| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

هذا الكتاب

 

 


 

 

خرافات الحشاشين وأساطير الاسماعيلية .. شيخ الجبل وجنته

 

 احمد الحلي  ( المدى )

منذ فترة دأبت (دار المدى للثقافة والنشر) في دمشق على رفد المكتبة العربية والقارئ العربي بإصدارات قيمة ورائدة وجريئة في مختلف المجالات الفكرية والأدبية والفنية، ومن بين هذه الإصدارات التي وقعت بين أيدينا مؤخراً كتاب (خرافات الحشاشين وأساطير الإسماعيلية) لمؤلفه الباحث د. فرهاد دفتري الصادر عام 1996 بترجمة سيف الدين القصير، والذي هو كما تشير ديباجته، دراسة في اصول الخرافات (بحسب راي المؤلف) وتاريخ وضعها وتطورها منذ العصور الوسطى حتى القرن التاسع عشر.

والكتاب يتيح لنا ان نستنتج ان فصوله بمجملها يمكن ان تشكل محاولة جادة وحثيثة لإعادة الاعتبار لصورة الحشاشين والإسماعيليين على حد سواء والهجمات الشرسة والقاسية التي تعرضت لها هاتان الفرقتان الاسلاميتان على أيدي خصومهما الكثر من إسلاميين وأوربيين صليبيين ومستشرقين سواء بسواء.
وتقوم دراسة فرهاد دفتري، في ضوء الصورة المختلفة جداً لتاريخ الاسماعيليين التي ظهرت حديثاً، بتتبع اصول خرافات الحشاشين من العصر الوسيط واستكشاف الاطار التاريخي الذي ضمنها ثم وضعها وتاليفها وتناقلها، عبر الاجيال، كما تسعى الى معرفة اسباب استمرارها تلك الفترة الطويلة من الزمن، والطريقة التي تركت من خلالها ذلك الاثر العميق في التبحر الاوربي حتى عهود قريبة، ثم يقول، وهذه الدراسة ذات فائدة كبيرة لكل اولئك المهتمين بالدراسات الاسماعيلية، وتاريخ الاسلام عموماً بالاضافة الى تاريخ اوروبا في العصر الوسيط، وكذلك تاريخ العمل الفدائي.
يتضمن الكتاب، بالاضافة الى مقدمة المترجم المقتضبة مقدمة طويلة للمؤلف عرض فيها سرداً تاريخياً موجزاً عن ابتداء نشأة ما تمت تسميته فيما بعد بـ (دولة الحشاشين) ويورد الحكاية التي جاءت في مقدمة ادوارد فيتزجيرالد الذي ترجم الى الانكليزية رباعيات عمر الخيام وفيها نقرأ، ارتبط الشاعر الفلكي الفارسي عمر الخيام بالوزير السلجوقي نظام الملك حسن الصباح، مؤسس ما يسمى بـ(فرقة الحشاشين) وكان ابطال هذه الحكاية الفرس المشهورين، وفقاً لهذا الزعم زملاء دراسة في صباهم، على يدي المعلم ذاته في نيسابور، وقد تعاهدوا فيما بينهم على ان يقوم من يحقق نجاحاً منهم في هذه الدنيا بمساعدة الاثنين الاخرين، وكان نظام الملك اول من حصل على رتبة وسلطة، عندما اصبح وزيراً للسلطان السجلوقي، وقد وفى بعهده بان منح عمر الخيام راتباً منتظماً وأعطى حسناً منصباً رفيعاً في الحكومة السلجوقية، غير ان حسناً لم يلبث ان اصبح منافساً لنظام الملك، الذي نجح بالنتيجة، عن طريق الخدعة، في تعرية حسن وفضحه امام السلطان، واقسم حسن على الانتقام وغادر الى مصر حيث تعلم أسرار المعتقد الإسماعيلي ثم عاد الى فارس فيما بعد ليؤسس فرقة أرهبت السلاجقة باغتيالاتها، وأصبح نظام اول ضحية للاغتيالات التي اشرف عليها حسن الصباح ليعقب على ذلك بقوله: تلك هي اذن احدى الخرافات الشرقية التي ارتبطت بالإسماعيليين النزاريين الذين عرفوا لاوربا العصر الوسيط باسم (الحشاشين) ويتطرق المؤلف الى التسمية، فنراه يقول: (وكما سيكتشف لاحقاً، فان نعوتاً من حشيشية او حشيشيين "مفردها حشيشي") التي يفترض انها تعني متعاطي الحشيش، وكانت قد أطلقت اصلاً كمصطلحات للقذف بحق الإسماعيليين النزاريين من قبل أعدائهم من المسلمين، وقد انحصر استعمالها بمرور الوقت لتصبح نعتاً للفدائيين النزاريين الذين بدا سلوكهم خارقاً بالنسبة للغربيين، لكن وعلى الرغم من وجود مثل مصطلحات القذف تلك، وما اتصل بها من أساطير العصر الوسيط التي وضعها مراقبون وكتاب جاهلون، فانه ليس هناك من دليل يوحي بان الحشيش او أي عقار مخدر اخر قد استعمل في تحريض الفدائيين في تأهيلهم لتنفيذ مهماتهم الخطرة، بل على العكس من ذلك، فقد كان الفدائيون، الذين اظهروا مشاعر جماعاتية مكثفة وأحساساً بالوفاء وتكريس الذات في كل من فارس وسوريا، افراداً على درجة عالية من الفطنة ورجاحة العقل، حيث غالباً ما كان عليهم الانتظار لفترات مديدة بصبر واناة لتحين الفرصة المناسبة لتنفيذ مهماتهم، ان الادلة المتوفرة تشير، في حقيقة الامر، الى ان الفدائيين النزاريين كانوا شباناً مخلصين تطوعوا بصفة شخصية للتضحية بأرواحهم من باب الايمان والاعتقاد، في سبيل قضية دينهم وجماعتهم .
وفي الفصل الرابع المعنون (اصول الخرافات وتكوينها المبكر) يتعرض الكاتب الى اصل تسمية (حشيشية) التي اطلقت على الفرع الإسماعيلي المنشق والمسمى بـ(النزاريين) وهم الذين ظلوا على ولائهم لابي منصور نزار الذي نص الخليفة الفاطمي المستنصر على ان يكون خليفته، ولكن وزيره (الافضل)حرفها عنه لصالح اخيه الاصغر الذي سمي فيما بعد بـ(المستعلي بالله) فما كان من نزار المخلوع هذا الا ان غادر القاهرة مسرعاً الى الاسكندرية، حيث تلقى دعماً محلياً قوياً واعلن الثورة، غير ان ثورته سحقت سنة 1095 م بعد ان حقق بعض النجاحات الاولية، والقي القبض على نزار، واقتيد الى القاهرة ليواجه حكماً بالاعدام اصدره اخوه المستعلي.
يورد المؤلف ان أقدم تطبيق كتابي لمصطلح (حشيشية) على النزاريين، هو الذي يمثل اول حادثة معروفة عن استخدامه في المصادر الاسلامية، نجده في الرسالة التي يصفها المؤلف بانها (المرائية على درجة عالية ضد النزاريين) الصادرة قرابة عام 1123 عن ديوان الانشاء الفاطمي في القاهرة باسم الخليفة الآمر، الامام الذي كان الاسماعيليون المستعليون (نسبة الى المستعلي) يعترفون به آنذاك، وهذه الرسالة هي لنقض مزاعم نزار، عم الآمر في امامة الاسماعيليين، وتؤكد على شرعية خط الائمة المستعليين.
ويتطرق الكتاب الى ما ذكره ابو الفداء في تاريخه وبهاء الدين في (حياة صلاح الدين) من ان بعض الإسماعيليين حاولوا اغتيال هذا الامير سنة 571 هـ بينما كان يحاصر قلعة اعزاز، وكانت تلك هي المحاولة الثانية التي يقومون بها، حيث يرد: "وفي العام 571 .. تقدم السلطان صلاح الدين نحو اعزاز والقى الحصار على المكان في الثالث من ذي القعدة، واستولى في الحادي عشر من ذي الحجة، وبينما كان يحاصر تلك البلدة، وثب عليه احد الاسماعيلية وضربه بخنجر في رأسه وجرحه، وامسك صلاح الدين بالاسماعيلي الذي استمر بهجومه عليه من دون ان يتمكن من طعنه، وقتل وهو على هذه الحال، ثم وثب اخر على السلطان وقتل ايضاً، ثم واجه ثالث المصير نفسه ودخل السلطان خيمته مذعوراً وامر بتفتيش قواته وتسريح كل الناس الذين لم يكن يعرفهم".
كما تمت الاشارة الى النزاريين السوريين بـ(الحشيشية) مرة اخرى في اقدم كتاب سلجوقي معروف للاخبار، كتبه سنة 1183 عماد الدين محمد الاصفهاني.
ويحاول الكاتب جاهداً تفنيد او على الاقل التخفيف من حدة الاتهامات والحجج التي وصلت الينا عبر كم هائل من المأثورات والمروريات القديمة والحديثة المتعلقة بالاسماعيليين والحشاشين والفظائع التي كانوا يرتكبونها بحق مناوئيهم، فنراه يقول في الصفحة 157: وكان هدف تلك المصادر جميعها اظهار الطرائق البارعة المستخدمة من قبل شيخ الجبل، الذي مزج عملية التلقين العقائدية ببراعة مع خدعة سيكولوجية تقوم على الوعد بالجنة، لتكييف وضبط السلوك الانضباطي للفدائيين، لكن جميع المصادر الأوربية الاخرى من العقود المتأخرة تنص مع اختلافات طفيفة ان شيخ الجبل كان يجند فدائييه المستقبليين في سن مبكرة، او حتى في سن الطفولة، مستخدماً القوة في بعض الاحيان لفصلهم عن والديهم، ثم يوكل امر تدريبهم الى معلمين خاصين في بيته الخاص او في قصره، او في امكنة معزولة خاصة، وانه كان خدعهم بوعدهم بمسرات الجنة ولذاتها وإنهم بموتهم سوف يختصرون الطريق اليها.
ويورد المؤلف كذلك آراء وشهادات عدد من المستشرقين والرحالة الأوربيين ومن بين هؤلاء الرحالة الايطالي ماركوبولو (1254- 1324) الذي يعد الأكثر شهرة من بين جميع الرحالة الاوربيين في العصور الوسطى، حيث تسنى له ان يقوم برحلته الى الصين بصحبة والده وعمه، اللذين سبق لهما ان قاما بزيارة سابقة للصين عام 1260 وامضيا فيها ما يقرب مدة سبع سنوات، وقد غادر فريق بولو البندقية في صيف 1271، وفي 1273، كان الرحالة البنادقة الثلاثة يجتازون بلاد فارس عبر كرمان وخراسان،أي بعد قرابة 17 سنة على انهيار الدولة النزارية هناك، ووصلوا في نهاية المطاف البلاط الصيفي لقبلاي خان على الفور، حيث قدم خدماته بمؤهلاته المتنوعة الى الخان العظيم خلال فترة اقامته التي بلغت 17 سنة في الصين، ومع تكليفه بآخر مهمة له وهي اصطحاب أميرة منغولية الى بلاط الايلخانيين في فارس، ثم بدأوا رحلة عودتهم الى بلادهم، ووصلوا البندقية بعد ذلك بثلاث سنوات، أي سنة 1295، بعد غياب دام قرابة 25 سنة.
ومن الامور الملاحظة في هذا الكتاب القيم، بحثه واستقصاؤه لتطور مفردة (الحشاشين) التي تم تداولها عبر المرويات الاوربية وفق الصيغة التالية
assassin حيث بقي الامر متلبساً وغائماً على الجميع حتى جاء المستشرق الفرنسي سيلفستر دوساسي (1758- 1838) ليصل في النهاية الى حل لغز اسم حشاش، ففي دراسة ترجمت الى الانكليزية لاول مرة والحقت بالكتاب موضوع القراءة، برهن دوساسي، مرة والى الابد، ان كلمة (حشاش) الاوربية او assassin كانت قد ارتبطت بكلمة (حشاشون) العربية.