كتاب الناس
عمارة يعقوبيان
عبدالوهاب بدرخان
كانت المنافسة شديدة في ذلك المساء، بين مصر الواقع ومصر الرواية، فالأولى تمثلت بمسؤولين كبار ووزراء وشخصيات شتى، والثانية كانت «عمارة يعقوبيان» رواية علاء الأسواني التي أصبحت الآن شريطاً يريد أن يحقق نقلة نوعية في سينما مصرية تعاني منذ سنوات هبوطاً شاملاً. أما المنافسة فهي على التماهي الحتمي بين الاثنين، مع تمايز واضح للفيلم بأنه أفضل بكثير من الواقع، وان كان يصوره بل يستند إليه.
أهمية الرواية - الفيلم أنها تجمع على الشاشة ما يفرقه الواقع، لتشكل مشهداً غنياً بالوجوه التي تنتمي جميعاً الى مكان وزمان لكنها لا تعيشهما بالطريقة نفسها. فمن خلال سكان هذه «العمارة» يمكن رؤية الناس «اللي فوق» و «اللي تحت» في مغامراتهم وتقلباتهم، ويمكن اختراق كواليس السياسة والقضاء والأمن، والتعرف الى الباشوات والدعاة والمتطرفين، بل يمكن دخول آليات الفساد وأوكار التعذيب، وأخيراً مخادع مثليي الجنس.
المعادلة التي جاءت برواية لافتة وتقنية حديثة وميزانية وافية ومجموعة من النجوم لا بد أن تعطي انتاجاً محترماً. سيقول النقاد والاختصاصيون مآخذهم على العمل، لكن المحاولة التي بذلت حققت الغاية المتوخاة. لو لم يكن هناك فريق متكامل يقوم كل فرد فيه بعمله لما أمكن الخروج بهذا العمل الناجح. شيء من هذا القبيل تحتاج اليه مصر الواقع التي يبدو أنها لا تفلح دائماً في توفير كل العناصر الضرورية للمعادلة الفاعلة.
عدا النوستالجيا التي تعبق بها شخصية «الباشا» عادل إمام، هناك خصوصاً النقد الحاسم لعملية تراجع وانهيار مستمرين بسلاسة وإصرار، كأن هذا «الباشا» لا يزال يمثل قيماً لم يعد لها ملجأ سوى الذاكرة، فهو على رغم عشقه لباريس التي عرفها وأقام فيها كان يحب العودة دائماً الى القاهرة «لأن البلد دي كانت أحسن من باريس»، يقول «كانت» أي أنها لم تعد كذلك. لماذا؟ الجواب في كل صفحة من الرواية، وكل مشهد من الفيلم. كان هذا «الباشا» مهندساً لكنه لم يعد يمارس مهنته «لأن البلد مش عايزة مهندسين، دي عايزة صيّع ولصوص»...
عدا العصامية التي رفعت ماسح الأحذية الى مرتبة التاجر الكبير ثم النائب المنتخب، هناك ايضاً التشريح الدقيق لـ «سيستم» الفساد. وعدا مناخ التسامح الذي أتاح للشاذ جنسياً بأن يعيش حياته كما يشاء، هناك أيضاً رياح التطرف الديني التي حملت معها تطرفاً مضاداً من مؤسسة الأمن، وهناك خصوصاً الفقر وقساوة الحياة والذل والإهانة التي تبعثر آمال البسطاء وترسخهم في معاناتهم التي بلا نهاية ولا أفق.
كما الرواية كما الفيلم، ثمة جرأة أقدم عليها الجميع، جرأة تستحق أن تخرج من الشاشة الى الواقع. لا شك ان الرواية تريد أن تبوح في النهاية برغبة عارمة في التغيير لكنها لا تستطيعه، أما الواقع فلا شك أنه يستطيع، على رغم كل شيء. بديهي أن الاحداث المتلاحقة منذ ربيع 2005 شهدت تأرجحاً دراماتيكياً بين الآمال والخيبات، لكنها انتهت الآن الى مناخ احباط ثقيل يفوق ذلك الذي يسود احداث «عمارة يعقوبيان». وأسوأ الاحباطات ذلك الذي لا يشي ببارقة أمل.
هناك تساؤل انزلق من لسان أحد: لماذا يُضرب القضاة والصحافيون وقد كانوا أهم المناصرين للدولة في حملاتها ضد التطرف والارهاب؟ وبذلك يبدو الواقع كما ينبغي أن يكون، أي أقسى من أي رواية أو شريط. انها الأزمة، وليست أزمة السينما وحدها، التي لا تهتدي الى بداية انفراج أو اصلاح أو حتى مجرد علاج مسكّن. وإذ تبلغ الأزمة حد عدم التفاهم مع القضاة فإنها تغرز سكيناً في العظم، فلا هؤلاء القضاة انقلابيون وانما هم الحماة الحقيقيون للنظام، ولا هؤلاء طامحون للحلول مكان الساسة وانما هم الأمل الأخير لمكافحة الفساد.
الفيلم محاولة جريئة، ففي تصوير الواقع دعوة الى تغييره. ولا شك أن عماد الدين أديب كسب رهانات كثيرة على أكثر من جبهة، فهو عراب الورشة التي انتجت «عمارة يعقوبيان» بكل ما فيها من وجع رأس ومن نجاحات.الحياة - 23 /6/ 2006