| الناس | الثقافية  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

فنون

 

 

 

الأربعاء 28/3/ 2007

 

 

 فصول من تاريخ المسرح العراقي
(
الفصل
الخامس والعشرون )


( دين الاسلام وفن المسرح في العراق )


لطيف حسن

latif@webspeed.dk


موقف دين الاسلام الحازم في بداياته عموما في تحريم ممارسة الفنون التشكيلية ( الرسم والنحت ) معروف ومفهوم ، فرضته ضغوط الظروف في بداية ظهور الاسلام في مجتمع صحراء وثقافة الجزيرة ، واسباب اخرى احاطت بنشأة الاسلام أوجبت هذا المنع ، من بين أهم هذه ألأسباب ، الخشية من الردة الى الجاهلية لمن اسلم حديثا ، وعودته الى عبادة الاوثان.

و منذ ان تمت الفتوح الاسلاميه وحتى هذا اليوم كان هناك جدل فقهي لم ينقطع حول هذا الموقف الذي يغلفه الالتباس في التبرير وعدم الوضوح الكاف ، في اطار موقف الدين الاسلامى من الفنون عموما ( التشكيل والشعر والموسيقى والغناء والطرب والرقص واللهو والتشخيص) ، مما شجع الفقهاء المحدثون على توسيع التحريم عندما تبلور الاسلام السياسي الحديث في بدايات القرن الماضي ( من انحصاره على تحريم فن النحت والرسوم البشرية ) ليشمل كل الفنون ، في دائرة الصراع بين الحداثة الغربية والماضوية الشرقية ، وأثناء الانتتقال الانقلابي المؤلم في مجتمعات البلدان العربية ، من ثقافة وقيم القرون الوسطى ، الى الثقافة المعاصرة المعاشة ذات الطابع العالمي ، واعتبروا كل ما هو وافد من الغرب بقضه وقضيضه هو كفر وضلال مطلق مخالف لأصول الدين ، وجبت محاربته .

واذا عدنا الى بدايات تحريم بعض الفنون في الاسلام ، نجد ها قد اتخذت لاسباب ظرفية قاهرة ، فالرسول ( ص) عندما دخل مكة فاتحا ، اول ماقام به هوتحطيم اصنام الكعبه ودرس الرسوم والمخطوطات والنقوش الدالة على الوثنية التي كانت تغطي جدرانها ، ليسدل بذلك الستارة نهائيا على مشهد الوثنية في الكعبة ومكة ، وكل بقاع الجزيرة العربية الاخرى التي وصلها الاسلام ، وحرم النحت ورسم الانسان على وجه الاطلاق من بعدها لمنع العودة الى تجديد انتاج اصنام الشفعاء من الالهة التي نهى الدين الجديد العودة لعبادتها ، وهكذا سار على نهجه الصحابة الفاتحون من بعده ، ففي كل مدينة يتم فتحها ، كانوا اول مايفعلونه هو تحطيم الاصنام من تماثيل الالهة في المعابد ، قبل ان يحولوها الى مساجد للمسلمين يرفع من عليها الآذان للصلاة في اوقاتها الخمس ، وفي العراق لم يكن للفاتحين الوقت الكافي وهم في عجل من امرهم في التنفيذ السريع لفريضة التدمير الكامل لكل الاصنام المنصوبة ، لاسيما الكبيرة منها لكثرتها وانتشارها وكثرة المعابد الوثنية المختلفة فيها ، واكتفوا بقطع رؤوسها ، ورمي هذه الرؤوس بعد جمعها في الابار الجافة قبل ان يهيلوا عليها التراب ،  وأستجد بعد الفتح الاسلامي ، جدل و تجاذب فقهي ، بقي متواصلا الى هذا اليوم بين التعاليم والافكار العامة كما وضعهاالرسول العظيم (ص) في الجزيرة في حياته والتي تركها لمن بعده كدليل ومرشد ، وقدرة الخلف على كيفية تطبيق هذه التعاليم والافكار كما جائت ، و حدود تطوير روحها الحيوية لتتوافق مع عصر مابعد الرسول في امبراطورية اسلامية أصبحت كبيرة و ممتدة تضم شعوبا وثقافات مدينية عريقة شتى متعارضة في الاصل مع ثقافة مسلمي الجزيرة الاوائل ذات النفس البدوي .

وعندما توسعت رقعة الاسلام كثيراالى خارج الجزيرة شمالا بعد وفاة الرسول(ص)لم يكن الفاتحون يحملون معهم غير التعاليم المنزلة ، المتمثلة بالدين الاسلامي ، واللغة العربية ، وقيم واخلاق بداوة الجزيرة ، والكثير من النزاع والصراع السياسي الداخلي المتجدد ، الذي تفجر منذ وفاة الرسول ( ص) في اطارتناحر بقايا القيم القبلية التي استمرت عند بعض المسلمين الاوائل والتي تعود الى ايام ماقبل الاسلام ، مع قيم الاسلام الجديدة ، ثم فيما بعد بين قيم التمدن والتحديث الاجتماعي التي فرضتها موضوعيا الفتوح الاسلامية ، نتيجة الأختلاط والتفاعل الاندماجي للفاتح مع شعوب البلدان المفتوحة ، ويكفي ان نعرف انه قد نحر بوحشية نتيجة هذا الصراع التحولي الكبير ثلاثة من الخلفاء الراشدين العظام (ر) من المجموع الكلي للخلفاء الراشدين، والذين هم اربعة فقط ، كانت مهمة الخلفاء الراشدين بالتتابع تنحصر في نشر الاسلام في اكبر رقعة من العالم ، وتوطيداركان الدين الجديد بعمق في هذه البلدان المفتوحة ، و عدم التساهل في قمع فتن الردة والميول الانقسامية ، مع حسم النزاعات الداخلية بحزم .

وامام هذه المهمات المصيرية التي حددت مستقبل الدين الاسلامي وانتشاره العالمي لاحقا ، تبلورت في نفس الوقت بشكل نهائي وتثبتت اركان القاعدة الفكرية الاساسية في الاسلام ، وبرزت بقوة النزعات التي تدعوا الى الالتزام التام بتعاليم هذه الاركان وصيانتها من التحريف و التي تتكون من ( ماجاء في القرآن الكريم والتعاليم المكملة التي جائت على لسان الرسول ( ص) ....) في اسلوب ومنهج نشر الاسلام ، فأ نتهوا من جمع وتدقيق وفرز المنسوخ عن غير المنسوخ من آيات القرآن الكريم في زمن خلافة عثمان بن عفان ( ر ) ووحدوا نسخه المكتوبة بنسخة معتمدة واحدة ، ودونوا وثبتوا كل ماأتفق عليه من انه من احاديث الرسول الصحيحة ، لتصبح هاديا فكريا وتعاليم موحدة لكافة المسلمين اينما كانوا .

عندما تمت الفتوحات الاسلامية في العراق وفارس والشام ومصرفي فترة الخلافة الراشدية ، وجد الفاتح المسلم المنتصر نفسه بعد السيطرة على المعابد الوثنية وتحويلهاالى مساجد اسلامية ، ومنع اتباع هذه الديانات من متابعة طقوسهم الوثنية القديمة ، وخيرت بين التحول الى الاسلام ، وبين حد السيف ( استثني منهم اهل الكتاب بشرط دفع الجزية ) جعلت المسلمين في مواجهة مباشرة في الشارع مع افكار و عادات وتقاليد وقيم الحضارات القديمة الراسخة منذ مئات السنيين في ضميرشعوب هذه البلدان التي احتفظت بمزاولتها سرا وواصلت ممارسة طقوسها باطنيا فيما بينها طويلا وهي في صفوف وكنف الاسلام .

في العراق كانت الحضارة الساسانية موجودة الى جانب حضارات وادي الرافدين الاصلية الاسبق ، وديانات الناس كانت وثنية ومتعددة عريقة ، أضافة الى اليهودية عند بقايا طائفة قديمة جائت العراق منذ السبي البابلي ، والمسيحية موجودة منذ انتشار تلاميذ ورواد المسيح للتبشير في الارض بعد الصلب .

وكانت الحضارة السائدة في الشام هي البيزنطية المسيحية ، وفي مصر القبطية ، ومن البديهي ان نتوقع ان مهمة نشر الاسلام بين هذه الشعوب الملونة العقائد لم تكن سهلة ، ولم تتم في كثير من الاحيان باللين ( عندما لاتنجح محاولات اقناع الفاتح ) ، وكان اللجوء الى الصرامة والقوة الاضطراريه في نشر الاسلام هي الغالب في الاسلوب ، لاسيما في نطاق مكافحة ومنع العادات والتقاليد والطقوس والممارسات الشعبية المتجذرة عميقا والتي ترتبط بالوثنية وتعدد الالهة والعقائد القديمة , وتتعارض مع تعاليم وقيم التوحيد والدين الاسلامي الجديد .
بالنسبة للموقف من فن المسرح ، لم يكن يختلف موقف الدين الاسلامي ، عن مو قف الاديان الموحدة الاخرى منها ، لاسيما موقف المسيحية من المسرح في زمن الرسول ( ص)
فقد سبق ظهور الاسلام ، منع الرومان المسيحيون اقامة النشاطات المسرحية العلنية ، وكانت المباراة السنوية المعروفة التي تقام للمسرح اليوناني في اليونان والمسرح الروماني في ايطاليا ، متوقفة تماما لعلاقتهما بالطقوس الوثنية التي تتعارض مع الروح المسيحية ، وهذا سهل على الدين الاسلامي وساعد في السير على نفس خطى المسيحية في منع ممارسة التمثيل والطقوس الدرامية الدينية التي لها علاقة بالوثنية على اهل الديانات الاخرى ( الزرادشتية والبابلية ...الخ) التي كانت ماتزال تمارسها في المعابد والاحتفالات السنوية الموسمية ، بحرية حتى ذلك الوقت .
وكانت هناك في نفس الوقت ، ممارسات شعبية بعيدة عن الطقوس الدينية ، منتشرة بين الناس في مجال التسلية واللهو، وقد عرفته الجزيرة العربية ايضا منذ الجاهلية فهناك أكثر من اشارة الى هذه الالعاب وردت في الشعر الجاهلي ، وهي ممارسات تقترب من النشاط الاستعراضي والدراما والرقص تقوم به النساء والمخنثون بشكل خاص ، تسمى ( الكرج) ، وهي دخيلة على عرب الجزيرة و ليست اصيلة من اسمها الدال عليها ، ورغم اننا لانعرف تماما كيف كانت تقدم لعبة ( الكرج ) بدقة ، عدا انه رداء بهيئة فرس تلبسه النساء ويحاكون فيه هيئة الفرسان في حركاتهم بما يشبه المبارزة او الخوض في معركة وهمية .(1)
لن اتوقف في هذا الفصل عند هذا الفن الذي كان موجودا فعلا في الجزيرة العربية ، الى جانب فنون اخرى مشابهة كانت شائعة و جائت من بلدان تخوم الجزيره ( العراق والشام) ، لأن هذه الالعاب و الفنون لم ترتقي وتتطور الى نوع المسرح بمعناه الارسطوي ، اوشكلت رافدا ، او كانت من الجذور الحية لمسرحنا العراقي المعاصر .

ولو راجعنا القرآن الكريم ، فسنجده يخلوا من أي اشارة صريحة تحرم ممارسة التمثيل والمسرح ، وكل ما موجودا عن موقف الاسلام من التمثيل هو رواية عن الصحابه تقول ان( ... الحكم بن ابي عاص الأموي، كان يحاكي النبي (ص) ، ويشخصه في مشيته وحركاته.. فالتفت اليه الرسول (ص) مرة فرآه ولعنه ونفاه الى الطائف ، ولعنة الرسول (ص) لاتطلق الا على من أتى كبيرة، وقد تنازل الرسول (ص) عن حقه في هدر دم هذا الاموي واكتفى بأبعاده ..) (2)

لقد اعتبر الرسول (ص) ان محاكاة الحكم بن عاص له ، هو نوع من الاغتياب الموجه لشخصه ، لاسيما في المحافل وامام الناس ، ( فاذا كان الاغتياب باللسان فاحشة في الاسلام ، فكيف به في الصورة والكلام والأيمائة والحركة...؟ ، التي من شأنها في حالة التقليد الساخر لسلوك الرسول (ص) هذا ، وبالشكل الذي ورد ، ان لايكون الغرض منه غير السخرية والضحك والنيل من مقامه الجليل .)( نفس المصدر )

عدا هذه الرواية الموثوقة في ذم تشخيص الاخر واللعنة الواردة على لسان النبي (ص) لاتوجد روايات اخرى، الا ان السلفيون في القرن الماضي بنوا على تحريم التشخيص والتمثيل بشكل مبالغ فيه على اساس هذه الحادثة ، وكتب احد الفقهاء من السلفيين رسالة في تحريم التمثيل اورد فيها اكثر من اربعين حجة وحجة تحرم ممارسته قطعيا ، وكلها اجتهادية ضعيفة لم تصمد عمليا في الحياة . (3)

وقد ظهرت هذه الرسالة المتشددة المسمات ( اقامة الدليل على حرمة التمثيل ) التي طواها النسيان اليوم ، وعدد اخر من الفتاوي التحريمية المماثلة اقل شهرة ، بعد أن دخل المسرح مع الحداثة بقوة الى البلدان العربية من الغرب ، واخذ يتوطد كأمر واقع في ثقافة المجتمع العربي الحديث منذ منتصف القرن التاسع عشر ، علما بانه لم يتوقف المسلمون الاوائل في زمن الرسول كثيرا عند التمثيل والتشخيص ، الا ماتعلق بشعائر وطقوس الاديان الوثنية القديمة والتعمد في السخرية الآخر .

ان المسلمين العرب في زمن الفتوحات لم يشاهدوا ، او انهم عرفواالمسرح التراجيدي اليوناني او الروماني الذي كان محضورا ممارسته في امبراطورية بيزنطية المسيحية الورعة في زمن يسبق ظهور الاسلام بفترة طويلة ، ولم يتعرف المسلمون على اخباره الا بعد زمن ،أي في الفترة التي انتعشت فيها ترجمة التراث اليوناني الى العربية ، وواجهتهم معظلة ، عندما ترجموا كتاب الشعر لارسطو ، فقد احاطت ترجمتهم لكلمتي التراجيديا والكوميديا كما هو معروف الالتباس الشهير ، في انهم كانوا يجهلون معنى المصطلحين ولم تكن لديهم اية فكرة مسبقة عن المسرح اليوناني ، فترجموها اينما وردت الى مايقابلهما خطاء باللغة العربية على انهما من اغراض الشعر ، فترجموا كلمة التراجيديا الى معنى ( المديح) وكلمة الكوميديا الى معنى ( الهجاء ) المعروفتين في تصنيف الشعر العربي منذ الجاهلية ، فلا غرابة ان يخلو القرآن الكريم من أية اشارة الى فن المسرح الذي توقفت ومنعت المسيحية ممارسته .

الا انه كانت هناك في فترة ظهور الاسلام فنون الشارع الشعبية الغير دينية التي كانت معروفة ومزدهرة في القرون الوسطى و الموجودة بقوة في العراق والشام ومصر ، و بقيت كما هو حال فنون الشارع في كل مكان وزمان ،خارجة عن السيطرة المحكمة للدولة ، معبرة عن ضمير وتطلعات عوام الناس من الذين ليس لهم صوت ، وظلت منتعشة فيما بعد ، رغم التحريم و القمع ومطاردة ومحاربة العاملين في مضمارها أن كان ( قبل الاسلام ، او بعد انتشاره) وقد اعتبرها الاسلام من الممارسات المنحلة التي لاتتفق مع القيم الاجتماعية الاسلامية ، وضيق عليها كثيرا في حملات الارشاد الاسلامي ( الامر بالمعروف والنهي عن المنكر )

فالمعارضة الشعبية على مر العصور ، كانت مستفيدة كثيرا من اشكال هذه الفنون في التقنع بها لتوجيه نقدها وعدم رضاها على الاوضاع العامة ، والكثير من هذه الفنون ينتمي الى فنون التسلية وفن المسرح الجوال التي يغلب عليه التهريج والهزل والغمز واللمز النقدي ، وامتداده فيما بعد شكل فن ( الاخباري) الذي استمر في العراق حتى الخمسينات من القرن الماضي ، وايضا مسرح ( الكدية ) ان (جاز لنا ان نسميه مسرحا) ، وفن (خيال الظل) الذي أختلف على بداياته لحد الان ، هل جائنا مع الاحتلال التتري لبغداد ، ام هو فن قديم اصيل ، عرفه السكان الجبليون الرعاة في وادي الرافدين منذ عصور غارقة في القدم .

ان فتاوي التحريم المطلق التي اطلقت من قبل السلفيون على المسرح والتمثيل في القرن الماضي لم تصمد عمليا ، لان هذه الفتاوي كان يعوزها الاسناد القوي، لاسيما ان القرآن يخلوا من الاشارة الى هذا التحريم ، وأتصفت هذه الفتاوي بالمغالات والتطرف حتى شملت كل النشاط الابداعي الجمالي للانسان في القرن العشرين ، على الرغم من ان الدارسين في الشأن الاسلامي ، ان كانوا من العرب والاجانب اجمعوا بأن الاسلام لم يحرم الفن على وجه الاطلاق ، ولااعترض على ممارسة المسرح تحديدا، لكنه حرم بوضوح كل مايتعلق بتمجيد الاشخاص الى حد العبادة.

وقد تبلورموقفان أتخذته الحركة الاسلامية السلفية تجاه المسرح ، اولهما التحريم بالموضوع ، و الثاني التحريم بالذات . (4)

فالتحريم بالموضوع يعني ( ان التمثيل مباح وان حكمه حكم موضوعه) فأن كان موضوعه شائنا كتشخيص الانبياء والرسل وبعض الصحابة ونحو ذلك ، فهو ممنوع ، وما عداه مباح ) ودعاة هذا الموقف هم السلفيين الاصلاحيين بعد ان فرضت ، الفنون البصرية والسمعية نفسها (المسرح والاذاعة والسينما والتلفزيون ) كأمر واقع لايمكن تجاهله ، وتحول الى حاجة اجتماعية حديثة ، واحتكرت الدولة وسائل الاتصال الخطيرة هذه ، او بعض الجهات التي تمتلكها ، واصبحت حاسمة في تشكيل الوعي الجمعي .

وتغيرموقف السلفيين اليوم من التحريم المطلق للتمثيل ، وانتقلوا الى استغلال هذه الوسائل الحديثة للاستفادة منها دعويا .

اما موقف التحريم بالذات ، فهم موقف قلة من المتزمتين السلفيين منه ، من الذين يحرمون التمثيل على وجه الاطلاق ويعتبرونه من اعظم المحرمات و من اكبر الكبائر ، ويدعون بأن اصول الشريعة ناطقة بتحريمه لذا ته بغض النظر عن موضوعاته لما يحفه ويقترن به من مساويء . (5)

وقد تطور اليوم موقف الدين الاسلامي من الفنون عموما تطورا كبيرا عما كان عليه في بدايانه ، حتى موقفه من النحت ورسم الانسان طرأ عليه تغير كبير ، فما كان يخشى في اسباب المنع من الردة والعودة لعبادة الاوثان ، ماعاد مبررا بعد ان جرى تجاوز هذه المرحلة بقرون ، ترسخ خلالها اركان الاسلام ، وماعادت هناك أثر للوثنية القديمه ليعود اليها الناس ، وفقدت مقولات التحريم التي استعرضناها فاعليتها ، وهي من المقولات التي مضى زمنها ، والأيقاع السريع للتقدم في القرن الواحد والعشرين ، حتم على الجميع الركض للأمام ، والتجديد المتواصل للحاق بالمستقبل .

واذا ما تناولنا موقف اتباع المذهب الشيعي من التشخيص فهو متقدم نسبيا عن موقف اهل السنه ، مستفيدين الى اقصى حد من فسحة الاجتهاد في الدين التي يوفرها المذهب ، فلم يكن متزمتا منه كما هو الحال عند سلفيي السنة، فالمرجعيات الشيعية في ايران ابتداءا من القرن السابع عشر ، قويت عندها النزعة القومية والميل لتأكيد واعادة بلورة الذات الفارسية والتي ظهرت بصورة العودة الى نبش التراث في الفترة الصفوية ، أثناء فترة فرضها التشيع بالقوة في ايران اولا ، وبعدها في المنطقة ، وذلك منذ تأسيس اول دولة شيعية متزمتة في ايران ، و لجأة الى أحياء بعض الطقوس الفارسية القديمة التي تعود الى ماقبل دخول الاسلام ، فيها الكثير من التشخيص الديني المقدس ، أخذ شكله الاسلامي في ( التشابيه ) التي انتقلت منها الى العراق في بدايات القرن التاسع عشر ، وهي عبارة عن خليط من الطقوس الصوفية للطائفة الباكداشية ومن شكل عروض الشارع لألام المسيح التي كانت تقام في اوربا العصور الوسطى ، وقد تحولت اليوم هذه المهرجانات ، بعد ان ترسخ عميقا في وجدان الشيعي خلال فترة قصيرة جدا نسبيا ، الى طقس ديني مهرجاني فرضه العوام على المرجعيات كأمر واقع ، وقد ازدادت رقعته بمرور الاعوام ، واليوم يؤدي الشيعة بورع وحرارة هذه الطقوس سنويا في الايام العشرة الاولى من عاشورا . (6)

وكما هو الحال في البلدان العربية عندما انتقل اليها المسرح في اواسط القرن التاسع عشر ، كانت معظم مواضيع المسرحيات الاولى التي قدمت في العراق دينية ، وكتب بعضها ادباء محليون ، مستفيدين من حوادث التاريخ العربي الاسلامي ، وسيرة بعض الصحابه( ر) (الى جانب ماكان يقدم في المدارس المسيحية واليهودية من مسرحيات دينية خاصة بهم )

وقد قدم المسرح التربوي المدرسي في العراق ، والفرق المسرحية التي تشكلت ، الكثير من شاكلة هذه المسرحيات منذ وفود المسرح ، وحتى اوائل الخمسينات من القرن الماضي ، وكانت تقدم شخصية عمر ابن الخطاب وبلال الحبشي وعمار ابن ياسر و صحابة آخرين (ر) على المسرح بدون حرج ، ولم تظهر حساسيات حولها ، لاسيما بعد ان أخذ الازهر يسمح في اجازة انتاج بعض الافلام المصرية الدينية ذات الطابع الدعوي .

ان المواضيع المستمدة من التاريخ الاسلامي ، رغم كثافة ماقدم منها في المدارس العراقية ، لم تستطع ان تجذر نفسها عمليا في واقع المسرح العراقي ، او ان تحيا ، كما تجذرت وانتعشت المسرحية الاجتماعية التي تعكس هموم الناس المقهورة وتناقش مشاكلها اليومية المعاشة في الراهن ، لربما من اسباب ذلك ، المعالجات الساذجة للتاريخ الاسلامي والغير مقنعة من قبل المؤلف آنذاك وهو محاصر بأطر الرواية المقدسة الشائعة التي عليه ان لايخرج منها ، والا اتهم بالكفر والمروق ، فأنتفى المؤلف المبدع الناقد ، وتحول الى ناقل مؤرشف حرفي للماضي بهالته المقدسة كما هو عليه .

وحاول بعض الفنانين المسرحيين ( هاشم الطبقجلي وزكي السامرائي وابراهيم شاكر وعباس العبيدي واخرين ) في الاربعينات تأسيس فرقة مسرحية اسلامية خالصة، ( الجمعية الفنية للتمثيل والسينما ) تعففت في عروضها ان تقدم في الملاهي والكباريهات ، وان تنحصر مواضيع مسرحياتها وتستمد من التاريخ والدين الاسلامي فقط، وكتب مسرحيات هذه الجمعية ( عبد الجبارشوكت النجار وعباس العبيدي ) وقد قدمت الجمعية نشاطاتها خلال حياتها القصيرة في المدارس ، ومن مسرحياتها ( رسول النبي الى هرقل ) و( الحجاج والفتية الثلاثة ) و( شهداء الوطنية ) و( يوم الجلاء في سوريا ) و( نهاية مجرم).

فشل مشروع انشاء مسرح ديني اسلامي خالص في العراق ، وفشلت محاولات اخرى ايضا جرت في البلدان العربية ، للاسباب التالية :-

1- كان اصل المسرح هوالمعبد ، خرج المسرح من المعبد الى اعتابه اولا ، ثم أنفصل عنه فيما بعد نهائيا عندما قفز الى حلبة المسرح اليوناني ، ...ان مسيرة انفصال المسرح عن المعبد تحكي ايضا مسيرة تطور العقل البشري وانتقاله من المرحلة الطفولية الايمانية المطلقة بالخرافة والاسطورة ، الى مرحلة العقل المادي الجدلي الناقد ، فالمسرح بهذه الحالة قد تجاوز ديالكتيكيا منذ ذلك اليوم ، وطلق الى غير اللا عودة باحة وقدسية المعبد ، واصبحت اليوم همومه ارضية وانسانية بالكامل ، ان أي محاولة لاعادة المسرح ، الابن الضال الى اغلال الدين والمقدس، حيث كانت نشأ ته الاولى والعودة الى ما كان عليه العقل في بداياته ، هي محاولة رجعية الطابع غير منطقية مكتوب عليها الفشل ، و قراءة خاطئة للتاريخ والتطور والعصر الذي نعيشه ،
2- عدم قدرة معظم كتاب المسرح المحليين لحد الان في استلهام التاريخ الاسلامي والقومي في الماضي ، والتعامل معها كمواضيع حية منتقاة ، تصلح للمسرح وتصلح للعصر الذي نعيشه، بعيدا عن المقدس الذي يحد من حرية التناول ، ويمسخ حتى الوجه الحقيقي المشرق للاسلام في ذلك التاريخ الذي كتب معظمه في القرون الوسطى ومن وجهة نظر ذلك العصر المتوحش ، موجهه لناس وعقول ذلك الزمان ، والتي يعوزها اليوم الكثير من التبرير والاقناع العصري.

وقد طفت اليوم على سطح الساحة الفنية في العراق ، نفر قليل من النكرة ، التي يبدو انهم جهلة في تاريخ مسرحنا و تقاليده العريقة، وارتفعت اصواتها التي تماشي ، وتتناغم مع الوضع السياسي الغير طبيعي الذي يمر به الوطن ، وتستغل فرصة الجو السياسي الطائفي الخانق الذي يعيشه المجتمع اليوم ، لفبركة وتلفيق مااطلقت عليه نظرية ( اسلمة المسرح العراقي ) (7) الذي يريدونه مسرحا بديلا .

المثير للسخرية والالم في النفس ، ليست هي في سذاجة وسطحية طرح افكارهم ، وانما في حجم الكارثة المقبلة التي يهيئون لها لتحل بالمسرح العراقي الذي لم يبراء من آثار جراحه الى اليوم ، انهم يسيرون دون الدراية والاتعاض بدروس التاريخ القريب ، على نفس نهج صدام حسين في مجال الثقافة عندما سبق وان فرض التبعيث على العراق ، وأطر بها بشكل خانق المسرح والثقافة العراقية ، في محاولة منه للقضاء على التقاليد الانسانية الخيرة الخاصة بالمسرح العراقي ، التي بقيت عصية عليه ،

وفي المانيا الهتلرية مازالت في الذاكرة وما فعلته النازيه من جرائم في عملية تأطير الثقافة والمسرح الالماني بالاطار النازي ،... سرعان ما مات هتلر ، وعاش ويعيش الى اليوم توماس مان و برشت الذين احرقت كتبهما في شوارع برلين ، زال ايضا صدام ، وزال معه الى غير رجعة ، المسرح المسخ الذي كان اراده بديلا لاصل ومعدن مسرحنا الذي بقي يانعا حيا ، رغم الحيف العظيم الذي احاق به .

فالاسلمة كمعنى وجه اخر للتبعيث ، والاسلمة بمعناها المعروف ، هي الخضوع للدين الاسلامي وحده ، ولا عودة او ردة عن هذا الدين في الاسلام ، والمسرح والابداع المسرحي الحقيقي بطبيعته هو الحرية كلها، ونقيض لكل اطار شمولي منذ ان انفصل عن المعبد ، لايتمسك الا بالفضاء الواسع للتعبير، وقضية الانسان المجرد ، المسرح هو الحياة بكل مدياتها والوانها وتناقضاتها .

الحذارمن محاولة تكبيل الحرية (المسرح) مجددا باطر الدين والمعتقد وما الى ذلك من مبررات تبدو حقة ولكن يراد بها باطل والتي من ورائها تكمن اغراض سياسية آنية غير خافية ، هي العودة مرة اخرى لتأطير المجتمع كفطيع ، والتاريخ عندما يكرر نفسه ، فلن يكون التكرار هذه المرة الا على شكل مسخره ، فالتاريخ لايرحم ، ولن يصح في النهاية الا الصحيح ..

 


1- راجع ( فن التمثيل عند العرب ) لمحمد حسين الاعرجي – دار المدى – الكتاب للجميع – (ص/12-22 ) حيث يفصل في شرح فن ( الكرج).
2- من الحجج في تحريم التمثيل كما جائت في رسالة ( اقامة الدليل على حرمة التمثيل ) للفقيه الازهري المغربي احمد بن الصديق التي كتبها في منتصف القرن الماضي ( 1953) ، والتي تعتبر تقريبا الرسالة الاسلامية الوحيدة المطبوعة التي تتناول تحريم التمثيل شرعا بالمطلق، اذ يعتبر بدءا ان المسرح من البدع المحدثة وحكمها معروف في النهي عنها ويصفها(( هذه البدع التي لو نطقت هي نفسها لشهدت بانها شر بدعة على وجه الارض)) وعن كونها بدعة شريرة ، فهو مما ابتدعه الكفار (( فمنكر التمثيل ابتلى به المسلمون بسبب الاستعمار الافرنجي ، والتشبه بالكفار محرم في دين الاسلام كما هو معروف)) (( ليس منا من تشبه بغيرنا )) ويورد حجة اخرى معتبرا فيها ان التمثيل من اللهو الباطل واللعب المذموم شرعا وعقلا (( حيث ان الممثلين انفسهم منساقين الى تقمص ادوارا تحط من انسانيتهم، فيصبحون قردة وخنازير ... الخ (( فتارة يجعل الممثل نفسه حمارا يمشي على الاربعة.. وتارة يجعل نفسه أمرأة حاملا ذات بطن منتفخ ثم يجلس للولادة.. وقد يجعل من نفسه مجنونا او سكران ، وقد يفعل بحواجبه ومناخيره ولسانه وشفايفه حركات شائنة مشوهة الخلقة ، ومن هنا فان المسرح يدخل في باب العبث والاشتغال بما لايعني.. واذا كان العبث المطلق شر ، فكيف بهذا العبث المحفوف بالجرائم والمبني على انواع الموبقات والجرائم)) ويواصل بان التمثيل يأتي (( من قلة الحياء والاخلال بالمروءة بمعنى ان التمثيل مزيل للحياء ودال على فقدان الايمان وذهاب الدبن )) ويورد ايضا وهو يعدد أسباب التحريم (( ممارسة المسرح من ضياع الوقت ، وهذا امر منهي عنه خاصة وان معظم حفلاته لاتقام الا بعد العشاء الى منتصف الليل وقد نهى الشرع عن السمر بعد العشاء الا لحاجة دينية او دنيوة مباحة)) وايضا (( المسرح وسيلة لتبذير المال واضاعته في الباطل وان التمثيل يستدعي الملابس المتعددة والآلات المختلفة مما ينفق فيه الكثير من المال على غير وجه حق ، كما انه يشجع المتفرجين على اهدار اموالهم بلا طائل وذلك محرم شرعا)) ويقول ايضا (( ان من اصول المسرح التي يتركب منها وضع شعر مستعار على الرأس والذقن وتلويت الوجه بالماكياج وسواه وهو حرام ملعون فاعله شرعا ..)) وبعد ان يورد خبر محاكاة الحكم بن العاص للرسول ( ص) ، يتابع موضوع حرمة محاكاة وتقليدالموتى من المسلمين ، فيقول (( .. انه حرام وفيه اذى وتتبع لعورات الاوائل وقد امرنا بالثناء على الموتى والكف عن مساوئهم ، وقد يمثلون احيانا علماء الدين الاسلامي بقفاطينهم وعمائمهم ويلصقون بوجوههم اللحي المصطنعة على هيئة منكرة مزرية ويقلدونهم في كلامهم ونطقهم والحاضرون يضحكون وفيهم اليهودي والنصارى فيسرون بذلك غاية السرورفي حين انهم يجب ان يجلون اخبارهم غاية الاجلال ، فيكون المقصود بذلك التمثيل هو اهانة العلم والدين والتاريخ المجيد الذي ينتمي اليه هؤلاء الاشخاص وذلك ( كفر باجماع العلماء) وقد يمثلون الاولياء الصالحين والانبياء كموسى وعيسى ويوسف عليهم السلام وفي ذلك ( منكر كبير) ...)) ويورد ايضا من اسباب التحريم مايأتي على لسان الممثل من كذب وزور واحيانا يحلفون بالبهتان على المسرح بحجة التشخيص (( وهو محرم في جميع الملل والاديان، واذا كان انه تعالى يبغض البياع الحلاف فكيف بمن يحلف على الكذب الباطل لالنفعة او شبهة ، وقد يشجعهم التمثيل على الردة والكفر فيمثل الواحد منهم دور الملك الكافر فيلبس لباسه ويجعل نفسه هو الكافر وقد يجعل نفسه راهبا او قسيسا او كافرا مسيحيا او يهوديا او مجوسيا( وذلك كفر باتفاق ) لان الرضا بالكفر كفر كما ورد في النص بذلك )) وتواصل الرسالة بتفصيل ابواب تحريماتها (( ومن اصول المسرح ان يتشبه الذكور من الممثلين احيانا بالنساء عندما لايتوفر منهن في الكلام والحركات والتخنث حتى كأنه أمرأة( وذك حرام وملعون فاعله ) اما اذا توفرت المرأةالممثلة مع الرجال فذلك ( اشد حرمة واحطر فحشا لما يترتب عليه من مفاسد الاحتلاط الهدامة للدين والقاضية على الاخلاق كظهورهن للعموم مكشوفات الصدر والذراعين والابطين والساقين والفخذين بل وسائر اجسامهن لانهن يلبسن الملابس الرقاق الشفافة المظهرة لما تحتهل مع زيادة في التحسين والتجميل ، وقد تنفرد الواحدة منهن بالممثل في بعض الاماكن بأعتبارها زوجة له في الرواية ( وهي فاجرة اجنبية عنه) وقد يلمسها ويضمها الى صدره ويقبلها باعتبارها عشيقة له وهو (من الفواحش المنكرات والجرائم الموبقات باتفاق اهل الديانات) والادهى من ذلك انهم يفعلون ذلك بهن امام المتفرجة من النساء والرجال وذلك ( منتهى السفالة والرذالة ) وما يتبع ذلك من تعليم الشباب من الذكور والاناث الفجور وطرق الاحتيال والمغازلة وكيفية ذلك مفصلة , )) وينهي كاتب رسالة التحريم بهذه الجملة (( .... وكفى بذلك دليلا على حرمة التمثيل بل ليس هناك باطل على وجه الارض ابطل من التمثيل ))
3 - الاسلام والمسرح ... اقامة الدليل على حرمة التمثيل – حسن بحراوي- موقع مسرحيون الاللكتروني -16/2/2004
4- الاسلام والمسرح – حسن بحراوي – موقع ( مسرحيون ) الالكتروني .
5- نفس المصدرالسابق
6- راجع الفصل الرابع والعشرون من( فصول من تاريخ المسرح العراقي ) - كربلاء وتشابيه المقتل في عاشورا - لطيف حسن - موقع ( مسرحيون) الالكتروني.
7- التشابيه الحسينية ... الشبهات ... ونظرية (( اسلمة الفن ))- عدي المختار - ( اقلام - شبكة اقلام ثقافية - ) موقع الكتروني 16/2/200