| الناس | الثقافية  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

فنون

 

 

 

السبت 31/3/ 2007

 



بعد رحلة عرض " أمراء الجحيم "
عودة الغربة


فاروق صبري
farouk1952@hotmail.com


وأنا أترك مطار اوكلاند والطائرة تبدأ خطوها الاول من التحليق زاحمتني هواجس الخوف ، ما يشبه الفرح ، الحنين ، ما يعصف كالحزن ...

وما أن لامست عجلات طائرة (العودة) اسفلت الغربة النيوزلندية حتى صخبت روحي بالحيرة والشوق والكآبة...

وما بين زحمة الهواجس وصخب الروح تترأى مشاهد سفر لم اخطط له ، لم أعرف كيف بدأ ومتى ينتهي ، وأين محطته الاولى وهل يمتلك المحطة الأخيرة!!!؟

وفي لحظات تحليقي فوق بحار "الماوريين1" رأيت جدهم الاكبر وهو يجدف ومن ثم يوقّف "كانون2"ـه وسط انتشاء الأمواج ويرمي بخطّافه صوب المياه وما أن تمرّ لحظات قليلة الا وحبل الخطّاف يشتدّ بين قبضتي الجد الأكبر واللتين اشتدّتا لسحب الحبل حيث يظهر الصيد شيئاً فشيئاً واذ به أرض نيوزلندا- بجزيرتيه الشمالية والجنوبية- تخرج من أعماق البحر ، هكذا تقول الميثولوجيا الماورية وهي تؤكد كيفية ولادة هذه الجنة .

نعم هي جنة ... ولكن ليست لي ...

هكذا أجبت أحد أبناء أخي وهو يسألني عن نيوزلندا في مطار فرانكفورت ، وتوجهت واياهم صوب هولندا وطوال الطريق المبلل بمطر معلن وحسٍ مجهول أردت اشغال نفسي بسحر الطقس الشتوي والاشجار عارية أو مورقة وهي تتمايل عبر رقص كرنفالي ، سمفونيته الريح وعازفيها وقائدها أنا ، نعم أنا.............

ولكن ما يضرم في القلب من قلق يقصيني من حلم الرقصة السمفونية واذ بي في مواجهة موت أسود هادئ ، مخاتل يقترب من بِكر امي ، من نبضه الذي " يكره الموت ويعشق الحياة " ومن وطن تحتله أنيابه ، كيف أواجهه هذا المخاتل المعتم !!!؟

بالمسرح... نعم بالمسرح ..

وأطلقت صرختي ، صرخة وليد يستقبله ضوء امه ، وكأنني بذلك أريد التماهي مع بطل رواية قصيرة لهيرمان هسه وهو رسام يصرٌّ بأنه يقاوم الموت بالريشة وعنفوانها ، باللوحة وألوانها

وأنا أتحزّم ببصيرة "هسه" اللونية وبعشق المسرح البصري وفي غفلة أو همسة من التاريخ والحاضر وما يبوح به المستقبل لمسني فيما يشبه الفرح ، لون أخضر يزحف في سهوبه اصفرار وغبار الخريف بسبب تأطيره بإطار بليد يسيّج لوحة لبورتريه معشوشب محاصر أو محتل ببقع لون أصفر وكأنها تلك اللوحة بغداد يحاصرها ويغزوها الوباء والتي لم ألتق بها أكثرمن ربع قرن:

لا أصدق انني الاقيك بعد سنوات الحروب والهروب ،

قال لي اللون الأخضر !!؟

يبدو أن قدرة الطبيعة قد شاءت بأن نلتقي و نتحدى الموت أنت بالريشة وأنا بعرض مسرحيتي"أمراء الجحيم" هكذا أجبت وتواصلت:

ولكن بشرط أن تستعدي للابتعاد عن اطارك القديم وعن اي اطار جديد .

وردّ عليّ سريعاً وغنوجاً فيما كانت(عيناه غابتا نخيل ساعة السحر) تتوهجان بحزم ضوئية خضراء وسط بقع صفراء شلّ زحفها:

الاطار القديم أحرقته ودفنته في مقبرة هذه المدينة الصغيرة والاطار الجديد ورقة صدأت وابتلعتها رمال الخليج وليس سواك و سواي الأن بخضاره الذي بدأ يجف ، يجف ، يجف .. ينتظر المطر ، المطر ، مطررررررررررررررررركَ أنت... أيتها الطبيعة النقية المتأخرة.

وتدفق مطري كإنهمار الشلال على الظمأ....

وكان الموعد الأسمى


اثناء البروفات مع الفنانة رملة الجاسم ومهندس الانارة الهولندي

وبدأ سفر الحلم بيننا ونحن ننطلق صوب فضاء الحياة على خشبة مسرح "خيخانت4" في آبلدورن الهولندية حيث نشيج فراس صبري الغنائي مع عزفه على ألة العود ، ينبعث من بينٍ رماد وفجيعة العراق فيما تحول فضاء المسرح- وقبله بيوت بعض المشاركين في هذا العرض- إلى مهرجان من العمل المتألق ، وبقامته الطويلة وهدوئه الجميل يشارك المعماري الهولندي  Hugo Deadens الفنانة رملة الجاسم في تنفيذ ديكور أو اكسسوار العرض ، وكان هناك بعض تغييرات بسيطة ولكنها مهمة و مختلفة عن تصميم عرض نيوزلندا ورغم كسلها ومزاجيّتها غير معروفة النيّات والنتائج!!! كانت الجاسم ترافقني بصورة متميزة وتسألني حتى عن التفاصيل الصغيرة قبل أن تنفذ المفردات البصرية لسيناغرافيا صممتها او اي جزء من الاكسسوار قمت بتبديله أو جانب من الديكور أردت تغييره ، وهي أي رمله تراها تارة في بيت فيصل صبري تخيّط حتى آخر الليل وتارة اخرى تراها في بيت "هوغو" وانا معها نتابع ونعمل ولساعات طويلة كي ننجز التفصيلات الأخيرة من الديكور والأكسسوار، وكان أكثرنا تحملاً وعملياّ الفنان "قاسم حسن" وهو يعمل مع مهندس الانارة الهولندي في تنصيب وتشكيل البروجكترات وفق تصميم سيناغرافيا العرض وفجأة تشاهده يساعد على تثبيت مفاصل من الديكور مع أبو ايفان الذي لا يملّ وهو يعمل بصبر ودقة ، فيما كان صفاء متربعاً فوق جسر قريب لسقف الصالة وهويرتب ويحضّر جهاز السلايد لعرض الترجمة باللغة الهولندية وعند "الكونترول "و يتواصل فيصل صبري مع مهندس الصوت والانارة استعدادا للعرض الذي احتضنه مسرح خيخانت يوم 16|1| 2006.

و"أمراء الجحيم" أول عرض مسرحي باللغة العربية يقدم في نيوزلندا_ يوم السبت 25|3|2006 _ واستباقها لا يكمن عند هذا الحد ، بل في خصوصية تناوله أخطر مرض عقائدي اسلامي لم يشر اليه اي عرض مسرحي في دول العالم الثالث أو الاوروبية ، و اللحظة مرة اخرى داهمتني خطورة وسفاهة العقائد الايمانية الغيبية والعمياء ، وغمرتني أيضاً بسالة وخلودية العقل الانساني كونه الخالق والخلّاق حيث يحضرني الجد الأكبر للماوريين وهو ينهي بناء سلم طويل وطويل جداً يناطح السموات ، يتسلق عليه بخطوات واضحة وقفزات جسورة وبيده حزمة من الحبال الغليظة ، يتسلق حتى يصل زرقة السماء ويلامسها ومن ثم يقترب من الشمس اذ يربطها بطرف من الحبل ربطاً قوياً وبعد ذلك يبدأ رحلة النزول وهو يجر الشمس مقرباً اياها إلى الأرض واذا بها تضاء وبزروعها تخضرّ وتنمو وتثمر بعد سنوات الجفاف والموات وهذا ما تقوله هذه الحكاية المأخوذة من احدى اساطير "الماوريين" والتي تقرأ الانسان وعقله كفعل يخلق ويؤسس ويساهم أيضاً في تغييرالطبيعة ولاتعير اية أهمية للاوهام أوالغيبيّات أوالمقدسات المفتعلة .

مقدسات مفتعلة تسللت من ظلام التاريخ إلى حاضر العراق وبها تتقاتل او ضدها أونيابة عنها عمائم بيضاء وسوداء وهي تستبيح وتذبح البشر والوطن والشجر بالأحقاد الايمانية المفخخة والحاكمة .

وكان من المفترض أن تتوسع جولة "امراء الجحيم" فهي مدعوة لبلجيكا وبرلين لكنها توقفت في الدانمارك بكوبنهاجن ، حيث عرضت على صالة - Verdens Kultur Center - Norre Alle التي يديرها "أبو سلام" بحضور جمهور عراقي كبير ومتذوّق ومتساءل في تعاطيه مع ما شاهده من لغة بصرية ومنطوقة ولم يكن متساهلا معي في انتقاداته وهذا ما أسعدني وحرضني لان أغير واجدد وافكر في حلول بصرية اخرى ومختلفة وهذا ما سيحصل في عرض "امراء الجحيم" القادمة.

قبيل العرض بيومين وصلنا كوبنهاجن ومن مطارها إلى مسرح "نور علي" وبعد ساعات طويلة من الانتظار لفتح بوابة الصالة بدأنا ننّصب الديكور وترتيب الأكسسوار والانارة التي بدت مربكة ومتعثرة بسبب حضور مهندسها الدنماركي قبل بدء العرض بلحظات !!!!!!!!!!! في وقت ذاته انشغل صديق العمر المخرج السينمائي جودي الكناني مع الفنان بهجت صبري في تنظيم موقع الكاميرا من اجل تصوير العرض أتمنى لو يتماهى مع حرصهما ووفاء وعشق" جودي" للابداع والعراق ، ، وكم كان حيدر أبو حيدر صديقاّ ومضيافاّ ووديناميكياً وهو يساهم كفنان مسرحي مع رملة الجاسم وقاسم حسن في تحضير خشبة المسرح للعرض الذي بدأ الساعة السادسة يوم 5|1\ 2007.

وفي ليلة كوبنهاكن هذه ازدحمت خشبة مسرح "نور علي" باللون الأسود ، الخلفية سوداء ، الاستاندات والحبال المطاطية الحاملة للجماجم ، سوداء ، طرفا الخشبة يمينا ويساراً وسقفها متّشح بالقماش واللون الاسود وكذلك التابوت مظلم ،"هندس" كهاجس القاتل ، وفستان "منكان" البيضاء وشعرها الأشقر ولباس" أبو دلامة" الأفغاني الطراز الأبيض كان ملبداً كذلك بالسواد ، والبروجكتورات الفيضيّة والسبوت لايت تبث حزماً ضوئية سوداء ، الأرضية وكأنها لون الاسفلت ، كل شئ ، كل شئ أسود ، وأنا كممثل لابد أن أشخّص سبع شخصيات مختلفة المعنى والمبنى أشعر اللحظة بأن أعماقي المبللة بندى الحلم يتسلل اليها ذلك العتم الذي كاد أن يتوسع ويتسيّد لولا الحضور البهي لذلك اللون الأخضر داخل الصالة ، عند بوابتها ، في فضاء المسرح بين ديكوراته واكسسواره ، على امتداد اضوائه ، على خلفيته المعتمة المطعّمة بكلمات الوجد وبرسومات الوطن ، آه كم أتمنى ريشتها أن تتواصل في أزاحة الذبول من روحها ...

ولكن وأنا أتوجّه إلى فضاء القلق والحلم ، إلى الخشبة ، وادير ظهري له للون الأخضر توجست منه ، من (بهائه) وهو يتعثر في خطوه القادم ومزاجه الغامض الخادع ويقترب من اطار مهترئ ومصاب بنشوة الجوائز الموهومة ومع أن ظهري اهتزّ بطعنات( الأخضر) المصفر وإرتعب لغربة تعيد نفسها هذه المرة بشكل ساخر ، الا أنه_ ظهري_ لن ينحني فهو سيبقى منتصباً مادام في الروح حلم يضاء في فضاء مسرح يقاوم الوهم والذبول والخديعة ............... والموووووووووووووووت .

1- الماوريون هم السكان الأصل لنيوزلندا ولهم لغتهم وموروثهم الاجنماعي والثقافي المختلف
2- كانون سفينة خبية صغيرة تشبه "المشحوف" ااسومري المستخدم ليومنا هذا في مياه الأهوار