|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  8  / 2 / 2026                                 فاروق الرماحي                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

القمر الذي صار وجهاً للزعيم

فاروق الرماحي
(موقع الناس)

في الأزقة الضيقة، حيث تتكئ البيوت الطينية على بعضها كأنها تتعاضد كي لا تسقط، كان الفقراء يحلمون بأشياء صغيرة…

برغيفٍ يكفي، بمدرسةٍ لا تُغلق أبوابها بوجه أطفالهم، وبحياةٍ لا يُسأل فيها الإنسان عن اسمه أو طائفته أو منطقته.



كانوا يعيشون على هامش الوطن، كأن العراق بيتٌ كبير، لكن مفاتيحه ليست في أيديهم.

القصور هناك، والنفوذ هناك، والقرارات هناك… أما هم، فكانوا مجرد ظلالٍ على جدران المدن.


حتى جاء صباح الرابع عشر من تموز 1958.


في ذلك الصباح، لم يفهموا كل ما جرى في السياسة، ولا تفاصيل البيان الأول، لكنهم فهموا شيئاً واحداً:

أن رجلاً خرج من بينهم، لا من القصور، بل من الأزقة نفسها، صار يقف على رأس الدولة.


كان اسمه عبد الكريم قاسم.


رأوه يزور الفقراء، يفتح أبواب الدولة لهم، يتحدث بلهجتهم، ويبتسم لأطفالهم.

صار اسمه يتردد في البيوت، في المقاهي، في طوابير الخبز، وفي أحاديث الأمهات قبل النوم.


قالوا:

هذا الرجل يشبهنا.

هذا الرجل لا يخاف منا.

هذا الرجل لا يحتقرنا.


ولأول مرة، شعر المهمّشون أن الجمهورية ليست كلمة في الإذاعة، بل خبزاً في أيديهم، ومدرسةً لأطفالهم، وكرامةً تمشي على قدمين.


لكن الحلم، كما يأتي فجأة، يمكن أن يُذبح فجأة.


في صباح الثامن من شباط 1963، لم يفهموا أيضاً كل ما جرى.

لكنهم فهموا أن صوتاً جديداً خرج من الإذاعة، وأن الرصاص كان أسرع من الأحلام.


وفي الاستوديو ذاته، حيث كان صوت الجمهورية يُبثّ،

سقط الزعيم ورفاقه مضرجين بدمائهم.


في تلك اللحظة، لم يسقط رجلٌ فقط…

سقطت الجمهورية التي حلم بها الفقراء.

ومنذ ذلك اليوم، بقي الاسم فقط:

“الجمهورية العراقية”

أما روحها، فقد غادرت مع الدم الذي التصق بجدران الاستوديو.


في الليالي التالية، خرج الناس إلى السطوح.

لم يكن لديهم ما يفعلونه…

لا سلاح، ولا صوت، ولا وطن يشبههم.


رفعوا رؤوسهم إلى السماء، وقال بعضهم:

“انظروا… وجه الزعيم على القمر.”


لم يكن القمر قد تغيّر،

لكن قلوبهم كانت تبحث عن شيءٍ لا يُقتل بالرصاص.


ومنذ ذلك الوقت، صار القمر ملاذ الفقراء.

كلما ضاق بهم الوطن، نظروا إليه.

كلما اشتد الظلم، تذكّروا وجه الرجل الذي أحبهم.


واليوم، بعد ثلاثةٍ وستين عاماً،

لم يعد أحد يبحث في القمر عن ملامح الزعيم…


بل صار القمر نفسه

وجهاً للزعيم.


وجهاً يتدلى فوق المدن المنهكة،

يطل على الأزقة القديمة،

ويهمس للفقراء


كان هنا حلمٌ…

وكان هنا وطنٌ يشبهكم.


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter