آداب

 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

السبت 2/8/ 2008



الفيلسوف

جمال جاف

أسدل الليل أسماله ثائرة فائرة منذرة باغتضاض شنيع ، الريح تصفر بعناد صارم عند بوابة الفراغات ، عازفة أصوات غريبة توحي بالرموز لأجناس ما بعد البشرية ، تمشط المعالم بقوه ململمة أوراق الأشجار المصفرة والرمادية جاعلة منها أكواما متناثرة متحركة هنا و هناك .
أشجار عملاقة عارية تتمايل بعنف وسط ظلام كأشباح تصطدم ببعضها وتتشابك تتساقط أغصانها على الأرض تلمها الريح إلى حيث أعماق الغابة .
صفير و خشخشة مرعبة ، أصوات متداخلة وكان الكون على وشك نهاية مخيفه .
أصطبغ وجه السماء بلون رمادي لبرهة ثم السواد ، بعثر الغيوم بعجل ووجل ، كتلة كبيرة تفرش وتمتد في واحة السماء تقذف أشكالا هلامية متحركة تدمدم وتهمهم السماء أصبحت قبة عجيبة تزحف منها وتتطاير أليها خطوط لا أبالية متحركة كنافورة نار كبيرة .
اختفى القمر بعدما كان في حداد وجنون ، بلونه الأحمر القاني أو اندثر، لربهما أصبح نارا أو زيوتا وتبعثر أو انطلق من مكامنه إلى اعلى الأعالي حيث ما لا نهاية .
في عمق الغابة وبين ألأحراش كوخ صغير ، متهدل الأطراف غارق في الإهمال والقدم ، لفيلسوف طاعن في السن ، اتخذه صومعة منذ عقود ، منعزلا ممتلئ بالغضب على العالم ، باحثا عن الحقيقة ، يعيش بين الشك واليقين ، لا صاحب له لا خلان ، غير الكتب والمجلدات ينكب على القراءة والبحث والاستقصاء انكبابا جادا ، يتأمل في الطبيعة اشد التأمل .
شعر بان ارتياعا يداهمه ، لذا انزوى في أحدى أركان الكوخ المتراقص والمتأرجح مع الريح ، أصطدك الباب والنافذة الصغيرة مرات و مرات ، وأخذت الريح تلملم ما في أرضية الكوخ وتجمعها في زاوية المقابلة للباب ، كومات متناثرة أمام الفيلسوف ، واختفى نصف جسمه المقرفص في الزاوية ، مغمض العينين مفكرا بخروج الليل عن المألوف لم يكن يألف هذا الخوف من قبل ، مد يديه ليلامس وجهه المعفر بالتراب ماشطا سبال لحيته بقوه لينتزع منها ما علق بها ، فتح عينيه بمشقة بالغه فترجرج النور الضئيل حوله ، جال ببصره نحو الكوخ فإذا به عار من الكتب والمجلدات ، مسحته الرياح قاذفة إياه خارج الكوخ أو في الزوايا حيث التمزق والضياع .
تقرفص أكثر ماسكا رأسه ومال بقوه حاشرا نفسه في الزاوية اتخذها مكانا آمنا .
أحس بان العالم ينقلب انقلابا فظيعا ، إنها النهاية لابد منها .
لم يكن كم من الوقت لبث مقرفصا ، فجأة أخرست الرياح ، وساد الصمت والهدوء ، توقفت الباب والنافذة عن ألا صطداك والكوخ عن التأرجح ، انقشع الغبار وبان كل شيء واضحا جليا .
قام الفيلسوف متثاقلا يجر قدميه وراءه ، خطى خطوات متثاقلة نحو خارج الكوخ هدوء تام ، كان شيئا لم يحدث ، صمت تخيم في كل مكان ، رفع راسه مستغربا مندهشا ، جحظت عيناه ، بحلق بعمق نحو الغابة ، رفع رأسه إلى سماء فإذا بها صافية ساكنه إلا من ذرات تتراءى شيئا فشيئا . بعد برهة ظهرت اقباس من النور تتقاذف بقوه وذرات تغطى الأجواء ساقطة من السماء ماطرة على الأرض بألوان غريبة ما بعد الازرقاق .. واصفرار .. واحمرار .. و و.. تتوج لتملا الأجواء كلها..
رفع رأسه ثانية وباستغراب بالغ فاركا عينيه بأيادي مرتجفة ليتأكد ما يحدث حوله من المعجزات ، بلع ريقه أحس بمرارة في حلقه راجعا بخشوع إلى الوراء صوب الكوخ ، توسعت حدقتا عينيه مندهشا .
فجأة تغيرت المعالم أكثر فأكثر، ظهرت غيمة نورانية كبيره غطت السماء حتى الأفاق ، الذرات تمطر وتغطي العالم بأسره ، فإذا بالرب واقف بجلالة عظيمه فوق هذه ألغيمه النورانية ألمقدسه .
خلع الرب عباءته ونفضها بقوة ، ارتجت كل المعالم قاذفا اقباسا وأحزمة نورانيه وسارت الغيمة والرب إلى حيث أتى .
خر الفيلسوف ساجدا ، مرتجفا أمام الرب واضعا كلتا يديه على رأسه والعرق يتصبب منه ، ظل في مكانه هذا صاعقا حتى بزوغ فجر جديد .
انتهت العزلة والاعتكاف والتأمل ، حيث المساواة والعدل والجمال ، الحقيقة ووضع الأمور في نصابها ، والحياة المليئة بالرفاه الاجتماعي والخير .
رفع رأسه بأناة ورويه ، ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة ، فرك يديه شعورا بالرضى ، ودموعه تنهمر من عينيه ، حاضنا كتاب الله، غاسلا صفحاته بدموعه تاركا صومعته إلى الحياة الفاضلة .
وحينما وصل أطراف المدينة ، رأى طفلة عارية جائعة تجهش في البكاء ، تبحث بين القمامات عن كسرة خبز...!

 



 

free web counter