السبت 16 /9/ 2006
 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

كتاب الناس

 

 

 

القصف الكيمياوي لمقر الحزب الشيوعي العراقي

 بهدنان حزيران 1988 في ذاكرة النصير فيصل عبد السادة(أبو رضيه)

 

نجم خطاوي

اللحظات التي تحدثت خلالها النصيرة الشيوعية كاترين ميخائيل(سعاد) , وسط قاعة المحكمة , وجها لوجه مع الدكتاتور وأعوانه, أعادت لذاكرة الكثير من العراقيين ملامح تلك المأساة التي لم تندمل جراحها يوما . لقد كانت هذه اللحظات صعبة التصديق على الناس في يوم ما , لكنها تحققت وصدمت الناس اللذين لم تتح لهم الظروف فرصة التعرف على الحقائق والجرائم التي ارتكبت في ظل النظام المقبور . وبقدر صدمة حدث شهادة كاترين في أذهان الناس , أعادت أحاديثها صور تلك الساعات واللحظات القاسية , إلى ذاكرة العشرات من رفاقها اللذين شاركوها تلك المأساة , ولديهم بالتأكيد الكثير الكثير من الحجج والوقائع الدامغة التي توثق الحدث .

في كتابه(مذكرات نصير - مسيرة الجمال والنضال) , الصادر عن مطبعة الخير في بغداد عام 2004 , يوثق النصير فؤاد (أبو رضيه) , لعشرات الوقائع والأحداث التي عاشها وحفرت في ذاكرته , عبر الفترة التي عاشها نصيرا في قاطع بهدنان للحزب الشيوعي العراقي .

ولعل الجزء 43 من الفصل الرابع من هذا الكتاب , والذي خصصه فؤاد للحديث عن واحدة من الجرائم التي ارتكبت بحق الشيوعيين , وعنونه تحت اسم (قصفنا بالسلاح الكيمياوي) , لعله يرقى إلى مستوى الوثيقة والشهادة , لصدقه , ولمعايشة الكاتب الحية للحدث , ولوصفه الدقيق للوقائع , حتى يفلح في توثيق الحقائق ونقلها , ومن ثم تقريبها لذهن القراء من الناس اللذين لم يشهدوا الحدث .

يبتدأ الكاتب حديثه موثقا لزمن الحدث

( في الساعة السابعة وعشر دقائق , في يوم الخامس من حزيران من عام 1987 , أي في ذكرى النكبة ) .

ومباشرة بعد توثيقه لزمن الحدث , نراه يوثق للحدث والجرم

( حامت طائرتان بشكل سريع لم يتعد وقتها دقائق معدودات , قصفت مقراتنا في زيوه وبكل قوة ) .

ومن أجل توضيح الواقعة وتوثيقها ينتقل للحديث عن الأماكن التي أصابتها قنابل الطائرات

( شمل القصف فصيل المكتب السياسي ومقر سريتنا سرية القاطع في وسط البنايات والقاعات ) .

هذا التوثيق ليس من بنات خيال فؤاد , بل من الذاكرة التي يشاركه فيها المئات من رفاقه , وكانوا ضحايا وشهودا لتلك الجريمة .

ولم يتحدث فؤاد في كتابه كثيرا في وصف لحظات القصف . إذ ربما لم تخطر في باله وهو يكتب مذكراته , أهمية توثيق تلك اللحظات . لكنه على كل حال قد قدم لنا وصفا دقيقا , رغم قصره

( خلفت عملية القصف دخانا كثيفا غطى المنطقة والوادي بالذات) .

وهذه الصورة فيها الكثير من الدلالات , فالأنصار في تلك الأيام كانوا شهودا لحالات كثيرة من قصف طائرات ومدفعية الجيش العراقي لمقراتهم ولمواقعهم , دون أن يرافق الدخان سقوط القذائف . وقد شخص بعض الأنصار في تلك اللحظات الحرجة في موقع زيوه , أن الدخان علامة على أن القصف هذه المرة يختلف عن السابق .

وفي النص نتعرف أيضا على عدد الأنصار في ذلك الوادي زيوه , يوم وقوع الجريمة , والذي تجاوز المائة نصير .

ولعل من المفارقات المضحكة أن يسأل المتهم علي حسن المجيد , الشاهدة النصيرة كاترين ميخائيل , يسألها كيف عرفت بأن الطائرات كانت عراقية !!! ورغم أن كاترين قد أجابت لحظتها حسب معرفتها ومشاهداتها وكانت صادقة وبريئة , إلا أن قراءة بسيطة لكتاب فيصل عبد السادة تدلنا على أن الخطة كانت مبيتة , وقد استعان النظام يومها بالمعلومات التي كانت تصله من جواسيسه

( من المؤكد أن إخبارية قد وصلت بهذا الخصوص من العملاء إلى السلطة ) .

ثم يضيف لنا دليلا أخرا

( عندما تم ضربنا كرم الطيارون اللذين اشتركوا في الضربة بما يسمى بأنواط الشجاعة من الدرجة الأولى التي منحت لهم بمرسوم جمهوري لقيامهم بضرب العصاة على حد تعبير النظام . وهذا يعني أن النظام كان على علم مسبق بهذا التجمع من الرفاق ) .

ثم يعرج النصير فؤاد على الجزء الأكثر مأساوية في وصفه للفاجعة , حين تعود به المخيلة للحشد الكبير من رفاقه وهم يصعدون الجبل صباحا بعد ليلة تراجيدية من الآلام والمعاناة , و بعد أن عمت العيون ونزفت الأجساد وكثرت الحروق .

يقول فؤاد :

(أصيب الرفيق أبو فؤاد اليزيدي وكان جالسا إلى جانب رفيقه رزكار ) .

كان الكاتب (أبو رضيه) قد توجه وبعض رفاقه صعودا نحو موقع الإسناد في القمة بعد القصف , وكان الظن بأن القصف قد خلف بعض الرفاق الجرحى , ولم تدر في مخيلتهم انهم قصفوا بغاز الخردل . وهناك في موقع الإسناد وصلتهم برقية في الفجر , عبر جهاز اللاسلكي , من رفاقهم في الوادي , تخبرهم أن ضيوفا في طريقهم إليهم .

ويستطرد النصير فؤاد في السرد :

( لم نكن نعرف من هم أولئك الضيوف . . و لكن تبين انهم كانوا رفاقنا بعد أصابتهم بغاز الخردل الذي أصاب أكثرهم بالعمى وبحروق في المناطق الحساسة من الجسم , منها العيون والحنجرة . الجموع الكبيرة كانت تصعد متجهة نحونا . إنها المأساة بعينها . ناس تقود ناس كما يقولون ,بعضهم جلس في متصف الطريق بسبب التعب ) .

ويفصل النصير فؤاد لتلك الساعات والأيام , ولتلك الجهود التي بذلها الأنصار القلائل اللذين لم يصبهم غاز الخردل , بسبب تواجدهم في مقر الإسناد أعلى الجبل . حيث بذلوا جهودا طيبة وكبيرة في إنقاذ رفاقهم المصابين :

( سارع الرفاق الأقل إصابة بجلب اللبن والحليب وتقديمه للمصابين اللذين افترشوا الأرض أو تمددوا وهم في حالة يرثى لها , بل كان الكثير منهم في وضع مزر للغاية . كانت إصابات بعضهم خطيرة , خاصة الرفاق أبو رزكار,أبو الطيب,أبو أيار , اللذين نقلوا إلى المستشفى . ثم علمنا أن الرفيق أبو فؤاد قد استشهد بسبب إصابته ... استشهد نتيجة الضربة المباشرة من الصاروخ ونتيجة استنشاقه الغاز ) .

كان فؤاد يعلم تماما أن نواقص كثيرة سترافق كتابه , خصوصا في قضية اللغة والتعبير وغيرها , رغم الجهد الكبير الذي بذله . لكن دعونا نقول الحقيقة ونعترف لفؤاد بفضيلته في نقل بعض من صور ووقائع تلك الأيام التي خضبت بالدم والعرق والآلام . ويبقى كتابه ( مذكرات نصير - مسيرة الجمال والنضال ) الذي سيصدر للمرة الثانية بعد أيام , يبقى وثيقة لا غنى عنها , تدعم وتسند أقوال رفيقته في الحركة الأنصارية كاترين ميخائيل ( سعاد ) التي وقفت شاهدة ومتحدية لتقول الحقيقة في وجه المجرمين العتد .

المجد والخلود للشهيد أبو رزكار , الشيوعي الباسل . والعار العار لقاتلي شعبهم بأسلحة الموت المحرمة .

المجد كل المجد للشهيد أبو فؤاد , ولكل شهداء درب الحرية والعدالة .