كتاب الناس
أسئلة منهجية في كتاب رضا الظاهر :
موضوعات نقدية في الماركسية والثقافية
كمال فهمي
عن دار الرواد للنشر صدر للكاتب رضا الظاهر، مؤخراً، كتاب جديد تحت عنوان (موضوعات نقدية في الماركسية والثقافة). وموضوعات هذا الكتاب، الذي نشرت مقتطفات ضافية منه في 20 حلقة في صحيفة "طريق الشعب" خلال الفترة من تشرين الثاني 2004 حتى نيسان 2005، هي، حسب ما أورده المؤلف في مقدمته الهامة، "ليست مسلمات يمكن تنظيرها، إنما هي إعادة قراءة، بل هي رهان مفتوح، وستظل بحاجة الى مراجعة وإعادة نظر، حتى تستطيع أن تواكب الجديد في الحياة، وإلا تحولت الى عقيدة جامدة ويقين نهائي يشل حركة الفكر".
ومما يضفي أهمية استثنائية على نشر هذا البحث في الوقت الحالي هو تصدي الكاتب لقضايا في الماركسية التي يعتقد البعض أن زمانها ولّى، وأنها لم تعد "عصرية"، وهو تحدٍ يحسب لهذا الكتاب الذي ربما بدا صغيراً في حجمه، لكنه كبير في موضوعاته ومنهجية بحثه وعمق رسالته ودلالاته.
وفي المقدمة يحاول رضا الظاهر الاجابة على سؤال: لماذا الماركسية والثقافة ؟ فيقول "لأن الموضوع، بايجاز، إشكالي وقائم في الواقع. ويتطلب بحثه أن نطور أدواتنا النقدية باستمرار حتى نكون قادرين، حقاً، على طرح الأسئلة بصورة صحيحة في إطار المنهجية الماركسية".
ولكن لماذا الماركسية ؟ الجواب البسيط، حسب المؤلف، هو أن "عمر الرأسمالية يبدو مطلقاً أكثر من أي وقت مضى، وأن الماركسية ما تزال أفضل أداة لتحليل ونقد الرأسمالية شريطة أن لا نحيلها الى كتاب مقدس".
ويلفت الكاتب الأنظار الى مزاعم من يقولون إن ماركس مات بالتأكيد، موضحاً أن هذا الاستنتاج ليس جديداً. فقد جاء على لسن الايطالي كروتشه منذ عام 1907، وبالتالي فان عمره يقترب من قرن. ويضيف إن "هذا يذكّرنا بأن حفّاري قبر ماركس، الفلاسفة الجدد من أمثال فوكوياما، لديهم الكثير من الأسلاف، وسيكون لديهم الكثير من الأحفاد". ولا يجدر بالمرء، حسب ما يؤكد الظاهر عن حق، أن يبدد الكثير من الوقت ليدحض مواعظهم الجنائزية التي تبشر بأن أفكار ماركس لم تعد حية لأن الصين تتجه نحو الرأسمالية أو لأن جدار برلين سقط.
غير أنه من الهام هنا أن يميز المرء بين الماركسية التي نسعى الى إحيائها وتطويرها، و"الماركسية" التي لا نشعر بالندم على موتها ودفنها. ونعني بذلك الكتاب "السوفييتي" المقدس" الذي يحتوي على المقتبسات المناسبة لكل حين، والتي يقدمها الوعّاظ الرسميون للنظرية الذين تحولوا، على نحو ملائم، الى الكتاب المقدس الرأسمالي.
وفي هذا الكتاب نجد سعياً الى إضاءة الأسس المنهجية للماركسية الأصيلة، القابلة، في جوهرها، للتطور ومواكبة الحياة. وبموازاة ذلك نجد نقداً للماركسية التقليدية. ويأتي هذا المسعى في إطار مشروع يشتغل رضا الظاهر، في الوقت الحالي، على إنجازه ويأمل أن يكون "مساهمة في إعادة قراءة ماركس".
ويلقي الكاتب أضواء على قضايا أساسية أخرى، فيشير الى أنه منذ زمن بعيد تدور جدالات حول جماليات الابداع الأدبي والفني وعلاقة ذلك بحركة المجتمع وتحولاته. ويؤكد على أهمية عملية إعادة القراءة، التي يتعين أن تأخذ بالحسبان حقيقة أنه إذا كان سؤال المعرفة الفنية واحداً فالجواب متعدد، وهو يتبدل ارتباطاً بتبدل المعطيات المتغيرة دوماً.
والحق أن الجدل الحاد بين وجهات النظر المتباينة والمتعارضة لم يتوقف. ومن الطبيعي القول إن تطور الأدب والفن يظهر نفسه بطريقة أكثر تعقيداً مما قد يبدو لأولئك الشغوفين باطلاق الأحكام السريعة والاستنتاجات القاطعة".
ويرى الكاتب أنه في حركة سجالنا مع الآخرين علينا، كماركسيين، أن ندخل في جدل متطلب مع أنفسنا أيضاً، مع مفاهيمنا و"قناعاتنا"، وأن نمارس سجالاً نقدياً مع صياغات وتحولات النظرية.
وفي إطار الرؤية المنهجية يقول إنه لاريب أن ماركس لا يؤخذ جملة، وهو ما كان ليريد ذلك. فأعماله ليست كتاباً مقدساً، وانما نص يحتفظ بأهمية كبيرة، ويستخدم بشكل نقدي في ضوء التطورات العلمية والاجتماعية لعصرنا، لأن ماركس هو أول من سلط الضوء على القوى والآليات التي لم يلمحها البشر من قبل إلا على نحو غامض.
ولم تكن لدى ماركس أية أوهام حول عملية الانتقال الى الاشتراكية. وقد كرس قدراً كبيراً من طاقته السجالية لتسفيه آراء أقرانه الاشتراكيين الذين تخيلوا أن الانتقال الى الاشتراكية سيكون قصيراً ويسيراً. والواقع إن تحليله الاجتماعي ينزع الى تبيان أنه ما من شيء أكثر حماقة من السعي الى خلق مجتمع اشتراكي بقرار إرادة سياسية.
وبسبب الاعتقاد بأن السياسة، لا الأسس المادية الاجتماعية، هي التي تغير الواقع، تمزقت بنية الأمل السياسي المعاصر الى حد أن الماركسي الحقيقي يجد نفسه أمام مهمة تشييع هذا الأمل الخادع المضلِّل الى مثواه، والعودة، ثانية، من مملكة الوهم الى مملكة الواقع.
ويضم كتاب (موضوعات نقدية في الماركسية والثقافة)، فضلا عن المقدمة الضافية، خمسة فصول هي: (ما هي الثقافة ؟ من هو المثقف ؟)، و(المثقف والسلطة)، و(قضايا الصراع بين الثقافي والسياسي)، و(الثقافة والديمقراطية)، و(السياسة الثقافية). وفي هذه الفصول يطرح الكاتب موضوعات أساسية وقضايا مثيرة للجدل في الماركسية والثقافة.
وفي فصل (السياسة الثقافية) يسعى المؤلف الى إضاءة العلاقة بين الثقافي والسياسي والالتباسات التي ميزت هذه العلاقة، مشيراً الى عجز الحركة السياسية التقليدية عن عكس التغيرات الاجتماعية العميقة ونتائجها الفكرية في سياساتها الثقافية، إذ بقيت متشبثة بالنظرة الضيقة التبسيطية للابداع، ومستلقية على أرائك المرجعيات السياسية والآيديولوجية.
ويرى البعض أن كثيراً من المصائب تبدأ عندما يبدأ السياسي بإلقاء مواعظ حول ما ينبغي النظر اليه وبحثه، وما ينبغي الوصول اليه من استنتاجات، أو، على العكس، عندما يحاول المثقف أن يقف فوق السياسي وبكبرياء يستخف بـ "الجاهل" الذي قرر تحديد مصائر العالم. ويشيرون الى أن المصيبة تبدأ من "هوس العظمة" سواء لدى المثقف أو لدى السياسي.
ويقول الكاتب إن السياسة والثقافة شكلان متفردان في العملية الروحية الانسانية، كل منهما حقل خاص لممارسة متميزة، لها استقلالها النسبي، وأدواتها ومعاييرها الخاصة، ونمط وجودها الخاص ودورها في المجتمع. وهما شكلان متفاعلان ومتداخلان. فكيف تتجلى في هذا التفاعل والتداخل الثقافة كسياسة والسياسة كثقافة ؟ أي كيف يتجلى جدل الثقافة والسياسة ؟
يرى الكاتب أن تحقيق العلاقة الصحيحة بين الثقافة والسياسة يتطلب، أولاً وقبل كل شيء، نقد جميع التصورات المبتذلة لهذه العلاقة، لأن تحديد معنى هذه العلاقة هو الشرط الأساسي لانتاج علاقة صحيحة بين الثقافة والسياسة.
ويقول إنه اذا كنا نسمي العمل بين المثقفين سياسة ثقافية فان هذا العمل لن يحقق نتائجه إلا إذا تعامل مع المثقفين بأدوات ثقافية. وفي هذا السياق فان ارتباط السياسة الثقافية للحزب بسياسته العامة لا معنى له إلا بالاعتراف بخصوصية العمل الثقافي، وخصوصية المثقفين الاجتماعية والسايكولوجية.
إن السياسة الثقافية للحزب ليست تاكتيكاً لجذب المثقفين إليه للتدليل على مدى نجاحه وسعة تأثيره، وإنما هي فعل ثقافي يؤسس لثقافة جديدة تغتني وتتجدد على الدوام.
ويختتم فصل (السياسة الثقافية) بالقول إنه "هكذا نقترب من المخرج لاشكالية الثقافي ـ السياسي، عبر تحرير ودمقرطة وأنسنة الثقافة والسياسة معاً. وهكذا ندعو المثقف الى السياسة وندعو السياسي الى أن يكون داهية، على نحو استثنائي، لكي يستطيع أن يحس بشخصية المبدع، ويفكر، مثله، بلغة الصور والتداعيات، فيكون مبدعاً في تفكيره وممارسته. وحيثما يحدث هذا يصبح الانسجام بين السياسي والثقافي ممكناً".
ومؤلف الكتاب رضا الظاهر من النقاد المهتمين، من بين قضايا إشكالية أخرى، بموضوع علاقة المرأة بالابداع، وهو مشروع بدأ البحث فيه وأصدر في إطاره كتابه الموسوم (غرفة فرجينيا وولف ـ دراسة في كتابة النساء) عن دار المدى للثقافة والنشر عام 2001، وكتاب (الأمير المطرود) عن الدار نفسها عام 2002، وفيه يدرس شخصية المرأة في روايات أميركية، ويعد لاصدار كتاب آخر يدرس فيه شخصية المرأة في روايات بريطانية.
ولدى الكاتب مساهمات أخرى في قضايا جماليات الأدب والفن. وقد نشر العديد من الدراسات والأبحاث في هذا المجال، فضلاً عن إصدار عدد من الكتب المترجمة التي تبحث في قضايا النظرية الأدبية والنقدية.طريق الشعب 171 - 23 /5/ 2006