نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

فنون

 

 

 

السبت 17/6/ 2006

 

 

 
الناقد المسرحي (حميد مجيد مال الله):

فضاءات العرض المسرحي.. تستكشف المعنى والمبنى

 

تقديم و حوار / جاسم العايف

خلال أكثر من ربع قرن والناقد المسرحي (حميد مجيد مال الله) يواصل كتاباته في العروض المسرحية العراقية وكان يشد الرحال في منتصف السبعينيات مساء الخميس أو صباح الجمعة من البصرة إلى بغداد ليشاهد العروض المسرحية المهمة, ويعود ليلا متوجهاً إلى عمله في التعليم صباحاً, ويكتب في تلك العروض المسرحية بتأن ودقة وحرص . وكذلك يتابع العروض المسرحية في البصرة مهما كان مستواها والجهات التي تقدمها ويعمد إلى الكتابة عنها بروح المسؤولية الثقافية -الفنية وهو عضو اتحاد الفنانين ورابطة نقاد المسرح . منذ عقد الثمانينيات مساهم في اغلب لجان تحكيم مهرجانات العروض المسرحية التي اقيمت في البصرة او بغداد . عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين والعرب.

* تخصصت في النقد المسرحي بعد ممارسة تطبيقة في التقنية المسرحية، هل هذا ضروري للناقد المسرحي؟

- التخصص في النقد المسرحي هدف إشكالي، السعي إليه يتطلب منهجية نقدية محددة بل المنهج الأكثر حداثة، متغيرات منهجيات البحث قد تعود إلى عقود سابقة إلا أن تطوراتها (يومية الآن!) وما نستقبله (نستوعبه) في عداد الماضي إذا أدركنا ان أمس يصبح في عداد الماضي في حقبة نقد اليوم، نقد ما بعد البنيوية. نص النقد الذي اكتبه يتحدد ما بين (العرض النقدي والمسرحي) و (النقد المسرحي الصحفي) تخطي النوعين ربما يتحقق بحدود بسبب محددات (نص النقد المسرحي) ومنها التخصص الأكاديمي وإنتاج البحوث النقدية بتواصل واستيعاب الحديث في طرفي الإنتاج (الراسل) والتلقي مع الإقرار بتوافر التقنيات المعلوماتية في قريتنا الكونية.

* ضَعنا في الصورة بوضوح؟

- كما تعلم, أو افترض هذا, في مطلع السبعينيات بدأت العمل داخل فرقة هواة (جماعة كتابات مسرحية) ومؤسسيها الأوائل الناقد والكاتب المسرحي إستاذي بنيان صالح والكاتب المسرحي عبد الصاحب إبراهيم,والذي تم تهجيره خارج وطنه العراق في اوائل السبعينيات بحجة التبعية، والناقد الإستاذ ياسين النصير، وفيما بعد المرحوم الكاتب والمخرج جبار صبري العطية والأستاذ عزيز الساعدي ود. كاظم عيدان لازم, حيث التثقيف المسرحي الجماعي والذاتي مع الممارسة والتطبيق والكتابة في الصحف والمجلات والدوريات لسنين وعقود. وضَعت تأسيساً لمكونات ادواتي إضافة إلى (التلقي المسرحي) في عدة مدن ومنها بغداد بالطبع، ومتابعة تدريبات الفرق والتعقيب النقدي في عدد من المهرجانات وقراءة النصوص المطبوعة والمخطوطة. 

*  بدأت ناقداً تبحث في ثيمة العرض المسرحي عما هو اجتماعي متطابق مع الراهن، ثم توجهت نحو خطاب الحداثة،وألاحظ انك تكاد تتخطى أسسك النقدية القديمة في خطاباتك الراهنة،كيف؟ ولماذا؟

- بدأت بالعرض النقدي الصحفي وهو من تفرعات نص النقد. كان لا بد من إرسائه على أرضية ما، فكانت السسيولوجيا.. إهمال فضاءات المسرح الأخرى وإعارتها أهمية متدرجة بعد (الفكرة) ربما تعود إلى مفارقة شاسعة بين ما أراه على مسارحنا وبين خزين متراكم في الذاكرة يتعلق بطرائق تمثيل راقية عبر شاشات السينما . كنت مشاهداً دؤوباً للأفلام الأجنبية منذ مطالع الخمسينيات علمت متأخراً إنني كنت أشاهد المنهج أو الطريقة لـ(ستانسلافسكي) عبر اداء عدد من نجوم السينما الأمريكية خاصة في الأفلام التي أخرجها (إيليا كازان)،بالطبع نص النقد يحلل فضاءات العرض المسرحي الثلاثة ، النصي والمنصي والمتلقي ، وفقاً للنظريات القديمة والحديثة وهي تستكشف المعنى والمبنى... تجاهل فضاء محدد والتركيز على واحد منها يشكل خللاً رؤيوياً. أخضعت كتاباتي السابقة واللاحقة إلى نقد ذاتي، شَخّصت فيه قصورها،بعض الأطاريح الأكاديمية في السياق، والتي درست نصوصا ًنقدية مما كتبته انا و توصلت إلى (النتيجة) التي أشرتَ انتَ اليها بدقة، ومنها إطروحة في (نقد النقد المسرحي) للدكتور (محمد أبو خضير) وإطروحة (النقد المسرحي في العراق) للدكتور(ضياء الثامري)وكذلك في تحليل أكاديمي للدكتور(عبد الفتاح عبد الأمير) تناول فيه دراسة مقارنة بين نصوص النقد لناقدين هما (نازك الاعرجي) و(حميد مجيد مال لله) . 

*  في كتاباتك الراهنة تحفر في جسد العرض المسرحي بآليات حداثوية ومنظومات فلسفة جمال العرض وتشكيلاته الأسلوبية على عروض لهواة جلّهم من الطلبة وهذه مفارقة إجرائية بالنظر لتدني المواهب وقلة خبرتها وفقر الإمكانات. وتلك العروض اساساً تندرج ضمن الاستحقاقات الدراسية ولا يمكن عدها عروضاً احترافية متكاملة.

- أنا مخير بين الخوض والتجاهل لعروض ما بعد التغيير العاصف ، النتاج المسرحي جزرات ضئيلة وسط فضاء محدب، والكلام عن المسرح في مدينتنا تشكيلات تنتج مرة ومرتين ثم تصمت!؟ العاملون فيها من خريجي معاهد وكليات الفن ومن الهواة، عاطلون عن العمل غالباً وعن التدريب!؟ وفي حالة انقطاع تام عن مستجدات التحديث المسرحي مع نقص مريع في الثقافة العامة والفنية والمنهج، الا أن فضيلتهم الكبرى أنهم يجاهدون لإثبات وجود مسرحي مغيّب في فوضى حياة الآن وسطوة الاحتلال البغيضة مع انكفاء (رجوعي ) -التعبير للراحل (د. مصطفى جواد)- يعمل على إزاحة ووأد(الفن ومنه المسرح) أو تدجينه في اطر الجمود والتحجر!؟ أرى في نتاجات هؤلاء الفتية ما رأيتَ في سؤالك ، إلا أن جهدهم بحاجة الى ضوء من نوع ما.أما تشخيصك للأدوات النقدية فلقد حاولت الى جانب الكتابة عن الشباب المسرحي و نتاجاتهم, والاشتغال على (المسرح العراقي) في محاولات تطبيقية ضمن أوراق نشرتها في صفحات ثقافية مسرحية في صحف المدى وطريق الشعب والصباح والاتحاد والمنارة والأخبار، منها ما يتعلق بمسرح الصورة والكيروغراف والعلامات الإخراجية ومسرح الطفل والأداء ونص النقد.

*  هل يمكن للنقد المسرحي أن يؤسس للحركة المسرحية مع أن إجراءاته تبدأ بعد إسدال الستار ، وهو يتوجه إلى النخبة بالذات؟

- الخطاب المسرحي العراقي يمد النقد بلغة اصطناعية ، أوما يسمى بالميتالغة (Metalanguage) لتحليل تلك اللغة وهي شفروية من كلام شفروي (تلفظ محسوس مادي) وفقاً لـ(رولان بارت) تمييزاً له عن النظام اللغوي المدون، وشفرات بدنية وصورة مسرحية Theatricality)) النقد يحلل العلامات المميزة ويستكشف العلاقات بينهما، كما يستكشف ماهية المعنى وكيفية إبداعه في نص العرض المسرحي، وكيفية تشكل الدال المسرحي ، وما هي نماذجه في فضاء المسرح و ..و..الخ وكما ترى العلاقة جدلية تبدأ قبل رفع الستار هذا ان كان هناك ستار من رصد العلاقات بين النظام العلاماتي الخاص بالفضاء النصي ، وبين النظام العلاماتي الخاص بسياق العرض .. والتوتر الناشئ بينهما .. (الجدل بين المهارة الفنية في تشفير نص العرض وسياقاته على المنصة وبين التلقي الواعي، والتلقي النقدي، وحل شفراته) و تأسيس النقد لحركة مسرحية، إشكالية تتطلب الحذر الشديد طرح تساؤل مثل : لمن الأسبقية للدراما الإغريقية العظيمة أم لقوانين النقد الأرسطية؟ اعتقد بوضوح الجواب..لوخففنا الوقع وادعينا بتنوير إمكانيات المسرح المعرفية جمالياً, والوعي بتلك الإمكانيات وفضح وتعرية الإساءات في استخدام تلك الإمكانيات, لربما ستتكون مقاربة من نوع ما بين النقد والمسرح.(النخبة) مستهلكة للعرض المسرحي والنقد،(النخبة)جزيرة خيالية تتسع أو تضيق تبعاً لعوامل موضوعية، كما ترى هناك نقداً ارتجالياً يتبع بعض العروض، أو في مواعيد لاحقة هناك (التعقيب) النقدي ورواده و(النقد) المقروء ومتلقيه عبر وسائل البث الكلاسيكية والحديثة ، وما تنتجه من قراءات متعددة وأفكار تتواصل. ألا تتجدد لحد الآن نظريات مدرسة براغ الشكلانية ..؟ في سيمائية النص والعرض معاً في السيموطيقا الآن رغم ظهور المنهج في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي كذلك المنهج الأقدم : الأرسطي..

* في مداخلة لك على منصة اتحاد ادباء البصرة تحدثت عن الالتفات نحو (مسرح الأمس بغضب) كيف يمكن اعتماد ذلك؟ وما المدى الذي يصله الغضب؟ وما هي الإجراءات وقبل كل شيء لماذا؟

- جملة الأسئلة تتناسل عن بعض ... الغضب على مسرح الأمس يمتد -كما ازعم- تاريخياً منذ النشأة ولحد الآن!
النشأة في نهاية القرن التاسع عشر عندنا ومطالع العشرين كانت ساذجة مقلدة حد الجهل الا تميز بين الرواية والمسرح والخطابة ، محملة بالاقتباس من التراث ، تحاكي أسوأ المنهجيات كما الميلودراما كمثال.
وإذا كان هذا ارثنا من (أجداد) المسرح العراقي ، الذي ولد كسيحاً! في المدارس والأديرة والأندية والتجمعات الثقافية . فانه تواصل مع (الآباء) بتقليد مفاهيم الفرق المصرية الزائرة عن المسرح والأوائل من دارسي المسرح في الخارج وبصراحة هو واحد فقط حاول إرساء النهج العلمي عبر بضعة تأسيسات بقيت نخبوية تفتقر للاجتهاد والمنهجيات المسرحية الحديثة اشتغلت هنا بجهود الأكاديميين ولكن بعد انحسارها هناك في مرجعياتها! وعدت من الحداثة هنا إلا أنها من (الاحفوريات) هناك ! واستمر استقبال المتأخر الذي يبوأ في مكانه الجديد... ويقدم وفق محاكاة صاخبة الأصل.
الخطوة التالية لجيل الوسط اتسمت بتبيئة تلك المنهجيات التي شقت طريقاً جمالياً في فضائيات النص والإخراج والأداء والتلقي، إلا أنها ظهرت في زمن (خانق) مما جعل غالبيتها مندمجة بأيديولوجية السلطة السالبة إلا ما ندر. فهي اما مسرح أو ماجي كما قدمه البعض ، أو مسرح اتخذ الزلفى والتزلق وفي بعض الحالات تقدم المحاضرة في مقدمات ومؤخرات لا علاقة لها بفضاء العرض، وفي حالات تعشق كي تساير موجهات المؤسسة ، مما خلق رقيباً داخلياً يبحث عن رضا الرقيب الآخر ويبتعد عن مناخ حرية الفن.
مسرح الصورة كان ابلغ الغاضبين على مسرح الأمس! ببياناته الخمسة أولاً واطروحاته في عروضه المسرحية بالدرجة الثانية! إلا أنها "موضع" غضب الآن بسبب جدلية التنظير والتطبيق مما وضعها في تطرف شكلاني غامض ، وبحثها عن جمهور نخبوي ودخولها في رطانة فلسفية وعزلتها عن تفعيل الحركة المسرحية وعن تفعيل بياناتها.
يصعب اقتراح البدائل ، فنحن نتحدث عن المسرح كصرح حضاري لا يغفل جهود وإبداعات المبدعين قادة الثورات الفنية ولا العوامل النهضوية الموضوعية .. هناك يتطورون لان الوعي مشترك، وعي الفن المسرحي وصناعه، ووعي التلقي وهي معادلة دائمة الخلل في بيئتنا ، ذات الجزر الجارف ! والمد النادر جداً...
نظرة الغضب تطال ماضي مسرحنا برمته حتى اليوم 2006 لانه افتقر إلى المنهجية في البدء، وظل تابعاً للمناهج العالمية وتحمل أوزار مرحلتها التاريخية في المنشأ، وطبقت بدون اجتهاد دزووي، ، وكأمثلة الآن ينشط الميم والبانتوميم والمسرح الراقص والمسرح المهمش للعلامات اللغوية وكذلك الخروج عن المعمارية الهندسية التقليدية للمنصة وكلها من معروضات متحف تاريخ المسرح في العالم!
وفي استنباءاته للمستقبل ونحن نشهد تلك الاستنباءات اليوم! نعايش فشلاً ذريعاً لتلك التصورات المبتغاة على شعارية الايديلوجيا ، وخيالات المتخايلين والشعارات الجامدة والأحلام الوردية وتضليل الواقع الدامي بآخر سعيد هناك! والذي بدوره تفكك صريعاً ! ونشهد إخفاق الأهداف والغائيات التي سكتها وسارت بهديها تلكم العروض لافتقارها للثيمات الكونية ولاصطفافها الساذج مع اليومي الشعاري لا الوقائعي.

*  الآن أين المسرح العراقي وهل ينسجم ماضيه الفعاّل-المؤثر مع حاضره؟ وكيف يمكن للحركة المسرحية أن تستعيد قدراتها كمؤثر في الوعي الاجتماعي العراقي؟

- أحيل التساؤل المشروع هذا إلى مشاريع جماعية اقترحتها (ورشة المسرح) في مؤتمر المثقفين لوزارة الثقافة ببغداد .. والى (البيان الختامي لندوة الحوار المفتوح) وتوصياته للنهوض بواقع الحركة المسرحية في محافظة البصرة بتاريخ 14/5/2005، وفيهما تقييم ومقترحات عملية حيوية لدور المسرح في العراق الآن.