| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

هذا الكتاب

 

 


 

 

القافز فوق الجدار  -  تأليف :بيتر شنايدر

 

ضمن إصداراتها الأخيرة نشرت دار بنغوين، لندن، طبعة مترجمة من رواية »القافز فوق الجدار« للروائي الألماني »بيتر شنايدر«. أفرج عن النسخة الألمانية من رواية شنايدر في سنة 1984. في حين ظهرت ترجمتها الإنجليزية عام 1983 للمترجم لي هافري ثم أعيد نشر هذه الترجمة عام 1998، مطبعة شيكاغو. ومن وجهة نظر الكثيرين فإن ما يميز النسخة الجديدة من ترجمة رواية، »القافز فوق الجدار«، هو مقدمتها التي أضيفت بقلم الروائي الإنجليزي »إيان ماكوين«.
في رواية القافز على الجدار يبدو بيتر شنايدر كمن يتساءل إذا انتهت عزلة الجدار فهل ستنتهي العزلة النفسية بالنسبة للألمانيين ؟ من وجهة النظر النقدية تمثل رواية شنايدر خروجاً على المألوف كونها الرواية الأولى لكاتب ألماني غربي يتحدث عن جدار برلين. وفي الأساس فهي تختزل ألم ما يعرف بتجربة التقسيم السياسي والثقافي الذي خضعت له مدينة برلين على مدى 28 عاماً. وبالنظر إلى هذه الحقائق تتجه أنظار الكتاب والنقاد الغربيين إلى التعليق عليها كنوع من التفاعل مع هذا الإنجاز الروائي الذي يأتي نشره بشكل تنبؤي قبل سقوط جدار برلين.
رواية »القافز فوق الجدار«، تجسيد لموهبة شنايدر في تشخيص الرمز الأكثر وضوحاً وتعبيراً عن أجواء الحرب الباردة، وتحويله إلى نوع من السخرية التي يمكن فهمها بأشكال مختلفة. ففي هذه الرواية تعبر شخصياته الصعبة المعقدة، الشبيهة بشخصيات ميلان كونديرا، الحدود الفاصلة بين شطري ألمانيا. بين مركز الطبقة الكادحة في الشرق و مرتع الرأسمالية الغربية في الغرب، وهي لا تفعل ذلك من أجل الاحتجاج ولكن من أجل رغبتها الإنسانية. حاجتها إلى الالتقاء بمن تحب مسيرة من قبل عواطفها الشخصية لا من قبل السياسة.
تحتوي رواية شنايدر على قدر كبير من الواقعية ومن السخرية الموجه إلى طبيعة الحياة اليومية في شطري مدينة برلين قبل عام 1990، وهو ما سيكون كافياً لوضع حد لما يعتبره مأساة حقيقة بهدم الجدار والعودة بشخصياته التي يتابع القارئ مغامراتها المضحكة المبكية بدهشة، إلى حياتها العادية. هنا يسعى الراوي الذي يبقى اسمه غير معروف بالنسبة للقارئ إلى تأليف دراما سريعة، قصيرة على شاكلة رواية شنايدر، يدور موضعها حول محاولة أحدهم تأليف قصة، يبدو بطلها كمن يظهر في شريط فيديو يعاد تشغيله عشرات المرات، حيث يسلط الضوء على محاولته القفز على الجدار من جهة وعلى إخفاقه النفسي المتكرر في الوصول إلى الجزء الآخر منه من جهة أخرى.
إن الكثيرين كما يريد شنايدر أن يقول يقتربون من بعضهم إلا أنهم يخفقون في التقارب بسبب عدم معرفتهم بما سيحدث لدى الآخر من ردود أفعال أوبما يجول في ذهنه بشكل بسيط. يرسم شنايدر هنا صورة استثنائية للتقسيم النفسي الذي تعاني منه شخصياته ضمن سعيها إلى تخطي العزلة بالقفز على الجدار. هنا يلمس قارئه روعة الحوار الفلسفي والغوص في أعماق الشخصيات للكشف عن مشاعرها الشخصية وطموحاتها. وهي تكاد تكون صورة متكاملة لهؤلاء الذين يتجاوزون الجدار ولا يتجاوزون عزلتهم النفسية الشرط اللازم لتحقيق الوحدة.
على الرغم من سلبيتهم إلا أن أبطال شنايدر أشخاص عاديون لا يضمرون الشر لأحد، حتى لو كان من أولئك الحراس المدججين بالسلاح الذين تحركهم الأيديولوجيا. أشخاص بحجم الراوي الذي يكرر المحاولة تلو الأخرى دون أن تكون هناك أدنى فائدة. وهنا يشاهد القارئ وجوها كثيرة ولقاءات بين الأهل والأصدقاء الذين يمضون أوقاتاً طويلة مع بعضهم البعض دون مقاطعة ومع ذلك يخفقون في الوصول إلى هدفهم.
وفي واقع الأمر، فإن صدور نسخة جديدة مترجمة من هذه الرواية سيعني بصفة خاصة، جذب انتباه جيل جديد من القراء من مختلف أنحاء العالم إليها في مرحلة لم يعد فيها جدار برلين مجرد ذكرى بل حقيقة تاريخية ذابلة. وبالنسبة لمن عاصره فإن 28 سنة من الحياة في ظل هذا الجدار كانت تبدو أطول من ذلك بكثير. لقد تسنى للعالم أن يشهد الكثير من التحولات خلال هذه الفترة، فقد تزامنت هذه العزلة وحدها مع اندلاع مشكلات الإيدز وتحول المناخ والفقر الذي اجتاح أجزاء كثيرة من العالم وصعود نجم الرأسمالية الأميركية، فما الذي يعنيه بقاء هذا النصب الضخم، يقول شنايدر ؟
لقد كان الشعار الذي استندت إليه فكرة الحرب الباردة، وكان وجوده رمزاً لهذه المواجهة بين القوتين العظميين خلال تلك المرحلة من الزمن. في الوقت الذي تحولت فيه برلين إلى ورقة ضاغطة على حد تعبير الزعيم السوفييتي السابق نيكيتا خروتشوف. أما سقوط الجدار سنة 1989 فقد أتى على حد تعبير الجميع لكي ينهي تلك الحرب. وفي النهاية كما يقول شنايدر فهي تراجيديا عبثية أراد لها أن تعبرعن جملة من الأبعاد الجغرافية والسياسية والثقافية التي تبحثها الرواية.
السرد الروائي، للقافز فوق الجدار، لا يسير في خط مستقيم. إن البعد السياسي لهذه التراجيديا يفرض على مؤلفها العودة بالأحداث إلى الوراء ثم إلى الأمام وهكذا. يعود شنايدر إلى أواخر الأربعينيات، وتدفق مساعدات إعادة الإعمار الأميركية على الشطر الغربي من المدينة وفق ما كانت تنص عليه خطة مارشال لإنعاش الإقتصاد الألماني الغربي وهو ما ترتب عليه الكثير من التغيير في حياة الناس. وفي خط موازٍ تلقي الرواية الضوء على الحياة في الشطر الشرقي من المدينة منذ عام 1949. إن كل من الايديولوجيا والإقتصاد الأميركي والسوفييتي كان قد لعب دوراً مهماً في تشكيل سلوكيات معينة لدى الناس.
على هذا النحو يخيل للقارئ، أحياناً، أن رواية »القافز فوق الجدار« تحتوي على عناصر الريبورتاج أكثر من احتوائها على عناصر الرواية. وهو ما يؤيده المشهد الذي يتفحص فيه شنايدر برلين من الأعلى حيث يبدو كالمصور الذي يلتقط صورة توثيقية من الأعلى للمكان أكثر منه مؤلفاً يقوم باختراع صورته التي يقدمها بنفسه. كما أن توثيقه يأتي مصحوباً بالحقائق و الأرقام إضافة إلى التقارب الشديد بين شخصيتي الراوي اللتين لا يمكن فصلهما أحياناً. غير أن ما موهبة شنايدر الإبداعية تظهر في تقنيته الروائية التي تمكنه من رسم الشخصيات الصعبة المعقدة.
روبرت، الشخصية المحورية، يعود من برلين الشرقية، ليكتشف أن حياته في برلين الغربية مستحيلة، هنا يحدث نوع من التصادم الفكري بينه وبين الراوي وهو صدام يأخذ منحاً عنيفاً أحياناً. في تقديمه لهذه الشخصية يستعرض شنايدر مهارته الفنية التي تصلنا من خلال أسلوبه السردي الشبيه بالحكاية. إن حكاية روبرت يمكن الإستماع إليها أثناء مراقبته وهو يجلس في إحدى الحانات ليروي ثملاً حكاية »كابي ومحاولته القفز خمس عشرة مرة ! في حين تتريث شخصية أخرى مثل بومرر لكي تمعن التفكير فيما يتعلق ببقائها في برلين الشرقية، مدافعة عن السلطة أو على الأقل وجهة نظرها المتمثلة في معايشتها. أما لينا حبيبة الراوي السابقة التي تشعر بالسخط فهي تتبجح وتجازف بنفي نفسها إلى برلين الغربية مختارة الحياة بعيداً عن أهلها والمقربين إليها.
هناك أيضاً بعض الشخصيات الثانوية التي يضمها شنايدر إلى مجموعة القافزين على الجدار والتي تمارس حياتها قافزة بشكل أو بآخر. من بين هذه الشخصيات ثلاثة مراهقين يقيمون في مبنى قريب مطل على الجدار يسعون إلى الوصول إلى ألمانيا الغربية للإستمتاع بمشاهدة الأفلام السينمائية ! كما أن هنالك الكثير من البرلينيين الغربيين الذين يسمح لهم بزيارة أهلهم في الشرق بينما لا يستطيع هؤلاء زيارتهم بفعل الحواجز السياسية. وعلى الرغم من ذلك فإن ثمة ما يوحي بقرب إزالتها لكي يتحول الجدار فيما بعد إلى نوع مجازي من الحواجز التي تزداد سوءاً بمرور الزمن.
إن هذه القصص التي توافينا بتفاصيل صغيرة لم نكن نعرفها من قبل عن برلين التي يتحدث عنها شنايدر تفتح أعيننا على مشهد نابض بالحياة. فها هي برلين الغربية، نصف مدينة، يحيط بها جدار، وهي مدينة البوهيمية مدينة الفنانين والطلاب والهيبيين وأعداد كبيرة من الوافدين الذين يصلون إليها من ألمانيا الشرقية وغيرها لكي ينعموا بالحرية وبالحياة فيما يشبه جنة الرأسمالية. المباني الفخمة، الرفاهية، التسلية وكل أشكال المتناقضات الفكرية والسياسية التي تجعل منها المدينة الأكثر حيوية بالمقارنة بالكثير من مدن الغرب.
وعلى الرغم من ذلك فإن أكثر ما يحرص شنايدر على تعزيزه في أذهاننا في نهاية روايته هو فرضيته القائلة بأن الحواجز الاسمنتية الفاصلة بين الناس ليست أكثر خطورة مما يترتب عليها من آثار سلبية لعل أهمها المعاناة النفسية التي لا يمكن إزالتها من النفوس. إنها تلك المعاناة التي نختلقها نحن البشر بانفسنا حين يخفق كل منا في التوحد مع الآخر، إنها أشياء تفصل بيننا، على الرغم من عدم وجود حواجز مادية مرئية وربما كانت تجربة ما سيحدث بعد إزالة الجدار أكبر برهان على ذلك.
 

الكتاب : القافز فوق الجدار
تأليف : بيتر شنايدر
الناشر : دار بنغوين ـ لندن 2005
الصفحات: 144 صفحة من القطع الصغير


The Wall Jumper
Peter Schneider
penguin Press - London 2005
p.144