من القوى الاجتماعية، وإلى ضمور المجتمع المدني وعدم فاعليته.

 العولمة الرأسمالية والدولة

 شكلت العولمة واحدة من أهمّ الظواهر التي برزت في أواخر القرن العشرين. وربما كان مفهوم العولمة الأكثر تداولاً منذ تسعينات القرن الفائت، وهو ما زال ملتبساً في بعض جوانبه إلى الآن.

من المفيد التمييز بين العولمة كظاهرة موضوعية، وبين إشكال تجليها والقوى المتحكمة في اتجاهاتها ومساراتها. فالالتباس ينبع من التناقض الكامن في الظاهرة ذاتها بين الوعد الإنساني الذي تحمله وبين شكل تمظهرها الراهن. والعولمة بشكل تمظهرها الحالي، اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، ليست، في الحقيقة، سوى شكل جديد من أشكال السيطرة والهيمنة. لذا يجري الحديث اليوم عن " العولمة الليبرالية الجديدة " التي تنطوي على نزعة لابتلاع العالم عن طريق آليات السوق المعولمة. 

 تعبّر العولمة عن طورٍ جديد دخلته الرأسمالية العالمية مع القفزة التكنولوجية الهائلة التي شهدتها قوى الإنتاج في (العالم المتطور) بالاعتماد على المكتشفات العلمية وثورة المعلومات والاتّصالات. وهذا الزخم الهائل من التحولات هو الذي هيأ الشروط للانتقال من لحظة الدولية international كنظام للعلاقات بين دول قومية، إلى لحظة الكونية (أو العولمة globalization) المتخطي لهذه الحدود. ولهذا يمكن الاتفاق مع الرأي القائل بأن مفهوم العولمة قد تبلور لتوصيف وتعيين تخوم الظاهرات الفالتة من سيطرة الوحدة الكلاسيكية، الدولة القومية، أما بسبب طابعها التكنولوجي المحض (نظم الاتصال) أو بسبب تعذر انغلاقها في حدود قومية (أسواق المال والمبادلات).

ويفترض منطق العولمة الرأسمالية إضفاء أولوية على مقتضيات الإدارة المعولمة للنشاط الاقتصادي على حساب وظائف الدولة الوطنية. وينعكس هذا الخيار في الخطاب السائد المعادي مبدئياً للدولة والمشدد على إنهاء تدخلاتها في الشؤون الاجتماعية وعلى اعتماد خصخصة مفرطة. وبعبارة أبسط فإن خطاب العولمة الجديد يستند على الليبرالية المناوئة للسياسة، فالاقتصاد الكوني الجديد، المتحرر من السياسة، يسمح، حسب رأي منظري العولمة النيوليبرالية، للشركات والأسواق بتوزيع عوامل الإنتاج، بالطريقة التي تتيح تحقيق أعظم المزايا، من دون التشوهات الناجمة عن تدخل الدولة. وإذا دفعنا هذه الأطروحة إلى نهايتها المنطقية، أمكننا القول بأن الفكرة التي يريد منظرو العولمة بطبعتها الليبرالية الجديدة إيصالها، هي التأكيد على أن عهد الدولة القومية قد ولى وأن التحكم على المستوى القومي غير فعال إزاء العمليات الاقتصادية والاجتماعية الكونية. وهكذا فإن الإقتصادات القومية أصبحت، بحسب هذا الطرح، تخضع لاقتصاد كوني واحد، تهيمن فيه أسواق المال الدولية والشركات متعدية الجنسية، وهي المدافع الأكثر عناداً عن الأطروحات الليبرالية الجديدة وعن نظريات العولمة الرأسمالية بلا قيود. ووراء مطالبة تلك الشركات بتهميش دور الدولة تكمن مصلحتها بتجاوز الضغوط والحدود التي تفرضها الدول والانتقال إلى فضاء عالمي . ونظراً إلى أن رأس المال في الاقتصاد المعولم يمتاز بالحراك، حيث ينتقل أينما تقتضي  " المصلحة الاقتصادية "، في حين أن العمل مستقر يتميز، لأسباب معروفة، فإنه مطالب بأن يُعدل آماله السياسية لمواجهة الضغوط الجديدة التي يرفضها منطق التنافس في الاقتصاد العالمي. وهكذا نرى أن خطاب العولمة يربط إشكالية النجاح في المنافسة الدولية بهجوم على حقوق وقوانين الرفاه الاجتماعي وما تم تحقيقه من " امتيازات " داعياً لتقليصها.

        تقود العولمة الراهنة إلى تآكل قدرة الدولة القومية محلياً، وإلى إعادة صياغة دورها وليس إلغائه كما يروج لذلك الخطاب الأيديولوجي المسيطر. ومع إن قدرات الدولة القومية على الضبط والتحكم قد ضعفت في ظل العولمة، فانها تبقى مؤسسة محورية لتوفير الشروط اللازمة للتحكم الدولي الفعال، وخصوصاً عند اندلاع  الأزمات المالية كما أكدت تجارب معالجة ألأزمة في المكسيك وأزمة النمور الآسيوية خلال السنوات الأخيرة. فالتقلص في دور الدولة / الأمة لصالح عولمة رأس المال يتم في الغالب بتفويض منها لأن الاقتصاد العالمي لا يزال نظاماً قائماً بين بلدان، فالاتحاد الأوروبي، مثلاً، تأسس بقرار من الدول الأعضاء وبتخل طوعي بجزء من سيادتها لصالح الاتحاد . ونتيجة للعولمة نشأ تناقض مستعص بين الاقتصاد المعولم والسياسة غير المعولمة يتجلى في كون الاقتصاد يصير بنية عالمية في المقام الأول، في حين أن النشاط السياسي يتم أساساً في إطار دول وطنية، ومن خلالها.

        الى جانب ذلك، يؤدي فعل قانون التطور المتفاوت الذي يحكم عملية الإنتاج الرأسمالية، الى تلازم عولمة الحياة الاقتصادية مع ازدياد التفاوت في التطور الاقتصادي

والسياسي محلياً وعالمياً، الناتج عن تسارع وتائر تركز وتمركز رأس المال والتدويل المتعاظم لعلاقات الانتاج. ويتجلى ذلك في انتشار البطالة وانخفاض الأجور وتعمق الهوّة  بين الأغنياء والفقراء وبين دول المركز ودول الأطراف، وتفاقم مشاكل البيئة وغيرها من المشاكل والازمات.

 2 –  الملكية العامة لوسائل الإنتاج

 يتعرّض مبدأ الملكية العامة لوسائل الإنتاج خلال العقدين الأخيرين إلى هجوم مكثف من مفكري الليبرالية الجديدة، الذين يعتبرون أن الملكية العامة، المتحققة عبر التأميمات ونشوء قطاع عام متضخم، تنطوي على عيوب متأصلة تجعل  منها مصدراً للهدر الاقتصادي وعدم الكفاءة في توظيف الموارد، وحاضنة للبيروقراطية والفساد الإداري. وتسند هذه الانتقادات حججها على تجارب المؤسسات العامة في البلدان الاشتراكية السابقة وفي البلدان الرأسمالية. ولقي هذا الهجوم نجاحاً تمثل في انتشار الدعوات إلى سياسات تقليص القطاع العام وشيوع الخصخصة في عموم البلدان الرأسمالية والقسم الأكبر من البلدان النامية، وفي اختفاء مطالب تشريك الاقتصاد والتأميم من برامج العديد من الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية واستبدالها بفرض الضوابط على نشاط الشركات الخاصة.

ورغم ما توفره السلبيات الفعلية في تجارب القطاع العام من ذخيرة لهذه الهجمات، إلاّ إنها تخفي وراءها مصالح طبقية. ذلك أن  معارضة تدخل الدولة في الاقتصاد ليست   مسألة إجرائية تهدف إلى رفع كفاءة الأداء الاقتصادي، إنما تعني، بالملموس،  إطلاق العنان لقوى السوق الرأسمالية وتبرير التفاوت الحاد في توزيع الثروة، والتخلّي بالتالي عن مهمة التغيير الاجتماعي والنضال ضد الرأسمالية. 

        في المقابل، تطرح السلبيات التي لازمت نمو ونشاط القطاع العام في تجارب البناء الاشتراكي السابقة وفي البلدان النامية أمام الفكر الاشتراكي ضرورة التعمق في  تحليل علاقة الملكية العامة بشعار التأميم والقطاع العام، من جهة، وتحديد مضمون الملكية العامة وأشكالها ومكانتها كمكِّون أساس للمشروع الاشتراكي، من جهة أخرى.

فقد أكّد ماركس وانجلس في كتاباتهما على  أن الملكية العامة لوسائل الإنتاج تشكل القاعدة الأساسية لبناء المجتمع الشيوعي،  ولكنهما لم يقترحا وضع تنظيم الاقتصاد وإدارته والرقابة عليه في عهدة دولة جبارة تملي إرادتها على المنتجين. بل أن ماركس رأى أن أساس النظام الاشتراكي يجب أن يقوم على "الاتحاد الحر للمنتجين"، والابتعاد عن الأرادوية، واعتماد التطور الموضوعي – الطبيعي". غير إن هذه الملكية اتخذت، بصورة أساسية، شكل ملكية الدولة في تجربة البناء الاشتراكي السوفيتية، واستنساخها اللاحق في أوروبا الشرقية وفي جميع البلدان الأخرى التي تبنت طريق التحول الاشتراكي. واصبح شعار التأميم وإنشاء قطاع الدولة عنصراً ملازماً ومكوِّناً للمشروع الاشتراكي. ونتيجة العجز  الديمقراطي الذي شاب تجارب البناء الاشتراكي، ظلّ قطاع الدولة حبيس نظام تخطيط مفرط في مركزيته، بعيداً عن الأشراف والرقابة الديمقراطية، فأستحوذت البيروقراطية على مقدراته ، ونمت فيه، وأغتنت على حسابه،  الشرائح الطفيلية، كما استخدمته أداة لبسط وتكريس الطابع الشمولي للحكم.

وكما تبين تتعدد التجربة اشكال الملكية في ظل الاشتراكية. وعلى هذا، فإن ملكية الدولة هي إحد أشكال الملكية الجماعية، كما أن التأميم ليس إجراءً اشتراكياً صرفاً، بل ظهر كشعار وكممارسة قبل الماركسية، واعتمدته حركات اشتراكية وأخرى معادية للاشتراكية كما تدلل على ذلك سيطرة الدولة في عهدي بسمارك في ألمانيا ونابليون في فرنسا على أنشطة وقطاعات اقتصادية هامّة ، وكذلك التأميمات الواسعة التي أقدمت عليها الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وواصلت تطبيقها الأحزاب اليمينية والمحافظة حتى أواخر عقد السبعينات من القرن العشرين. ولعب القطاع العام، خلافاً لما ينسبه له أعداؤه الأيديولوجيون، دوراً هاماً في التنمية الاقتصادية وتمويل التراكم، وفي تحقيق عدالة افضل في توزيع الموارد واستخدامها، وذلك سواءً في البلدان النامية أم في البلدان الرأسمالية المتطورة. ففي اغلبية البلدان النامية لعب القطاع الحكومي دور الرائد في  ظل غياب أو ضعف مبادرة القطاع الخاص المحلي والاجنبي، وساهم في تصحيح اللاتكافؤ في توزيع الدخول. وكما بيّن العديد من الدراسات الجادة فإن العيب لا يكمن في القطاع الحكومي ذاته، وانما في كيفية ادارته وتشغيل مؤسساته. ومن جهة اخرى فلولا دور الدولة لما حققت فرنسا، مثلا، التطور التكنولوجي الذي جعل منها رائدة في مجال تقنيات الاتصالات والمواصلات، ولما استطاع العديد من البلدان الأوروبية الأخرى بناء مشاريع اقتصادية استراتيجية.

        إن الملكية العامة تبقى وسيلة لا غنى عنها في عمليات التحول الاجتماعي،  لكنها تتخذ أشكالا متعددة، منها ملكية دولة يمكن أن تلعب دوراُ إيجابياً في الحياة الاقتصادية، شرط أن تقترن بالرقابة الديمقراطية، واعتماد معايير الكفاءة في استخدام الموارد،  وتحسين شروط الحياة  المادية والروحية، ومنح الأولوية لرفاه الإنسان وليس للربح المالي. ويخلق  التطور الهائل للقوى المنتجة والثورة العلمية والتقنية، فرصاً وإمكانيات غير مسبوقة لإيجاد أشكال جديدة لتنظيم العمل الاجتماعي، تقترب من هدف الاتحاد الحر للمنتجين الذي طرحه ماركس. لكن ذلك يبقى رهناً بالنضال الاجتماعي وما تبتكره القدرات الخلاقة للمنتجين.  

 3 – الخطة والسوق

اقترنت مسألة السوق عند ماركس  بموضوعة الصنمية، حيث تتحول نتائج العمل الاجتماعي والعلاقات المرتبطة بها إلى قوى غريبة تسيطر على البشر. وكان هو يواجهها بضرورة سيطرة البشر المتعاضدين على تطورهم الاجتماعي والفردي والتضامني الحر. وبهذا المعنى لم تفقد الفكرة الشيوعية قيمتها بل تتأكد اليوم في عصر التداخل الكوني. فإطلاق الحرية لقوى السوق كي تحدّد توجيه الموارد واستخداماتها، كما يدعو إلى ذلك أنصار الليبرالية الجديدة، يعني التسليم بما تمليه "اليد الخفيّة" للسوق وانتزاع  قدرة المجتمع على تقرير ما يجب عمله. ولعل الاستقطابات الحادة في الدخل والثروة التي يشهدها عالمنا  المعاصر تقدم الدليلً على الآثار الاجتماعية المدمّرة لهذا المنطق. 

وكما لا يمكن لأي مشروع اشتراكي أن ينهض على أساس تقديس آليات السوق، فإن التجربة أكدت فشل الموقف المتطرّف الذي يجعل من التخطيط المركزي، الإلزامي، والشامل العماد الوحيد لتنظيم وإدارة النشاط  الاقتصادي في المجتمع. ومع أن السنوات الأولى التي أعقبت ثورة أكتوير قد أقرت بدور للسوق ضمن الإطار العام للاقتصاد الخاضع للتخطيط المركزي، فإن التوازن بين التخطيط والسوق تعرّض إلى الانهيار بعد عام 1928، حيث ساد التخطيط المركزي الشامل في جميع حلقات الاقتصاد السوفييتي، وانحسر دور السوق والعلاقات السلعية في الزراعة، بعد أن كانت قد شهدت نوعاً من الانتعاش بفعل سياسة النيب.

  إن الانتقال إلى نظام يتجاوز الراسمالية يمر، بالضرورة، عبر تقليص الدور الحاسم الذي يضطلع به السوق في النظام الرأسمالي، وتنظيم النشاط الاقتصادي على أساس توازن   بين التخطيط والسوق لصالح الأول. ولاشك إن الدروس المستخلصة من تجربة التخطيط السوفييتية وأساليب التخطيط التوجيهي الذي اعتمدته بعض الدول الرأسمالية حتى عقد السبعينات، إضافة إلى أشكال البرمجة والتخطيط التي تستخدمها الشركات الرأسمالية المتعدية القوميات في تنظيم أنشطتها، تؤلف، بمجموعها، خبرة غنية تحفز السعي لإيجاد أشكال تنظيم لا سوقية، توفق بين هدفي العدالة الاجتماعية والفعّالية والكفاءة الاقتصادية. ومن مفارقات الرأسمالية المتعولمة، أن الشركات الاحتكارية التي تعبّر الليبرالية الجديدة عن مصالحها، تعمل من خلال عمليات التوسّع والدمج الرأسماليين على إخراج مجموعة متزايدة من المبادلات الدولية من نطاق السوق وتحويلها إلى مبادلات داخلية غير خاضعة له، وهي بذلك توسّع رقعة الاقتصاد غير المشمول بآليات السوق الحرة.    

4. الاشتراكية والديمقراطية 

هناك عملياً ثلاث نقاط جوهرية، مترابطة جدلياً، لتعريف الاشتراكية وهي : الديمقراطية، والمساواتية (العدالة الاجتماعية)، وتشريك الجزء الأكبر من الاقتصاد ( تحقيق الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج). 

أولاُ، تجسد الاشتراكية  تصوّراً لمجتمع اكثر ديمقراطية  مما يمكن لأي مجتمع رأسمالي أن يبلغه. فهي تسعى لإعطاء معنى حقيقي لمفهوم المواطنة وسيادة الشعب، يتجاوز، إلى حد بعيد، مجرد حق الانتخاب الشامل والحقوق السياسية الأخرى. كما تسلّم الاشتراكية بضرورة تغلغل الديمقراطية في جميع جوانب النظام الاجتماعي. 

وثانيا، تتبنى الاشتراكية مبدأ المساواة لإزالة أشكال التفاوت المفرط في كل جانب من جوانب الحياة، والذي يميّز المجتمعات المنقسمة على أساس الدخل والثروة والسلطة والفرص المتاحة. ولا تهدف الاشتراكية إلى إزالة الاختلافات بين البشر بصورة تعسفيّة ومساواتهم، كمياً، ببعضهم، وإنما إلى بناء مجتمعات تختفي فيها، مع الزمن، الانقسامات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية العميقة.

فالديمقراطية الحقّة  لا تمارس، فعلاً، إلاّ  حين يكون الناس في مأمن من مخاطر الفقر والمرض والبطالة. وما لم يتحقّق الاستقرار والتقدّم في حياة الناس، سيبقون مهدّدين بان تحكمهم أنظمة  تسلطية. ونشهد اليوم بوضوح أن “ديمقراطية” العولمة تنحاز بشكل مطلق للأغنياء الأمر الذي يعمّق التوترات الاجتماعية والسياسية في مختلف بلدان العالم. 

وثالثا، تستلزم الاشتراكية  تشريك الاقتصاد بإخضاع الجزء الأعظم من وسائل النشاط الاقتصادي، وخاصة الأساسية منها، لأشكال شتى من الملكية والرقابة والإدارة الاجتماعية أو العامة. وتعدّ عملية التشريك، بجانبيها الاقتصادي والسياسي القائم على الإدارة الذاتية، وسيلة ضرورية لإقامة نظام اجتماعي ديمقراطي ينزع نحو المساواة.

وثمة ضرورة للتأكيد على إن سمات الاشتراكية الثلاث، آنفة الذكر، مترابطة بشكل لا يمكن فصله، ومتساوية في أهميتها. فلا يمكن وجود مواطنة حقيقية بدون مساواة تقريبية في الظروف المحيطة بحياة المواطنين. ولا وجود لمثل هذه المساواة بدون تشريك الجزء الأكبر من الاقتصاد. ولكن يجب أن لا يغيب عن الذهن ايضاُ، كما برهنت التجارب الأليمة، ان الملكية العامة المنفصمة عن الديمقراطية  تشكل حجر الأساس لتركيز تسلط الدولة. 

ومن الواضح أن ممارسة الأنظمة "الاشتراكية" السابقة كانت في معظم توجهاتها  مخالفة لهذا التعريف للاشتراكية وليست تأكيداً له. فقد وضعت وسائل النشاط الاقتصادي الرئيسية ضمن الملكية العامة، فيما أثبتت التجربة العمليةً أن القيام بذلك دون تحقيق الديمقراطية  يمثل شكلا من أشكال  التسلط الجماعي. كما إن تلك الأنظمة لم تتسم بالمساواتية، حيث أقامت بنى للتسلط والامتيازات استخفت بمفهوم المساواة على صعيد الممارسة. 

ويتطلب تجسيد الاشتراكية أيضاً انهاض الثقافة والعلم، خاصة وأن دور الأخير يزداد، يوما بعد اخر، بفضل النجاحات او القفزات الكبيرة التي تحققها الثورة العلمية – التكنولوجية، وأصبح عنصرا اساسيا في عملية الانتاج. 

5 -  الصراع الطبقي

 يحتل الصراع الطبقي موقعاً محورياً في فكر ماركس، حيث شخّصه في (البيان الشيوعي) بكونه القوّة المحركة للتاريخ، الذي هو مسرح وسجلّ لصراع الطبقات. وقد أثارت موضوعة الصراع الطبقي، وتثير، جدلاً واسعاً، مع أنه يلاحظ اليوم انحسار الإشارة إليها حتى في وثائق وتحليلات بعض الأحزاب الشيوعية والماركسية، عموماً. ويجد ذلك  تفسيره  في مجموعة من العوامل، أهمها: تزعزع القناعة بإمكانية تحويل العالم ثورياً وتغيير مجرى الحياة؛ تزايد الشكوك في سياق التطورات العلمية والتكنولوجية وتطبيقاتها في مجال الإنتاج الاجتماعي، حول وجود الطبقات الاجتماعية عموماً والطبقة العاملة على وجه الخصوص؛ تنامي العمليات الاجتماعية المتمركزة على الفرد ودوره على حساب كل ما هو جمعي. فهل انتفى حقاً الصراع الطبقي في المجتمعات الرأسمالية المتطورة ؟ وما هو دوره  في الصراعات الاجتماعية وتطوّر المجتمعات ؟

    ليس من مراقب موضوعي لأحوال المجتمعات، عموماً، والمجتمعات الرأسمالية تحديداً، بما في ذلك، من المناوئين للماركسية والمعادين للشيوعية، يجرأ على نفي وجود الصراع الطبقي. وماركس لم يكتشف الصراع الطبقي إنما كشف عن الدور الذي يلعبه في حركة وتطور المجتمعات الإنسانية حتى بلوغ المجتمع اللاطبقي. وما أصبح موضع تشكيك ومراجعة ليس وجود الصراع الطبقي بذاته، بل موضوعة ماركس القائلة بأنّه القوة المحركة للتاريخ، وكذلك علاقة الصراع الطبقي بأشكال السيطرة والتسيد الأخرى في المجتمع، كتلك التي تنطوي عليها علاقة الرجل بالمرأة، والإنسان بالطبيعة. 

وفي سياق مناقشة الجملة الواردة في (البيان الشيوعي) التي تماهي بين تاريخ المجتمعات وتاريخ الصراع  الطبقي، يُشار إلى أن ماركس استخدم، في أوقات لاحقة على البيان الشيوعي تعابير تنطوي على أحكام غير قطعية بهذا الشأن. ففي عام  1879، مثلاً، كتب يقول"  أن الصراعات الطبقية هي القوة المحركة الرئيسية للتاريخ "، وفي العام نفسه ضمن رسالة إلى بيبيل، أشار إلى أنه وأنجلز يعتبران " صراع الطبقات القوة الأكثر حسماً في التاريخ".

ولعل الصياغات الأخيرة هذه اكثر انسجاما مع ما كشفته الأبحاث التاريخية والأنثروبولوجية من أن تأريخ البشرية شهد أشكالاً للتنظيم الاجتماعي ولتطوره لا صلة لها بالصراع الطبقي، كما هو الحال في المجتمعات ما قبل الطبقية، التي لعبت العلاقات القبلية ووشائج القرابة دوراً أساسياً في تطورها، كذلك الدور المقرر الذي تلعبه الصراعات ذات الطابع الديني والمذهبي في مصائر بعض المجتمعات في بعض الفترات التأريخية. 

تشير دراسة تطور المجتمعات الطبقية، والرأسمالية على وجه الخصوص، بأن الصراع الطبقي قد لعب دوراً مقرّراً في الحقل الاقتصادي وخارجه. فقد كان له تأثير كبير في استغلال قوة العمل وتعديل شروط العمل وتغيير طبيعته، كما كان له دور أساسي في تحديد معالم الدولة الحديثة في البلدان الرأسمالية المتطورة من خلال فرض التأمينات والضمان الاجتماعي وتوسيع نطاق حقوق وممارسة الحريات المكفولة دستورياً. وليس من باب المبالغة القول بأنه يصعب فهم التطورات الكبرى للقرن الماضي بمعزل عن الصراع الطبقي.

بالمقابل، قد يقود الرأي الذي يعتبر الصراع الطبقي أصل ومرد جميع أشكال الصراع والتسيّد، إلى التقليل من أهمية انخراط الطبقة العاملة وأحزابها في النضالات من أجل إزالة أشكال التسيّد والهيمنة غير الطبقية. فاستناداُ إلى الاعتقاد بأن حسم الصراع الطبقي يكفي، بحد ذاته، لحل جميع أشكال الصراع والتسيد في المجتمع، وهو اعتقاد خاطئ. غير أن الإقرار بوجود صراعات اجتماعية بمعزل عن الصراع الطبقي لا يعني مطلقاً عدم ترابطها معه وانعدام تأثرها به، بل العكس هو الصحيح. فجميع أشكال التسيّد تنطوي، بشكل أو بآخر، على مضمون طبقي، والنضال ضدها يكتسب محتوى تقدمياً بقدر ما يترابط مع الصراع الطبقي. وتشير تجارب الحركات القومية والحركات النسوية وحركات البيئة إلى أنها قد تنجر إلى مواقف واتجاهات يمينية ومحافظة عندما يكون نضالها ضعيفاً في محتواه الاجتماعي ومعزولاُ عن النضالات الطبقية.  

فالطبقات الاجتماعية قائمة، والطبقة العاملة موجودة، ما دام العمل الأجير يحتل موقعاً مركزياً في المجتمع. ورغم التغييرات التي طرأت على شكل العمل ارتباطا بتحول العلم إلى قوة منتجة وبازدياد الأعمال التي تتطلب جهداً ذهنياً ذات الطابع الرقابي والإشرافي، ورغم إحلال المكائن والآلات محل قوة العمل البشري، لم يضمحل التناقض الرئيسي في العلاقات الرأسمالية القائمة على استغلال قوة العمل والاستحواذ على فائض القيمة. فالصراع الطبقي لا يزال قائماً وأصبح ذا مضمون أكثر شمولاً وسعة. ولا شك أن اعتماد التقنيات الحديثة القائمة على المعلومات والاتصالات في الإنتاج، وتحوّل الفكر والعلم إلى قوة عمل مباشرة، وتزايد أهميّة العمل غير المادي  في العمليات الإنتاجية، واتساع العولمة الرأسمالية، قد غيّر حدود ما يشمله تعريف الطبقة العاملة. حيث يتقلص عدد العمال في محتشدات الصناعات الكبرى، بوتائر متسارعة، في حين يتزايد عدد العاملين في القطاعات الخدمية، ويتنامي عدد الشغيلة ذوي التأهيل العالي الذي يعملون فردياً أو ضمن مجاميع صغيرة، مستخدمين أجهزة وأنظمة المعلومات. وقد عمّقت هذه التطورات من التمايزات في بنية الطبقة العاملة وأضعفت بالتالي الوعي بالانتماء الطبقي. لكن من يقولون اليوم بزوالها  يلتقون، من مواقع مختلفة كلياً، مع اتجاه كان، ذات يوم، سائداً في حركة الطبقة العاملة، يقصر تعريفها على العمال اليدويين في الصناعات والمشاريع الكبرى.

  6 – الحامل الاجتماعي للاشتراكية

 يستخلص البعض من التطورات آنفة الذكر فكرة قوامها أن الطبقة العاملة  لم تعد القوّة الأساسية  للتغيير الاجتماعي. ويشار في إسناد هذه الفكرة  إلى نشوء  حركات اجتماعية نشطة ضد العولمة الرأسمالية وضد سياساتها المدمرة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية؛ تتّسم  بتنوّع  شديد في تكوينها ولا تلعب فيها الطبقة العاملة دوراً رئيسياً. ففي مواجهة العولمة الرأسمالية المتوحشة تكونت  حركة عالمية البعد، تضم طيفا واسعا من القوى المناهضة لهذا النمط من العولمة على امتداد العالم ، كما تؤكد ذلك مظاهرات سياتل (امريكا) وجنوة (ايطاليا)  وغيرهما ومؤتمر بورتو أليجري في البرازيل وصولا إلى مظاهرة برشلونة (اسبانيا) التي ضمت ما يقرب من نصف مليون متظاهر، وغيرها. وتجلى هذا الرفض في نضال مباشر ضد الإجراءات الجائرة التي تعكس العولمة الرأسمالية، مثل قوانين العمل المتعسفة وطرد الفلاحين من أراضيهم وتقويض الخدمات الاجتماعية.

 أن أتساع وتنوع الفئات الاجتماعية في الدول  الرأسمالية التي اندفعت للمشاركة في حركات إحتجاجية مؤثرة وصلبة ، انما يعكس النهج التدميري لسياسة رأس المال المالي المناقض لمصالح أغلب القوى الاجتماعية. فقد شملت هذه الحركات منظمات العاطلين عن العمل والمقصيّين عن الحياة الاقتصادية والفلاحين وصغار المزارعين ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان وعن البيئة والمنظمات المناهضة للتمييز ضد النساء والأجانب، إضافة إلى حركات لا حصر لها تدافع عن مصالح اجتماعية فئوية. وعلى أهمية هذه الحركات ودورها الفاعل، فأن تأثيرها يبقى محدوداً طالما لا تصطدم بالرأسمال وتكتفي بمواجهة نتائج جانبية لسيادة منطق جني الأرباح. ويتضاعف هذا التأثير عندما تنسّق هذه الحركات الإحتجاجية عملها مع الحركة العمالية. وهذا ما انتبهت إليه هذه الحركات وأحزاب وحركات الطبقة العاملة معاً، حيث يؤكد العديد من الأحزاب الشيوعية والعمالية في البلدان الرأسمالية ضرورة إيجاد أشكال جديدة من العمل الموحّد ضد النظام الرأسمالي.

وفي هذا السياق أيضا يندرج  نداء  المقاومة الذي أطلقته الحركة الاحتجاجية ضد العولمة الرأسمالية  في  سياتل، والذي لا يشدد فقط على وحدة القوى المناضلة ضد الرأسمالية المتعولمة في إطار البلد الواحد، بل يدعو لاستعادة هذه الحركة طابعها الاممي، حيث  جاء فيه  " لتكن مقاومتنا، مثل الرأسمال، عابرة للجنسيات، ولينطلق نداؤنا من روح الاستمرار في بناء حركة جماهيرية جريئة ومبدعة ضد المؤسسات الاقتصادية والسياسية للرأسمالية،فنحن ندرك أن القضايا غير منفصلة عن بعضها سواء كانت تخصّ استغلال العمال، أو إفلاس الفلاحين والمزارعين وتهجير السكان الأصليين".

وفي ظل الأوضاع التي نشأت بعد انهيار "البلدان الاشتراكية" وتسارع العولمة الرأسمالية، تبرز ضرورة إقامة أمميّة جديدة بين الشعوب ذات طابع أنساني، تمثّل السبيل الوحيد لمجابهة أممية رأس المال والقيم التي تروجها. وانه لأمر بديهي أن المشروع