آداب
الأثنين 28/7/ 2008
بطاقة وداع الى أمي العظيمة بعد رحيلها الأبديزْردِ (1)
لطيف پولا
زرْدِ لا تلومي َبنيكِ لِجحودِنا أَسبابُ
ورغمَ كلِّ المعاذيرِ سيقتُلنا العِتابُ
حينَ افتَقَدَتنا عَيناكِ ما هَجرنا قَلبكِ
كَم انتَظرتِ عَودَتَنا وَلمْ تَزُرْكِ أَحبابُ
حَمَلتِ وِزْرَ قافِلةِ عبر فيافي السنين ِ
وعلى عاتقِكِ نيرٌ وتحتَ النيرِ حِرابُ
واصلتِ الِكفاحَ وَحدكِ بِقلبٍ نازِفٍ
فلا عَدٌّ لِجراحكِ ولا للهَمِ حِسابُ
نصفُ عُمرِكِ تَبَخَرَ على المَهدِ عَبَراتٍ
وما تَبقى كَدْحٌ مُضني وشقاءٌ وَعَذابُ
جَعلتِ من قَلبكِ تَنورًا وَخُبزهُ لِغَيركِ
وتَكتَوينا بنارِنا وَدموعكِ شرابُ
تَلهثينا في لَيل داج ٍخَلفَ ثُغاءِ الأخْشافِ (2)
مُستَميتةً , قَد أدماكِ سهمٌ , مِخلبٌ وَنابُ
يا لقلبكِ الشاعِريِّ ويا مَرتَعَ الحنانِ
بُسمِرتِ على صليبنا تَنهَشُ بكِ الذئابُ
يا واحةَ الحُبِ في القَيظِ وقِبلةَ المُتعبين
لمّا دَبَّ فيكِ الجَفافُ أَدبَرَ عَنكِ السحابُ
وعينكِ الزَرقاءُ بَحرٌ يَفيضُ رَغمَ قَيظِها
لِكلِ ظامِئٍ يَشتكي وحنانُكِ رُضابُ
يا مَلجَأ الرَحمةِ (( أنـّــو )) وَروضَةَ الحبِ اُمّي
يا(( أُمَّ فاضل)) كَم ناديتِ ولم يأتِكِ الجَوابُ
شَتَتَنا الدَهرُ لِيُضنيكِ وَحيدَةً
انتِ والذِكرى والهمومُ حُرِّمَ عليكِ البابُ
تبكين مَنْ ؟ والى متى ؟ وَكم عزيزٍ رَحلَ ؟
أفَلَتْ شَمسُ حياتِكِ وَلمْ تَظهَرِ الغيّابُ
كَدوحةٍ في حناياها رسومٌ لأَلفِ عُشٍّ
قد طالتها يَدُ الخَريفِ لِيَعُمّها الخَرابُ
ذاكَ العودُ الرَشيقُ ذَوى مِن فَرطِ الخطوبِ إنحنَى
والغُضونُ على المُحَيّا حكاياتٌ وَكتابُ
سَكَتَ النَبضُ في قلبكِ وكانَ كنزًا مِن الطيبِ
ومن الكنوزِ , أنفَسُها , قَد يواريها تُرابُ
وأفلاذُكِ يا اُمي مُقَطَّعونَ وآثروا التَشَرُدَ
ما تَركوكِ ثاكِلةً لَو لَم تترُكُهمْ الآدابُ
وَلَكَمْ بَكيتِ مِن بَعدِهمْ ! حَتى أذابكِ الشوقُ
فإستَسلمتِ لِمصيركِ وَزَمانُنا حَطابُ
وها أنا يا اُمي وَحدي يَفتَرُسني الخَبرُ
ليُرديني للمصائبِ , مُضرجاً , هذا المُصابُ
ماذا يَبقى لِلمرءِ إذا فَقَدَ كُلَ عَزيزٍ
وأدرَكتهُ الشَيخوخةُ وَوَدعهُ الشَبابُ
( زرْدِ ) يا مُعجزةَ الباري تَجسدَتْ بجلاءٍ
سمو الذكاءِ والحُسنِ , كُل ما فيكِ خَلابُ
فما الموتُ يَمحو مِثلكِ وَلكِ فينا اَثرٌ
وأمتدادٌ لِمواهبٍ خَصّكِ بها الوَهّابُ
أتَجفُ البحارُ الزرقُ وعيناكِ اُصولها ؟
أو تَندثرُ المَحاسِنُ وأنتِ المَرْجُ والغابُ ؟
أيَخفِتُ صوتكِ الشَجي مُلَقِنَ الحَمائِمَ
سِحرَ السَجَعِ والنَحيبِ ودموعكِ أنخابُ ؟
ستسألُ أشلاءُ ( بيسقين ), َوقد عَمّها الخَرابُ
عنك يا ( َزرْدِ ) كلَ يوم ٍلا ( صَلْم ِ) ولا أعنابُ (3)
كل الطيورِ تبكي على رحيلكِ بَعيدةً
مَرتَعُ صباكِ عَمّهُ الوجومُ والإكتِئابُ
وَيندُبُ شَحرورٌ معَ أوتارِ العودِ صباحًا
يُذكِرُني بِصوَتكِ فَيبكي لَهُ الربابُ
ومَرْرتُ في كلِ حيٍّ في ألقوشَ العَتيقةِ
مَهدِ أحلامكِ الأخصَبِ حيث الذكرى والأترابُ
وقَبَّلتُ بيتَ جَدي إذْ ذَكرتُ أيامكِ
فقلتُ يا دارُ أجيبيني هل فيكِ منها سرابُ ؟
أما كُنتِ يَومًا فَردوساً لأجملِ بَني الوَرى ؟
فابكي مَعي على الّذين ذَهبوا وما آبـــوا
ويا رُسوما كنتِ يوما مَنجمَ النفائِسِ
فقد أنجَبتِ طلاسماً تَزدهي بها الرِقابُ
أرنو بِعَينٍ دامعةٍ ضاقتْ عليها الرُحابُ
في هذه الأركان ِصَمتٌ ووَحشةٌ وَضبابُ
ما لنا غيرُ التَصَبُّرِ فَهو آسي وَدواءُ
لِجروح ٍ باتَتْ تَنزفُ لا يَستُرها حِجابُ
لا تبكِ يافِعا أجدَباً في مَظهَرهِ جَذّابُ
وله جوهرٌ أسودٌ لا يضاهيه غُرابُ
ولا تلتمسْ سُؤلَكَ مِنْ بَين أشداقِ الوحوشِ (4)
لِتُذَوَّبَ آمالكَ كما يَفعلُ اللّعابُ
اذا كنتَ تخشى المَنونَ وَتَتقيهِ هروباً (5)
في جنبِ ظِلالِكَ الموتُ يَنتَهزُ لا يَهابُ
كالنسرِ يَنقَضُّ بُغَتَةً يَخطفُ منا عزيزاً
يأتيكَ خبرٌ يَصعَقُ أو يُصيبُكَ إضطِرابُ
فما الحزنُ على احتراقِ رَملِ البيدِ بالرَمضاءِ
كالحزن ِعلى أُمِّ التَمرِ تُكَلِلُها أرطابُ
قد يصيبُ البعضَ دَهشٌ إفراطاً في عواطفي
فالحُرُّ يَمدَحُ مَن لَهم تَضحياتٌ وثوابُ
ومن لا يسبُرُ الأعماقَ لا يَدرُكَ سِرَّ اليَـمِّ
لا يخشى الحقيقةَ إلا مُنافقٌ ثَلاّبُ (6)
وقد تلومُ العواذلُ إن لَهَجْنا بِذكرِكِ
تبقى البدورُ عالياتٍ ومهما تَعوي الكلابُ
طالما تفتقرُ الحِسَّ فما أدراها إنني
لم يَعُدْ لي شيءٌ بَعدَكِ في الحياةِ يُستَطابُ
1ـ زَردِ : اسم الدلع في طفولة أمي ( أنــو جبو بندق قس ميخائيل يوحانا البازي ) وتكنى أم فاضل شقيقي الأكبر الشاعر الفنان فاضل بــولا .
2ـ الاخشاف : جمع خشف وهو ولد الغزال .
3ـ بيسقين : اسم جنينة ذات ينابيع عذبة تقع خلف جبل القوش بعد واد خاتونية تعود ملكيتها لبيت يوحانا وبيت دمّان وكان جدي لأمي جبو يوحانا هو الذي يقوم بزراعتها وتنظيمها وقد قضت أمي ( أنــو ) طفولتها في تلك الجنينة .
صلم : شجيرة وثمرة تنبت في بيسقين بكثرة بحجم الحمص ريّان وبألوان اصفر واحمر ويضرب المثل بعود الصلم لاستقامته .
4ـ سُؤلك : طلب حاجتك .
5ـ المنون : الموت .
6ـ ثلاب : من المثلبة وهو الذي يعيب على الناس .
26/07/2008
| الأرشيف |