|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  5  / 2 / 2026                                 فاروق الرماحي                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

هل المالكي هو العقدة أم الحل؟

فاروق الرماحي
(موقع الناس)

منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، دخل العراق في مرحلة سياسية معقدة، أعادت رسم خرائط السلطة والانتماء، وأعادت كذلك إنتاج صور نمطية عن العراق في المخيال العربي . وفي قلب هذا المشهد، برز اسم نوري المالكي بوصفه أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل ، رجلٌ يراه أنصاره صمام أمان للدولة، فيما يراه خصومه عقدة المشهد العراقي ومصدر أزماته .

تسلّم المالكي رئاسة الحكومة عام 2006 بعد إبراهيم الجعفري، الذي أُسقط ترشيحه بضغوط كردية، قادها مسعود البارزاني، في لحظة سياسية شديدة الحساسية، كانت البلاد فيها على حافة حرب أهلية مفتوحة .

جاء المالكي إلى السلطة بوصفه أحد صقور الشيعة، ممثلاً لتيارٍ يرى أن زمن الإقصاء قد انتهى، وأن السلطة يجب أن تُعاد صياغتها على أساس نتائج ما بعد 2003.

لكن لحظة إعدام صدام حسين شكّلت نقطة التحول الأكبر في صورة المالكي عربيًاً .

فالرجل أصرّ على تسلّم صدام من القوات الأميركية وتنفيذ حكم الإعدام، رافضًا فكرة تسليمه لمحكمة دولية أو تأجيل تنفيذ الحكم ، بعد محاكمة استمرّت ثلاث سنوات تقريباً .

وجاء التنفيذ مصادفًا لأول أيام عيد الأضحى، وهو ما حمّله دلالات رمزية قاسية في المخيال السني العربي . فبدلاً من أن يُقرأ الحدث بوصفه نهاية دكتاتور دمّر العراق والمنطقة، جرى تأويله على أنه رسالة طائفية، لا سياسية ولا قانونية .

هنا بدأ التحول في النظرة العربية إلى العراق الجديد .

فالدول الخليجية التي أنفقت مليارات الدولارات لدعم نظام صدام طوال سنوات الحرب العراقية الإيرانية، وجدت نفسها أمام عراق جديد، تقوده قوى سياسية شيعية.

وبدل أن تتعامل مع هذا الواقع باعتباره تحوّلًا تاريخيًا يجب احتواؤه، اختارت اغلب العواصم العربية خوض حرب باردة ، وأحيانًا ساخنة ، ضد النظام الجديد، تحت عناوين طائفية وشعارات حماية السنّة .

لكن المفارقة أن هذه الحرب لم تحمِ سنّة العراق، بل حولتهم إلى وقود لصراع إقليمي .

فبدل الاستثمار في الاستقرار العراقي، ضُخت الأموال والسلاح والخطاب الطائفي، لتفجير الوضع الداخلي . وهكذا تحوّل العراق إلى ساحة تصفية حسابات، لا إلى دولة يُراد لها أن تستعيد عافيتها ، بل تكالبت كل دول الإقليم لأفشال التجربة الديمقراطية الوليدة ، ولكل دولة أجنداتها ، بل الكل تأمر على العراق دون استثناء .

في هذا السياق، صار المالكي رمزًا لكل ما يخشاه النظام العربي التقليدي والخليجي خصوصاً .

حاكم شيعي، جاء عبر انتخابات، ويقود دولة خرجت من عباءة الأنظمة القومية العسكرية، وتبحث عن توازن جديد في المنطقة .

ولهذا لم يُنظر إليه بوصفه رئيس حكومة عراقية فقط، بل بوصفه تعبيرًا عن تحوّل استراتيجي يهدد التوازنات القديمة .

لكن في الداخل العراقي، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا .

فالمالكي ليس مجرد ضحية لمؤامرات خارجية، كما أنه ليس وحده مسؤولًا عن كل ما جرى . فقد ارتبط اسمه بملفات ثقيلة مركزية السلطة، تدهور العلاقة مع المكونات الأخرى، تفكك المؤسسة الأمنية، وسقطت الموصل عام 2014 في سياق تداخلت فيه أجندات إقليمية، وتمّ تنفيذه عبر أدوات عراقية وتنظيمٍ إرهابي شرس، في مشهدٍ يشبه إلى حدّ بعيد السيناريو الذي تكرّر لاحقًا في سوريا، حين استُخدمت الفوضى المسلحة لإسقاط نظام بشار الأسد. وهي أحداث جعلت كثيرين يرونه جزءًا من المشكلة، لا مفتاحًا للحل .

وهنا يبرز السؤال الحقيقي : هل المالكي هو العقدة، أم أن العقدة أعمق من شخصه؟

فالأزمة العراقية ليست أزمة رجل، بل أزمة نظام سياسي وُلد تحت الاحتلال، ونشأ في بيئة طائفية وإقليمية مشحونة . نظام لم تُمنح له فرصة الاستقرار، ولم تُمنح له النخب السياسية فرصة بناء مشروع وطني جامع . في هذا المناخ، تحوّل كل زعيم إلى رمز طائفي في نظر الآخرين، وكل قرار سياسي إلى معركة هوية .

النظرة العربية إلى العراق، في جزء كبير منها، ما زالت أسيرة صورة ما قبل 2003.

عراقٌ قوي بجيش سنيّ الهوية السياسية، يشكّل توازنًا في وجه إيران. أما العراق الجديد، بتعدديته وتعقيداته، فلم يُفهم بعد في كثير من العواصم العربية، بل جرى اختزاله في صورة “حكم شيعي موالٍ لطهران ، وهي صورة تبسيطية لا تعكس حقيقة المجتمع العراقي ولا تاريخه.

فالأغلبية السكانية هي شيعية لكن منذ تأسيس الدولة العراقية في 1921 لغاية سقوط نظام صدام كان الحكم سنياً .

لهذا، فإن السؤال عن المالكي هو في جوهره سؤال عن العراق نفسه

هل المشكلة في شخصٍ بعينه، أم في الطريقة التي يرى بها العرب هذا البلد، وفي الطريقة التي يدير بها العراقيون خلافاتهم؟

ربما كان المالكي عقدةً في لحظة ما، وحلًا في لحظة أخرى.

لكن المؤكد أن العراق أكبر من أي رجل، وأعمق من أي صراع طائفي، وأن خلاصه لن يأتي عبر إسقاط اسم واستبداله بآخر، بل عبر مشروع وطني يعيد تعريف الدولة خارج منطق الغنيمة والهوية المغلقة .

فالعقدة الحقيقية ليست المالكي وحده، بل في تلك النظرة التي ما زالت ترى العراق ساحةً للصراع، لا دولةً تبحث عن خلاصها.

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter